Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول من تذكر أنه تعالى أمره بالإقبال عليه وعدم الإعراض عنه استحى أن يراه مشغولاً بالخسيس الفاني عن شهوده وذكره والإقبال عليه والإعراض عما سواه، ومن تفكر مواطن الآخرة، وعلم أنه معروض على الله فيها على رؤوس الأشهاد مهيأً لذلك العرض باستفراغ جهده في الطاعات، والإعراض عن المباحات فضلاً عن الموافقات، وفقنا الله لذلك بمنِّه وكرمه آمين. (قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ) أي: عن وقت القيامة ((متى الساعة؟)) في رواية لا وجودها؛ لأنه مقطوع به كذا درج عليه الشراح، ويرد عليه: إن وجود الله تعالى، وما ذكر معه مما مر مقطوع به أيضًا فالأولى أن يقال: إنه؛ أعني: وجودها، عُلم من قوله السابق: ((وَاليَوم الآخِر)(١) فتعين أن يكون السؤال هنا عن وقتها. وسميت ساعة؛ لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها، أو من أسماء الأضداد كالمفازة للهلكة، أو لكونها مع طولها عند الله تعالى كساعة قصيرة عند الخلق، وأصل الساعة مقدار غير معين من الزمان قال تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]. وهي شرعًا: يوم القيامة. وفي عرف أهل الميقات: جزء من أربعة عشر جزءًا من أوقات الليل والنهار. (قَالَ: مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا) أي: أنا، ويصح كون اللام هنا وفي السائل للاستغراق کما یأتي. وفي رواية: ((فَنَكّسَ فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا، ثُمَّ أَعَادَ فَلَمْ يُحِبْهُ شَيْئًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا)(٢). (بِأَعْلَمَ) الباء مزيدة لتأكيد معنى النفي (مِنَ السَّائِلِ) بوقتها. ما أفهمه من أنهما مستويان في العلم به غير مراد، وإنما هما مستويان في نفي (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (١٠)، وأحمد (٩٤٩٧)، وابن ماجه (٤٠٤٤)، وأبو داود (٤٦٩٥)، والنسائي (١١٧٢١)، والترمذي (٢٦١٠). ٢٠٧ كتاب الإيمان العلم به، أو في العلم بأن الله استأثر به فتعين أن المراد استواؤهما في القدر الذي يعلمان منه، وهو نفس وجودها أو أنه وَله: نفى أن يكون صالحًا لئن يسأل عن ذلك؛ لأن المسؤول ينبغي أن يكون أعلم من السائل في الجملة. ومن ثم قيل: ((لِمَ عدل عن ذلك عمَّا يقتضيه المقام وهو لست أعلم بها منك؟» وأجيب بأن سبب العدول الإشعار بالتعميم تعريضًا للسامعين أن كل سائل ومسؤول عنها فھو كذلك. (قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا) جمع أمارة، ويجوز حذف هائها؛ أي: علاماتها، وهو المراد بأشراطها في الرواية الأخرى؛ إذ هي جمع شرط بفتح الراء هو العلامة. وقیل: «مقدماتها». وقيل: ((صغار أمورها)) والمراد شيء من علاماتها السابقة لا المضايقة لها كخروج الدجال؛ لأن ذاك أول الآيات العظام المؤذنة بانفكاك نظام العالم، وانحلال وجوده. ومن فوائد بيان الأمارات: تأهب المكلف إلى المسير بزاد التقوى، وقد تخالف هذه الرواية رواية ((وَسَأُخْبِرُكَ))(١). وفي رواية: ((وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا))(٢) لإبهام هذه أنه لم يبتدئه بالسؤال عنها، وتلك أنه ابتدأه وجمع بأنه ابتدأه بقوله: ((وَسَأُخْبِرُكَ)) فقال السائل: ((فأخبرني». ويدل لذلك رواية: ((وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ نَبَّأْتُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا))(٣) قال: ((أجل)). وفي رواية: «فحدثني)". وأخذ من مجموع هذه الروايات أن أخبر وحدَّث وأنبأ بمعنى واحد، وإنما غاير عنها أهل الحديث اصطلاحًا. (١) أخرجه البخاري (٥٠). (٢) أخرجه مسلم (١٠٨)، وابن حبان (١٥٩). (٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٧٣). ٢٠٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول (قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا). وفي رواية: ((أَنْ تَلِدِ الْعَجَمِ الْعَرَب)»(١) وهي أخص من الأولى؛ أي: علاماتها ولادة الأمة مالكتها وسيدتها، ورؤية الحفاة ... إلى آخر ما يأتي، وأخبر عن الجمع بائنين إما؛ لأنهما أقله كما عليه جمع، ومجرد إبدال اثنين من ثلاثة فأكثر لا يشهد؛ لأن أقل الجمع اثنان خلافًا لمن زعمه واكتفى بهما لحصول المقصود كما في مقام إبراهيم: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ أي: وأمن من دخله بعد ﴿بَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:٩٧]. ويؤيده أن في رواية صحيحة ذكر ثلاث، وأتى به جمع قلة مع كثرة الآيات في الواقع؛ لفقد جمع الكثرة للفظ الشرط على بلاد الشرك وسبي ذراريهم، ونظر فيه بأن هذا الاستعلاء والاستيلاء كان أول الإسلام، بل وحين هذه المقالة، والسياق يقتضي الإخبار عما لم يقع إلا في أواخر الزمان، ورد بأن كثرة التسري الناشئة عن كثرة فتوح المسلمين واستيلائهم لم