Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
الشروع، فيستلزم جفاف القلم عن هذه مداره قبل استعمال هذا اللفظ مما استأثرت
به الفصاحة النبوية، ولم يهتدِ إليها أحد من البلغاء.
والمعنى: إن كل ما كان ويكون قد قدر في الأزل، فلا فائدة في الاختصاص
(فَاخْتَصِ) بحذف الياء (عَلَى ذَلِكَ) أي: حال كونك جاريًا على ما عرفته أن القلم
جفَّ بما أنت لاقٍ، فيكون حالك مخالفًا لحال المؤمنين (أَوْ ذَرْ) أي: اترك الاختصاص،
واذعن وسلم لقضاء الله تعالى، فـ((أو)) للتخيير المتضمن للتوبيخ والتهديد على
استئذانه في قطع هذا العضو النفيس من غير موجب، ويصح كونها بمعنى بل،
((فاختصٍ)) للتهديد نحو: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].
وروي ((فاختصر)) بالراء كما في أكثر نسخ ((المصابيح)) وليست تصحيفًا؛ إذ أصل
الاختصار تقليل اللفظ وتكثير المعنى فإذا لمعنى، اعلم قد سبق علم الله تعالى بجميع
ما يصدر عنك ويأتيك، فاقتصر على هذه الجملة المختصرة أو ذر هذا الكلام ولا تخض
فيه، فـ((أو)) للتسوية واقتصر متضمن معنى اقتصر.
والحاصل: إن الاختصار على الخوض في التقدير والتسليم له، والإعراض عنه
وتركه سواء، فإن ما قدر لك لا بد من ملاقاته، وما لم يقدر لك فلا حيلة لك إلى جلبه
أو للتهديد؛ أي: اقتصر على ما ذكرته، وارضَ بقضاء الله، أو ذر ما ذكرته وامضٍ
لشأنك واختص.
٨٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِّ:
((إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنٍ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ
يَشَاءُ)». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ))(١).
رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهُ: إِنَّ
(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٤)، وأحمد (٦٥٦٩)، والدار قطني في الصفات (٢٩)، وابن أبي عاصم في السنة
(٢٢٢).

٤٤٧
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
قُلُوبٍ بَنِي آدَم كُلَّهَا بَيْن إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَن كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفهُ) تحقيق أوجه
الشبه (كَيْف يَشَاءُ) حال بتأويله ھنیًّا سهلاً سريعًا لا يمنعه منه مانع، أو صفة بتأويله
تقليبًا هنيًا، كذلك ثم هذا كالنفس، والمجيء والاستواء والنزول، والضحك والتعجب
والتردد والغضب، واليد والقدم والعين والوجه، والسمع والبصر من المتشابهات الواقعة
في الكتاب والسنة التي اختلف فيها الخلف، والسلف - أي: أكثرهم - لعدم ظهور
أهل البدع في أزمنتهم يفوضون علمها إلى الله تعالى مع تنزيهه عن ظاهرها الذي لا
یلیق بجلال ذاته.
والخلف - أي: أكثرهم أيضًا - يأولونها بحملها على محامل تليق بذلك الجلال
الأقدس والكمال الأنفس لاضطرارهم إلى ذلك؛ لكثرة أهل الزيغ والبدع في أزمنتهم.
ومن ثم قال إمام الحرمين: لو بقي الناس على ما كانوا عليه لم يأمن بالاشتغال
بعلم الكلام، وأمَّا الآن فلا سبيل إلى ترك أمواج الفتن تلتطم.
وأصل هذا اختلافهم في الوقف في ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَةُ إِلَّا اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي
العِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] فالأكثرون على الوقف على الجلالة، والأقلون على الوقف على
العلم، ومن أجلهم ابن عباس - رضي الله عنهما - فكان يقف عليه، ويقول حملاً
للناس على سؤاله والأخذ عنه: ((أنا من الراسخين في العلم)).
على أنه يمكن رفع الخلاف بأن المتشابه على قسمين ما لا يقل تأويلاً قريبًا
فهذا محل الوقف الأول، وما يقبله فهو مجمل الوقف الباقي، ومن ثم اختار بعض
المحققين قبول التأويل إن قرب من اللفظ واحتمله وضعًا، ورده إن بعد عنه.
والحاصل: إن السلف والخلف مولون لإجماعهم على صرف اللفظ عن ظاهره،
ولكن تأويل السلف إجمالي لتفويضهم، وتأويل الخلف تفصيلي لاضطرارهم إليه
لكثرة المبتدعين في أزمنتهم، فعليه ما هنا من باب الاستعارة التخييلية، شبه تصرفه
تعالى في قلوب عباده كيف يشاء لا يمتنع منها شيء، ولا يفوته منها ما أراد كما يقال:
فلان في قبضتي؛ أي: في كفي، لا يراد به أنه حال في كفه بل أنه تحت قدرته، وفلان

٤٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
بين إصبعي؛ أي: هين عليَّ قهره والتصرف فيه بمن بين إصبعيه عين محسوسة يقلبها
كيف يشاء ويتصرف فيها بما يريد، وكما أن إطلاق اليد على القدرة سائغ؛ لأنها
مصدرها، فاستعملوها فيها إرادة للمبالغة في مزاولة العمل كذلك استعمالهم الإصبع،
فيما يدق عمله ويحسن صنعه فيقولون: إن له فيها إصبعًا؛ لأن الأصابع منشأ الحذق
في الصناعة، واللطف فيها كالكتابة والصياغة.
ووجه مناسبة هذه الاستعارة لما سيق له الحديث إن راعيني الخير والشر
مصدرهما القلوب، وتقلبها بين الإيمان والطاعة، وضدهما أمر خير العقل، وليس
ذلك إلا بتصرف خالقهما وموجدهما، ووجه التشبيه تشبيه صفتي الجلال والإكرام
بهما بصفة الجلال والعدل يلهم النفس ﴿فُجُورَهَا﴾ وبصفة الإكرام يلهمها
﴿ وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] فهو يقلبها تارة من فجورها لتقواها، وتارة من تقواها
لفجورها، وفي إسناد هذا التصريف والتقلب إليه تعالى في الحديث إشعار بأنه تعالى هو
المتولي بنفسه أمر القلوب، ولم يكله إلى أحد من خلقه، وخَصَّ الرحمن بالذكر إيذانًا
بأن ذلك التولي لم يكن إلا لمحض رحمته وفضل نعمته كي لا يطلع غيره على سرائرهم.
وقوله: ((كقلب واحد)) مبالغة في تحقير ذلك الاستيلاء والتصرف؛ أي: كما أن
أحدكم تتم قدرته على الشيء الواحد؛ فالله تعالى قادر على جميع الأشياء دفعة واحدة
من غير أن يشغله شأن عن شأن، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]
من باب التقرير لقولنا بالنسبة لما شاهدناه فيما بيننا أن بعض الأفعال أهون من
بعض، وأمَّا في الحقيقة فكل الأفعال بالنسبة إلى قدرة الله تعالى على السراء ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ
إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ◌َّه) مبالغة في التواضع لله والخوف منه، وإرشادًا لأمته إلى
هذا السن الأقوم (اللَّهُمّ) أي: يا الله، فالميم عوض من ياء؛ ولذا منتفٍ اجتماعهما
(مُصَرِّف الْقُلُوب) منادى عند سيبويه؛ لأن ضم الميم للجلالة منع وصفها.
وقال الزجاج: بل هو صفة؛ إذ (يا)) لا يمنع من الوصف، فبدلها كذلك.

