Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
ووجه الرد أن مصدر الفعل الداعية، ومنشؤه أولاً القلب الصافي الموصوف
بالكياسة والبلادة، وإيثار القوة والضعف الحالان بالقلب والأعضاء والجوارح، فإذا
كان ذلك كله بقدرة الله تعالى كما صرح به الحديث، فأي شيء يخرج عن ذلك حتى
يضاف للعبد، وما بعد ((حتى)) مرفوع عطفًا على ((كل)) أو مجرور عطفًا على ((شيء)) أو
يجيء بمعنی إلی.
ورجح هذا بأن المعنى يقتضي الغاية؛ لأن ظاهره: إن أسباب العباد كلها
بتقدير خالقهم حتى العجز المتأخر بصاحبه إلى عدم درك البغية، والكيس
البالغ بصاحبه إليها، وبهذا يتضح رد ما قيل: إن معناه أن بعض العقل والجثة
بتقدير الله، فلا يعبر بهما صاحبهما وكمالهما كذلك فليس للعبد قدرة في ذلك. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ).
٨١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى - عَلَيْهِمَا
السَّلَامُ - عِنْدَ رَبِّهِمَا فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ،
وَنَفَّخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ
بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الأَرْضِ. فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ،
وَأَعْطَاكَ الأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ
قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا. قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ
فَغَوَى﴾ [طه: (١٢]؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلاً كَتَبَهُ اللّهُ عَلَّ أَنْ
أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَّةً؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى))(١).
رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: احْتَجَّ) أي: تحاج (آدَمُ وَمُوسَى)
أي: روحهما وحدها أو مع الجثة؛ لأن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون (عِنْدَ رَبِّهِمَا)
(١) أخرجه البخاري (٣٢٢٨)، ومسلم (٢٦٥٢)، وأحمد (٧٥٧٨)، وأبو داود (٤٧٠١)، والترمذي
(٢١٣٤) وقال: حسن صحيح غريب. وابن ماجه (٨٠)، وابن حبان (٦١٧٩).

٤٢٧
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
كناية عن تجليه تعالى عليهما حال تفاوضهما فيما يأتي، (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) أي: ظهرت
حجته على حجته؛ لأنه ألزمه بما هو الحق الواقع، وهو إنما صدر عنه من أكل كان
مقضيًا علیه لا قدرة له على تركه.
فإن قلت: لا يحتج على الله تعالى بقدره، وإلا لبطلت التكاليف بأسرها.
قلت: محل ذلك فيما قبل الوقوع في ورطة الفعل، وأمَّا بعده فيجوز الاحتجاج
بالقدر لمنع الإزراء عليه بما فرط منه، وتاب عليه.
(قَالَ) بيان للإجمال في فحج آدم موسى التكّر: (مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ)
القياس ((خلقه)) ليعود الضمير على الموصول حتى يصح وقوع الجملة صلة، فالتفت
تلذذًا بخطاب الأب الجائز لهذا الشرف الأكبر (اللهُ بِيّدِهِ) أي: قدرته وإرادته، كنى
باليد عنها؛ لأنها المباشرة لأكثر الأفعال، فهي مناط القدرة وأسها، وخص بذلك إكرامًا
وتشريفًا له أو لأنه خصه بكونه خلق إبداعًا من تراب من غير واسطة أرحام أصلاً
بخلاف عيسى - صلى الله عليهما وسلم - وهذا لكونه إبداعًا غير مسبوق بمثال
إكرام أي إكرام (وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) أي: من الروح التي خلقها، وأبدعها على غاية
من الكمال اللائق بها، فالإضافة للتشريف أو لبيان أنه لم يتكون عن واسطة بنقل في
صلب ولا رحم نظير ما مرَّ مبسوطًا في أن عيسى روح الله.
(وَأَسْجَدَ لَكَ) بأن صرت قبلة لهم، وإلا فالسجود في الحقيقة لله تعالى
(مَلَائِكَتَهُ) كلهم علويهم وسفليهم، فاضلهم ومفضولهم، فلم يبقَ أحد إلا وقد خضع
لعلمك، واعترف بتقدمك عليهم لمظهر علمك الذي أدهشهم وأعجزهم.
(وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ) التي في صلبك بإِهباطك (بِخَطِيئَتِهِ)
التي صدرت منك غير لائقة بعلي مقامك، وهي أكلك من الشجرة وإن كان نسيانًا؛
لأن الكل يعاتبون، ويؤاخذون بما لا يؤاخذ به غيرهم حسنات الأبرار سيئات المقربين
(إِلَى الأَرْضِ) فاعتورتهم عظائم المتاعب والمشاق، وأنهكتهم غوائل المحن والفتن، ولو
استمروا في الجنة لم يحصل لهم شيء من ذلك بل كانوا في غاية النعيم الذي لا نعيم

٤٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
فوقه، وليس في هذا ما يخل بالأدب مع الأب؛ لأن مقام الاحتجاج يسامح فيه بمثل
ذلك على أن موسى لم يقصد بذلك إلا حكاية الواقع لا غير.
(قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ) أي: جعلك خالصًا صافيًا
عن شائبة مما لا يليق بمقامك، وليس في هذا ما ينفي رسالة آدم؛ لأن كلاً إنما ذكر ما
هو الأشرف من صفات صاحبه، وقد قال الله تعالى لموسى: ﴿إِنَّ اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ
بِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤].
(وَبِكَلَامِهِ) فيه التلميح إلى نحو قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:
١٦٤] واختص بذلك؛ لأنه لم يسمع كلام القديم أحد في الأرض غيره.
(وَأَعْطَاكَ الأَلْوَاحَ فِيهَا) التوراة التي فيها (تِبْيَانُ) أي: بيان وآثر ذلك؛ لأن زيادة
التبيان تدل على زيادة المعنى غالبًا (كُلِّ شَيْءٍ) نحتاج إليه من المغيبات والقصص،
والحلال والحرام، والمواعظ وغير ذلك، وهذا مستمد من قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَّهُ فِي
الَأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لَّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥].
(وَقَرَّبَكَ نَّجِيًّا) أي: خصك بالنجوى كما قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ
الَّأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] والنجي: المخاطب المحدث سرًّا، ولفظه يستوي فيه
الواحد والجمع، ومنه قوله تعالى: ﴿خَلَصُوا تَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠].
(فَيِكَمْ) زمانًا؛ أي: فبأي زمان (وَجَدْتَ اللهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ) أي: أمر بكتابتها؛
أي: في الألواح لما مرَّ قريبًا أن ما في اللوح المحفوظ كتب قبل ذلك بخمسين ألف سنة.
(قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ. قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا. قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا ﴿وَعَصَى
آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾(١)) وهذا منه في غاية التواضع لله، وإذعان لما جاء عن الله، وله تعالى
أن يخاطب عبيده ويصفهم بما يشاء؛ إذ المعصية والفوائد يطلقان على مطلق المخالفة،
ولو مع النسيان كما هنا، فإن آدم لم يتعمد الأكل من الشجرة المنهي عنها بل تأول أو
(١) طه: ١٢١.