يكن واقعًا وقت المقالة، بل وجود التسري عندهم لم يكن من جهة الاستيلاء. وليس المراد إلا الإخبار عن كونه مفيد كثرته من هذه الجهة، وهو أمر حادث بعد الصدر الأول، أو لأنهما قد يتعارضان أو إشارة إلى القول بأنهما إنما يفترقان في النكرة دون المعارف. ((وَأَنْتَ رَبُّ)) في هذه الرواية، وإن ذكر في روايات أخرى باعتبار التسمية أو فرارًا من شركته للفظ رب العباد أو حقيقة ليعرف الابن منها بالأولى. وأصل الرب لغةً: المالك والسيد والمصلح، ولا يقال في غيره تعالى إلا بالإضافة دون التعريف؛ لأنه من ألفاظ الجاهلية، ثم هذه العلامة التي هي الاستيلاد المؤدي للعق بموت السيد المانع من البيع بعد جوازه أول الإسلام لا مجرد الاستيلاد؛ لأن إبراهيم أولد أمته هاجر ابنه إسماعيل القفيها إخبار عند الأكثرين عن كثرة السراري (١) ذكره ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (٨٠/١). ٢٠٩ كتاب الإيمان وأولادهن المثبتة عن استعلاء الدين، واستيلاد المسلمين. وسمي ولدها سيدها؛ لأن له ولاءها يإرثه له عن أبيه إذا مات، أو أنه كسيدها الصيرورة مال أبيه إليه غالبًا، وقد يتصرف فيه في حياة أبيه بإذن أو ظن رضا فتصير أمه کأنها أمته. وقيل: معناه أن الإماء تلدن الملوك، فتكون أمه من جملة رعيته فيكون سيدها وسيد غيرها منهم، وقرب بأن رؤساء الصدر الأول كانوا يستنكفون غالبًا من وطء الإماء ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكس الأمر ولا سيما من أثناء دولة بني العباس. قيل: لكن رواية ((ربتها)) قد لا تساعد ذلك. انتهى. ويرده ما مر أن تأنيثه باعتبار التسمية، وقرب أيضًا بأن السبي إذا كثر فقد يسبى الولد صغير ثم يعتق ويصير رئيسًا، بل ملكًا ثم تسبى أمه فيشتريها عالمًا أو جاهلاً بها، ثم يستخدمها وقد يطؤها أو يعتقها ويتزوجها. وقيل: معناه فساد الأحوال بكثرة بيع أمهات الأولاد، فتترك في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها ويطأَها، أو يعتقها ويتزوجها وهو لا يعلم. وهذا الأخير مجمل رواية: ((أَنْ تَلِدِ الْأَمَة بَعْلِهَا))(١) بناء على أن المراد به الزوج لا السيد، لكن قال بعضهم: الأظهر أن المراد به السيد؛ لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى، وعليه لا يختص ذلك بأم الولد؛ إذ الأمة قد تلد حرًّا من غير سيدها لظنها حرة أو نحوه أو قنَّ، ثم يعتق ثم يباع بيعًا صحيحًا فيهما وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو بنتها. فإن قلت: الفرق أن البيع هنا صحيح فليس فيه شيء من فساد الحال، فكيف قالوا بهذا الإلحاق على هذا القول؟ قلت: معناه أنهما استويا في محذور شرائها واستخدامها ووطئها، وإن افترقا من (١) أخرجه مسلم (١٠٧). ٢١٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول جھة بطلان البيع ثم وصحته هنا. واعلم أن جعل الشيء علامة لا يستلزم حرمته؛ إذ كثير من العلامات مقطوع بحلّه فلا يؤخذ من الحديث حرمة بيع أمهات الأولاد لأجله خلافًا لمن وهم فيه، وإنما حرمته معروفة من أدلة أخرى، فالمراد على القول الأخير بعد هذا من الإشراط عليه الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد، ولا يعكر عليه بيعها على قول فلا جهل لإمكان حمله على صورة مجمع على بيعها وهي بيعها حال حملها. وقيل: معناه الإشارة إلى كثرة العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الأمة وغيرها، وأُطلق عليه ربُّها مجازًا لذلك، ويجوز أن يكون المراد بالرب المربي فتكون حقيقة. قيل: وهذا أوجه الأوجه لعمومه، ورد بمنع ذلك، بل هو أضعفها؛ لأنه وله إنما عد هذا من الاشتراط لكونه على نمط خارج على وجه الاستغراب، أو على وجه دال على فساد أحوال الناس، ويؤيده أن هذا كذلك أن محصلة الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المربي مربيًا والسائل طالبًا وهو مناسب للعلامة التي بعده. واستشكل تخصيص العقوق بولد الأمة، وأجيب بأنه فيه أغلب منه في غيره، وإطلاق الرب على غير الله تعالى لبيان الجواز المفهوم عدمه من الخبر الصحيح: ((لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: اسْقِ رَبَّكَ أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: رَبِي وَلْيَقُلْ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ))(١). فإن قلت: هو خاص بغيره 19 كما قاله الشراح أو بالقن كما يصرح به اللفظ. قلت: الأول: يرده قولهم: الأصل عدم الخصوصية حتى يرد ما يدل عليه هنا. والثاني: يرده وضوح القياس؛ لأن القن إذا نهي عن ذلك لإبهامه فغيره مثله، (١) أخرجه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٦٠١٤)، وأحمد (٨٤٢١)، والبيهقي في سننه (١٦٢٣٠)، وفي الشعب (٨٣٦٤). ٢١١ كتاب الإيمان فتعين أن ذلك إنما هو لبيان الجواز كما قدمته. ثم رأيت بعضهم أجاب عن الحديث المذكور بأنه من باب التشديد