٤٤٩
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
وأيد أبو علي الأول بأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد اللَّهُمَّ؛ لأنه
صارت لـ((حیھل)) في كونهما صارا بمنزلة صوت مضموم لاسم فلم يوصف، وعلى كلٍ
فتقدير النداء هنا أنسب بالسياق؛ لأنه تقرير لمعنى الاستعانة اللَّهُمَّ إطنابًا؛ لأنه الأليق
بمقام التذلل والدعاء.
(صَرِّفْ قُلُوبِنَا عَلَى طَاعَتك) جمعها؛ لبيان مزيد شفقته ورحمته ما منه حيث
أدرجهم في عداده، ودعا لهم كما دعا لنفسه، وتنبيهًا على أن بني آدم المذكور، قيل:
يشمل الأنبياء أيضًا بل هم أعظم الناس خوفًا وتواضعًا، وأكثرهم لجأة منه وافتقارًا.
(رَوَاهُ مُسْلِمْ).
٩٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّ يُولَدُ عَلَى
الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ
تُحِسُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ)) ثُمَّ يَقُولُ: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ
لِخَلْقِ اللّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:٣٠](١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: مَا مِنْ) مزيدة لتأكيد الاستغراق،
وجعله قطعيًّا (مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) المعهودة في الآية الآتية، وهي الإيمان؛ إذ
المراد ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلّينِ﴾ [الروم:٣٠] إلى آخره، اثبت على إيمانك القديم الواقع منك
في عالم الذريوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
ويؤيد ذلك رواية الترمذي وغيره: ((الملة))(٢) بدل الفطرة، والملة والدين ما
صدقهما واحد قال تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام:١٦١] وخبر مسلم:
((خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أنتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم))(٣).
وبهذا كله يندفع ما هنا من أقوال كثيرة متباينة كما يظهر للمتأمل؛ أي: ما أحد
(١) أخرجه البخاري (١٢٩٢)، ومسلم (٢٦٥٨)، وأبو داود (٤٧١٤).
(٢) أخرجه مسلم (٦٩٣٠)، وأحمد (١٠٥١٢).
(٣) أخرجه مسلم (٢٨٦٥)، وأحمد (١٧٥١٩)، والطبراني (٩٨٧).

٤٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
يولد على أمر من الأمور إلا على هذا الأمر الذي هو تمكن الناس من الهدى في أصل
الحيلة، والتهيؤ لقبول الدين، فلو ترك على تمكنه وتهيؤه المذكورين لاستمر على الهدى
والدين، ولم يفارقه إلى غيره؛ لأن حبه ركن في النفوس؛ فلم يقع لها عدول عنه إلا لآفة
بشرية أو تقليد للغير.
ومن ثَمَّ قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] فجعل
الهدى رأس المال الحاصل عندهم، ثم عرَّضوه للزوال ببذله في أخذهم الضلالة البعيدة
عنهم، إذا تقرر ذلك (فَأَبَوَاهُ) هما اللذان (يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) بعد أن
خُلق على الفطرة متغيره عن الدين الحق ليس إلا بسببهما غالبًا حال كونه (كَمَا) أي:
شبيهًا بما (تُنْتَجُ) بالبناء للمفعول لا غير؛ أي: تولد (الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ) أي: كاملة
البدن والأعضاء، سميت بذلك؛ لاجتماع سلامة أعضائها من نحو جذع وكي (هَلْ
تُحِسُونَ فِيهَا) أي: البهيمة، المراد بها الجنس (مِنْ جَدْعَاءَ) بالمهملة؛ أي: مقطوعة أُذن.
وخصت إشارة إلى أن تصميمهم على الكفر إنما كان بسبب صممهم عن الحق،
وهذا في موضع الحال بالتقدير المشهور؛ أي: مفعولاً فيها ذلك، وفيه نوع تأكيد؛ يعني:
كل ناظر إليها يقول ذلك لظهور سلامتها.
ويجوز في ((كما)) أن يكون صفة لمصدر محذوف؛ أي: يفعلان ذلك به بعد أن
خلق على الفطرة حال كونه شبيهًا ببهيمة جذعت بعد خلقها سليمة أو بغير أنه تغيرًا
مثل تغيرهم البهيمة السليمة؛ فالأفعال الثلاثة عليهما تنازعت ((كما)) المفيدة لتشبيه
ذلك المنقول بهذا المحسوس المعاين؛ ليتصفح به أن ظهوره بلغ في الكشف والبيان مع
هذا المحسوس المشاهد.
(ثُمَّ يَقُولُ) ظاهر السياق قرأ، فعدل منه لفظًا إشارة فيما يظهر، والله أعلم أن
اللفظ القرآني في مقام الاستدلال لا تجترئ عليه أحكام القرآن؛ لأن ذكره للاستدلال
به صارف له عن القرآنية.
ومن ثَمَّ قال أئمتنا: ما ذكر لقرينة لا يكون قرآنًا إلا بالقصد، فلا يحرم على

