Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
٨ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((ثَلَاثُّ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ:
أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَأَنْ
يَكْرَةَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) (١).
مُتَفقَّ عَلِیهِ].
(وَعَنهُ) أي: أنس ﴾ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: ثَلَاثُ) أي: خصال ثلاث أُو
ثلاث خصال بالتنوين عوض عن المضاف إليه أو تنويه للتعظيم فساغ الابتداء به
وخبره جملة.
(مَنْ) مبتدأ شرطية، فالخبر مجموع الشرط والجزاء فقط على الخلاف في ذلك أو
موصولة ضمن معنى الشرط فخبرها ((وجد)) ويحتمل أن هذه صفة، وخبره: أن يكون
إلى اخره.
(كُنَّ) أي: وجدن (فِیهِ وَجَد) اكتفاؤه بمفعول واحد دليل على أنه ضمن معنى
ذاق؛ أي: ذوقًا حسيًّا (حَلَاوَةَ) أوثرت؛ لأنها أظهر اللذات الحسية.
وقيل: لأنه تعالى شبه الإيمان بالشجرة في سورة إبراهيم؛ إذ الكلمة الشهادتان،
وأصل الشجرة أصل الإيمان، وأغصانها اتباع الأوامر واجتناب النواهي، وورقها ما
يهم به المؤمن من الخير، وثمرها عمل الطاعات، وحلاوة الثمر جني الثمرة، وغاية كماله
تناهي نضج الثمرة وبه يظهر حلاوتها (الإِيمَانِ).
زاد النسائي: ((وَطَعْمَهُ))(٢) فاستلذ بالطاعات وتحمل مشقتها وآثرها على جميع
المستلذات؛ لقوة تعينه وانشراح صدره للإيمان حتى اختلط بلحمه ودمه وانكشفت
له حقائقه وثمراته عيانًا فيتمتع بها ويستلذ بحلاوتها، ولم يصدر منه مخالفة لمحبوبه في
قلیل ولا کثیر.
(١) أخرجه البخاري (١٦) ومسلم (٤٣)، والترمذي (٢٦٢٤) والطيالسي (١٩٥٩)، وأحمد (١٢٠٢١)
والنسائي في الكبرى (١١٧١٨)، وابن ماجه (٤٠٣٣)، وابن حبان (٢٣٨).
(٢) أخرجه النسائي في سننه (٥٠٠٢).

٢٤٧
كتاب الإيمان
وقيل: هو ذوق معنوي فهو مجازي أو استعارة بالكناية تتبعها الاستعارة
التخييلية؛ إذ الحلاوة من لوازم المطعوم ففيه تشبيه الإيمان بنحو العسل بجامع الالتذاذ
وميل القلب، ثم حذف المشبه به وأضيف للمشبه ما هو من لوازم المشبه به تغییلاً.
وفيه تلميح إلى قصة الصحيح الذي يدرك المطعوم على ما هي عليه والمريض
الصفراوي الذي بضده أن تجد طعم العسل مرًّا لنقص ذوقه بقدر نقص صحته.
قيل: ومما يشهد لكون ذلك الذوق حسيًّا قول بلال ظ﴾ عند تعذيب أهل مكة له
حتى يكفر: ((أحد أحد)) وعند موته لما سمع قول أهله: ((واكرباه واطرباه غدًا ألقى
الأحبة محمدًا وأصحابه)) فمزج مرارة العذاب والموت بحلاوة الإيمان وبحلاوة اللقاء
التي هي من حلاوة الإيمان.
فالقلب السليم من أمراض الغفلة والهوى يذوق طعم المرِّ ويتنعم به كما
يذوق الفم طعم العسل وغيره من لذيذ الأطعمة ويتنعم بها بل تلك أعلى وأكمل كما
یأتي.
ثم أبدل على الإعراب الأول من الثلاثة ما بينتها، وإن كان أخيراها مترتبين على
أولاها كما سيعلم مما يأتي.
الأولى: وهي أعظم أنواع التجلي بالفضائل؛ إذ حاصلها تعظيم أمر الله بإيثار
محبته ومحبة رسوله على كل أحد وكل كمال وحال إنما ينشأ عن ذلك (أَنْ
يَكُونَ اللهُ)(١) تعالى (وَرَسُولُهُ) وَِّ (أَحَبَّ) بالنصب خبر، وإفراده؛ لأنه وصل بـ(من))
وهو إذا وصل بها يجب إفراده دائمًا (إِلَيْهِ) قدم لنظير ما مرَّ في أحب إليه من والده
(مِمَّا سِوَاهُمَا) آثر ليه التشبيه هنا إشارة إلى الاختصار؛ ليحفظ وإلى أن المعتبر هو
المجموع المركب من محبتهما فلا عبرة بمحبة أحدهما دون الآخر، كما أشير إلى
ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١]
فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة العباد لله تعالى ومحبته تعالى لهم، وجعل
(١) في المشكاة المطبوعة بلفظ: من كان الله.

٢٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
هذين متوقفين عليها توقف المشروط على شرطه.
ونهى عنها الخطيب الذي قال: ومن يعصيها فقد غوى، وأمره بالإفراد إشارة إلى
أن المطلوب في الخطيب الإيضاح، ومن ثم قال ◌َ﴾: (وَمَنْ يَعْصِهِمَا)»(١) كما يأتي لكونه
غير خطبة يطلب فيها الإيضاح فلا يرد كونه ذكره في خطبة النكاح؛ لأن المطلوب
فيها الإيجاز والإسراع ما أمكن، وإلى أن كل واحد من الْعِصْيَانَيْنِ مستقل باستلزامه
الغواية؛ إذ العطف يفيد تكرير العامل واستقلاله بالحكم أصالة، فهو في قوة من
عصى الله فقد غوى ومن عصى رسوله فقد غوى، ومما يشير لذلك قوله تعالى:
﴿أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأَوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فإذا ((أطيعوا)) في
الرسول دون أولي الأمر إشارة إلى أنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلاله واله.
فإن قلت: عصيان أحدهما عصيان الآخر فلا يتصور الانفراد.
قلت: هو كذلك لكن القصد تفظيع المعصية بأنه لو فرض وجودها من رسوله
وحده لكانت مستقلة بالإغواء، فكيف وهي لا توجد إلا منهما؟ وهما بدل لما قلناه في
معنى الإنكار هنا نطقه ◌َ ﴿ بالتثنية بقوله: «مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ
يَعْصِهِمَا فَلَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ))(٢).
وأما ما قيل: إن جواز التثنية من خصائصه ◌َ﴾؛ لأنه لا يتطرق إليه إيهام
بخلاف غيره لو جمع فإنه يوهم التسوية فيرد، وإن مال إليه عبد السلام بأن الخصوصية
لا تثبت إلا بدليل؛ إذ الأصل في أفعاله وي اله وأقواله التشريع فإذا وجد منها ما ظاهره
التعارض ولم يقم دليل على الخصوصية وجب الجمع بنحو ما مرَّ من أن التثنية قد
تتعين في موضع الإشارة إلى الاعتبار ما دلت عليه وقد تمتنع في موضع؛ لأن المعتبر
إنما هو الإفراد ونهاكما هنا فاندفع ما قيل: العمل بخبر المنع أولى؛ لأن الخبر الآخر
(١) أخرجه مسلم (٢٠٤٧)، وأبو داود (١١٠٠)، والنسائي (٣٢٩٢)، وأحمد (١٨٧٤١)، والبيهقي في سننه
(٦٠١٩)، والحاكم (١٠١٦)، والطبراني (١٣٦٨٨)، وابن حبان (٣٧).
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٩٩)، والبيهقي في سننه (١٤٢٠٣)، والطبراني (١٠٣٤٨).