والمبالغة، وبعضهم اعترضه بأن الممنوع إنما هو إطلاق لفظ الرب على غير الله تعالى بدون الإضافة بخلافه معها كـارب الدار)) وفيه نظر؛ لأن المنهي عنه في الحديث هو المضاف فألحق كراهة المضاف لياء المتكلم أو كاف المخاطب لإبهامه. وعبر في رواية البخاري بـ((إذا)) بدل ((أن)) المفتوحة إشارة إلى تحقق الوقوع؛ ولذلك قالوا: يقال إذا قامت القيامة: كان كذا، ولا يقال: ((إن)) بالكسر؛ لأنه كفر لإشعاره بالشك، وفي جزمهم بأن ذلك كفر نظر، ويتعين حمله على أن من عرف هذا المعنى واعتقده وإلا فكثيرًا ما يستعمل ((إن)) موضع ((إذا)) وبالعكس لأغراض بينت في علم المعاني. (وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ) أي: الفقراء الذين هم عولة على غيرهم جمع: عالٍ من عال يعيل إذا افتقر. وقال بعضهم: ((من عال إذا افتقر، وكثرت عياله)). (رِعَاءَ) بكسر العين والمد جمع: راع كتاجر وتجار (الشَّاءِ) جمع شاة. وفي رواية «الإِبِلِ الْبُهْم)(١) بضم الباء؛ أي: السود بجر ((البهم)) ورفعها وصف للرعاة جمع بهيم، فيكون كناية عن جهلهم، وأنه لا يعرف لهم أصل، ومنه أبهم الأمر إذا لم يعرف حقيقته. وقال القرطبي: الأولى حمله على سواد اللون؛ لأن الأدمة غالب ألوان العرب أو الإبل جمع بهما؛ إذ السود شرها عندهم وخيرها عندهم الحمر، ومن ثم جاء في الأخبار: (خَيْرُ مِنْ هُمْرِ النَّعَمِ))(٢). (١) أخرجه البخاري (٥٠). (٢) أخرجه البيهقي (بعد رقم ٤٢٥٠)، وابن عساكر (٣١٨/٤٥). ٢١٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول وفي رواية ((البَهْم)(١) بفتح الباء، ولا وجه له مع ذكر الإبل، بل مع حذفه الذي هو رواية مسلم؛ إذ هو جمع بهمة وهي صغار الضأن والمعز، ورجحت هذه على تلك؛ لأن رعاء الغنم أضعف أهل البادية بخلاف رعاء الإبل، فإنهم أهل فخر وخيلاء. (يَتَطَاوَلُونَ) التفاعل فيه من أفراد العراة الموصوفين بما ذكر لا بينهم وبين غيرهم ممن كان عزيزًا فذل خلافًا لمن وهم فيه؛ أي: يتفاخرون (في) طول (الْبُنْيَان) وبڪثرته. ومعناه أن أهل البادية من أهل الفاقة والذلة والمسكنة تبسط لهم الدنيا مِلكًا أو مُلكًا لاتساع الإسلام منهم حتى يتطاولون في البنيان والمسكن، ويتباهوا بذلك خيلاء وفخرًا بعد أن كانوا على غاية من الذل والقل والتشتت لا يستقر بهم قرار، بل ينتجعون مواقع الغيث، فهو إشارة إلى اتساع دين الإسلام كما أن العلامة الأولى فيها الإشارة إلى اتساع الإسلام أيضًا، واستيلاء أهله على بلاد الكفر وسبي ذراريهم. كما أخبر ◌َّ عن ذلك بقوله: ((إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا))(٢) أخرجه مسلم. فمحصلها إفادة أن من علامات الساعة تسلط المسلمين على العباد وعلى البلاد وشره أن بلوغ الأمر الغاية مؤذن بالقهقرى المستلزمة لقيام الساعة؛ لامتناع شرع آخر بعده حريًّا على سننه تعالى ألَّا يدع عباده سدًّا أو انقلاب الأحوال بارتفاع السفلة من العبيد والرعاة، أو بصيرورة العِزة أذلة كما أفادته الأولى، وعكسه كما أفادته الثانية وقد وقع للملكة حرقة بنت النعمان أنها لما سبيت وأحضرت بين يدي سعد بن أبي وقاص + أنشدت: (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه مسلم (٢٨٨٩)، وأحمد (٢٢٤٤٨)، وأبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢١٧٦) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٣٩٥٢)، وأبو عوانة (٧٥٠٩)، وابن حبان (٧٢٣٨)، وابن أبي شيبة (٣١٦٩٤). ((زوى لي الأرض)): يقال: انزوى الشيء إذا انقبض وتجمع، والمراد قبضها وجمعها. ٢١٣ كتاب الإيمان فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة نتنصف تقلب تارات بنا وتصرف فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ويوافق ما تقرر قول القرطبي: المقصود الإخبار عن تبدل المال بأن يستولي أهل البادية على الأمر ويتملكوا البلاد بالقهر فتكثر أموالهم، وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به، وقد شاهدنا ذلك في هذه الأزمان ومنه الحديث الآخر: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ ابْنُ لُكَعَ)(١). وحديث: ((إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ - أي: أسند - إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ))(٢) وكلاهما في الصحيح. وإنما سأل جبريل عن وقت الساعة مع علمه أن أحدًا لا يطلع عليه؛ لينبه الناس على قطع أطماعهم عن التلفت إلى الاطلاع عليها لما أكثروا السؤال عنها كما دلت عليه الآيات القرآنية، وليفصل لهم ما يمكن معرفته وما لا يمكن، وهذا وقع بين عيسى وجبريل مسؤولاً فانتفض بأجنحته: ((وَقَالَ: مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِن السَّائِلِ))(٣) رواه الحميدي عن سفيان عن مالك بن مغول عن إسماعيل بن رجاء عن الشعبي. (قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ) الرجل السائل (فَلَبِئْتُ) أنا. وفي رواية: (فَلَبِثَ))(٤) أي: هو (مَلِيًّا) أي: زمنا طويلاً، ويفسره رواية أبي داود والنسائي والترمذي ((قال عمر: فلبثت ثلاثًا)) وأصل ذلك من قولهم: ((عشت معه ملاوة من الدهر)) بتثليث أوله ومنه الملوان الليل والنهار. (١) أخرجه أحمد (٢٣٣٥١)، والترمذي (٢٢٠٩) وقال: اللكع: الأحمق اللئيم. (٢) أخرجه البخاري (٥٩). (٣) تقدم تخريجه. (٤) ذكره ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٣/١). ٢١٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول وفي رواية الترمذي: ((فَلَقِيَنِي ◌َِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ)(١). وفي أخرى لابن منده: «بَعْد ثَلَاثَة أَيَّام)»(٢) وفي هذه الرواية رد على من زعم أن رواية: ((ثلاثًا)) مصحفة من رواية: «مليًّا)). (ثُمَّ قَالَ: ((يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟)) قُلْتُ اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) هي على بابها؛ لأنه أشار أولاً إلى نوع علم كما مرَّ في شرح ((لَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدُّ، وَلَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ))(٣) فهو غیر بشر. (قَالَ: فَإِنَّهُ) الفاء فيه داخلة على جزاء الشرط الدال عليه ما قبله؛ أي: إذا فوضتم العلم إلى الله ورسوله فإنه (جِبْرِيلُ) أي: تفويضكم ذلك سبب للإخبار به. وفي رواية: ((رُدُّوه، فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ))(٤) فما رأوا شيئًا فيه أن الملك يتمثل بإذن الله تعالى بقوة ملكته أو تملكه نفسانية على الخلاف فيه لغير النبي حتى يراه على صورة البشر قائلاً سامعًا، وكذا راكبًا الفرس مقابلاً أو مكثرًا لسواد المسلمين كما وقع يوم بدر وحنين وأحد؛ إذ رؤية الملائكة في تلك المواطن على أحوال شتى، وصح عن عمران بن حصين أنه كان يسمع كلام الملائكة. (أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ) جملة حالية لكنها حالة مقدرة؛ لأنه لم يكن وقت الإتيان معلمًا (دِينَكُمْ) وهو لغة الجزاء، ثم أطلق على الإيمان والإسلام والإحسان واعتقاد وجود الساعة، وعدم العلم بوقتها لغير الله تعالى من مجاز إطلاق المسبب على السبب؛ لأن ذلك سبب الجزاء. (١) أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) (٦٦). (٢) أخرجه ابن منده في ((الإيمان)) (٥). (٣) أخرجه مسلم (٨)، وأحمد (٣٦٧)، وأبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠) وقال: حسن صحيح، والنسائي في الكبرى (١١٧٢١)، وابن ماجه (٦٣)، وابن خزيمة (٢٥٠٤)، وابن حبان (١٦٨)، والدارقطني (٢٨٢/٢)، والبيهقي (٢٠٦٦٠). (٤) أخرجه مسلم (١٠٦)، وأحمد (٩٧٤٩). ٢١٥ كتاب الإيمان وفي رواية: (أَرَادَ أَنْ تَعْلَمُوا إِذَا لَمْ تَسْأَلُو)(١). وفي أخرى: «وَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا كُنْتُ بِأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ، وَإِنَّهُ جِبْرِيلُ))(٤). وفي أخرى: ثم ولى فلما لم يرَ طريقه قال النبي ◌َّ: «سُبْحَانَ الله! هَذَا جِبْرِيل جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا جَاءَتِي قَطْ إِلَّا وَأَنَا أَعْرِفُهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ هَذِه الْمَرَّة)»(٣). وفي أخرى: ثم نهض فولى فقال ◌َ: ((عَلَّ بِالرَّجُلِ)) فطلبناه كل مطلبة فلم نقدر فقال: ((هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمِكُمْ دِينِكُمْ، خُذُوا عَنْهُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا شُبِّهَ عَّ مُنْذُ أَتَانِي قَبْل مَرَِّي هَذِهِ، وَمَا عَرَفْتِهِ حَتَّى وَلَّى))(٤). قال ابن حبان: تفرد سليمان التيمي بقوله: ((خُذُوا عَنْهُ))(٥). انتهى. ولا يضر تفرده؛ لأنه من الثقات الأثبات على أنه لم ينفرد إلا بالتصريح، وإلا فرواية: ((جَاءَ لِيُعَلَّمَ النَّاسَ))(٦) بفهم ذلك وإسناد التعليم إليه مجاز؛ لأنه السبب فكذا الأمر بالأخذ عنه. (رَوَاهُ مُسْلِمْ) ولم يخرجه البخاري عن عمر لاختلاف فيه على بعض رواته. ٣ - [وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة مَعَ اخْتِلَافٍ فِيهِ، وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللّهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسُّ مَاذَا (١) أخرجه مسلم (١٠٨). (٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٥٠٠٦)، والبزار (٤٠٢٥). (٣) أخرجه أحمد (١٧٩٦٥). (٤) تقدم تخريجه. (٥) أخرجه ابن حبان (١٧٣)، والدارقطني (٢٨٢/٢). (٦) تقدم تخريجه. ٢١٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسَّ بِأَيِّ أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾ [لقمان: ٣٤]. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ (١)]. (وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة مَعَ اخْتِلَافٍ) عنه في بعض ألفاظه (فِيه) إذ هو الرجل فقال ﴿: (رُدُوا عَّ الرَّجُلَ))(٢) فأخذوا يردونه فلم يروا شيئًا فأخبرهم أنه جبريل، ووجه الجمع بين هذه وما مرَّ عن عمر أنه لم يخبره إلا بعد ثلاثة أيام، وأن عمر قام عقب ذهاب الرجل فأمرهم بالتماسه، ثم أخبرهم به في غيبة عمر وآخر إعلام عمر به إلى بعد ثلاث. وفيه أيضًا: (إِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ) عن قبول الحق (الْبُكُم) عن النطق به أو هو كناية عن غاية الحمق والجهل والبلادة، فكأنهم لفرط جهلهم أصيبت مشاعرهم فلم يبق شيء من حواسهم مع كونها سليمة تدرك ما ينتفعون به (مُلُوكَ الأَرْضِ) أي: من أمارات الساعة أن تغلب الأراذل الحمقاء الجهال ويذل الأشراف، ويتولى الرئاسة من لا يستحقها ويتعاطى السياسة من لا يحسنها؛ إذ والي القوم معين أن يكون أعلمهم وأعقلهم وأشجعهم، والمراد بأولئك أهل البادية لما في رواية قال: ما الحفاة العراة؟ قال: ((العَرِيب))(٣) مصغر عرب. وفي رواية للطبراني: ((مِن انْقِلَابِ الدِّينِ: تَفَصُّح التَّبَط، وَاتَّخَاذهم الْقُصُورِ في الْأَمْصَارِ))(٤). (في خَمٍْ) متعلق بأعلم، وأول في المسؤول والسائل للاستغراق؛ أي: ما أحد من (١) أخرجه مسلم (١٠٨) بلفظه، وأبو داود (٤٦٩٧)، والنسائي (٤٩٠٤)، والبيهقي في سننه (٨٨٧٢)، والطيالسي (٢٠)، وأحمد (٣٧٤) إلى قوله: ((أتاكم یعلمكم دينكم)). (٢) أخرجه مسلم (١٠٦)، وأحمد (٩٧٤٩)، والبيهقي في الدلائل (٣٠٠٠)، والطبراني في الكبير (١٤٥٦٤). (٣) أخرجه أحمد (١٧٩٦٥)، وابن حبان (١٧٣). (٤) أخرجه الطبراني بلفظ: ((من إكفاء الدين تفصح النبط، واتخاذهم القصور في الأمصار)» (١٢٩٤٥). الأمصار: جمع المصر، وهو البلد. ٢١٧ كتاب الإيمان المسؤولين بأعلم من أحد من السائلين في علم خمس، فلا ينبغي لأحد أن يسأل أحدًا عنها؛ لأن العلم بها مختص به تعالى ففيه إشارة ظاهرة إلى إبطال الكهانة والتنجيم ونحوهما من كل ما فيه تسور على شيء كلي أو جزئي من هذه الخمس، وإرشادًا للأمة وتحذيرهم عن إتيان ما يُدعى علم الغيب، وهذا هو سر العدول عن الجواب المطابق، وهو ما أنا بأعلم منك في علم هذا إلى الأمر العام المشتمل على ذلك الخاص وغيره، وهو في علم هذه الخمس يندرج في ضمنه أشياء مهمة لا بد من بيانها، وكان فيه تنبيهًا للسائل على أنه كان ينبغي له السؤال عن الخمس؛ لكثرة فوائده وعظيم عوائده. وقيل: «في» بمعنی: ((من)». وقيل: بمعنى: ((مع)) ولا يحتاج إليهما أو هو في محل نصب من مفعول ((ألا ترى)) أي: تراهم متفكرين في خمس متى تحصل على عادة جهال الملوك من تفكرهم في تلك الخمس، وفيه من التكلف ما لا يخفى، وهو خبر مبتدأ محذوف وهو الأولى لرواية «هي فِي خَمْس مِن الْغَيْب))(١) أي: علم وقت الساعة مندرج في جملة خمس كليات. (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللّهُ) كما أفاده تقديم عنده في الآية الآتية؛ إذ الظرف خبر مقدم لإفادة الحصر وبعطف ينزل وما بعده بتقدير أن المصدرية على الساعة، أو علم الساعة فاعل الظرف لاعتماده على اسم ((أن)) وما بعده من جملة، وينزل وما بعده معطوف علیه مع فاعله. وجملة: ((وَمَا تَدرِي)) المقصود منها إثبات ذلك المنفي عن الغير فيهما لله تعالى، ومن قواعدهم أن الفعل ومثله ما في معناه كالظرف إذا عظم وابتنى عليه ما هو كذلك افهم الحصر بطريق الكناية. ومن ثم قال في «الكشاف)) في: ﴿اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ [الرعد: ٢٦] لله وحده هو بسط الرزق وتقديره دون غيره على أن هذا كله إنما يحتاج إليه إن لم يفسر الخمس (١) أخرجه الطبراني في الشاميين (٢٤٥١). ٢١٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول بمفاتيح الغيب في قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وخصت بالذكر؛ لأنهم سألوا عنها فقط؛ أو لأن غيرها راجع إليها؛ لأن الله تعالى لا يعلم إياها؛ لأن معلوماته تعالى لا انتهاء لها. فإن قلت: قد أخبر الأنبياء - عليهم السلام - والأولياء بشيء كثير من ذلك كإخبار نبينا ◌َّ بما سبق الواقع كما أخبر، فكيف الحصر؟ قلت: الحصر إنما هو باعتبار كلياتها دون جزئياتها قال تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] بناء على اتصال الاستثناء الذي هو الأصل. وأخرج أحمد عن ابن مسعود: (أُوتِيَ نَبِيْكُمْ وَّهِ عِلْم كُلّ شَيْءٍ سِوَى هَذِهِ الْخَمْس))(١) وأخرجه عن ابن عمر بنحوه لكن مرفوعًا. وقال القرطبي: ((من ادعى علم شيء منها غير مستند إليه ولو كان كاذبًا في دعواه)) قال: ((وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي وليس ذلك بتعلم. وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على تحريم أخذ الأجرة والجعل وإعطائهما في ذلك. انتهى. ويؤيده ما أخرجه حميد بن زنجويه أن بعض الصحابة ذكر العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره فأنكر عليه فقال: ((إنما الغيب خمس)) وتلا هذه الآية، وما عدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم، واعلم أن الجواب يضمن زيادة على السؤال للاهتمام بذلك إرشادًا للأمة بما يترتب على معرفة ذلك من المصلحة. (ثُمَّ قَرَأ) وَسير آية تلك الخمس بكمالها كما دل عليه السياق بيانًا لها، وهي (﴿إِنَّ اللّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ ... ﴾﴾ [لقمان: ٣٤] بالنصب؛ أي: أعني أو (١) ذكره ابن حجر في ((فتح الباري)) (٨٠/١). ٢١٩ كتاب الإيمان أقر، أو الرفع والآية مقروءة، أو الجر وهو أضعفها؛ أي: إلى الآية؛ أي: آخرها. وفي رواية لمسلم إلى «خَبِيرٌ﴾. وأخرجه البخاري إلى ﴿الأَرْحَامِ﴾ والأولى أولى؛ لأن فيها زيادة ثقة، والحكمة في العدول عن الإثبات إلى النفي وعن العلم إلى الدراية في: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌّ﴾ [لقمان: ٣٤] المبالغة والتعظيم؛ إذ الدراية اكتساب علم الشيء بحيلة، فإذا انتفى ذلك عن كل نفس مع كونه مختصًا بها ولم يقع منه على علم كان عدم اطلاعها على علم غير ذلك من باب الأولى. وفي رواية: ((ثُمَّ أَذْبَرَ فَقَالَ: رُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا))(١) فكأنه إنما أمرهم بذلك ليتيقظوا إلى أنه بشرلا ملك. (مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ) أي: على رواية أبي هريرة التي فيها هذه الزيادة. وفيه من الفوائد ما لا يحصى وقد مرَّ التنبيه على بعضها: ومنها: إنه ينبغي للعالم إذا سئل عمَّا لا يعلم أن يصرح بأنه لا يعلم، ولا يستنكف من ذلك فإنه لا ينقص من جلالته بل يدل على ورعه وتقواه، ومن ثم كان أكابر السلف يسألون عن المسائل الكثيرة فيجيبون بـ: لا أدري، ولذلك جاء: ((من أخطأ لا أدري أصيبت مقاتله)). ومنها: إنه ينبغي سؤال العلماء ليعلم السامعون، ومن ثم قيل: ((العلماء خزائن ومفاتيحها الأسئلة». ومنها: إنه يستحب لمن حضر مجلس معلم وعلم أن لأهل المجلس فائدة في مسألة أو مسائل أن يسألها ليعود نفع جوابه عليهم حيث لم يسألوا لأنفسهم. ومنها: إنه يستحب للعالم أن يرفق بالمتعلم ويدنيه منه؛ ليتمكن من سؤاله ويزول عنه هيبته واتفاقيته عنه، وأنه ينبغي للسائل أن يرفق في سؤاله. (١) أخرجه البخاري (٥٠). ٢٢٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول ومنها: إنه ينبغي أن يسأل العالم ما لا يجهله السائل حتى يعلمه السامعون؛ ليكون ذلك السؤال سببًا لعلمهم وفهمهم. ومنها: إحسان السؤال لما قيل: إنه نصف العلم. ومنها: إن السؤال الحسن يسمى علمًا وتعليمًا؛ لأن جبريل لم يصدر منه غیر المسؤول ومع ذلك سماه معلمًا ومنه السؤال عن المهمات سيما في أصول الديانات؛ لأن ذلك هو الأصل الذي يبنى عليه سائر الفروع والتكاليف. ومنها: الإحسان في التعليم بضرب المثل وإيضاح العبارة والإقبال على السائل باللطف، واغتفار ما يقع منه، وأن يكون كل من السائل والمسؤول على أكمل الأحوال. وغير ذلك مما لا يحصى من الفوائد والفرائد والمطالب العزيزة والمقاصد السنية، ومن ثم جعل الحنف(١) وأصله كجماعة هذا الحديث كالذي قبله المشتمل على نحو ذلك أيضًا فاتحة لكتبهم كما جعلت الفاتحة التي هي أم القرآن المشتملة على ما بعدها إجمالاً براعة للاستهلال وعنوانًا جامعًا لذلك الكمال. ٤ - [وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسِ شَهَادَةٍ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِبِتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَصَوْمٍ رَمَضَانَ))(٢). مُتَفقُّ عَلِيهِ]. (وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ بُنِيَ) تخييل أو ترشيح بالاعتبارين المقررين في البيان للاستعارة بالكناية؛ إذ الإسلام فيه مشبه بما له دعائم فذكر المشبه وأسند إليه ما هو من خواص المشبه به، ويجوز أن تكون الاستعارة تمثيلية بأن يمثل حالة للإسلام مع الأركان الخمسة بحالة خباء أقيم على خمسة أعمدة وقطبه الذي تدور عليه الأركان: الشهادتين وبقية شعب الإيمان كأوتاد الجبال. (١) وهو أي الميل. (٢) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (١٦)، والترمذي (٢٦٠٩)، وأحمد (٦٠١٥)، والنسائي (٥٠٠١)، وابن حبان (١٥٨)، وأبو يعلى (٥٧٨٨)، وابن خزيمة (٣٠٩)، والطبراني (١٣٢٠٣)، والبيهقي (٧٠١٣). ٢٢١ كتاب الإيمان أو تبعيَّة بأن تقدر في ((بني)) والقرينة الإسلام، شبَّه ثباته واستقامته على هذه الأركان ببناء الخباء على الأعمدة الخمسة، ثم تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل. ومن المقرر أن الاستعارة المنبعثة تقع أولاً في المصادر ومتعلقات معاني الحروف، ثم تسري في الأفعال والصفات والحروف، وذكر فاعل ((بني)) لشهرته. (الإِسْلَامُ عَلَى) قيل: هي بمعنى ((من)) فيتضح الجواب عما يقال: الخمس