٤٢٩
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
نسي قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه:١١٥] ومع ذلك وصفه ربه
بأنه عصى وغوى إقامة لناموس الربوبية عليه، لا ليتأسى به الناس في وصفه بذلك؛
لعصمة الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - من الكبائر والصغائر قبل النبوة
وبعدها، فلم يوصف بذلك في غير القرآن؛ لأنه يوهم العامة وقوع معصية منه ؟
(قَالَ: نَعَمْ. قَالَ) أَفتجد في التوراة هذا النص الجلي (فَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ
عَمَلاً كَتَبَهُ اللهُ عَّ أَنْ أَعْمَلَهُ) بدل من ضمير كتبه المنصوب (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَني
بِأَرْبَعِينَ سَنَةً) أي: كتب قبل خلقي عملي له، وحكم بصدوره عني لا محالة على وفق
ما سبق من علمه القديم، وهذا لا ينفي أن له في إيجاده كسبًا واختيارًا، فليس معنى
كتب هذا أوجب وألزم حتى لم يبقَ اختيار في الفعل.
قال: (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: فَحَجَّ آدَمُ [مُوسَى](١)) ذكره هنا مع تقدمه إمَّا لكون
الأول تحريرًا للدعوى ففاؤه للعطف، والأخير إثباتًا لها ففاؤه لبيان النتيجة، وإمَّا لكونه
فذلك للتفصيل المبين لما سبق أولاً من الإجمال زيادة في التقرير، ومبالغة في الإرشاد؛
إذ معنى كلام آدم: كيف وأنت المصطفى بهذه المعاني الحاملة على النظر إلى أسرار الحق
الكامنة في الخلق التي لا يشهدها إلا المصطفون الأخيار، فيعقل عن علم الله السابق
الموجب لوقوع الموجودات على وفقه، وينسى الأصل الذي هو القدر، ثم يذكر كسبي
الذي هو مجرد سبب صوري لاحق مع أنه قد وقع وانقضى، وارتفعت أحكام التكاليف
عنه بل سقط اللوم عنه؛ لوجود التوبة منه والمغفرة والعفو عنه، وما هو كذلك لا
يعاتب علیه فاعلمه.
فإن عوتب جازله أن يحتج بالقدر؛ إذ لا مانع منه حينئذ كما مر آنفًا هذا مع
أن المحاجة لم تكن في عالم الأسباب حتى ينظر إليها ويتوجه الاعتراض بها، وإنما
كانت في العالم العلوي عند ملتقى الأرواح وحدها أو مع إبدائها كما مرَّ، وهذا العالم
(١) سقطت في الأصل.

٤٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
إنما ينظر فيه للأصول والمقدرات في الأزل لانكشافها لأهله، وعند النظر لذلك لا
يتوجه الاعتراض أصلاً، فظهرت حجة آدم على موسى - صلى الله عليهما وسلم - من
وجوه واضحة عديدة، وبهذا بان واتضح بطلان مذهب أهل الجبر من إثبات التقدير
الله، ونفي القدرة عن العبد أصلاً، وأنه ملجأ ومخبر لا اختيار له ولا إرادة.
ومما يبطله أيضًا: إنه يلزم عليه بطلان الشرائع والتكليفات رأسًا، وما أقبح
مذهبًا يؤدي لذلك، وبطلان مذهب المعتزلة القائلين بضد الجبرية.
ومما يبطله أيضًا: إنه يلزم عليه وجود خالق غير الله تعالى عن ذلك، فعلم أن
كلا هذين الفريقين من الإفراط والتفريط ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] وأن
المنهج القويم والطريق المستقيم هو السبيل الوسط بين الأمرين كما هو مذهب أهل
السنة؛ إذ لا يقدر أحد أن يسقط الأصل الذي هو القدر، ولا أن يبطل الكسب الذي
هو السبب.
وبهذا توجهت حجة آدم على موسى حيث نظر إلى الثاني فقط كما تقرر، وتوجه
أيضًا رد آدم لما عرض له به موسى في كلامه، وذلك أنه صدَّر كلامه بهمزة الاستفهام
الإنكاري المقدرة، ثم بالتصريح باسمه، ثم بذكر صفات أربع كل منها مقتضٍ لعدم
ارتكاب تلك الخطيئة، ثم بحرف ((ثم)) الدال على الاستبعاد، ثم بإسناد الإهباط إليه مع
أنه تعالى هو المهبط، ثم بذكر الأرض مع أنه لا يكون إلا لها لدلالتها في نحو قوله
تعالى: ﴿ وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] على حسه الطبع، وركوده
عن طلب المعالي، وميله إلى خسائس الشهوات، ثم بكونه كان السبب في إهباط بنيه
كلهم من ذلك النعيم المقيم إلى العذاب الأليم.
فأجابه آدم بأبلغ رد وأوضحه من التصدير بالاستفهام الإنكاري المقدر، ثم
التصريح باسمه، ثم بذكر صفات أربع أيضًا كل منها مقتضٍ لعدم الإنكار، ثم بذلك
تلك الكتابة المكني عنها بالعلم الأزلي، ثم بالتصريح بهمزة الإنكار في ((أفتلومني)»،
ثم بحذف ما هي الأبلغ في الإنكار من الجملة التي قدرتها بعد هذه الهمزة؛ أي: فما