٤٥١
کتاب الإیمان/ باب الإيمان بالقدر
الجنب، ويبطل به الصلاة، ويحنث به من حلف لا يتكلم، وصيغة كلامه حكاية للحال
الماضية؛ ليستحضرها السامع في ذهنه حتى يصير كأنه يسمع؛ لأن قوله ولو:
(﴿فِطْرَةَ اللّهُ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾﴾ [الروم: ٣٠] معمول لـ﴿ أُقِمْ﴾ أي: استقم على
دين الإسلام حال كونه خلقة الله التي طبع الناس عليها باعتبار تمكنهم منه،
وتهیؤهم لقبوله کما مرَّ.
ويؤيد تفسير الفطرة بالخلقة قوله تعالى: (﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾) أي: باعتبار
ما من شأنه أو الغالب، فلا ينافي وقوع تبديل لأفراد، وهو خبر بمعنى النهي؛ أي: لا
تبدلوا ما طبعتم عليه بالتطبع بغيره (﴿ذَلِكَ﴾) الذي طبع الناس عليه بالاعتبار
المذكور، وهو دين الإسلام (﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾(١)) البالغ للغاية في الاعتدال والاستقامة
تكليفًا وعملاً وخلقًا. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
ويوافق ما مر في تفسير الفطرة قول حماد بن سلمة: إن المراد بها هنا قولهم:
﴿بَلَى﴾ في عالم الذر يوم ﴿أَلَسْتُ﴾ [الأعراف: ١٧٢] واستحسنه الخطابي قال: وكأنه
ذهب إلى أنه لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا، فهو مع وجود الإيمان الفطري
فيه محكوم له بحكم أبويه الكافرين. انتهى.
ووجه ذلك الشارح بما حاصله أن العالم إمَّا عالم غيب أو شهادة أو إرادة،
الأول هذا يشكل عليها معنى الحديث، فتعين الثاني؛ لأنه الذي ينبني عليه ظاهر
الشرع، ولأن الناظر للمولود نفسه لا باعتبار عالم الغيب، بل باعتبار أنه ولد على
الفطرة التي هي الاستعداد للمعرفة، وقبول الحق، والتميز بين الحق والباطل يحكم
بأنه لو تُرك على ما هو عليه، ولم يعتوره أمر خارج يصده عمَّا ذكر من نحو تقليد وأمر
محسوس، وانهماك في شهوة استمر على ما كان عليه من الفطرة السليمة، وإنما الصادر
له عن ذلك تلك العوائق.
(١) الروم: ٣٠.

٤٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
تنبيه: لا يرد على ما تقرر ما صح في الحديث أن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم
طبع كافرًا حتى خشي على أبويه منه ﴿أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠] كما في
الآية؛ لأن الخضر العقليه نظر إلى عالم الغيب، وهو ما قدر في الأزل («هذه للجنة ولا أبالي
وهذه للنار ولا أبالي)»(١) وما في هذا الحديث النظر فيه إلى عالم الشهادة الذي مداره على
ظاهر الشرع كما تقرر، وهو الذي نظر إليه موسى في اعتراضه على الخضر حين قتله،
ولذلك لما اعتذر الخضر بالعلم الخفي الذي هو عالم الغيب أمسك موسى القشيئا.
٩١ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَامَ فِيْنَا رَسُولُ اللهِوَّهُ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ:
(إِنَّ اللّهَ وَتْ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ
اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ
سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِي ◌َ﴾ قَالَ: قَامَ) خطيبًا أو تضمن قام: خطب (فِينَا
رَسُولُ اللهِّهِ) مذكرًا لنا (بِخَمْسِ كَلِمَات) أي: جمل مفيدة، أو ((بخمس)) متعلق بـ((قام))
أي: قام بخمس في حقنا وجهتنا على حد: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وقام
في ذلك يصح إرادة حقيقته ومجازه، وهو الأداء على أكمل وجه وأقومه مع تحمل مشاقه
نظير ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴾ [النساء: ١٣٥] وكذا يفقهون الصلاة على بعض تفاسيره،
ويؤيد الحقيقة حديث: ((كان ◌َ ﴾ ينصرف إلينا بعد العشاء فيحدثنا قائمًا على رجليه
حتى يراوح بين قدميه من طول القيام)) (٣).
(فَقَالَ: إِنَّ اللهَ لَا يَنَام) أي: لا يطرأ عليه نوم أزلاً وأبدًا كما أفادته الجملة (وَلَا
يَنْبَغِي) أي: لا يمكن (لَهُ أَنْ يَنَام) اعتراض مفيد تأكيدًا، وتتميمًا على ما زعمه
الشارح، والوجه أنه يفيد تأسيسًا ألَّ يلزم من عدم صدور النوم عنه المفاد من الأولى
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم (٤٦٣)، وأحمد (٢٠١٦٠)، وابن ماجه (٢٠٠).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٤٠٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٤٠٣).