٢٤٩
كتاب الإيمان
يحتمل الخصوص؛ ولأنه ناقل والآخر مبني على الأصل؛ ولأنه قول والثاني فعل.
ثم رأيته في ((فتح الباري)) أشار إلى ردّ ذلك بنحو مما ذكرته حيث نقل ما قيل من
أن خبر المنع أولى؛ لأنه عام والآخر يحتمل الخصوصية؛ ولأنه قول ناقل ثم قال عقبه
ويرد بأن احتمال التخصيص في القول أيضًا حاصل، بل ليس فيه صيغة عموم أصلاً.
انتهى.
ثم قال: إن قضية الخطيب ليس فيه صيغة عموم بل عين واقعة فيحتمل أن
يكون في ذلك المجلس من يخشى عليه توهم التسوية.
قال البيضاوي: ثم المراد بهذا الحب هو العقلي وهو إيثار ما يقضي العقل
برجحانه ويستدعي اختياره وإن خالف هواه، كما أن طبع المريض عيافة الدواء
والنفرة عنه مع ميله إليه باختياره وجه لتناوله بمقتضى عقله، وما علم فيه من
صلاحه ونفعه. انتهى.
ولذلك للمحبة علامات من أظهرها ما أشار إليه يحيى بن معاذ الرازي بقوله:
((حقيقة المحبة ألَّا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء)) ولا يتم هذا إلا لصديق جذبته أزمة
العناية حتى أوقفته على غايات الولاية وأحلته في رياض الشهود فرأى أن محبوبه هو
الحق وما سواه باطل.
ومن ثم قال مالك : ((المحبة في الله من ذات أولياء الله)).
(وَ) تأنيثها وهي من التحلي بالفضائل أيضًا؛ إذ حاصلها الشفقة على خلق الله
بإخلاص محبتهم وينشأ عن ذلك سوق كل خير وبر وإحسان تدر عليهم إليهم.
(أَنْ)(١) تتأكد محبتهما عند الإنسان حتى يحب في الله ويبغض في الله كما
رواه النسائي فحينئذٍ يكون بحيث إنه إذا أراد أن (يُحِبَّ الْمَرْءَ وَلَا يُحِبُّهُ)(٢) لغرض
من الأغراض (إِلَّا لله) تعالى فلا يشوبها حظ دنيوي ولا غرض بشري امتثالاً
(١) في المشكاة المطبوعة بلفظ: من.
(٢) في المشكاة المطبوعة بلفظ: أحبَّ عبدًا لا يحبه.

٢٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
لما أمر به من التحاب فيه.
ومن ثم وعد تعالى المتحابين فيه بأعظم الثواب وجملة: ((لا يحب)) حال من
الفاعل أو المفعول قيل: أو منهما.
(وَ) ثالثتها: وهي من التخلي عن الرذائل بكراهة الكفر وسائر النقائص كذا
قيل، ويصح أن يكون من التحلي بالفضائل أيضًا، بل هو الظاهر كما لا يخفى أن
يتأكد محبتهما عنده أيضًا حتى يصل إلى أعلى أنواع محبة ما أحباه وكراهة ما كرهاه
منه (أَنْ يَكْرَةَ(١) أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ) أي: يصير بدليل تعديته بـ((في)) على حد: ﴿أَوْ
لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] فيشمل من لم يسبق إليه كفرائضه ولا ينافيه.
(بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنهُ) لأن أنقذ بمعنى: حفظ بالعصمة ابتداء بأن يولد على
الإسلام ويستمر أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، أو لا يشمله ولكنه
مفهوم من طريق المساواة بل الأولى.
ورواية النسائي الآتية يشمله منطوقًا وهذا معنى وصناعته أولى مما قيل: عُدي
بـ((في)) دون ((أل)) الذي هو المشهور؛ لأنه ضمن معنى الاستقرار؛ أي: أن يعود مستقرًّا
فیه.
(كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ(9)) أي: وكراهة الصيرورة في الكفر كراهية القذف؛
أي: الرمي والطرح (في النَّارِ) لما تحلى به قلبه من نور الإيمان الناشئ عن عظيم
انشراح صدره به ومحبته له حتى اختلط بلحمه ودمه، واستكشافه عن محاسن الإسلام
وعظمة مزاياه، وعن قبح الكفر وشينه ورداءة دركه.
وفي رواية للبخاري: ((وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى
الْكُفْرِ، بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ)) (٣).
(١) في المشكاة المطبوعة بلفظ: من يكره.
(٢) في المشكاة المطبوعة بلفظ: كما يكره أن يُلقى.
(٣) أخرجه البخاري (٦٠٤١)، والطيالسي (٢٠٥٩)، والطبراني في الأوسط (٢٦٣٩).