٤٣١
کتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
أبعد هذا الإنكار مع علمك بذلك النص الجلي. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ..
٨٢ - [وَعَن إِبْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِلَ ﴿ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ:
(إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أَمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ
ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكًا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ
فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيُّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يَنْفُحُ فِيهِ الرُّوحَ، فَوَالَّذِي لَا إِلََّ غَيْرُهُ
إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلٍ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعْ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ
الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلٍ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا
يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّ ذِرَاعُ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ
فَيَدْخُلُهَا))(١) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَن ابْنِ مَسْعُود ◌َ﴾ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَِّهِ، وَهْوَ الصَّادِقُ) في جميع ما
نقوله حتى قبل النبوة كما اشتهر عندهم بذلك (الْمَصْدُوقُ) فيما يوحى إليه؛ لأن الملك
يأتيه بالصدق، والله تعالى يصدقه بالمعجزات التي أظهرها على يديه، والجمع بينهما
تأكيد؛ إذ يلزم من أحدهما الآخر كذا قيل.
وقد يقال: المصدوق أخص كما عرف مما قررته، والجملة اعتراضية؛ ليفيد أن
هذا دأبه وعادته في سائر الأحوال لا حال لإيهامها الاختصاص ببعض الأحوال: (إِنَّ)
بالكسر على حكاية لفظه ◌َ﴾ (خَلْقَ أَحَدَكُمْ) أي: مادته التي يخلق منها، وهي المني
(يَجْمَعُ) أي: يقر ويحرز أو يمكث (في بَطْنِ أُمِّهِ) أي: رحمها (أَرْبَعِينَ يَوْمًا) حال كونه
(نُطْفَة) أي: منيًّا مدة الأربعین یتخمر فيها، ویتغضن حتى یتھیاً للخلق.
وقال الخطابي: الحق في هذا ما جاء أن عند أبي حاتم وغيره عن ابن مسعود ذه
في تفسيره؛ لأن الصحابة أعلم الناس بتفسير ما سمعوه، وأحقهم بتأويله، وأحوطهم
للتوقي عن خلافه ((إن النطفة إذا وقعت في الرحم، فأراد الله أن يخلق منها بشرًا طارت
(١) أخرجه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٦٨٩٣)، وأحمد (٤١٧٢)، وأبو داود (٤٧١٠).

٤٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
في بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة، ثم تنزل دمًا في الرحم))
فکذلك جمعهما.
وصح تفسير الجمع بمعنى آخر، وهو ما تضمنه قوله وَ له: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ
خَلْقَ عَبْدٍ، فَجَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرَأَةَ طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلٌّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ
يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلُّ عِرْقٍ لَّهُ دُونَ آدَمَ ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءً
رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨]))(١).
ويشهد لهذا المعنى قوله و له لمن قال له: ولدت امرأتي غلامًا أسود: ((لعله نزعة
عرق»(٢).
وأصل النطفة: الماء القليل، سمي به المني؛ لقلته، وقيل: لنظافته؛ أي: سيلانه
من قولهم: ماء ناطف؛ أي: سيال.
(ثُمَّ) عقب هذه الأربعين (يَكُونُ) في ذلك المحل الذي اجتمعت فيه النطفة
(عَلَقَةً) أي: دمًّا غليظًا جامدًا (مِثْلَ ذَلِكَ) الزمان (ثُمَّ يَكُونُ) عقب الأربعين
الثانية (مُضْغَةً) أي: قطعة من اللحم قدر ما يمضغ (مِثْلَ ذَلِكَ) الزمان (ثُمَّ) بعد
انقضاء ما ذكر من المائة والعشرين يومًا، وبعد تصويره أول الأربعين الرابعة
(يَبْعَثُ اللهُ إِليه مَلَكًا) هو الموكل بالرحم كما في الحديث الصحيح، ومن ثم كان المراد
ببعثه أمره؛ لأنه لا يفارق الرحم.
وحكمة هذا التنقل مع قدرته تعالى على خلقه في لمحة إظهار ما فيه من الفوائد
والعبر؛ منها: خفيه على الأم؛ إذ لو خلق دفعة لشقَّ عليها، وربما ظن أنه علة، فجعل
أولاً نطفة ليعتادها مدة، ثم علقة كذلك، وهكذا إلى الولادة، وإظهار قدرته تعالى
ونعمته عليه؛ لتعبده وتشكره حيث نقله من تلك الأطوار إلى أن صوَّره في أحسن
تقويم شكلاً وعقلاً، وشهامة وذكاء، ومعرفة وتنبيه الناس على كمال قدرته على الحشر
(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٧٩١)، وابن منده في التوحيد (٨٦).
(٢) أخرجه البخاري (٥٣٠٥)، ومسلم (٣٨٤١)، والبيهقي (١٤٦٣٢)، والنسائي (٣٤٧٩).

٤٣٣
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
والنشر؛ لأن من قدر على خلق الإنسان ﴿مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ثم نقله من
طور إلى طور إلى أن هيأه لنفخ الروح فيه يقدر على نفخها إذا صار ترابًا بالأولى؛ لأن
الإعادة أهون من العدو بالنسبة إلينا باتفاق العقلاء.
وحكمة تأخر بعث الملك إلى هذا الوقت: إنه حينئذ تكامل بناؤه، وتشكلت
أعضاؤه كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَامًا فَكْسَوْنَا العِظَامَ لَخْمًا ثُمَّ
أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] بنفخ الروح فيه (بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ) جمع: كلمة، وهي
القضاء المقدر من قول أو فعل (فَيَكْتُبُ) بعد الكتابة السابقة في الأزل (عَمَلَهُ وَأَجَلَهُ)
والتكرير لمزيد الاعتناء بذلك (وَرِزْقَهُ وَشَقِيُّ أَوْ سَعِيدٌ) قياس ما قبله وشقاوته أو
سعادته.
فالعدول لذلك إمَّا حكاية لصورة ما يكتبه؛ لأنه يكتب شقي أو سعيد، أو
التقدير: وأنه شقي أو سعيد، وآثر حذف ((أنه)؛ لأن الكلام مسبوق إليهما، والتفصيل
وارد عليهما، ولم يتبين المكتوب فيه، فيحتمل أنه تعالى حينئذ يأمر الملك الكاتب له،
وأن أعماله بعدًا، وغيره أن ينشئ له ديوانًا يكتب فيه ذلك، ثم ما سيقع له من
الجزئيات المطابقة لهذا الإكمال حسب ما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته، فمن
وجده مستعدًا لقبول الحق أيلاً للخير أثبت في عداد السعداء أو كتب له من الأعمال
ما يناسبه، ومن لا أثبته في ديوان الأشقياء وكتب له ما يتوقع منه من المعاصي، هذا إذا
طابق به وأمره غايته وإلا كتبهما وحكم عليه بوفق خاتمته.
وفي روايات صحيحة («كتابته)) زيادة على هذه الأربعة لكنها ترجع إليها.
(ثُمَّ) بعد هذا البعث لا قبله كما أفادته ثم أيضًا، وعكس ذلك في الواقع في
رواية البيهقي المراد به ترتيب الأخبار فقط على أن رواية الشيخين مقدمة على غيرهما
(يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ) هو سر من أسرار الله تعالى لم يتكلم عليه وَّ فالأولى بنا الإمساك
عنه، وخاض فیه کثیرون، فکثُر اختلافهم فيه ولم يتحصلوا منه على شيء، وما تقرر
من أن التصوير أول الأربعين الرابعة لا ينافيه ما في رواية آخر أنه في أوائل الأربعين