٤٥٣
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
عدم جوازه عليه المفاد من الثانية (يَخْفِض) أتى به مضارعًا كما بعده؛ ليفيد أن ذلك
أمر متجدد مستمر (الْقِسْط) أي: الرزق؛ لأنه قسط كل مخلوق - أي: حصته - أو
الميزان؛ لأنه به يقع القسط - أي: العدل - في القسمة وغيرها.
ورجح هذا برواية الترمذي برفع الميزان وبخفضه (وَيَرْفَعهُ) أي: يقتر الرزق
ويوسعه، أو يزن ما ينزله من الأرزاق، ويرتفع إليه من الأعمال، فيخفضه تارة بتقتير
الرزق والخذلان بالمعصية، ويرفعه أخرى بتوسع الرزق والتوفيق للطاعة، وفي الخفض
والرفع هنا، وفيما بعده تضاد ومطابقة، وهما مستعاران للمعاني من الأعيان.
قيل: ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى أنه تعالى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾
[الرحمن: ٢٩] وأنه يحكم في خلقه بميزان العدل المرتفعة تارة، والمحفوظة أخرى كما
ذكر، وعبَّر بالميزان تبينًا لذلك الأمر المعقول بالمحسوس، المشاهد من وزن الوزان
المستلزم لخفض يده ورفعها، وهذا مناسب لما ولي له؛ أي: كيف يجوز عليه نوم، وهو
المتصرف في ملكه بميزان العدل أبدًا (يُرْفَع إِلَيْهِ) أي: إلى خزائنه كحمل المال للملك،
فيضبط إلى أن يوفيه جزاؤه أو يعرض عليه، وإن كان أعلم ليأمن ملكيته بإحصاء
جزائه (عَمَل اللَّيْل) أي: المعمول فيه (قَبْل) رفع شيء من (عَمَلِ النَّهَارِ [وَعَمَل
التَّهَار](١) قَبْل) رفع أو فعل شيء من (عَمَل اللَّيْل) وهو بيان لمسارعة الملائكة
الموكلين برفع أعمال النهار بعد العصر، والليل بعد الصبح، وأنهم يقطعون في هذا
الزمن القليل تلك المسافة الطويلة التي تزيد على سبعة آلاف سنة، وما بين كل
سمائین کذلك، وسمك کل سماء كذلك.
وتقدير رفع في الأول، ورفع أو فعل في الثاني هو الذي دل عليه الحديث الآخر:
((إن أعمال النهار ترفع بعد صلاة العصر وأعمال الليل ترفع بعد صلاة الصبح))(٤) فلا
يقع رفع عمل الليل إلا بعد فعل أعمال النهار، وأمَّا رفع عمل النهار فيقع قبل فعل، أو
(١) سقطت في الأصل.
(٢) أخرجه أبو عوانة في مستخرجه (٢٠٠/١)، (٢٨١).

٤٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
رفع شيء من أعمال الليل؛ لأن بين ابتداء رفعها وعمل الليل فاصلاً يسع ذلك
بالنسبة لباهر القدرة.
والحاصل أن قوله: «قبل عمل النهار» یتعین فیه تقدیر رفع، ولا يصح فيه تقدیر
فعل، وقوله: ((قبل عمل الليل)) يصح فيه كل منهما، وتقدير الفعل أبلغ؛ لأن الزمن
أقصر، فتأمل ذلك لتعلم فساد ما أطلقه بعض الشارحين.
(حِجَابه التُّور) المعنوي لا كغيره من خلقه، فهو محتجب منهم بأنوار غيرة
جلاله، وسعة عظمته وكبريائه، وذلك هو الحجاب الذي تدهش دونه العقول، وتذهب
الأبصار والبصائر.
فالحجاب هنا الذي هو لغة: الستر الحائل بين الرائي والمرئي كناية عن منع رؤيته
تعالى في الدنيا، أو عن الإحاطة بذاته في الدنيا والآخرة، فالحصر مقيد بالدنيا إن أُريد
به منع الرؤيا وعام فيها، وفي الآخرة إن أريد به منع الإحاطة، ولما قام ذلك المنع مقام
ذلك الستر الحائل عبَّر به عنه بالنظر إلى الخلق؛ لأنهم المحجوبون عنه تعالى، ويسمى
نورًا هنا ونارًا في رواية أخرى؛ لأنهما يمنعان من الإدراك عادة لشعاعهما (لَوْ) هي،
وشرطهما استبان بين لما قبله من حصر الحجاب في النور (كَشَفَهُ) بأن تجلى لخلقه
بحقائق صفاته وعظمة ذاته (لَأَحْرَقَتْ سُبُحَات) بضم أوليه (وَجْهه) أي: أنوار ذاته
المعنوية المكني بها عمَّا مرَّ من الجلال والعظمة التي إذا تجلت لبعض ملائكته
سبحوا، وهللوا لما يروعهم من ذلك؛ لأن ((سبحان الله)) كله تعجب وتعجيب على ما
قاله ابن الأثير.
وقال الكشاف: فيها معنى التعجب، والأصل في ذلك أن يسبح الله في رؤية
العجب من صنائعه، ثم کثر حتى استعمل في کل متعجب منه.
(مَا إِنْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرِهِ مِنْ) لبيان الجنس (خَلْقه) كناية عن أن ذلك التجلي لو
وقع بعد كشف ذلك الحجاب، لأعدم هذا العالم كله؛ إذ بصره تعالى المنزه عن الجسم،
ولوازمه محيطة بجميع الكائنات.

٤٥٥
کتاب الإیمان/ باب الإيمان بالقدر
وقيل: بمعنى من، وضميره بصره يرجع لـ((من)»، ومن خلقه بيان له، وضمير إليه
لله، وفيه تكلف بعید.
(رَوَاهُ مُسْلِمُ) قيل: ومعناه مسبوك من معنى آية الكرسي، فهو سيد الأحاديث
كما أنها سيدة الآيات، وبيان ذلك أن أولها إلى ﴿وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ مشعر بصفة الكرام،
وبقيتها مشير إلى صفة الجلال؛ لاشتماله على منع الشفاعة ﴿عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:
٢٥٥] وعلى ذكر الكرسي الذي هو سرير الملك أو سُلمه المناسب للحجاب هنا، فكذلك
الحديث إلى قوله: ((النور)) مبني على الأول، وبقيته مبني على الثاني، فصفة الجلال
محتجبة بصفة الإكرام، فيكشف حجاب الإكرام، فتتلاشى الأكوان، ويكشف
حجاب الجلال بنفي الكائنات ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧].
ومما يوضح ذلك أن ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] مؤكد أنه لا وسن ولا نوم؛
ولأن من جاز عليه ذلك استحال ألا يكون قيومًا، فهو ملك ولا ينبغي له أن ينام ﴿لَّهُ
مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] كالتعليل لمعنى القيومية؛ أي: كيف ينام
وهو مالك لذلك ومربيهم، ومدبر أمر معاشهم ومعادهم، وإلى الأول أشار بخفض
القسط وبرفعه، وإلى الثاني يترفع إليه إلى آخره، ثم أشير إلى ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾
[البقرة: ٢٥٥] إلى آخره بذكر البصر المراد به نوع من العلم الملوح إلى بقية أنواعه.
٩٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾ِ: يَدُ اللهِ مَلأَّى، لَا يَغِيضُهَا
نَفَقَةُ، سَخَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا
فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَبَرْفَعُ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَفِي
رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((يَمِينُ الله مَلأَّى، قَالَ: مَلَآنُ سَخَّاءُ لَا يَغِيضُهَا شَيْءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ(١)].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: يَدُ الله) أي: نعمته، قال تعالى:
﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانٍ﴾ [المائدة: ٦٤] وبسط اليد مجاز عن الجود كما في ((الكشاف)) في
(١) أخرجه البخاري (٦٩٧٦)، ومسلم (٢٣٥٥)، وأحمد (١٠٥٠٧)، والترمذي (٣٠٤٥) وقال: حسن
صحيح. وابن ماجه (١٩٧).