٢٥١
کتاب الإيمان
وفي أخرى لهما: «مَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ بَهُودِيًّا أُوْ
نَصْرَانِيًّا))(١) وهما أبلغ لإفادتهما أن الوقوع في نار الدنيا أولى بالإيثار من العود في
الكفر وتلك لا تفيد هذا إلا بنوع تعسف.
وأبلغ من الثلاثة رواية النسائي: ((وَأَنْ تُوقَدَ نَارٌ عَظِيمَةٌ فَيَقَعَ فِيهَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ
أَنْ يُشْرِكَ بِالله شَيْئًا))(٢).
(مُتَفقُّ عَلِيهِ) وفيه إشارة إلى عظيم فضل من أكره على الكفر فصبر على ما
أكره عليه حتى قتل، ووجه المناسبة بين هذا وما قبله أن ذاك يشمل أن كمال الإيمان
لا يحصل إلا إذا كان النبي ◌َّ أحب إليه من سائر الخلق، وهذا مبين أن تلك الأحبية
من جملة حلاوة الإيمان، فهذا مشتمل على ثلاثة وما قبله جزء منها فهو حديث عظيم
وأصل من أصول الإسلام؛ إذ فيه محبة الله ورسوله التي هي أصل الإيمان بل عنه ففيها
ينشأ كل خير وكمال وبها يتحلى الإنسان بكل فضل ويتخلى عن كل رذيلة.
ومن ثم قيل: معنى حب الله: الاستقامة في طاعته والتزام أوامره ونواهيه في كل
شيء، والمراد ثمرات المحبة فإن أصل المحبة الميل لما يوافق المحبوب والله سبحانه منزه
عن أن يميل أو يمال عليه، وهو يؤول لما مرَّ عن البيضاوي.
وعلى هذا يحمل قول مالك وغيره: محبة الله من واجبات الإسلام وأما محبة
الرسول فيصح فيها الميل؛ إذ ميل الإنسان لما يوافقه إما لاستحسان جماله أو اشتهاء
طعمه أو نحوهما، وإنما لما يستلذه بعقله من المعاني والأخلاق كمحبة من لم يره لنحو
صلاحه مثل محبة من أحسن إلى جميع الخلق بهدايته إياهم وإنقاذه لمن أطاعه من أليم
العذاب وقبيح الحجاب، فالمرء لا يؤمن إلا إذا تيقن أنه وَ ل﴿ لا يأمر ولا ينهى إلا بما
فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل، والعقل يقتضي ترجيح جانبه وكماله بأن يمرن
(١) أخرجه مسلم (٤٣)، وابن حبان (٢٣٧)، وأحمد (١٣٤٣١)، وأبو يعلى (٣٢٧٩)، والبيهقي في شعب
الإيمان (١٦٢٤).
(٢) أخرجه النسائي في سننه (٥٠٠٤).

٢٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
نفسه حتى يصير هواه تبعًا لعقله ويلتذ به التذاذًا عقليًّا؛ إذ اللذة بالحقيقة إدراك ما
هو كمال وخير ومن حيث هو كذلك ولا نسبة يعتد بها بين هذه اللذات واللذات
الحسية.
ومن ثم حصر بعض الأئمة اللذات في المعارف وعن هذه الحالة عبر
بالحلاوة على ما مرَّ؛ لأنها أظهر اللذات المحسوسة، وبما تقرر في معنى تلك الثلاثة
عُلِم وجه تخصيصها بالذكر وبيانه أنهما عنوان كمال الإيمان المحصل لتلك الحلاوة
الحسية والمعنوية؛ إذ لا يتم إيمان امرئ حتى يتمكن في نفسه أنه لا منعم ومانح
ومانع إلا الله تعالى وما سواه وسائط ليس في حد ذاتها من ذلك شيء، وأن رسول الله
* هو أكبر وسائطه الساعي في إصلاح شأن كل مؤمن وإنقاذه من كل ما يؤذيه وتحليه
بكل ما ينفعه، وذلك يقتضي أن يتوجه بكليته وشراء شره إلى السعي في رضا ربه
ومحبة الواسطة بينه وبينه من حيث كونه واسطة، وأن يتيقن جملة ما وعد وأوعد به
حق تيقنًا يخيل إليه الموعود كالواقع، فيحسب مجالس الذكر رياض الجنة والعود إلى
الكفر إلقاء في النار وأكل مال اليتيم أكل النار، وعُلِم مما مرَّ أن محبة الله تعالى
ورسوله آل﴾.
أمَّا فرض بأن يكون عنده من محبته ما يبعث على امتثال أوامره واجتناب
نواهيه والرضا بقضائه وقدره، فمن ارتكب معصية نقص من محبته بقدر معصيته
كما يشير إليه حديث: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ))(١) وسبب ذلك أن الاسترسال في
المباحات، فتتأكد محبة الشهوات حتى يقع في المكروهات، ثم حتى يقع في
المحرمات.
وأمَّا توسيع الرجاء، فتهون نفسه عليه أمر المعصية حتى توقعه فيها، لكن
الغالب في هذا أنه يسارع إلى الإقلاع والندم.
(١) أخرجه البخاري (١٥٧/٩)، ومسلم (٢٤٨/١).

٢٥٣
كتاب الإيمان
وأمَّا ندب بأن يواظب على النوافل حتى يصير محبوبًا لله تعالى كما قال تعالى: (لَا
يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ ... ))(١) ويتجنب
الوقوع في الشبهات حتى تصفو أعماله وأحواله، فتتفجر ينابيع الحكمة والعلوم من
قلبه على لسانه كما أشار إليه: ((مَنْ أَخْلَص لله أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ظَهَرَت يَنَابِيعُ الحَكْمَةِ
مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ))(٢).
وكذلك محبته ﴿ على نحو هذين القسمين مع زيادة اعتقاد أنه لا يتلقى شيئًا
من المأمورات والمنهيات إلا من مشكاة نبوته، ولا يسلك في فعل أو قول أو خلق أو
خاطر إلا واضح طريقته، راضيًا بجميع ما جاء به عنه أيضًا، أو استنباطًا من أئمة أمته
حتى لا يجد في نفسه حرجًا مما قضاه، ويسلم تسليمًا ويتخلق بما يمكنه من مبادئ
أخلاقه التي أشار مانحه إياها إلى رفعتها على سائر أخلاق الخلق بقوله عزَّ قائلاً:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] أي: من الجود والإيثار والعلم والتواضع وغيرها،
فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوته، ومن لا حقق الله شقاوته، أعاذنا الله من
ذلك بمنِّه وكرمه.
٩ - [وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴾: ((ذَاقَ طَعْمَ
الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ وَلِ رَسُولاً))(٣). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَلِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ذَاقَ) من الذوق، وهو
وجود أدنى طعم في الفم، وقد يستعمل لمطلق إصابة الشيء كالرحمة والعذاب في آيتي:
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ [هود:٩].
﴿لِيَذُوقُوا العَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] ولما ينالون عنده ◌َّ من الخير كما أشار إليه
(١) أخرجه البخاري (٣٩٢/٢١).
(٢) أخرجه القضاعي في ((الشهاب)) (٢٦٠/٢).
(٣) أخرجه مسلم (٣٤)، وأحمد (١٧٧٨)، والترمذي (٢٦٢٣) وقال: حسن صحيح، وابن حبان
(١٦٩٤)، والبزار (١٣١٨)، وأبو يعلى (٦٦٩٢).

٢٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
الراوي بقوله: ((وَلا يَفْتَرِقُونَ إِلا عَنْ ذَوَّاقٍ))(١) أي: عن علم يتعلمونه يقوم لهم مقام
الطعام والشراب؛ لأنه ﴿ كان يحفظ أرواحهم كما يحفظ الطعام أجسامهم.
(طَعْمَ الإِيمَانِ) ذوقًا حسيًّا أو معنويًّا على ما مرَّ في وجد حلاوة الإيمان؛ إذ كل
ما تقرر في ذلك يأتي في هذا الآن مدلولهما واحد، ولذا عقبه به، فإن قلت: وجود تلك
الحلاوة مرتب على غير ما رتب عليه ذواق هذا الطعم، فهلا اقتضى ذلك تغايرهما؟
قلت: قد يترتب الشيء الواحد على أسباب مختلفة، ويفرض أن اختلاف
الأسباب يقتضي تغاير المسببات كان التغاير الاعتباري كافيًا على أن الأسباب هنا، وثم
تؤول إلى شيء واحد؛ إذ من وجدت عنده تلك الأحبية وما بعدها يوجد عنده هذا
الرضا قطعًا؛ إذ لا يمكن تخلف أحدهما عن الآخر كما هو جلي؛ لأن من أحب أحدًا
تحرى مراضيه وآثر رضاه على رضا نفسه، فمقام المحبة والرضا متلازمان، وهما من
أجل المقامات بل أكملها.
(مَنْ رَضِيَ بِالله رَبًّا) يمر كالذي بعده؛ أي: مالكً وسيدًا ومتصرفًا؛ أي: قنع
واكتفى به، فلم يعترض على شيء من قضائه مع طيب نفسه به ولم يطلب معه تعالى
غيره، فلم يمل لغير أوامره ولا ارتكب شيئًا من نواهيه، ولا شك أن من تحلى بذلك
خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه وذاق طعمه، كما أنه صح إيمانه واطمأنت به نفسه،
وخامر باطنه حتى اختلط بلحمه ودمه، وخالطت بشاشته قلبه، فثبتت معرفته
ونفذت سيرته وسهلت عليه الطاعات واستلذ بها أعظم من استلذاذ غيره بنفائس
المطعومات.
(وَبِالإِسْلامِ دِينًا) عطف عام على خاص؛ إذ الأظهر أن المراد بالإسلام هذا: ما
يشمل الأمور العملية كالخمس السابقة في خبر: ((بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ))(٢) وغيرها،
والعلمية الاعتقادية كالسابقة في حديث جبريل: ((أُنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ ... إلى
(١) أخرجه الترمذي في ((الشمائل المحمدية)) (٣٧٥/١)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٩/١٦).
(٢) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (١٦).

٢٥٥
كتاب الإيمان
آخره)»(١) وغيرهما، ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه؛ إذ الدين جامع لذلك كله
اتفاقًا، والرضا بذلك يستدعي الإتيان به جمیعه.
(وَبِمُحَمَّدٍ فَ﴿ رَسُولاً) عطف خاص على عام، فامتثل جميع ما جاء به ودان له
واطمأنت نفسه لقبوله وعظمه ما يجب له، فإن قلت: قضيته ما تقرر أن مرتكب
الكبيرة بل الصغيرة لا حظ له في الإيمان، قلت: ليس قضيته ذلك؛ لأن الكلام هنا في
المؤمن الكامل، وعلى التنزل فمرتكب الصغيرة لا خلاف في صحة إيمانه، وكذا
مرتكب الكبيرة وإن مات ولم يتب؛ إذ مذهب أهل الحق سلفًا وخلفًا: إن من مات
موحدًا دخل الجنة قطعًا، ثم إن سلم من ارتكاب كبيرة لموته غير مكلف أو تائبًا أو
مرفقًا لم يسلم بكبيرة قط لم يدخل النار إلا لمجرد الورود؛ إذ الصحيح أن المراد به:
المرور على الصراط، وهو منصوب على متن جهنم، عافانا الله منها ومن كل مكروه بمنِّه
وكرمه.
وإن لم يسلم منها عند موته كان تحت مشيئة الله تعالى، فإن عفا عنه لحق
الأول وإلا عذبه بقدر جريمته أو أقل ثم أدخله النار، فلا يخلد في النار موحد وإن
عمل من المعاصي ما عمل، كما لا يدخله الجنة وإن عمل من البر ما عمل، هذا ما
تضافرت عليه أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به، بل تواترت عليه نصوص
يحصل منها العلم القطعي بذلك، وما ورد مما يخالفه يجب تأويله جمعًا بين النصوص مما
أمكن.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وهو حديث عظيم من جوامع كلمه يَّ لاشتماله بل وسطه، وهو:
((بالإِسلام دينًا)) لما مرَّ أن ما قبله وما بعده داخلان فيه على سائر معالم الشريعة
وكمالاتها الظاهرة والباطنة، فهو من جملة أصول الإسلام المنبئة على غاية الرضا به
ونهاية الأحكام.
(١) أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٨).

٢٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
١٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((وَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا
يَسْمَعُ بِي أَحَدُّ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِلَّذِي ◌ُرْسِلْتُ بِهِ
إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: وَ) الله (الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ ◌ِ)
أي: ذاته ولطيفته التي بها قيام ذاته، وحملته وإرادته وتصرفه (بِيَدِهِ) أي: في قبضته
وقدرته وإرادته وتصرفه، ووجه استعارة اليد؛ للقدرة أن أكثر ما يظهر سلطانها في
أيدينا وهو من المتشابهات، وفيها المذهبان المشهوران تفويض علمه إلى الله تعالى مع
التنزيه عن ظاهره بناء على أن الوقف في آية: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران:٧] على
الجلالة، وهذا المذهب السلف، وهو أسلم حذرًا من أن يعين له معنى غير مراد له
تعالی.
ومن ثم قال أبو حنيفة ع#ه كما نقله عنه العيني وغيره: تأويل اليد بالقدرة ما
يؤدي إلى تعطيل ما أثبته تعالى لنفسه، وإنما الذي ينبغي الإيمان به بما ذكره الله تعالى
من ذلك ونحوه على ما أراده ولا تشتغل بتأويله، فنقول: له يد على ما أراده لا كيد
المخلوقين؛ أي: لا مشابهة بينها وبين الأجسام بوجه من الوجوه.
وتأويله بما يليق بجلال الله تعالى وتنزيهه عن الجسم والجهة ولوازمهما
وما يناسبهما، وهو مذهب الخلف بناء على أن الوقف على: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ﴾
[آل عمران: ٧] ويؤيده أن ابن عباس كان يقول: أنا أعلم تأويله وأنا من الراسخين في
العلم، وهذا أعلم وأحكم؛ أي: يحتاج إلى مزيد حكمة وعلم حتى يطابق التأويل
سياق ذلك النص، وما أريد به مما يناسبه ويليق به، وهذا يتوقف على مزيد دقة نظر
وثقابة فهم وجودة فكر وإصابة رأي، وبما قررته يعلم أن المذهبين متفقان على أن
التنزيه عن ظواهر تلك الألفاظ، وإنما الخلاف في أن الأولى ماذا، أهو التفضيل أم
التأويل؟
(١) أخرجه مسلم (١٥٣)، وأحمد (٨٥٩٤)، وأبو عوانة (٣٠٨)، وابن منده (٤٠١).

٢٥٧
كتاب الإيمان
على أن بعض السلف كجعفر الصادق ومالك - رضي الله عنهما - أوَّلوا كما
بينت ذلك في (شرح العباب)) قبيل صلاة الجماعة مع الإشارة إلى الرد على من بالغ في
الخطأ على المؤولين نصرة لبدعته القبيحة من القول بالجسم أو الجهة كابن تيمية
وأتباعه، عاملهم الله بعدله، آمین.
والأصل: نفسي، لكنه ◌َ﴾ جرد من نفسه الزكية من اسمه محمد وهو هو؛ ليكون
أبلغ وأوقع في النفس، ثم التفت من الغيبة إلى التكلم تنزلاً من مقام الجمع ومن مخدع
الكمال الأعظم إلى مقام التفرقة، والاشتغال بدعوة الحق إلى الله وإلى منصة التكميل،
وهما معنوية بالجمع حالة توجب لذتها اتصالاً لا يشاهد فيه إلا الحق كما في قوله:
﴿آمَنَّا بِاللهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] بخلاف: ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [المائدة: ٥٩] فإنه تفرقة.
ويقرب من ذلك قول الجنيد سيد الطائفة رضي الله عنه وعنهم؛ إذ لم ينه قط
بغير ما يطابق: والسنة القرب بالوحد جمع، والغيبة في البشرية تفرقة، وكل جمع بلا
تفرقة زندقة، وكل تفرقة بلا جمع تعطيل.
فقال: (لَا يَسْمَعُ) جواب القسم (بي) أي: لا يبلغه خبري، من: سمعت من
فلان، بلغني خبره، فسمع مضمن معنى: أخبر، والباء للتعدية على حد ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا
فِيِ آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] أي: ما أخبرنا به سماعًا وهو آكد؛ إذ هو أخص من
مطلق الإخبار، وليست زائدة ولا بمعنى: من، خلافًا لمن زعمهما؛ لاقتضائهما أن
الكلام فیمن سمع كلامه ێ ولم يؤمن به.
وليس المراد هذا فحسب، وإنما المراد: أن كل من سمع بخبر بعثته وبانت له
معجزته وإن لم يره وبعد وفاته وَل، ثم لم يؤمن به كان من أهل النار المؤبدة عليهم
(أَحَدُ) هو في النفي كما هنا لاستغراق جنس العقلاء، فيتناول القليل والكثير،
الذكر والأنثى، كما: في الدار أحد؛ أي: لا واحد ولا اثنان فصاعدًا، لا متفرقين ولا
مجتمعين.
(مِنْ) للتبعيض أو البيان كما قاله صاحب ((الكشاف)) في: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ

٢٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
أُمَّةُ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] لكن البيان في الآية أظهر؛ لأن المطلوب من
كل الأمة أن يكونوا داعين للخير، آمرين بالمعروف، ناهين مسارعين في الخيرات.
(هَذِهِ) إشارة لمعهود ذهنًا فتعم، أو لخصوص اليهود والنصارى كما يعلم مما يأتي
(الأُمَّةِ) في محل رفع صفة أحد، والأمة: الجماعة، وقال الأخفش: لفظه فرد ومعناه
جمع، وقال غيره: هم جماعة يجمعهم جامع من نحو دين أو زمن أو محل، ويطلق ويراد
به تارة: كل من أرسل إليه و ﴿ آمن أو لا، وتسمى أمة الدعوة، وتارة: من آمن به فقط،
وتسمى أمة الإجابة.
و((أل)) فيها يصح أن تكون استغراقية أو جنسية أو عهدية كما يعلم مما يأتي،
ثم التقدير على التبعيض: لا يسمع بي أحد وهو بعض الأمة المعهودة ذهنًا، وهي أمة
الدعوة التي أرسل إليها، وهم الإنس والجن إجماعًا، وكذا الملائكة على نزاع فيه وحل
من التبعيضية بما ذكر جرى على القاعدة أنها التي يصح أن يحل محلها بعض، فلا
يقال: كيف يقدر الحرف باسم؟
وعلى البيان: لا يسمع بي أحد، وهم أمة اليهودية والنصرانية، وإعادة الضمير جمعًا
على معنى: أحد، على حد: فما منكم من أحد عنه حاجزين، وخصا لأن كفرهما
أقبح؛ إذ عندهما في كتابيهما التوراة والإنجيل من دلائل النبوة له وَله وحقيقة رسالته
إليهم وإلى غيرهم ما ليس عند بقية الأمم، أو لأنهم إذا توعدوا بذلك وهم أهل كتاب
فمن لا كتاب لهم ولا شبهة أولى.
(يَهُودِيُّ) بدل من أحد، بدل بعض أو كل نظرًا إلى ما مرَّ في ((أل)) أو عطفه بيان
له.
(وَلَا نَصْرَانِيٌّ) كررت لا؛ لأن المعطوف في حيز النفي على حد ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا
صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١] ما أدري ما يفعل بي ولا بكم ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَّا
الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧].
قيل: ويحتمل أن يكون المراد بالأمة المعاصرين، فإن صيغة الإشارة لا يتناول

٢٥٩
كتاب الإيمان
المعدومين ولا لفظ الأمة، وأمَّا من وجد بعد فمندرج ذلك بالقياس كما في سائر
أحكام الإيمان. انتهى وفيه نظر؛ إذ ما علل به ممنوع.
(ثُمَّ) هي للتراخي، أوثرت إشارة إلى أن الإيمان به ولا ينفع قبل الغرغرة ويمحو
ما سلف في الكفر، وإن تراخى عن ظهور المعجزات.
(يَمُوتُ) والحال له (لَمْ يُؤْمِنْ) ويصح أن يكون معطوفًا (بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)
أي: بجميعه مما علم من الدين بالضرورة (إِلَّا كَانَ) استثناء مفرغ؛ أي: لا يسمع بي من
ذكر ثم يموت غير مؤمن بي، فيكون له حالة من الأحوال إلا حالة واحدة، هي كونه
(مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) الخالدين فيها أبدًا، أو لا يكون من أصحاب شيء إلا من
أصحاب النار أبدًا، فكان إمَّا على حالها؛ أي: في علم الله، أو بمعنى: يكون، أو الدوام.
ويصح أن تكون (ثم)) للاستبعاد كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ
بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢] أي: لا أحد أظلم ممن تبينت له آيات الله
ودلائله القاصمة القاهرة يعرفها ثم أنكرها؛ أي: بُعيد صدور ذلك من عارف كما في:
رأيت جوهرة ثم لم يأخذها، فالمعنى: ما أبعد لذي عقل - سيما أهل الكتابين - أن
يسمع بي وتتبين له معجزتي، ثم يترك الإيمان بي إلى أن يموت على كفره، فاندفع بهذا
مع ما مرَّ في حکمه ذکر ذینك دون غيرهما.
تخصيص هذا بهما زعمًا أن نسبته إلى غيرهما كما وقع للشارحين تكلف،
وبما تقرر في معنى، ثم یعلم أن المعنى: لا يسمع بي من مرَّ، ثم بعد سماعه بي يموت غیر
مؤمن بي إلا خلد في النار، وحينئذ فيفهم أن من مات قبل سماعه به يكون من أهل
الجنة، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]
فعلم أن المنفي الذي يترتب عليه الخلود في النار سماع لم يترتب عليه الإيمان به وَله
ويفهم منه أن المنجي منها عدم السماع بالكلية، أو السماع الذي يترتب عليه الإيمان
به.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]: إنه مع معلله من

٢٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
الرفع والهجر منهي عنه فيكون على ما نحن فيه، وقيل: إنه علة للنهي، وقد أشار إلى
هذين شارح بقوله: أن ما نحن فيه نظير الآية نبأ على أن الفعل المعلل منهي لا أن
الفعل المنهي معلل.
(رَوَاهُ مُسْلِمْ) وكان حكمة ذكره هنا: إنه متمم للأحاديث التي قبله؛ إذ الذي فيه
الإشارة إلى وجوب الإيمان بما جاء به وَل﴿ من غير تنصيص على الجميع، والذي في هذا
التنصيص على أنه لا بد من الإيمان بجميع ما جاء به لل﴾ أي: مما علم من دينه
بالضرورة كما مرَّ، وفيه إشارة إلى أن دينه * وشريعته اللذين جاء بهما بلغا من
الظهور مبلغًا عنه كل أحد لم يبلغه غيرهما من الأديان والشرائع حتى صارا بحيث لا
يحتاج في الإيمان به ويللر لا إلى مجرد سماع بعثته من غير إقامة حجة ولا برهان؛
الاقتران السماع به بأبلغ دليل وأوضح بيِّنة على صدقه وحقيقة رسالته وعمومها.
١١ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّهِ وَِّ: ((ثَلَاثَة لَهُمْ أَجْرَانِ:
رَجُلُّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ، وَالْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ إِذَا أَدَّى حَقّ الله وَحَقٌ
مَوَالِيهِ، وَرَجُلْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَة يَطؤُهَا فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِهَا وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمِهَا
ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا: فَلَهُ أَجْرَانِ))(١). مُتَّفِقُ عَليهِ].
(وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيّ ◌َّهِ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ◌َِّ: ثَلَاثَة) مسوغة نظير ما
مرَّ في ثلاث السابق آنفا، أو وصفه بما بعده على ما يأتي (لَهُمْ أَجْرَانٍ) عظيمان (رَجُلُّ)
بدل من للمبتدأ بدل بعض بالنظر إلى كل منه ومما عطف عليه، أو كل نظرًا للمجموع
أو خبره، والهم أجران)) صفته أو خبر مبتدأ؛ أي: أولهم رجل، والمرأة في حكم الرجل
تبعًا حيث لم يرد فرق بينهما.
(مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب) المعهود ذهنًا في نصوص الكتاب والسنة، وهو: التوراة
والإنجيل، وقيل: المراد هنا الإنجيل، خاصة إن قلنا: إن النصرانية ناسخة لليهودية،
(١) أخرجه البخاري (٩٧) وفي الأدب المفرد (١٥٠)، وأحمد (٢٠١٦٢)، والبيهقي في الشعب (٨٣٦١).

٢٦١
كتاب الإيمان
فعيسى أرسل إلى بني إسرائيل إجماعًا دون غيرهم، على أن المحقق على أنها ليست
ناسخة لجميعها، وسيأتي ما فيه لقوله تعالى: ﴿وَلَأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾
[آل عمران: ٥٠] فهي مخصصة الناسخة، وعلى كل فمن كذبه منهم واستمر على يهوديته
لم يكن مؤمنًا.
تنبيه: كما يأتي فإن قلت: يؤيده إرادة الإنجيل وحده رواية البخاري: ((وَإِذَا آمَنَ
بِعِيسَى ثُمَّ آمَنَ بِ، فَلَهُ أَجْرَانِ))(١).
قلت: لا يؤيده؛ لأن النصوص على عيسى إنما هو لحكمة هي: بُعد بقاء مؤمن
بموسى دون عيسى مع صحة إيمانه بأن لم تبلغه دعوة عيسى إلى بعثة نبينا فآمن به،
وهذا وإن استبعد وجوده لكن في حمل أهل الكتاب على ما يشمله فائدة، هي: إن
اليهود من بني إسرائيل ومن دخل في اليهودية من غيرهم ولم تبلغه دعوة عيسى
يصدق عليه أنه يهودي مؤمن بنبيه موسى، ولم نكذب نبيًّا آخر بعده، فإذا أدرك
بعثة نبينا وآمن به تناوله الخبر المذكور.
ومن هؤلاء عرب نحو: اليمن المتهودون ولم تبلغهم دعوة عيسى؛ لاختصاص
رسالته بني إسرائيل، فاتضح أن المراد: التوراة والإنجيل كما تقرر، والتقدير: رجل
يهودي أو نصراني.
(آمَنَ) خبر بعد خبر أو حال بتقدیر قدر من «رجل» لتخصیصه بوصفه بالجار
والمجرور، وأتى في هذه الرواية بهذا حالاً وبما بعده مستقبلاً إشارة إلى أن هذا لا
يتصور غالبًا إلا فيما مضى على زمن تكلمه ** لما يأتي أن الإيمان بعيسى بعد بعثة
نبينا لا يصدق عليه أنه آمن بنبيه بخلاف الأخيرين، فإنهما مستمران إلى الساعة، ولا
ينافيه وجود ((إذا)) الدالة على الاستقبال في الثلاثة في رواية البخاري؛ لأنهما لإفادة أن
كلا يمكن وقوعه حال التكلم وبعده.
(١) أخرجه البخاري (٣٤٤٦).

٢٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
وفي رواية: ((إنما في ثلاثة)) لإفادة العموم فيها، وهي لا تنافي التنكيرهنا فيما عدا
الوسط؛ لأن المدار ليس إلا على الوصف بعد كل من الثلاثة، فساوى التعريف فيها
التنكير من حيث أداء المعنى المراد، فتأمل ذلك كله ليظهر لك رد ما أطال به غير
واحد هنا.
(بِنَبِيِّهِ) إيمانًا صحيحًا بأن يؤمن اليهودي بموسى القَيْه قبل علمه بنسخ شرعه
بالإنجيل بناء على أنه ناسخ، وإلا فقيل: نسخه بشريعتنا واليهودي والنصراني بعيسى
الكلّورة: بالنسبة لمن علم رسالته إليه قبل نسخ شرعه بشريعتنا وإنما قيدوا بما قبل
النسخ؛ لأن المؤمن بنبي بعد أن بلغته دعوة غيره الناسخة له لا أجر له على إيمانه به؛
لأنه لا يصدق عليه حينئذ أنه آمن بنبيه.
قيل: ويحتمل أنه لا يحتاج لذلك التقييد؛ إذ لا يبعد أن يكون طرأ الإيمان
بنبينا ◌َ* سببًا لثوابه على إيمانه السابق، كما أن الكافر إذا أسلم يثاب عليه حسناته
السابقة في الكفر. انتهى.
ويرد بأن ثوابه على ما مضى له في الكفر مقيد بعمل لا يحتاج لنية كالصدقة،
فوقوعها منه حال كفره لا يقتضي بطلانها، وإنما كفره مانع من الثواب عليها؛ لأنه
ليس من أهله، فإذا أسلم صار من أهله فأثيب لزوال مانعه، أمَّا ما يحتاج إليها فلا
يثاب عليه مطلقًا؛ لأنه وقع منه مطلقًا؛ لأنه وقع منه باطلاً فلا ينقلب بالإسلام
صحيحًا، فكذا يقال في الإيمان بعد النسخ: وقع باطلاً غير معتد به مطلقًا، فكيف
ينقلب بالإسلام صحيحًا؟ فاتجه ما قالوه وبطل ذلك الاحتمال.
كما أن القول بأن المراد: أهل الإنجيل خاصة إن قلنا: النصرانية ناسخة
اليهودية باطل أيضًا؛ لأن عيسى أرسل إلى جميع بني إسرائيل، فمن أجابه نسب له،
ومن لا هو كافر وإن آمن بموسى فلا يتناوله الخبر؛ لأنه غير مؤمن بنبيه.
ومما يصرح بالعموم الآية الموافق لها في هذا القسم هذا الحديث والنازلة في
عبد الله بن سلام وأشباهه، وهي: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ

٢٦٣
كتاب الإيمان
يُؤْمِنُونَ .. ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤].
روى الطبراني من حديث رفاعة القرطي قال: نزلت هذه الآية فيَّ وفي من آمن
معي، وصح عن علي ولد رفاعة هذا: خرج عشرة من أهل الكتاب منهم أبي رفاعة إلى
النبي ﴾ فآمنوا به فأوذوا، فنزلت.
وروى الطبراني: إنها نزلت في سلمان الفارسي وابن سلام، ولا تنافي؛ لأن الأول
كان نصرانيًّا والثاني كان يهوديًّا، فهو يؤيد العموم كما مرَّ، ومن قال: فمن نزلت فيه
كعب الأخبار، فقد وهم؛ لأنه لم يسلم إلا بعد موته صل﴾ في زمن عمر # فإن قلت:
يهود المدينة لم يؤمنوا بعيسى فكيف استحقوا الآخرين؟.
قلت: لا نسلم عدم إيمانهم به، وحاشا مثل ابن سلام وأضرابه مع سعة علومهم
وكمال عقولهم أن يكفروا بعيسى على أنه قيل: يحتمل أنه لم يبلغهم دعوته؛ لأنه ما لم
تنشر في أكثر البلاد، فإن قلت في كتابه ﴿ ﴿ لهرقل: (أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ)(١)
وقومه لم يكونوا من بني إسرائيل، وإنما دخلوا في النصرانية بعد التبديل كما صرح
به العلامة البلقيني وغيره.
قلت: هذا يحتاج لسند صحيح يدل له وعلى التنزل، فمن أين أن المراد بالمرتين
أجر على نصرانيته وأجر على إسلامه؟ وما المانع من أن المراد بهما أجر على إسلامه
وأجر على إسلام أتباعه بدليل: ((فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ))(٢).
ثم رأيت بعض المحققين صرح بذلك فقال: ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر
له من جهة إسلامه، ومن جهة أن إسلامه يكون سببًا لإسلام أتباعه. انتهى.
على أن الذي مرَّ لنا أن المانع إنما هو الدخول بعد النسخ ولا عبرة بالتبديل،
فدخول هرقل وقومه في النصرانية بعد تبديلها وقبل نسخها بشريعة نبينا ولي لا يمنع
(١) أخرجه البخاري (٢٩٤١)، ومسلم (٤٧٠٧)، وأحمد (٢٤١١)، والبيهقي (١٩٠٧٨)، والطبراني في
الكبير (٧١٢١).
(٢) انظر السابق.

٢٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
أنهم آمنوا بعيسى إيمانًا صحيحًا، فإن قلت: هو إنما أرسل لبني إسرائيل وهم ليسوا
منهم فلا يصدق على كل منهم أنه آمن بنبيه.
قلت: بل يصدق؛ لأن المراد بنبيه من التزم اتباع شريعته قبل نسخها، وإن لم
يكن مكلفًا باتباعها نظير ما مرَّ في العرب الذين تهودوا وإن بلغتهم دعوة عيسى
- صلى الله على نبينا وعليه وسلم - لأنه غير مرسل إليهم، ثم في كتابه وَلّ لهرقل: ((وَيَا
أَهْلَ الْكِتَابِ)) تصريح بأن كل من دان بدين قوم ولو بعد التبديل نسب إليهم، ففيه
دليل على أن قوله: ((من أهل الكتاب)» يشمل من دخل في التوراة والإنجيل ولو بعد
التحريف، ولا يلزمه من إلحاقه بهم في النسبة حتى يضاعف له الأجر لو أسلم عطاؤه
حكمتهم في حل الذبيحة والمناكحة على الإطلاق؛ لأن هذين يحتاط لهما ما لا يحتاط
لغيرهما، فاندفع بذلك أخذ البلقيني من تسمية هرقل وقومه: أهل الكتاب مع ما مرَّ
من أنهم إنما دخلوا فيه بعد التبديل أن لهم حكمهم حتى في ذينك.
وأقره على ذلك تلميذه شيخ الإسلام والحافظ في ((فتح الباري)» فإن قلت: ما
فائدة قوله: من أهل الكتاب آمن بنبيه؟ وهلا اكتفى بالثاني؟
قلت: فائدته ما دلَّ عليه من يقصد حصول الأجرين بكتابي آمن بنبيه إيمانًا
صحيحًا قبل بعثه نبينا صل* ثم نبينا وَل﴾، ومن ثم رده قول الداودي: يحتمل تناول
الحديث لسائر الأمم فيما فعلوه من خير كما في حديث حكيم بن حزام: ((أُسْلَمْتَ عَلَى
مَا أَسْلَفْتَ فِي خَيْرٍ))(١) بأن الحديث مقيد بأهل الكتاب؛ أي: بالمعنى الذي قدمناه فلا
يتناول غيرهم، وبأن قوله: آمن بنبيه، فيه إشعار بغلبة الأجر؛ أي: أن سبب الأجرين
الإيمان بالنبيين؛ أي: والثواب لحكيم على ما أسلفه ليس من هذين الأجرين، فلا
يحسن الاستدلال بقضيته قبل وما قبل بلوغ الدعوة كما قبل النسخ فيما مرَّ. انتهى.
وفيه نظر فيما قبل دعوة نبينا؛ لأن عدم بلوغ الدعوة غايته أنه يرفع العذاب
(١) أخرجه البخاري (١٣٦٩)، ومسلم (١٢٣)، وأحمد (١٥٣٥٣)، وأبو عوانة (٢٠٥)، وابن حبان
(٣٢٩)، والطبراني (٣٠٨٩).

٢٦٥
کتاب الإيمان
على عدم الإيمان بنبينا وَل# على ما في ذلك من الخلاف القوي الشهير.
وأمَّا كونه يفيد صحة الإيمان بعيسى مثلاً بعد بعثة نبينا - صلى الله عليهما
وسلم - فلا أظن أحدًا يقول به، كيف وقد أجمعوا على شمول دعوته وَّه لجميع الجن
والإنس من غير استثناء من لم تبلغه الدعوة، فعيسى بعد بعثة نبينا ليس بنبي أحد
حتى يصدق على المؤمن به بعدها أنه آمن بنبيه، فإن قلت: هل يظهر بين أهل الكتاب
وغيرهم فرق.
قلت: نعم؛ لأن الدين الحق انحصر في إبراهيم، ثم في أولاده، ثم في موسى منهم،
ثم في عيسى القليل.
فأهل الكتابين هما المخصوصان من بين سائر الأمم، فإنهم كانوا على دين حق
واستمر في بعضهم، فكان إيمان بعضهم تنبيه إذا وقع صحيحًا فيه ما يناسب عظمة
الأجر عليهم بخلاف إيمان بقية الفرق ممن لم يدخل في أحدهم الكتابين بشرطه
السابق؛ لأنه هنا لا سند له ولا معول عليه، ثم رأيته فرق في ((فتح الباري)) بأن: أهل
الكتاب يعرفون محمدًا كما قال تعالى: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾
[الأعراف: ١٥٧] فمن آمن به واتبعه منهم كان له فضل على غيره، كما أن من كذبه
منهم کان وزره أشد من وزر غیره.
(وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ) ◌َ﴿ إِيمانًا صحيحًا أيضًا (وَالْعَبْدِ الْمَمْلُوك) قيد به؛ ليتميز
مملوك الناس عن مملوك الله؛ إذ الكل عبيده سبحانه (إِذَا أَدَّى حَقَّ الله) من صلاة
وصوم ونحوهما، نعم النوافل لأدائه لها شروط مذكورة في ((الفروع)) (وَ) أدى (حَقّ
مَوَالِيه) من خدمتهم الجائزة جهده؛ إذ يجب على القن أن ينصح لسيده في خدمته وألّا
یوفر عنه شيئًا من مجهوده.
والمولى مشترك بين العتق والعتيق وابن العم والناصر والجار والحليف ومتولي
أمر غيره ومنه السيد؛ إذ هو المتولي الأمر العبد وهو المراد هنا، ولم يحمل اللفظ هنا على
جميع معانيه وإن كان مذهبنا وجوبه حيث لا تضاد بينهما؛ لأن محله عند عدم