٤٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
الثانية، أولها أو ثانيها أو خامسها بل مرت رواية تقتضي أنه يوم سابع كونه نطفة.
وفي رواية مسلم: ((إنه في ثاني الأربعين الثانية يخلق جميع أجزائه حتى العظم)(١)
وذلك؛ لأن التصوير له ابتداء وانتهاء؛ إذ فيه تتميم ظاهر أو تخطيط، ثم تشكيل أو
تقدير، ثم فعل أول الأربعين الآتية كما دلت عليه الآية السابقة، أو يختلف ذلك
باختلاف الأجنة، والجمع بهذا أظهر من الكل؛ إذ لا يتم التوفيق بين الروايات
الصحيحة الكثيرة المختلفة الظواهر اختلافًا ظاهرًا إلا بذلك.
وجرى طوائف من الفقهاء على أن التصوير لا يكون قبل ثمانين يومًا، ولعله
باعتبار الغالب كما هو الشاهد، فأناطوا الأحكام في العدد وغيرها به، وأعرضوا عن
غيره للشك فيه في جنين بعينه، كما أن ((ثم)) لما دلت على تراخي نفخ الروح عن
الأربعين الثانية، ولم يعلم مدة ذلك التراخي أولاً أنه مطرد، ثم أو يختلف باختلاف
الأجنة أناطوه بستة أشهر؛ لأنه الأمر المحقق وأعرضوا عن غيره.
وفي خبر أحمد: ((إنها تنفخ بعد الأربعين الرابعة))(٢) لكنه ضعيف، بل قيل: غلط
بل النفخ بعد الأربعين الثالثة بلا شك. انتهى.
وبقية الشك ليس في محله (فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ
الْجُنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ) منصوبة بـ((حتى)) وفصل ((ما)) النافية غير مانع لعمل حتى؛ أي:
(١) نصه: ((أَنَّ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ
وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ. فَأَتَى رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ لَيْهِ يُقَالُ لَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ
الْغِفَارِيُّ فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ وَكَيْفَ يَشْقَى رَجُلُ بِغَيْرِ عَمَلٍ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ
أَتَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَ ﴿ يَقُولُ: ((إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً
بَعَثَ اللهِ إِلَيْهَا مَلَكَّا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَخْمَهَا وَعِظَامَهَا ثُمَّ. قَالَ يَا رَبِّ
أَذَكَرُ أَمْ أُنْثَى فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ أَجَلُهُ. فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ
وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ رِزْقُهُ. فَيَقْضِى رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ
بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ فَلاَ يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلاَ يَنْقُصُ».
(٢) أخرجه أحمد (٣٦٧٩).

٤٣٥
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
إلى أن يكون، وجُوِّز الرفع، وأن ((ما)) تنفي حتى (بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ) كناية عن
مقارنة الدخول أو من باب التمثيل (فَيَسْبِقُ) حينئذ فورًا بلا مهلة، ضمنه معنی یغلب
(عَلَيْهِ الْكِتَابُ) أي: المقدر عليه فيه (فَيَعْمَلُ) عند ذلك (بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ) بأن يرتد
والعياذ بالله تعالى، قيل: أو يموت فاسقًا، وفيه نظر (فَيَدْخُلُهَا) عقب موته لما يأتي من
حقية عذاب القبر، وأنه على الروح والبدن نزل وصول أثرها إليهما منزلة دخوله لها
حقيقة مبالغة في التغليظ والتخويف.
قال القاضي وغيره: وهذا نادر جدًّا لخبر: ((إن رحمتي سبقت غضبي(١) بخلاف ما
بعده، فإنه كثير فلله الحمد والمنة على ذلك.
(وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعُ
فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَل بِعَمَلٍ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا) ويأتي هنا نظير ما مرَّ في
((حتى)) وما بعدها حرفًا بحرف إلا أن المبالغة هنا في التبشير، واستفيد من ذلك أن
الحسنات والسيئات ليست بموجبات، وإنما هما أمارات لا مدار عليها، وإنما المدار
على الخواتيم الواقعة وفق ما سبق به القضاء، وجرى به القدر قبل خلق الخلق وبعده
حين قبض الله تعالى القبضتين، وقال: ((هذه للجنة ولا أبالي وهذه للنار ولا أبالي)»(٢).
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٨٣ - [وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْد ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّ:(إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ
أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا
الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ)(٣). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(١) أخرجه البخاري (٦٩٦٩)، ومسلم (٢٧٥١)، والدارقطني في الصفات (١٦)، وأحمد (٧٥٢٠)،
وإسحاق بن راهويه (٤٥٩)، وأبو نعيم في الحلية (٨٧/٧)، والديلمي (٥٢٨٧).
(٢) أخرجه بنحوه أبو يعلى (٣٤٥٣)، وابن خزيمة في التوحيد (ص ٧٩)، وابن عدي (٢٠٦/٢)،
والعقيلي (٢٥٧/١).
(٣) أخرجه البخاري (٦٢٣٣)، وأحمد (٢٢٨٨٦)، وابن حبان (٦١٧٥)، والطبراني (٥٧٨٤).

٤٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْد ◌َّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلٍ
النَّارِ، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) جملة حالية (وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ،
وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ) تذييل لما قبله مشتمل على حاصله لمزيد التقرير والتبيين؛
لكون العمل السابق ليس بمعتبر، وإنما المعتبر ما ختم به كما لوَّح به سبق الكتاب
السابق آنفًا، والحث على إدامة الطاعات وهجر المعاصي جملة خوفًا من أن يقع موته
وهو متلبس بمعصية، فيكون ممن سبق عليه القضاء بالشقاء، والزجر عن الإعجاب
بالأعمال؛ إذ الاتكال عليها غرور أي غرور، كيف والعبد لا يدري ماذا يقع له في
خاتمته؟! والتحذير من القطع لأحد بالجنة أو النار كما يأتي قريبًا في حديث عائشة،
والإرشاد والتنبيه على أن لله أن يتصرف في ملكه بما يشاء وكيف يشاء، وأن كل ذلك
عدل منه وصواب لا مساغ لأحد أن يعترضه؛ لأنه تعالى هو المالك المطلق وما سواه
مملوك له، فاعتراضه ربما سلب نعمته وتحقق نقمته ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ
يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ومما ينتجه التسليم لقضاء الله وقدره الذي لا خلاص ولا نجاة
إلا به، إجزال إنعامه وإسباغ لطفه وتيسيره وإكرامه.
أَلَا ترى أنه لما نزل ﴿ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ﴾
[البقرة:٢٨٤] اشتد ذلك عليهم؛ لعجزهم عن قلع أصول خواطر نفوسهم، فأنبئهم المال
بقوله: ((لعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا، قولوا: سمعنا
وأطعنا))(١) فقالوا تسليمًا للحق وخضوعًا لامتثال أوامره، فرفع الكُلفة، وأخبر ذلك عنهم
بإنزاله بعد تلك الآية ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ).
٨٤ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللهِ وَهَ إِلَى جَنَازَةِ
صَبِيٍّ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، طُوبَى لِهَذَا عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ
(١) أخرجه بنحوه مسلم (١٩٩)، وأحمد (٩٣٣٣)، وابن حبان (١٣٩).

٤٣٧
کتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ. قَالَ: «أَوَغَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلاً خَلَقَهُمْ
لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلاًّ خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ))(١). رَوَاهُ
مُسْلِمُ].
(وَعَنْ عَائِشَةٍ - رضي الله عنها - قَالَتْ: دُعِي رَسُول الله ◌َهَ إِلَى جَنَازَةٍ صَبِيِّ
مِن الْأَنْصَارِ) أي: إلى الصلاة عليه (فَقُلْتُ: يَا رَسُول الله [طُوبَى لِهَذَا](٢)) الصبي فعلى
من الطيب قلبوا الياء واوًا للضمة قبلها؛ أي: له أطيب العيشة؛ إذ لا عقاب عليه أو له
الخير كناية عن طيب العيش لاستلزامه له.
هو (عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِیر الجنَّةِ) أي: مثله في کونه یسرح فیھا کیف یشاء، فهو
تشبيه بليغ، وما قيل ليس هذا من باب التشبيه؛ لأنه عصفور ثم نسبه به، ولا من
باب الاستعارة؛ لأن المشبه والمشبه به مذكوران، وإنما هو من باب الادعاء على حد
تحية بينهم ضرب وجيع: القلم إحدى اللسانين، جعلوا التحية والقلم ضربين ادعاء
متعارفًا وغيره، وبينوا أن المراد غيره بقولهم: ضرب وجيع، وقولهم: أحد اللسانين.
انتهى.
فممنوع بل ثم طيور كما دلَّ عليه خبر: ((إن أرواح الشهداء في أجواف طير
خضر))(٣) وخبر: ((نسمة المؤمن - أي: روحه - طائر تعلق في شجر الجنة)) (٤).
فشبهت عائشة هذا الصبي بتلك الصور التي على صور الطير، وسمَّتها عصافير
مبالغة في تشبيهها بها، ووجه الشبه بينها وبين الصبي ملازمة كل منهما للجنة على
(١) أخرجه مسلم (٢٦٦٢)، وأحمد (٢٥٧٨٣)، وأبو داود (٤٧١٣)، وابن ماجه (٨٢)، والنسائي في
الكبرى (٢٠٧٤).
(٢) سقطت في الأصل.
(٣) أخرجه الطبراني (٨٩٠٥)، وعبد الرزاق (٩٥٥٧).
(٤) أخرجه مالك (٥٦٨) وأحمد (١٥٨٢٥) والنسائي (٢٠٧٣) وابن ماجه (٤٢٧١) والحكيم (٢٧٢/١)
وابن حبان (٤٦٥٧) والطبراني (١٢١) وأبو نعيم في الحلية (١٥٦/٩).

٤٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
أكمل حال وأسره، وحينئذ اتضح أنه من باب التشبيه لا الادعاء، فتأمله.
(لَمْ يَعْمَل السُّوءَ) أي: الذنب، وضمان متلفه في ماله من باب خطاب الوضع لا
لكونه ارتكب إثمًّا (وَلَمْ يُدْرِكْهُ) لموته قبل التكليف، وفائدة هذا تقوية وجه التشبيه
المذكور (فَقَالَ) أتقولين هذا، وتجزمين به بلا مستند (أَوَ غَيرَ ذَلِكَ) الذي هو كفره
يحتمل وقوعه، ويحتمل أن الواو ساكنة فتكون ((أو)) للتشكيك؛ أي: الواقع هذا أو غير
ذلك، أو بمعنى ((بل)) أي: بل الواقع غير ذلك كذا، لكن قيل: وفي هذا الأخير نظر؛
لأنه يلزم عليه الجزم بأن ذلك الصبي غير مسلم أو ليس من أهل الجنة، وليس
كذلك بدليل تقريره ◌َ ل الناس على الصلاة عليه، ومعاملته معاملة المسلمين.
(يَا عَائِشَةُ) كأن ◌َّه لم يرتضِ قولها، فأنكره أو شكَّ عليها فيه أو أضرب عنه،
وأثبت ما يخالفه بناء على ما مرَّ مع ما يرده لما فيه من الحكم بالغيب بلا مستند،
والجزم بتعين إيمان أبوي الصبي أو أحدهما؛ إذ هو تبع لهما.
ولعل هذا كان قبل ما نزل عليه في ولدان المؤمنين والكفار؛ إذ هم في الجنة
إجماعًا في الأول، وعلى الأصح في الثاني، وتوقف من لا يعتد به في الإجماع لهذا
الحديث، وزيفوه بما تقرر من أنه لعله نهاها عن المسارعة؛ للقطع من غير دليل قاطع
يستند إليه، أو قاله قبل أن يعلم أنهم في الجنة.
(إِنَّ اللهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلاً خَلَقَهُمْ لَهَا) كرره؛ ليتعلق به الجملة بالحالية، وهي
(وَهُمْ فِي أَصْلَابٍ آبَائِهِمْ) اهتمامًا به واعتناء بشأنه (وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًّا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ
فِي أَصْلَابٍ آبَائِهِمْ) كناية عن سبق القضاء والقدر بخاتمة كلٍ، وما سيؤول إليه أمره،
وإشارة إلى خلق الذر في ظهر آدم، واستخراجهم ذرية بعد ذرية من صلب كل والد إلى
انقراض العالم، فالشقاء والسعادة لا ينشآن عن الأعمال، بل الموجب لهما هو اللطف
الرباني والخذلان الإلهي، وهم في العدم الأصلي فضلاً عن كونهم في أصلاب آبائهم،
فحينئذ وجب التوقف وعدم الجزم على بالغ بشيء في ذلك من غير مستند. (رَوَاهُ
مُسْلِمْ).

٤٣٩
کتاب الإیمان/ باب الإيمان بالقدر
٨٥ - [وَعَنْ عَلىّ ◌َّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ
مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَّدَعُ
الْعَمَلَ؟ قَالَ: ((اعْمَلُوا فَكُلُّ مُيَسَرْ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ
لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُبَسَّرُ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ)) ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ
أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ... ﴾ [الليل:٥ - ٦](١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عَلي ◌َهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَفْعَدُهُ
مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ) أي: موضع قعوده كناية عن كونه من أهل الجنة أو النار
باستقراره فیھا.
قالوا: ((و)) العاطفة بمعنى ((أو)) كما في رواية؛ ليصح ما بعدها من التفصيل، وإن
جاء في حديث ما تضمنه من أن لكل إنسان مقعدًا في الجنة ومقعدًا في النار، فمن ختم
له بالإيمان منَّ عليه بإرائه لمقعده من النار، وتبديله بمقعده في الجنة؛ أي: تعينه لمقام
فيه زيادة في سروره، أو بالكفر سحل عليه بإرائه مقعده من الجنة، وتبديله بمقعده
من النار زيادة في تحسره.
(قَالُوا: يَا رَسُولَ الله) أَفدت أن العبرة بالخاتمة المقدرة في الأزل لا في الأعمال
(فَلَا نَشَّكِلُ) أي: نعتمد (عَلَى كِتَابِنًا) الذي سبق القضاء به في الأزل (وَنَدَعُ الْعَمَلَ)
فإنه لا فائدة فيه؛ إذ لا يرد شيئًا من قضاء الله وقدره.
(قَالَ: اعْمَلُوا فَكُلُّ مُيَسٌَّ) أي: مهيأ مصرف (لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ
السَّعَادَةِ [فَيُيَسَّرُ] لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَة [فَيُيَسَّرُ](٢) لِعَمَلِ
الشَّقَاوَةِ) جواب في غاية البداعة والحكمة؛ أي: اتركوا الاتكال، فإنه لا ينفعكم
شيئًا بتقدير من التقادير، ولازموا الأعمال فإن الله أوجبها عليكم، ففيها امتثال أمر
(١) أخرجه البخاري (١٢٩٦) ومسلم (٢٦٤٧) وأحمد (١٠٦٧) والطيالسي (١٥١) وأبو داود (٤٦٩٤)
والترمذي (٢١٣٦) وأبو يعلى (٣٧٥) وابن حبان (٣٣٤) والبيهقي في الشعب (١٨٥).
(٢) وردت في المشكاة المطبوعة بلفظ: فسييسر.

٤٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
مولاكم وعبوديته عاجلاً، وتفويض الأمر إليه آجلاً؛ إذ أنتم عبيد لا بد لكم من
العبودية، ومن ثم لم يخلقوا إلا للعبودية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[الذاريات: ٥٦] فكونوا من العابدين، واحذروا أن تتحكموا على مولاكم بجعلكم
العبادة أو تركها سبيلاً مستقلاً بدخول الجنة أو النار، وإنما هي أمارات؛ فمن يُسر
لعمل الخير كان ذلك أمارة ظاهرة على أنه من أهل الجنة، ومن يُسر لعمل الشر كان
ذلك أمارة على كونه من أهل النار.
والحاصل: إن إخباره ◌َلّ عن سابق الكتاب إخبار عن غيب علم الله تعالى
فيهم، وهو حجة عليهم، فراموا أن يجعلوه حجة لأنفسهم في ترك العمل، فاعلم أن هنا
أمرين محكمين، أحدهما لا يبطل الآخر.
باطن: وهو الحكمة الموجبة في حكم الربوبية.
وظاهر: وهو السمة اللازمة؛ أي: الانقياد للأوامر والنواهي المتعين في حق
العبودية، وهو مجرد أمارة لا تفيد العلم.
وحكمة ذلك اعتدال مظهري الخوف والرجاء اللذين هما من تتمات كمال
الإيمان؛ ليكون العبد على طرفيهما غير منحرف إلى إحداهما.
(ثُمَّ قَرَأ) استدلالاً لما قرره من أن كلَّا ميسر لما خلق له قوله تعالى: ﴿﴿فَأَمَّا مَنْ
أَعْطَى﴾) من ناله ما أمره الله به، وقدمه لشدته على النفوس أكثر من العبادات
البدنية (﴿وَاتَّقَى﴾(١)) الله تعالى، فامتثل لكل ما أمر به، واجتنب كل ما ينهى عنه
(﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾(٢)) أي: الجنة، ويلزمه أنه يصدق بالنار (الآيَة) أي: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ
لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧] وهي: الجنة ﴿وَأَمَّا مَنْ تَجِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨] عن عبادة الله
تعالى ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنْيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٩ - ١٠] وبهذا يعلم أن هذه
الأمور إنما هي في حكم الظاهر، وأن من وراء ذلك حكم الله فيهم، وهو الحكيم
(١) الليل:٥.
(٢) الليل:٦.

٤٤١
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
الخبير ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
ومما هو أوضح دليل على ما تقرر من ذلك الأمرين المحكمين إجماع العقلاء على
أن الرزق والأجل كل منهما محتوم في الأزل، ومع ذلك أمروا بالكسب ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ
لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] أي: جوانبها بالأسفار للتجارة
وغيرها ﴿وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] وبالمعالجة بالطب، فالمعتبر في هذين العلة
الموجبة، والظاهر التأدي إنما هو مجرد سبب، وقد أطبق الناس خواصهم وعوامهم على
أن الظاهر منهما لا يترك بالباطن؛ فكذا ما نحن فيه؛ فتدبر ذلك حق التدبر؛ ليزول
عنك الوسواس والريب، وتسلم من الانحراف عن جادة الصواب إلى مهاوي الذلل
والعطب. ([مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ))(١).
٨٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ اللّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ
حَظَّهُ مِنَ الزَّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللَّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ
تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَاية لمُسْلِمِ قَالَ:
(«كُتِبَ عَلى ابن آدَمَ نصيبُهُ من الزِّنا مُدْرِكُ ذلك لا مَحالَةَ، الْعينانِ زِنَاهُما النَّظَرُّ،
والأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، والِّسَانُ زِنَاه الْكَلامُ، وَالْيَدُ زِناها البْطَشُ، والرِّجْلُ زِنَاها
الخُطَاء والْقَلْبُ يَهوى ويَتمنّى، ويُصَدِّقُ ذلك الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ(٢)].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: إِنَّ اللّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ [آدَمَ)(٣)
حَظّهُ) أي: نصيبه حال كونه (مِنَ) بيانية أو تبعيضية (الزِّنَا) أي: قدره عليه في الأزل
أو أثبت فيه سببه، وهو الشهوة والميل إلى النساء، وخلق فيه لأعضاء التي تجد لذة الزنا،
وهي العين والأذن والقلب والفرج، وكل من وجد فيه ذلك التقدير والإثبات (أَدْرَكَ
ذَلِكَ) الزنا؛ أي: أصابه ووجده وجودًا (لَا مَحَالَةَ) أي: لا حائل بينه وبينه أو لا حيلة له
(١) سقطت في الأصل.
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٣٨)، ومسلم (٢٦٥٧)، وأحمد (٨٩١٩)، وأبو داود (٢١٥٢).
(٣) سقطت في الأصل.

٤٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
في دفعه؛ فلا بد له منه علی کل تقدیر.
(فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللَّسَانِ النُّطْقُ) إسناد الزنا لهذين، وما يأتي مجازي
باعتبار أنها مقدمات له مؤذنة بوقوعه (وَالنَّفْسُ) أي: القلب كما يأتي في الرواية
الأخرى، وقد يطلق على ما كمن في الروح من مظاهر الشرور الناشئة عن الألوهية
والشهوات (تَمَنَّى) أي: تمني (وَقَشْتَهِي) وقوع الزنا الحقيقي نظرًا للذته في العاجل،
وغفلته عن عقابه الأليم في الأجل (وَالْفَرْجُ) الذي هو منشأ الزنا ومحله، فالإسناد إليه
مجازي (يُصَدِّقُ ذَلِكَ) النهي، وما قبله من زنا تلك الأعضاء، فإن تحققه بزناه، فيوقع
صاحبه في تلك الكبيرة الشنيعة (وَيُكَذِّبُهُ) بأَلَّا يزني.
فيستمر زنا تلك الأعضاء على كونه صغيرة يكفرها نحو الوضوء والصلاة
والاستغفار، وفي هذا استعارة تمثيلية؛ حيث شبهت صورة حالة الإنسان في إرساله
الطرف الذي هو رائد القلب للنظر المحرم، وصفاته الأذن لاستماع الصوت المفتن، ثم
انبعاث القلب إلى الاشتهاء والتمني، ثم تحقيقهما ببطش اليد ومشي الرجل ومباشرة
الفرج المحقق؛ لتمني القلب إن وقع الذنب والمحبة له إن لم يقع بحالة رجل أخبره
صاحبه بأمر زيَّنه عليه وأغراه عليه، فهو إمَّا يصدقه بطريقته له أو يكذبه بإبائه
عنه، ثم استعمل في جانب المشيئة ما هو الحقيق بالمشبه به من التصديق والتكذيب
قرينة للتمثيل. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
(وَفِي رِوَاية لمسْلِمٍ قَالَ: كُتِبَ عَلى ابن آدمَ نصيبُهُ من الزّنا) وهو (مُدْرِكُ ذلك لا
تَحَالَةً، الْعينانِ زِنَاهُما النَّظَرُ) إلى المرأة الأجنبية من غير مسوغ شرعي (والأُذُنَانِ
زناهُمَا الاسْتِمَاعُ) إلى صوتها مطلقًا بناء على أنه عورة، أو بشرط الفتنة بناء على
الأصح أنه ليس بعورة (واللَّسَانُ زِنَاه الْكلامُ) أي: المواعدة على الزنا (وَالْيَّدُ زِناها
البْطَشُ) أي: اللمس للأجنبية كذلك (والرِّجْلُ زِنَاها الخُطَا) جمع: خطوة؛ أي: المشي
إليه (والْقَلْبُ يَهوى ويَتمِنَّى، ويُصَدِّقُ ذلك الْفَرْجُ أو يُكَذِّبُهُ).
٨٧ - [وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ﴾: إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ الله