٤٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
موضع أو كناية عنه كما في موضع آخر منه؛ لتساويهما في اللزوم.
قال: ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا بسط، بل المجاز والمتجوز عنه
عبارتان غير معبر واحد، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزلاً لقالوا: ما أبسط
يده بالنوال! ويصح أن يراد باليد الخزائن مجازًا مرسلاً؛ لتصرفها فيها، وقرينة التجوز
إضافتها إلى الله تعالى، و((ملأى)) كالترشح للمجاز والخزائن قول ﴿كُنْ﴾ [الأنعام:٧٣]
لما ورد: ((عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري إذا أردت أن أقول له: كن فيكون))(١).
(مَلأَّى) أي: مملوءة كناية عن كثرة تلك النعمة وسعتها وعمومها، ومن ثم قال:
(لَا تَفِيضُهَا) أي: تنقصها (نَفَقَةُ) فهي استعارة تبعية للنقص؛ إذ الإغاضة إنما تسند
حقيقة للماء، قال تعالى: ﴿وَغِيضَ المَاءُ﴾ [هود: ٤٤] ومن ثم وصفها بما هو من أوصاف
الماء، فقال: (سَخَّاءُ اللَّيْلَ وَالتَّهَارَ) أي: فيهما من سحَّ الماء إذا عم وجه الأرض سح سخًّا
فهو ساح، والمؤنث سحا فعلا كهطلا.
وهذه الثلاثة أخبار مترادفة، والأخيرتان صفتان لـ((ملأى)).
(أَرَأَيْتُمْ) خبر أو صفة بتقدير مقول فيه، أو استئناف؛ لأنه خطاب عام ذوا
خطر وليس إنكارًا، وإلا لقال خاص بما هو تقرير لما قبله؛ أي: أرأيتم ذلك كذلك أو
أُخبروني (مَا أَنْفَقَ مُدْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ) أي: ينقص هذا الإنفاق
(مَا فِي يَدِهِ) أي: خزائنه (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) فأتى بحقيقة في أول بدء الخلق، وهو
كقوله: (وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ) حالان من فاعل خلق أو الثاني حال خبر كان،
واسمها عند سيبويه.
(مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ) وفيه ترق؛ أي: ملأى يوهم جواز النقصان فأزاله بما بعده، وربما
امتلأ للشيء من غير إفاضة، فقال: سحا ليؤذن بالإفاضة، وأفاضهالليل والنهار؛ ليدل
على الدوام والاستمرار، ثم اتبعها بالاستفهام الدال على وضوح ذلك لكل ذي بصيرة،
(١) أخرجه أحمد (٢١٤٠٥)، وهناد (٩٠٥)، والترمذي (٢٤٩٥) وقال: حسن. وابن ماجه (٤٢٥٧)،
والبزار (٣٩٩٥).

٤٥٧
کتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
وبالانتقال عن ذكر الليل والنهار إلى المدة المتطاولة، وكل هذه ألفاظ مستعارة لفضل
غناه تعالى، وکمال سعة کرمه، ونهاية جوده، وتفضله على عباده.
(وَفِي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: يَمِينَ الله مَلأَّى) وفيها زيادة على ذلك بالإشارة باليمين إلى
يمن تلك النعم وبركتها، وأن من تلقاها بالقبول والرضا بورك له في قليلها حتى فاق
کثیر لیس کذلك کما هو مشاهد.
(قَالَ) عبد الله (بْن نُمَيْر) في روايته: (مَلَآنُ سَخَّاءُ لَا يَغِيضُهَا شَيْءُ اللَّيْلَ
وَالتَّهَار).
قال النووي: قالوا هذا غلط منه، وصوابه ((ملأى)) بلا نون كما في سائر
الروايات، ويؤخذ منه أنهم إنما وردوها من حيث النقل لا المعنى؛ لصحته بتقدير أن
يراد بيد الله إحسانه وأفضاله، فاعتبر المعنى وذُكر.
٩٣ - [وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: اللّهُ أَعْلَمُ
بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْه قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَلْ عَنْ ذَرَارِيٌّ الْمُشْرِكِينَ) أي: أولادهم إذا ماتوا
قبل البلوغ من الذر؛ أي: التفريق؛ لأن الله تعالى فرقهم في الأرض، أو من الذرء؛ أي:
الخلق فتركت همزته (قَالَ: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) فيه تفويض أمرهم إلى الله
تعالى؛ إذ لم ينزل عليه فيهم شيء، فلا ينافي أن الأصح أنهم من أهل الجنة، وسيأتي ما
في ذلك آخر الفصل الثاني. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(الفصل الثاني)
٩٤ - [وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾.
إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: ((اكْتُبْ)) فَكَتبَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنُ إِلَى الأَبَدِ(٢).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِبِبُّ إِسْنَادًا].
(١) أخرجه البخاري (١٣٨٤)، وأحمد (١٨٧٣)، والنسائي (١٩٦٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٢١٥٥)، والطيالسي (٥٧٧)، والضياء (٤٢٩).

٤٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلهُ: إِنَّ أَوَّلَ
مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمَ) يرفعه وهو ظاهر، وسبق أن المراد بهذه الأولية أولية نسبية لا
مطلقًا، وروي نصبه على لغة من ينصب خبر ((إن)) أو يجعله خبرًا لـ((كان)) محذوفة لا
مفعول الخلق؛ لفساد المعنى.
المراد: إن العلم أول مخلوق خلقه الله تعالى بل أصل المعنى؛ إذ يصير التقدير:
إن أول شيء خلق الله القلم، وهذا غير صحيح، فإن أريد أن اسم ((إن)) ضمير الشأن
محذوفًا، والجملة مفسرة له، وعامل الظرف خبرها الذي هو أمره.
قال الطيبي: لزم حذف الفاء منه، وألَّ يكون القلم أول مخلوق، وبتقدير ((إن)
لا يلزم حذف الفاء بأن تقدير أمره بالكتابة قبل، فقال: لا يكون فيه تنصيص على
أولية خلق القلم الذي دلت عليه رواية الرفع الصحيحة (فَقَالَ اكْتُبْ. فَقَالَ: مَا
أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ) مرَّ تفسير أول الباب على أنه يعلم المراد به هنا من قوله:
(فَكَتبَ مَا كَانَ) قبل تكلم النبي وَله بذلك لا قبل القلم؛ لأن الغرض أنه أول
مخلوق(١).
نعم إذا قلنا: الأولية نسبية، صحَّ أن يراد ما كان قبل القلم (وَمَا هُوَ كَائِنُ إِلَى
الأَبَدِ) يحتمل أن المراد به انقضاء هذا العالم، وما بعده مما يمكن تناهيه كأحوال
البروج والحساب دون ما بعده من نعيم الآخرة وجحيمها؛ لأنه لا نهاية له فلا يدخل
تحت الكتابة. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا).
٩٥ - [وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: سُئِلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ.﴾ [الأعراف: ١٧٢] قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ الله ◌َ ﴿ يُسْأَلُ عَنْهَا فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ رَكْ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ
فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ
(١) انظر: مرقاة المفاتيح (٣٨٤/١).

٤٥٩
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ)) فَقَالَ
رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللّهَ وَنُ إِذَا خَلَقَ
الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلٍ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ
فَيُدْخِلَهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى
عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ النَّارَ(١). رَوَاهُ مَالِكٌّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ].
(وَعَنْ مُسْلِمٍ بِن يَسَارِ ﴾ قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﴾، عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَإِذْ
أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ.﴾(٢) قَالَ عُمَرِ ﴾، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهُ
يُسْأَلُ عَنْهَا فَقَالَ: إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ) أي: أمر الملك الموكل
بتصوير الأجنة وتخليقها، وجمع مرادها بمسح ظهره، أو أسند تعالى المسح إلى نفسه
تمثيلاً تشريفًا لآدم، أو هو من المساحة؛ أي: التقدير كأنه قال: قدر ما في ظهره من
الذرية، وعبَّرهنا باليمين بخلافه فيما يأتي؛ لأن اليمين مظهر الخبر، وليظهر الفرق بين
أهل الجنة والنار، ولم يعبر فيهم بالشمال تأدبًا، ومن ثم ورد: ((كلتا يدي الرحمن
(٣)
یمین»(٣).
(فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً) استشكل هذا مع الآية المسئول عنها بعدم تطابقهما،
ومن ثم أطبقت المعتزلة أنه لا يجوز تفسير الآية بالحديث؛ لنصها على أن الأخذ من
ظهور بني آدم، إذ من ((ظهورهم)) بدل من ((بني آدم)) ولو أريد آدم لقيل: من ظهر ذريته،
ونصه على أنه - أعني: الأخذ - من نفس ظهر آدم.
(١) أخرجه مالك (١٥٩٣) وأحمد (٣١١)، والبخاري في التاريخ الكبير (٩٧/٨)، وأبو داود (٤٧٠٣)،
والترمذي (٣٠٧٥) وقال: حسن. والنسائي في الكبرى (١١١٩٠)، وابن جرير في تفسيره (١١٣/٩)،
وابن حبان (٦١٦٦) والآجري (ص ١٧٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٣٢٥) وقال: في
هذا إرسال مسلم بن يسار لم يدرك عمر بن الخطاب والحاكم (٧٤) وقال: صحيح على
شرطهما. والضياء (٢٨٩) وقال: إسناده منقطع.
(٢) الأعراف: ١٧٢.
(٣) أخرجه الطبراني (١٢٦٨٦)، والحاكم (٢١٤).

٤٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
وأجاب البيضاوي مرة بأن معناها أنه نزل تمكين بني آدم من العلم بربويته
بنصب الدلائل وخلق الاستعداد فيهم، وتمليهم من معرفتها، والإقرار بها منزلة
الإشهاد والاعتراف تمثيلاً وتخييلاً، فلا قول ثمة ولا شهادة حقيقة. انتهى.
وفيه نظر ظاهر لرجوعه إلى كلام المعتزلة، فالصواب ما أجاب به الفخر الرازي:
أنَّا نقول بهذا الآية والخبر من أنه وقع إخراج الذرية من ظهر آدم، ثم من ظهر بنيه ولا
منافاة بين ذينك، فوجب المصير إليهما صرفًا للآية والخبر عن الاختلاف.
وأجاب بعض المحققين بأن بني آدم من ظهره، فكل ما أخرج من ظهورهم فيما
لا يزال إلى يوم القيامة هم الذين أخرجهم الله تعالى في الأزل من صلب آدم، وأخذ منه
الميثاق الأزلي؛ ليعرف منه أن النسل المخرج فيما لا يزال من أصلاب بنيه هو المخرج
في الأزل من صلبه، وأخذ منه الميثاق الأول، وهو المقالي الأزلي كما أخذ منهم فيما لا
يزال بالتدريج حين أخرجوا الميثاق الثاني، وهو الحالي الإنزالي.
والحاصل: إن الله تعالی لما كان له میثاقان مع بني آدم.
أحدهما: تهتدي إليه العقول من نصب الأدلة الحاملة على الاعتراف الحالي.
وثانيهما: المقالي الذي لا يهتدي إليه العقل بل يتوقف على توقيف واقف على
أحوال العباد من الأزل إلى الأبد كالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أراد ◌َ أن
يعلم الأمة، ويخبرهم أن وراء الميثاق الذي يهتدون إليه بعقولهم ميثاقًا آخر أزليًا، فقال
ما قال من مسح ظهر آدم في الأزل، وإخراج ذريته وأخذ الميثاق عليهم. انتهى.
وما ذكره أن ما في الخبر من الخلق والمسح واستخراج الذرية كان قبل آدم، وقبل
دخوله الجنة، فليحمل الخبر عليه؛ إذ لا يصرف عن ظاهره إلا بدليل، وما في الآية وقع
بعد نزوله إلى الأرض؛ لأنه كان في نعمان قرب عرفة كما يأتي، فالحق ما قاله الرازي.
وأجاب بعضهم بأن المراد ببني آدم في الآية آدم نفسه التفيه: وأولاده، وكأنه صار
اسمًا للنوع كالإنسان، واقتصر عليه في الخبر؛ لأنه الأصل، واحتج لهذه الأخبار الآتية
في الفصل الثالث، فإنها مصرحة بأن الأخذ من صلبه نفسه، وبأن السائل طلب منه

٤٦١
کتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
وي فهم الآية، ففسرها له بما ذكر في الخبر، فقنع به وسكت مع بلاغته ومعرفته
بالتراكيب، فدلَّ أنه ◌َلل حمل بني آدم في الآية على آدم نفسه، وإلا لما قنع به السائل إلا
أن يكون ذلك من الأسلوب الحكيم على منوال: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا
أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ .... ﴾ [البقرة: ٢١٥] سألوا عن بيان المنفق، فبين لهم المصرف بما يتضمن
بيان المنفق.
فكذا هنا سأل الصحابي عن بيان الميثاق والحالي، فأجيب عن المعالي، وضمَّن
فيه الحالي على ألطف وجه، وكأنه قيل الميثاق المسئول عنه ظاهر بنصب الدلائل على
ربوبيته، وفتح البصائر إلى التمكن بين الحق والباطل، لكن هنا ميثاق آخر خفي عن
العقول لا يعلم إلا بالوحي، فهو الأحق بالسؤال عنه.
(فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ
فَاسْتَخْرَجٌ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ. فَقَالَ رَجُلُ:
فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ الله؟!) أي: فلأي شيء أمرنا بالعمل؟ أو في أي شيء يفيد
العمل؟ إذا سبق القدر يكون الإنسان من أهل الجنة أو النار.
(فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ: إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجُنَّةِ)
أي: وفقه له أو ألزمه إياه (حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ
الْجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلٍ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ
أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ النَّارَ) وتحقيق ذلك كله معنى أوائل الفصل الأول فراجعه.
(وَرَوَاهُ مَالِكُ وَالِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد).
٩٦ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا
رَسُولُ اللهِ ﴿ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ، فَقَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ؟)) فَقُلْنَا: لَا يَا
رَسُولَ اللهِ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا. فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى: «هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ
أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا
يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًّا)) ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: ((هَذَا كِتَابُ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ

٤٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًّا)
فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ كَانَ أَمْرُ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: ((سَدِّدُوا
وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلٍ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ
الثَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ)) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ◌ِكَهُ بِيَدَيْهِ
فَنَبَذَهُمَا ثُمَّ قَالَ: ((فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ فَرِيقُ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقُ فِي السَّعِيرِ)(١). رَوَاهُ
التّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بن عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: خَرَجَ إلينا رَسُولُ الله
﴿ 4*) ذكر هذا التقرير صدقه في إخباره، واستقصائه في تحقيق هذا الخبر العجيب (وَفِي
يَدِهِ كِتَابَانٍ) يحتمل أنه حقيقة، وهو الظاهر للقاعدة المقررة غير مرة أن ما ورد عن
الشارع يحمل على ظاهره الممكن إلا أن يرد ما يصرفه عنه، وما هنالك لك فإن الله
قادر على كل شيء، والنبي ◌َلّ مستعد لإدراك المعاني الغيبية ومشاهدة الصور
المصنوعة لها، وأنه تمثيل؛ إذ من تمام بلاغة المتكلم.
ويصح للعلم إذا أراد تحقيق قوله وتفهيم غيره، واستحضار المعنى الدقيق الخفي
في ذهن السامع حتى كأنه ينظر إليه صورة بصورة محسوسة، وأشار إليه إشارته إلى
المحسوس فهو لا لما كوشف بحقيقة هذا الأمر، وأطلعه الله تعالى عليه إطلاع عالم
لم يبقَ معه خفاء مثل المعنى الحاصل في علمه بالشيء الحاصل في يده.
(فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ؟ قُلْت: لَا يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا)
منقطع؛ أي: لكن إن أخبرتنا درينا كأنهم طلبوا بهذا الاستدراك إخباره إياهم، أو
متصل مفرع؛ أي: لا ندريه بسبب من الأسباب إلا بإخبارك.
(فَقَالَ: لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى) أي: لأجله أو عنه (هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
أي: مالكهم فيتصرف فيهم كيف يشاء، فيسعد من يشاء، ويشقي من يشاء كل ذلك
(١) أخرجه أحمد (٦٧٢٠)، والترمذي (٢٢٩١).

٤٦٣
کتاب الإیمان/ باب الإيمان بالقدر
عدل منه وصواب، فلا اعتراض لأحد عليه، فتخصيص هذا بالذكر لهذه المناسبة
التامة (فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ) الذين من أهل الجنة أو النار
للتمييز التام كما يكتب في الصكوك، وهذا أولى مما قيل: المكتوب أسماء الآباء
والقبائل الذين في النار فقط؛ لأن كل من في الجنة يكتب اسمه بانفراده، فلا حاجة
إلى كتابته ثانيًا، ووجه رده ما تقرر أن كتابتهم للتعريف، فلا ينافي كتابتهم استقلالاً
(ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ) أي: أوقع الإجمال بعد التفصيل على ما انتهى إليه آخرهم، أو
أجمل في حال وقوع انتهاء التفصيل إلى آخرهم.
ومن عادة المحاسبين أن يكتبوا الأشياء مفصلات ثم يوقعوا على آخرها، فذلك
يرد التفصيل إلى الجملة، وإذا كان الأمر على ما تقرر من التفصيل والتعيين، ثم الإجمال
في الصك (فَلاَ يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: هَذَا كِتَابُ مِنْ
رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أَجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا
يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا) في هذا جميع ما مرَّ في الذي قبله (فَقَالَ أَصْحَابُهُ:
فَفِيمَ الْعَمَلُ) سبق معناه في آخر الخبر الذي قبل هذا (يَا رَسُولَ اللهُ إِنْ كَانَ أَمْرُ قَدْ فُرِغَ
مِنْهُ؟ فَقَالَ) زجرًا لهم عن ذكر القدر والاحتجاج به، وحثًّا لهم على ما خُلقوا لأجله،
وهو العبادة فهو من الأسلوب الحكيم: (سَدِّدُوا) أي: اجعلوا أعمالكم مستقيمة على
طريق الحق والسداد (وَقَارِبُوا) أي: اطلبوا قربة الله وطاعته بقدر ما تطيقونه، واقربوا
مما يرضيه عنكم، ما يمكنكم بأن تفعلوه وضده.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء: ٣٣] ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٤] أي:
ابعدوا عنه ما أمكنكم، ومع أمركم بذلك فلا تتكلوا على أعمالكم، ولا تجزموا
بوقوع الخواتيم على وقتها (فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَيِلَ أَيَّ
عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله
بِيَدَيْهِ) أي: أشار بهما.
وإطلاق القول على غير الكلام من الأفعال مشهور في لسانهم، ومنه قال: بيده؛

٤٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
أي: خذوا، وقال: برجله؛ أي: مشى، وقال: بثوبه؛ أي: رفعه، وقال: بالماء على يده؛ أي:
قلبه.
(فَنَبَذَهُمَا) أي: الكتابين كناية عن أن هذا الأمر قد فرغ منه نظير قوله
السابق: ((جف القلم بما أنت لاق)).
(ثُمَّ قَالَ) تفسير إلى إرادة نبذها: (فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ) حقيقة الفراغ محال
على الله تعالى، فالأولى جعل ذلك كناية عن عدم التبديل أو تمثيلاً لتقديره عليهم
أنهم قسمان، وأن كل قسم من أهل الجنة أو النار مع تعينهم تعيينًا لا يقبل تقتيرًا ولا
تبديلاً من فرغ من عمله فراغًا لا يعود بعده إليه (﴿فَرِيقُ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقُ فِي
السَّعِيرِ﴾(١) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
ولا ينافي ما فيه وما في غيره قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُ
الكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] لما مرَّ أن المحو والإثبات إنما هما بالنسبة لما في اللوح المحفوظ،
وعلم الملائكة؛ لأن الأشياء فيه قد تكون معلقة على أسباب يتغير بوجودها وفقدها
لا لأم الكتاب المراد بها علمه تعالى القديم؛ لأنه لا محو فيه ولا إثبات، وسر ذلك
التعليق مع أنه لا يقع إلا الموافق للعلم القديم مزيد النعمة على الملائكة المطلعين
على ذلك، وتحقيق انفراده تعالى بعلمه القديم، وأنه لا يمكّن أحدًا أن يطلع عليه إلا
بالنسبة لحريات معينة كإعلامه * بجماعة من أصحابه على التعيين أنهم من أهل
الجنة.
٩٧ - [وَعَنْ أَبِي خُزَامَةَ ﴾ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَّأَيْتَ رُقَّى
نَسْتَرْقِيهَا، وَدَوَاءَ نَتَدَاوَى بِهِ، وَتُقَةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: هِيَ مِنْ
قَدَرِ الله (٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّزْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ أَبِي خُزَامَةَ) واسمه مختلف فيه (عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ
(١) الشورى:٧.
(٢) أخرجه أحمد (١٥٨٤٠)، والترمذي (٢٢٠٦)، وابن ماجه (٣٥٦٣).

٤٦٥
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
رُقّ) منصوب بنزع الخافض الذي تضمنه معنى ((أرأيت)) أي: أخبرني عن رقى أو
بـ((رأيت)) فهو مع صفته، وهي (نَسْتَرْقِيهَا) أي: بها المفعول الأول، وهل وما بعدها
الثاني بتقدير مقولاً فيها هل ترد إلى آخره، وإنما لم يقتضِ هذا الاستفهام التعليق؛ لأن
شرطه أن يكون ما بعده يسد مسد المفعولين نحو: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾
[الكهف: ١٢].
ورُقى جمع: رقية، وهي قرآن أو دعاء أو ذكر تقرأ لطلب شفاء أو نحوه (وَدَوَاءً
نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً) مصدر بمعنى الاتقاء (نَتَّقِيهَا) أي: نتقي اتقاءًا، وأصلها (وقى)) قلبت
الواو ياء وهو اسم لما يقي من العدو من وقى تقي إذا حفظ (هَلْ تَرُدُّ) هذه الأسباب (مِنْ
قَدَرِ الله شَيْئًا؟).
حاصل كلامه: إن الشارع رخص لنا في الاسترقاء، وأمرنا بالتداوي وبالاتقاء
عن مواطن المهلكات، وهذا كله ربما ينافي ما هو مقرر أن من حق الإيمان أن تعتقد
أن المقدور كائن لا محالة، فأشكل علينا ذلك، ونظيره ما أشكل على غيره من بقية
الصحابة لما أخبروا أن الأمر فزع منه، فقالوا: نقيم العمل.
فـ (قَالَ) وَيهِ جوابًا عن هذا الإشكال مضمنًا له التنبيه على ما مرَّ أن القدر ما لم
يكن قضاء؛ أي: أمرًا محتومًا، فمن جواب يدفعه الله بسبب وبغير سبب، فإذا كان
قضاء فلا مدفع له (هِيَ مِنْ قَدَرِ الله) فكما أنه تعالى قدَّر الداء قدَّر زواله بالدواء، فمن
تداوى ولم ينفعه، فليعلم أن الله تعالى لم يقدر له نفعًا فيه، وإن اجتمع عليه كل
الأطباء بل الخلق، وكذا يقال في الأخيرين، ومرَّ خبر رجلي مزينة قول عمر: ((أفر من
قضاء الله إلى قدر الله)) فراجعه يتضح لك ما هنا.
تنبيه: اختلفت الأحاديث في الرقى، ففي كثير منها طلبها، وفي كثير منها النهي
عنها، ولا تخالف؛ لأن الأولى محمولة على التعوذ، والاستشفاء بقرآن أو كلامه تعالى في
بعض كتبه المنزلة إن علم ذلك بطريق صحيح خلافًا لمن أطلقه، أو ذكر وارد أو اسم
من أسمائه تعالى أو صفة له.