الآتية هي الإسلام، فكيف ينبني عليها وحينئذٍ لا يحتاج إلى الجواب الآتي. انتهى وهو غير سدید. فإن إتيان ((على)) بمعنى (مع)) مجاز يحتاج لقرينة ولا قرينة لصحة المعنى مع بقائها على حقيقتها التي فيها من البلاغة كما عرف مما تقرر في وجوه الاستعارة، ومما يأتي ما يبهر العقل ويدهش اللب. (خَمْس) أي: خمس دعائم كما في رواية أو قواعد أو خصال. وفي رواية لمسلم بالتاء؛ أي: خمسة أشياء أو أركان أو أصول، وإنما جازا هنا لحذف المعدود (شَهَادَةٍ) بالجر بدل كل وهو مجموع المجرورات المتعاطفة من كل، ولا يصح أن يكون كل فيها بدل بعض؛ لعدم الرابط أو الرفع، خبر مبتدأ محذوف، ويجوز نصبه بتقدير أعني. (أَنْ) مخففة من الثقيلة (لا) هي النافية للجنس (إِلَةَ) اسمها ركب معها تركيب خمسة عشر ففتحه فتحة بناء لا إعراب خلافًا للزجاج الزاعم أنه نصب به لفظًا، وخبرها محذوف اتفاقًا تقديره موجود، کذا قيل وإنما يتجه إن أريد بالإله خصوص المعبود بحق أمَّا إن أريد به موضوعه من كل معبود فتقدیر معبود بحق. (إِلَّا) حرف استثناء. وقيل: بمعنى غير، وهي مع ما بعدها صفة إله، وخبره محذوف، وردّ بأن القصد من هذا التركيب نفي الألوهية عن غير الله وإثباتها له تعالى بطريق المنطوق، ولا يتم ذلك إلا إذا كانت إلا فيه للاستثناء؛ لأن الحصر بالنفي وإلا يفيد ذلك كما حقق في ٢٢٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول علم الأصول، وأما إذا كانت ((إلا)) بمعنى ((غير)) فهي إنما يفيد إثباتها له تعالى مفهومًا، وشتان بين دلالتهما كيف والخلاف في حجية المفهوم قوي جدًّا حتى ذهب أبو حنيفة إلى عدمها، وذهب الكل إلا الدقاق إليه في مفهوم اللقب المحتمل أن يكون مفهوم صفة مستفادة من غير أظهر، وبهذا الذي تقرر ردَّ أيضًا على من ذهب جوز نصب الجلالة نعتًا لإله على أن ((إلا)) بمعنى ((غير). وزعمه آخرون على الاستثناء ونوزع فيه بأن (إلا)) في الكلام التام الموجب وغيره تتمحض لاستثناء، فيخرج ما بعدها عما أفاده ما قبلها، ومن ثم أفاد ذلك الحصر أيضًا وبأن المقصود من غير التام إنما هو إثبات المنفي قبل إلا لما بعدها، وأن الاستثناء ليس بمقصود؛ ولهذا اتفقوا على أن ما بعد إلا في القصد مما هنا نفي الألوهية في كل شيء وإثباتها لله تعالى فيهما، ثم الحصر هنا من باب قصر الصفة على الموصوف لا العكس فإن في الإله معنى الوصف، وقدم النفي على الإثبات ولم يقل: الله لا إله إلا هو؛ لأنه إذا نفى أن يكون ثم إله غير الله فقد فرغ قلبه مما سوى الله بلسانه كما فرغه بقلبه ليواظبه اللسان كذا قيل وأحسن منه أن يقال؛ لأن المتجلي مقدم على التجلي. (الله) مرفوع على البدلية من ضمير الخبر المستتر فيه. وقيل: فيه بدل من اسم ((لا)) باعتبار محله قبلها، والأول أحسن؛ لأن الإبدال من الأقرب أولى كما أنه من اللفظ أولى منه من المحل، أو على أنه خبر لا على ما زعمه (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله)(١) فيه أن الشهادة برسالته ويليه مستلزمة لتصديقه في جميع ما جاء به التنبيه على جميع ما يجب الإيمان به مما مرَّ في الحديث قبله، ومن ثم (١) في رواية البخاري: ((بُنِيَّ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسِ شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمٍ رَمَضَانَ)) وهو المثبت في النص وهو موافق لنص المخطوطة المشروحة، وأما رواية مسلم: ((بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسِ شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَصَوْمٍ رَمَضَانَ)) وهو مثبت في المشكاة المطبوعة. ٢٢٣ كتاب الإيمان قال النووي: ذكر البخاري هذا الحديث في مفتتح كتاب الإيمان؛ ليبين أن الإسلام يطلق على الأفعال، وأن الإسلام والإيمان قد يكونان بمعنى واحد، واقتصر على إحدى الشهادتين في رواية اكتفاء أو نسيانًا وأخذ من جمعهما كذلك في أكثر الروايات أنه لا بد في صحة الإسلام من الإتيان بهما على التوالي والترتيب، وبالثاني صرح القاضي أبو الطيب من أكابر أئمتنا. وقول النووي: لم أرَمن وافقه ولا من خالفه لا يقتضي تضعيفه، وأمَّا الأول فالمعتمد عندنا أنه غير شرط، وأفهم الحديث: ((إن كل كافر لا يحصل إسلامه إلا بالشهادتين وإن كان مقرًّا بأحدهما)». لكن ألحق أئمتنا بـ((إلا)) مرادفها كـ(غير)) و(سوى)) و((عدى))، وب((لا إله)) ما من إله، وبـ((إلا)) بارئ أو رحمن أو مالك أو رازق، وبـ(الله)) المحبي والمميت إن لم يكن طبائعًّا، أو الرحمن أو البارئ أو من آمن به المسلمون أو من في السماء إلا ساكن السماء؛ لأنه نص في الجهة القائل بكفر معتقدها كثيرون، أو الملك أو الرازق، وبـ( محمد)) أحمد أو أبا القاسم لا نحو عيسى أو إبراهيم. وبـ((رسول)) نبي ثم المنكر لأصل رسالة نبينا لا تكفيه الشهادة ولعمومها للإنس والجن لا بدَّ معهما من إقراره بعمومها ذينك، والمجمع عليه معلوم من الدين ضرورة