٤٤٣
کتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَّأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ
وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ
عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الله ◌َّ:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨](١)].
(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ﴿ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةً قَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ)
أي: أخبرنا، من إطلاق السبب على المسبب؛ لأن مشاهدة الشيء طريق إلى الإخبار
عنه بما هو عليه، والهمزة فيه للتقرير؛ أي: قد رأيت ذلك فأخبرنا به (مَا يَعْمَلُ النَّاسُ
الْيَوْمَ) أي: في هذه الدنيا؛ إذ اليوم قد يراد به مطلق الزمان (وَيَكْدَحُونَ) أي: يجهدون
أنفسهم في العمل، والكد (فِيهِ) حتى يؤثر فيها مشقة عظيمة، من كدح جلده:
خدشته.
(أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مَنْ قَدْرِ سَبَقَ) بيان شيء، فيرادف القضاء
القدر أو ((من)) للتعليل؛ أي: لأجل قدر سبق، أو للابتداء؛ أي: قضاء نشأ من قدر،
فالقدر السابق على القضاء.
ومن ثم قال شارح: المراد بالقدر: التقدير، وبالقضاء: الخلق؛ لقوله تعالى:
﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] أي: خلقهن، فهما متلازمان أبرأ
القدر بمنزلة الأساس، والقضاء بمنزلة الثناء.
ويوافقه قول بعض العارفين: القدر كتقدير النقاش للصورة في ذهنه، والقضاء
كرسمه تلك الصورة للتلميذ، فوضع التلميذ الصبغ عليها متبعًا لرسم الأستاذ هو
الكسب والاختيار، ومع ذلك هو في اختياره لا يخرج عن رسم الأستاذ، كذلك
العبد في اختياره لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر، ولكنه متردد بينهما.
وقال آخر: قضاء الله أخص من قدره؛ لأنه التقدير، والقضاء التفصيل والقطع،
(١) أخرجه مسلم (٦٩٠٩).

٤٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
ومثلهما بعضهم بأن القدر بمنزلة الكيل؛ ولهذا أجاب عمر قول أبي عبيدة له إذا أراد
أن يدخل للشام، فقيل له: إن بها طاعونًا أنفر من قضاء الله بقوله: ((أفر من قضاء الله
إلى قدر الله)) تنبيهًا على أن القدر ما لم يكن قضاء، فمن جواب يدفعه الله، فإذا قضى
فلا مدفع، ومنه وكان أمرًا مقضيًّا ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١] أي: لا
مدفع له (أو) كذا في مسلم وغيره، ووقع في نسخ (المصابيح)).
(أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ) أي: أخبرني
أن أعمل الناس الذين كلفوا به هل سبقه قضاء يقع على وفقه أو لم يسبقه قضاء، وإنما
هو على وفق ما يأتيهم به أنبياؤهم للتكليف به لا غير (فَقَالَ: لَا) أي: لا ينبغي لك
التردد بين هذين الأمرين؛ لما يلزم على الثاني من أن الأمر آنف كما زعمه المعتزلة
فضلوا ضلالاً مبينًا (بَلْ) أجزم بأولهما، وقل: هو (شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ)
فأعمالهم متأخرة عنه لا تقع إلا على وفقه.
وبما قررت به السؤال والجواب يعلم أن الجواب في غاية لمطابقة السؤال، وإن
زعم أن السؤال لو كان عن تعيين أحد الأمرين لزمه أن الجواب غير مطابق له ممنوع
بل هو مطابق له كما علمت، وحينئذ لا يحتاج إلى تكلف بيان المطابقة بأن ((أم)) في
رواية المصابيح ((واو)) في رواية غيرها بمعنى بل، فتحريره أن السائل لما رأى الرسل
يأمرون أئمتهم، وينهونهم اعتقد أن الأمر آنف، فيسأل أولاً عن الأمر أهو شيء
مقدر، ثم بدا له فأضرب عن ذلك، فقال: أهو واقع فيما يستقبلون به، والهمزة للتقدير،
فلذلك نفى ﴿﴿ ما أثبته وقدره وأكده بـ(بل))، ولو كان سؤالاً عن التعيين لقال: أشيء
قضي علينا أم شيء نستقبله بالتكلم، بل غيَّر العبارة وعدل إلى الغيبة، وعمم الأمم
كلها وأنبياؤهم، فدلَّ ذلك على صحة ما قلناه من إضرابه عن السؤال الأول إلى الثاني.
انتهى.
وكله تكلف لا حاجة إليه، وقوله: ولو كان سؤالاً إلى آخره عجيب أن الملازمة
التي ذكرها لا وجه لها.

٤٤٥
کتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
وقوله: بل غيَّر العبارة وعدل إلى الغيبة عجيب أيضًا، كيف وهي قضية السياق
فلا عدول ولا تغییر.
(وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللّه ◌َ) قَالَ تَعَالَى: ﴿﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا " فَأَلْهَمَهَا
فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾(١) [رَوَاهُ مُسْلِمٌ)(٢)) وفيه أبلغ رد وأوضحه لقول المعتزلة: إن
العبد يخلق أفعال نفسه، وتأويلهم الآية يصرفها عن ظاهرها باطل لا نظر إليه؛ لأنه لم
يستند إلا إلى مجرد عقولهم الفاسدة، ومن قبيل الفصل الثالث من باب الكبائر ماله
تعلق بذلك، فراجعه.
٨٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ رَجُلَّ شَابٌّ، وَأَنَا
أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ، وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ - كَأَنَّه يَسْتأذنه فِي الخِصاء -
فَسَكَتَ عَنّ، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَسَكّتَ عَنِّ، ثُمَّ
قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ وَهِ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى
ذَلِكَ أَوْ ذَرْ(٣).
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّ رَجُلُّ شَابٌّ وَأَنَا أَخَافُ عَلَى
نَفْسِي الْعَنَتَ) أصله: المشقة، ثم سمي به الزنا؛ لأنه سببها بالعذاب في الدنيا والآخرة
(وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، كَأَنَّه يَسْتأذنه في الخِصاء) بالمد؛ أي: قطع الأنثيين أو
سلهما، ويحتمل أن المراد هنا قطع الذكر.
(قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَسَكَتَ عَنِّ، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ
فَسَكَتَ عَنِّ، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ الْقَلَمُ) من جف
الثوب إذا ابتل، ثم يبس وفيه نداوة (بِمَا أَنْتَ لَاقٍ) كناية عن جريانه بالمقادير،
وإمضائها والفراغ منها، أو من باب إطلاق اللازم على الملزوم؛ لأن الفراغ بعد
(١) الشمس: ٧ - ٨.
(٢) سقطت في الأصل.
(٣) أخرجه البخاري (٥٠٧٦)، والطبراني (٨٦٣).