لا بد معهما من الاعتراف به، والمشيئة لا بد أن يأتي معهما بنفي التشبيه أو بعلم مجيء محمد الذي آمن به بنفيه، ويصح بالعجمية وإشارة أخرس لا بلغة لقنها ولم يفهمها، وتقوم مقام الشهادة الأولى آمنت بالله أو أسلمت لله، أو الله ربي أو خالقي إن لم يكن وإن بشيء وإلا فلا بدَّ أن يزيد وكفرت بما كنت أشركت به. (وَإِقَامٍ) أصله إقوام بقلب فتحة الواو للساكن قبلها، ثم حذفت، ويجب حينئذٍ أن يعوض عنها التاء أو ذكر المضاف إليه (الصَّلَاةِ) فعله من صلى، حرك صلوين وهما عرقان عن يمين الذنب أو شماله، كالزكاة من زكى؛ أي: تطهر أو نما أو لاق أو تنعم أو أدى زكاة ماله أو تصدق أو مدح، ومرَّ ما يعلم أن إقام الصلاة كناية ٢٢٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول عن الإتيان بشروطها وأركانها أو تكملاتها. (وَإِيتَاءٍ) من آتاه بالمد أعطاه، وأما بدون مد فمعناه: جاء (الزَّكَاةِ) مستحقها على الوجه المخصوص كما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. (وَالْحَجِّ) بالفتح هو لغة: القصد، وشرعًا: قصد الكعبة للنسك، و((أل)) فيه نائب عن المضاف إليه وحج البيت كذا قيل، والوجه أنها للعهد الذهني. (وَصَوْمِ رَمَضَانَ) قيل: فيه حذف أي شهر ولا يحتاج إليه؛ لأن رمضان اسم للشهر (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وجه ذكر الأربعة الأخيرة مع الشهادة - وإن توقف الدخول في الإسلام عليهما فقط - التنبيه على تعظيم شأنها وأنها أظهر شعائر الإسلام؛ إذ بها يتم الاستسلام وبترك بعضها ينحل قيد الانقياد وإن لم يؤد إلى كفر حيث لا إنكار إجماعًا إلا ما جاء عن أحمد وغيره في ترك الصلاة، فإنه لدليل خاص كقوله وَ له: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاة مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ))(١) ولم يذكر الجهاد؛ لأنه فرض كفاية إلا في بعض الأحوال والكلام في فروض العين التي هي أعظم شعائر الإسلام؛ ولهذا زيد في أجره. وفي رواية: ((إِنَّ الْجِهَاد مِن الْعَمَلِ الْحَسَن))(١) وزعم أن الحديث قبل فرض الجهاد يرده ذكر الزكاة وما بعدها؛ إذ الصوم المتأخر عنه فرض الزكاة ثم الحج فُرض في السنة الثانية بعد وقعة بدر المتأخرة عن فرض الجهاد والمبني هنا غير المبني عليه؛ إذ المجموع غير كل من أجزائه وبناء صحة الأربعة على الأول لا ينافي ابتناء الكل على ما مرَّ؛ إذ لا مانع أن ينبني شيء على شيء وغير الشيئين يكون مبنيًّا عليهما من وجه آخر؛ إذ بناء الأربعة على الإسلام من جهة صحتها وتوقفها عليه وهو غير معنى بناء الإسلام على الخمس؛ لأنه لا ينبني عليها إلا الإسلام الكامل، وأما حقيقته فهي مبنية على الشهادتين فقط. ومثاله بيت الشعر على خمسة أعمدة وسط وأركان، فبوجود الوسط يوجد اسم (١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٣٣٤٨)، قال المنذري (٢١٥/١): إسناد لا بأس به. (٢) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)» (١٢٦/٣). ٢٢٥ كتاب الإيمان البيت وبانعدامه ينعدم من غير اعتبار للأركان، فالبيت بالنظر لمجموعه شيء واحد ولإفراده أشياء، وأيضًا فهو بالنظر؛ لأنه أصل ولأركانه تبع وتكملة. وجعل المبني عليه خمسة يدل على أنها ليست مشبهة بعد البيت؛ لأنها لا تكون إلا أربعة بل [عمد](١) الخباء، ومن ثم جاء في حديث: ((وَعَمودِهَا الصَّلَاة))(٢). فالحاصل: إن الشهادتين هما القطب الذي تدور عليه تلك الأعمدة الأربعة، وإن بقية شعب الإيمان بمنزلة أوتاد الخباء، ومن ثم عقب المصنف هذا بحديث الشعب الآتي، وأيضًا ففي هذا تشبيه الإسلام ببيت له أعمدة وأوتاد ستة، وفيما بعده تشبيه الإيمان بشجرة لها أغصان وشعب. ووجه الحصر في تلك الخمسة: إن العبادة إِما فعل أو ترك الثاني الصوم والأول، إما لساني وهو الشهادتان أو بدني وهو الصلاة أو مالي وهو الزكاة أو بدني [ومالي](٣) وهو الحج، وهذا أوجه مما قالوه فتأمله، وقدمت الشهادتان؛ لأنهما الأصل، ثم الصلاة؛ لأنها العماد الأعظم، ثم الزكاة؛ لأنها قرينتها، ثم الحج في هذه الرواية؛ لأن تاركه مع عدم العذر على مدرجة خاتمة السوء. كما أفاده الحديث الضعيف بل الصحيح، كما بينته في (شرح العباب)): ((مَن اسْتَطَاعَ الحَجَّ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّ))(٤) ولأنه أخذ شبهًا من الصلاة والزكاة كما علم مما تقرر. وآخر في رواية أخرى صحيحة أيضًا رعاية لترتيب نزول فرضهما، فإن الصوم (١) في الأصل: ((حمد)). - (٢) ذكره الملا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (١٧٠/١). (٣) زيادة لإتمام المعنى. (٤) أخرجه الدارمي (١٧٨٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٩٧٩) بلفظ: ((من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة أو سلطان جائر أو مرض حابس فمات ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا».