Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ◌ِ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ) أي: اتكأُ عليهما وأوصلها.
(إِلَى رُكْبَتَيْهِ) وَله تنبيهًا لهم بالاتكاء؛ إذ الجلوس على الركبة أبلغ في التواضع
على كيفية أدب السائل وجلوسه عند مسؤوله وبالاتصال، على أن السائل لا يمتنع
عليه في الشدائد عند اشتداد حاجته أن يزيد في القرب من المسؤول؛ لأنه أبلغ في
استماع كلامه وحضور قلبه، وفي تحريك المسؤول إلى مناديه بجوابه وإيضاحه وغاية
التلطف به.
(وَوَضَعَ) جبريل (كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) أي: فخذي نفسه كما صرح به النووي،
وهو الأقرب إلى سياق الحديث لولا الرواية الآتية، وإلى التوقير والأدب المقصود لجبريل
تعليمهم إياه بناه على أنه في هيئة سائل ومستفيد، وهو ما يصرح به تكريره أخبرني
وقوله: ((مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ))(١) وهذا هو الأنسب عندي بالمقام؛ لأن
الصحابة إذا علموا أن معلمه، والواسطة بينه وبين ربه صار بمنزلة بعض أتباعه
وتلامذته بحضرة أصحابه وكأنه منهم؛ لحرصه على تعلمهم وتحريضه لهم على مزيد
التعلم منه؛ لكثرة الأسئلة له على غاية من التواضع والتسليم والأدب والتنقي من
شوائب الامتحان.
أورثهم ذلك من مزيد التعظيم له له والإقبال على التلقي منه واعتقاد أنه
أفضل العالمين والملائكة المقربين ما لا تحيط به العقول ولا يعبر عنه المنقول، فتأمله
مع ما يأتي يظهر لك شأو مرتبته هذا على ذاك لولا الرواية الآتية، وإن قال به أئمة
أجلاء.
ثم رأيت بعضهم اعترض ما قالوه وكأنه لم يطّلع على تلك الرواية، أو فخذي
رسول الله صل8* بناء على أنه في هيئة معلم، وعليه محبي السنة وغيره ويستدل له برواية
(١) أخرجه مسلم (٨)، وأحمد (٣٦٧)، وأبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠) وقال: حسن صحيح،
والنسائي في الكبرى (١١٧٢١)، وابن ماجه (٦٣)، وابن خزيمة (٢٥٠٤)، وابن حبان (١٦٨)،
والدارقطني (٢٨٢/٢)، والبيهقي (٢٠٦٦٠).

١٨٧
كتاب الإيمان
المسمى السابقة فإنها صريحة فيه، وهو أولى من الاستدلال له بأنه هو ظاهر قول الراوي
جلس إليه دون عنده وبين يديه؛ أي: مائلاً ومستندًا إليه، ومن ثم فرع عليه ما هو
مبين له وهو قوله: ((فأسند ركبتيه إلى ركبتيه)) الدال على أنه اعتمد بركبتيه على ركبتي
النبي ◌ُ﴾.
وظاهر كونه ناداه باسمه وقال له: صدقت للذي تعجبوا منه كما يأتي، فلم
يكن هيئته كهيئة تلميذ بل كهيئة أستاذ بينه وبين تلميذه وبعيده غاية الألفة
والمحبة والاتحاد، فاهتم بجعل ركبتيه على ركبتيه وفخذيه على فخذيه بشأن تعليمه،
وأراد مزيد إقباله عليه وإصغائه إليه وامتحانه بحضرة طلبته المستفيدين منه؛ ليزدادوا
طمأنينة وثقة في أنه يلقي إليهم كلما سمعه منه من غير زيادة ولا نقص، ومن ثم قال:
(ذَلِك جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ)(١).
وقال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى﴾ [النجم: ٥].
ويصح أن یوجه هذا بما یرده إلى معنى الذي قدمته بأن يقال: وضعه يديه على
فخذي النبي ◌َّ ليس لكونه معلمًا بل متعلمًا، لكنه أشار بذلك إلى المبالغة في تعمية
أمره ليقوي ظنهم بأنه من جفاة الأعراب؛ لأنهم استغربوا هيئته وإلى أنه ينبغي
المسئول أن يكون عنده مزيد تواضع وصفح عما يبدو من جفاء السائل؛ وحينئذٍ
فوضعه يديه على ركبتي نفسه أو النبي وَلّر لا تنافي بينهما بل هما الآن على معنى واحد
هو ما قررته أولاً ورفعت شاوه.
(فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ) أثره زيادة في التعمية؛ إذ كانوا يعتقدون أنه لا يناديه به إلا
العربي الجلف، ثم يحتمل أن يكون هذا لمزيد التعمية لمخاطبته خطاب جفاة
الأعراب أو قبل تحريم ندائه ◌َ ل9 باسمه، وأن يكون التحريم خاصًا بغير جبريل أو
الملائكة، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءٍ
(١) تقدم تخريجه.

١٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] لأنه خطاب الآدميين فلا يشمل الملائكة إلا بدليل.
قيل: ولم نسلم مبالغة في التعمية أو ليبين أنه غير واجب أو مسلم فلم يبلغه
الراوي. انتهى.
والصواب هو الأول لما في رواية: حتى سلم من طرف البساط، فقال: السلام
عليك يا محمد، فردَّ عليه السلام، فقال: أدنو يا محمد؟ فقال: ((ادْنُ)) فما زال يقول: أدنو
مرارًا، ويقول: ((أدنُ))(١).
وفي أخرى: ((يَا رَسُولَ اللهِ، أَدْنُو مِنْكَ؟ فَقَالَ: ادْنُ)) ولم يذكر السلام لكن من
ذكره مقدم على من سكت عنه؛ لأن معه زیادة علم.
وفي أخرى: ((السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله)) ويجمع أنه جمع بين اللفظين، «فَقَالَ:
السَّلامُ عَلَيْكَ يَا مُحمَّد، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله)).
ثم رأيت بعض الشراح جمع بذلك ووقع عند القرطبي أنه قال: ((السَّلامُ عَليْكُمْ
يَا مُحمَّد)) وأخذ منه أنه يسن للداخل أن يعم بالسلام ثم يخصص من شاء.
قال شيخ الإسلام في ((فتح الباري)): والذي وقفت عليه من الروايات إنما فيه
الإفراد وهو: ((السَّلامُ عَلَيْكَ يَا مُحمَّد)).
(أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ) هو كالتسليم والاستسلام الخضوع والإذعان والانقياد،
ولذلك أجاب عنه بالأركان الخمسة، وآخر هذا عن الإيمان في رواية للبخاري، لكن
عن أبي هريرة جرى عليها في المصابيح، لكن عن عمر وليست في روايته نظرًا إلى أن
الإيمان هو الأساس المبني عليه الأعمال الظاهرة التي هي الإسلام وتُني بالإسلام؛ لأنه
يظهر مصداق الدعوى، وتُلث بالإحسان؛ لأنه يتعلق بهما، وقدم كما هنا؛ لأنه رأس
الأمر وعموده وبه ظهر شرائع الدين وهو الدليل على التصديق، وجبريل إنما جاء
ليعلمهم الشريعة فكان الأنسب الابتداء بما هو الأهم فالأهم والترقي من الأدنى إلى
(١) تقدم تخريجه.

١٨٩
كتاب الإيمان
الأعلى، فمن ثم ابتدأ بالإسلام ثم الإيمان ثم الإخلاص.
فإن قلت: كيف يكون أعلى وليس بأهم؟ قلت: الأهمية في غيره إنما هو من
حيث بيانه لكافة الناس؛ لاحتياجهم إليه.
وأما الإخلاص: فهو مقام عزيز على أكثرهم فهو أعلى في نفسه وليس أهم من
حيث البيان؛ لأنه لا يحتاج لبيانه إلا الأقلون الذين أهلهم الله إلى الرقي إليه على أنه
قد يكون إنما أُخر؛ لكونه صفة الفعل أو شرط في صحته وتعقل الصفة متأخر عن
معقل الموصوف، وبيان الشرط متأخر عن معقل الموصوف وبيان الشرط متأخر عن
المشروط.
وفي رواية: (تَوسِيط الإِحْسَانِ بَينَهمَا))(١) إشارة إلى أن الإخلاص محله القلب
فذكر في القلب، قال غير واحد من المحققين: والحق أن هذا التقديم والتأخير من
الرواة؛ لأن القضية واحدة اختلف الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب فكان
الواقع أمرًا واحدًا عبر الرواة عنه بأساليب مختلفة.
(قال: الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ) ليس هنا وفيما مرَّ تخصيص المخاطب بالحكم لما
علم، واستقر أن الأصل استواء جميع المكلفين في الأحكام كلها إلا ما خرج لدليل وأثره
على تعلم؛ لأن الشهادة أبلغ في الإيضاح والانكشاف من مطلق العلم، ومن ثم لم
تكف ((أعلم)) عن ((أشهد)) في أداء الشهادة، وكذا في الإسلام على خلاف فيه.
(أَنْ) مخففة من الثقيلة؛ أي: الشأن (لَا) هي النافية للجنس على سبيل
التنصيص على نفي كل فرد من أفراده (إِلَهَ إِلَّا اللهُ) قيل: خبر ((لا)» والحق أنه محذوف
والأحسن فيه لا إله معبود بالحق في الوجود إلا الله (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله) فيه التنبيه
على جميع ما يجب الإيمان به مما يأتي؛ إذ التصديق به وله يتضمن التصديق بكل ما
علم من دينه بالضرورة، فعطف ما بعده عليه عطف خاص على عام تنبيهًا على شرفه
(١) أخرجه أبو داود (٤٢٩/١٣).

١٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
كما في: ﴿ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسله وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨].
وفي رواية البخاري: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا))(١) فإن أريد بالعبادة فيه
التي هي الطاعة مع الخضوع المعرفة كان من عطف المغاير لكنه بعيد؛ لأن المعرفة من
متعلقات الإيمان والكل إسلام على ما يأتي.
وإن [كانت اللفظة](٤) على عمومها، كان مما مرَّ، وفائدة ((ولا أشرك)) الرد على
كفاره يزعمون ألوهيته تعالى ويعبدون معه أوثانًا ويعتقدون أنها شركاؤه، (وَ) أن (تُقِيمَ
الصَّلاةَ) المعهودة شرعًا وهي المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم؛ أي: تؤديها أو تعدل
أركانها وهيئتها من ((أقام العوادي قومه)) أو تديمها من «قامت السوق إذ أنفقت)) أو
التمييز في أدائها من ((قامت الحرب على ساق)».
وفي رواية لمسلم: تقييدها بالمكتوبة تنبيهًا على أن النافلة وإن كانت من الإسلام
لكنها ليست من أركانه.
(وَ) أن (تُؤْقِيَ الزَّكَاةَ) المعهودة شرعًا أيضًا، وهي ما تجب في بدن أو مال
للأصناف المذكورين في: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة:٦٠].
وفي رواية للبخاري ومسلم: تقييدها بالمفروضة تنبيهًا على نظير ما مرَّ في
الصلاة.
وقيل: احتراز عن المعجلة؛ لأنها غير مفروضة حال الأداء.
وقيل: تأکید.
وقيل: رد لما كان عليه العرب من إعطائها إظهارًا للسخاء والكرم.
وقال الزركشي: الظاهر إنها للتأكيد.
(وَ) أن (تَصُومَ رَمَضَانَ) فيه جواز ذكره بلا كراهة من غير ذكر شهر وهو
المعتمد.
(١) أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩)، وأحمد (٩٤٩٧)، وابن ماجه (٦٤)، والنسائي (٤٩٩١).
(٢) بياض في الأصل.

١٩١
كتاب الإيمان
(وَ) أن (تَحُجَّ الْبَيْت) الحرام فـ((أل)) فيه للعهد، أو هو اسم جنس غلب على
الكعبة وصار علمًا لها أن تقصده بحج، وكذا بعمرة بناء على وجوبها وهو الأظهر وهي
تسمى حجًّا أصغر كما في حديث (إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) بأن وجدت زادًا وراحلة،
كما في حديث صححه غير واحد مع بقية الشروط التي ذكرها الأئمة استنباطًا من
أدلة أخرى.
وخص الحج بذكر هذا مع اشتراط مطلق الاستطاعة؛ أي: الثمن من الفعل في
الكل؛ لأنها فيها أخص؛ إذ هي الزاد والراحلة مع ما يتعلق بهما وإن تمكن بدونهما،
فذكرا تسهيلاً على العباد وردًّا على من لم يعدهما منها وعلى من يتركهما، ويخرج منقلاً
على الحجاج وملقيًا ببدنه إلى التهلكة.
وفي رواية: ((وَتَعْتَمِر وَتَغْتَسِل مِن الْجَنَابَة وَتُتِمّ الْوُضُوء)(١) وفي ذكر الحج هنا أبلغ
ردًّا على من زعم.
وفي رواية: حذفه أن سببه أن الحج لم يكن فرض حينئذٍ.
ومما يرد عليه أيضًا ما صح في بعض طرق حديث عمر: جاء رجل إلى النبي ◌َّ
في آخر عمره يسأله فذكر الحديث بطوله، فهو يدل على أن مجيء جبريل إنما كان قرب
وفاته بعد تقریر جمیع أمور الدين كما مرَّ وفي «فتح الباري)).
فإن قيل: السؤال عام؛ لأنه سأل عن ماهية الإسلام، والجواب خواص لقوله: ((أَنْ
تَعْبُدَ الله أَوْ تَشْهد)».
وكذا قال في الإيمان: ((أَنْ تُؤْمِنَ)).
وفي الإحسان: ((أَنْ تَعْبُدَ)).
فالجواب: إن ذلك لنكتة الفرق بين المصدر وبين أن والفعل؛ لأن أن لفعل يدل
على الاستقبال والمصدر لا يدل على زمان، على أن في رواية قال: ((شَهَادَة أَنْ لا إِلَهَ
(١) أخرجه ابن حبان (١٧٣)، وابن خزيمة (١)، والدارقطني (٢٨٢/٢)، والبيهقي (٨٥٣٧).

١٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
إِلا الله)). انتهى.
وفي كون هذا الجواب مقنعًا نظر ظاهر، والأولى في الجواب أن يقال: القصد
التعليم، وهذا إنما يتعلق بالأمور المستقبلة، فلذلك عدل عن المصدر المناسب للسؤال
إلى ما يدل على المستقبل، ونحو هذا العدول يعلم بلوغ فصاحته والتر أعلى الغايات
وأكمل النهايات.
ووقع في رواية: حذف الحج. وفي أخرى: حذف الصوم.
وفي أخرى: الاقتصار على الشهادتين.
وفي أخرى: بحذف الصوم على الصلاة والزكاة، ولا يخالف؛ لأن بعض الرواة
ضبط ما لم يضبطه غيره ذهولاً أو نسيانًا.
(قَالَ: صَدَقْتَ) رفعًا لتوهم أن السائل لم يوافقه في الجواب ولم يصح عنده،
وحملاً للسامعين على حفظ ذلك الجواب على وجه يؤكده ويصيره أحكم في قلوبهم.
(فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ) إذ السؤال يقتضي الجهل بالمسؤول عنه والتصديق
يقتضي العلم به؛ لأن صدقت إنما يقال: إذا عرف السائل أن المسؤول طابق ما عنده
جملة وتفصيلاً، ومما يزيد التعجب أن ما جاء به ولو لا يعرف إلا من جهته، وليس
هذا الرجل ممن عرف بلقائه 3 8# فضلاً عن السماع عنه.
وفي رواية: فلما سمعنا قول الرجل: ((صَدَقْتَ أَنْكَرْنَاهُ)(١).
وفي الأخرى: ((انظرُوا هُو يَسْألُهُ وَيُصدقُهُ كَأَنَّه أَعْلم مِنْهُ))(٢).
وفي أخرى: ((مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِثْلِ هَذَا كَأَنَّهُ يُعَلِّم رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَقُولِ لَهُ:
صَدَقْت صَدَقْت))(٣).
(قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ) إفعال، من الأمن وهو طمأنينة النفس بإزالة ما
(١) أخرجه النسائي (٥٠٠٨)، والبزار (٣٦٧/٥).
(٢) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (٦٨/١).
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٣٨٥/١).

١٩٣
كتاب الإيمان
فيها من خوفٍ أو شكٌّ.
وفي رواية: ((مَا الإِيمَان))(١) واستشكلت بأن ((ما)» للسؤال عن الماهية، فالجواب
غير مطابق، ورد بأنه وليه أعلم منه إنه إنما سأل عن متعلقات الإيمان؛ أي: لأنها
الأحق بالتعليم؛ ولأن التصديق في صحتها.
(قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ) أريد هنا المعنى اللغوي وقبله المعنى الشرعي حتى لا يفسر
الشيء بنفسه أو ما يتضمن الاعتراف، ولذا عُدي بالباء، ولا ينافيه كون يصدق
يتعدى بها خلافًا لمن وهم فيه؛ لأن التضمين يفيد معنى لا يفيده تفسير يؤمن
بيصدق؛ ولأن أحد الرديفين كان لا يتعدى بما يتعدى به الآخر فيحتاج إلى تضمينه
ما يعديه بما يتعدى به رديفه؛ أي: أن تعترف (بالله) أي: بوجوده تعالى وبما يجب له
من الصفات الثبوتية الجلالية الكمالية كالصفات الثماني: الحياة والقدرة والإرادة،
والعلم والسمع والبصر، والكلام والبقاء.
والسلبية: کأضداد هؤلاء.
وصفات الأجسام والمتحيرات، وبأنه أحد فرد صمد خالق لجميع الخلق متصرف
فيهم بما يشاء وبه يرد اختبار الآتي جملة على الحقيقة، معللاً بأن السؤال بما يحسب
الخصوصية إنما يكون عن الحقيقة دون الحكم، فتعين أن تؤمن إلى آخره حد.
وقيل في جوابه: (صدقت)) مع أن الحد لا يقبل التصديق؛ لأن جبريل راعى أن
الجواب یضمن دعوى وخبرًا.
ومن ثم لو قلت: الإنسان حيوان ناطق، فإن قصدت به التعريف لم يقبل
التصديق أو الحكم على الذات بالحيوانية والناطقية قبله، أو إن صدقت تسليم والحد
يقبله دون المنع؛ لأنه طلب الدليل والدليل إنما يتوجه للخبر والحد تفسير لا خبر.
(وَمَلَائِكَتِهِ) جمع ملاك كالشمائل جمع شمال، وأصله ملأك؛ لأنه من الألوكة
(١) أخرجه البخاري (٥٠٠)، ومسلم (١٧)، والطيالسي (٢٧٤٧)، وأبو داود (٣٦٩٢)، والترمذي
(٢٦١١) والنسائي (٥٠٣١)، وابن خزيمة (٣٠٧)، وابن حبان (٧٢٩٥)، وأبو عوانة (٨٠٨٨).

١٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
وهي الرسالة أخرت الهمزة ثم حذفت تخفيفًا فصار ملك، وتارة لتأنيث الجمع أو مزيدة
لتأكيد معناه؛ أي: بوجودهم تفصيلاً فيما علم اسمه منهم ضرورة كجبريل وميكائيل،
وإجمالاً في غيرهم وبما يثيب لهم من العصمة وغيرها، وهم أجسام لطيفة نورانية؛ أي:
غلب عليها عنصر النور لا أنها متمحضة منه تتشكل بما شاءت مسخرة فيما أمرت
به من الاستغراق في معرفة الله الحق وذكره وتدبيره الأمر من السماء إلى الأرض على ما
سبق به قضاؤه، وغير ذلك مما ينبئك عن سعة علمه وتعذر الإحاطة به.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
﴿لَّا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] فهم معصومون قائمون على
قدم الطاعة القديمة المستمرة، التسبيح لهم بمنزلة النفس لنا بمشقة التكليف
وامتحان الشهوات والحظوظ منتفية عنهم، وإذا كان البشر أفضل منهم من حيث
الإجمال، وإن كنا عند التفضيل ففضل خواصهم كجبريل على عوامنا، وهم من عدا
الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم.
(وَكُتُبِهِ) المنزل على رسله؛ أي: بوجودها تفصيلاً فيما علم ضرورة كالقرآن
والتوراة والإنجيل والإجمال في غيره، وأنها منسوخة إلا القرآن وأنه لا يجوز عليه نسخ
ولا تحريف إلى قيام الساعة، وأنها جميعها كلام الله الأزلي القديم المنزه عن الحرف
والصوت، أنزل تعالى تلك الألفاظ الدالة على ذلك المعنى القديم على أولئك الرسل
المكرمين في ألواح أو على لسان ملك لهداية الخلق إليه ودلالتهم عليه.
وقد يكون الإنزال لسماع الكلام النفسي، وكلما جازت رؤيته من غير استلزام
إحاطة ولا تكليف ولا تحير ولا شيء من لوازم الجسمية، كذلك يجوز سماع كلامه
من غير استلزام صوت ولا حرف ولا شيء من لوازم الألفاظ.
قيل: مجموع ما أنزل على الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - مائة صحيفة
وأربع صحائف، على إرم عشر، وشيث خمسون، وإدريس ثلاثون، وإبراهيم عشر،

١٩٥
كتاب الإيمان
والأربع السابقة، والكتاب مصدر بمعنى: اسم المفعول مبالغة من الكتب وهو الجمع.
(وَرُسُلِهِ) جمع رسول ومرَّ تعريفه أول الخطبة؛ أي: بوجودهم تفصيلاً فيمن
علموا منهم بالضرورة وإجمالاً في باقيهم، فإنكار شيء مما ذكر كقرآن علم ضرورة
بنص أو تواتر وإلا فلا، ولسبق الملائكة لهم في الوجود وبالمجيء إليهم بالرسالة بنحو
الكتب قدموا هنا وفي آية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الموافقة لهذا الترتيب لا
لأفضليتهم على الكتب؛ إذ لا قائل بهم ولا على الرسل؛ لأن الحق في ذلك ما قدمناه
خلافًا لبعض منَّا أطلقوا كالمعتزلة بفضل الملائكة ولبعض أطلقوا تفضيل البشر.
وفي حديث عند أحمد: ((إِنَّ الأَنْبِيَاءِ مَائَة أَلْفٍ وَأَرْبَعة وَعِشرُون أَلْفًّا، وَإِنَّ الرُّسَلَ
فِيهِمْ ثَلَاثمائة وَخَمسَة عَشْرِ))(١).
ورواه بعضهم بلفظ: ((وَخَمْسَة وَعِشرُون)).
فإن قلت: قد ينافيه قوله تعالى: ﴿ومنهم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]
قلت: لا ينافيه؛ لاحتمال أنهم فضلوا عليه بعد نزول هذه الآية المكية، أو أن المنفي
القصص التفصيلي دون الإجمالي، ومنه ذکر مجرد عددهم.
فإن قلت: ما فائدة ذكر ما بعد الرسل وقبلهم مع أن الإيمان بهم المستلزم
للإيمان بجميع ما جاؤوا به يستلزم الإيمان بجميع ذلك؟ قلت: فائدته التنصيص على
ما هو الأحق بالذكر والتنبيه على ما يغفل عنه، وبذلك علم الجمع بين ما هنا، واكتفاء
الفقهاء بإطلاق الإيمان على من آمن بالله ورسوله.
(وَالْيَوْمِ الآخِرِ) أي: بوجوده وما اشتمل عليه من البعث والحساب والجنة والنار
وغيرهما مما جاءت به النصوص، وسُمي آخرًا؛ لأنه: ((آخر أيام الدنيا وآخر الأزمنة
المحدودة)) في رواية البخاري، والبعث الأخير وذكر الآخر فيه تأكيد كأمس الذاهب أو
لإفادة تعدده.
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢٢٩٤٢).

١٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
فالأول: الإخراج من العدم إلى الوجود أو من بطون الأمهات إلى الدنيا.
والثانية: البعث من بطون القبور إلى محل الاستقرار وفي أخرى له: «وَبِلِقَائِهِ
وَنُؤْمِن بِالبَعْثِ)) وهما كما علم مما تقرر من جملة المراد من الإيمان باليوم الآخر؛ إذ
اللقاء الانتقال إلى دار الجزاء، والبعث وبعث الموتى من قبورهم وما بعده من حساب
ومیزان وجنة ونار.
وقد صرح بهذه الأربعة في رواية وقيل: اللقاء الحساب، وقيل: رؤية الله؛ أي:
أنها أحق في نفس الأمر بناء على أنها من ضروريات الدين التي يجب الإيمان بها،
وقيل: المراد بالبعث بعثة الأنبياء.
(وَ) أن (تُؤْمِن) أعيد مع هذا وحده إعلامًا بخطره وبعد درك الصواب فيه وبأنه
سيصل فيه كثيرون من ذوي العقول، ولذلك زاد في الاعتناء بشأنه بالإبدال الآتي نعم
في رواية: ((وتؤمن بالبعث)) وحكمة إعادته معه الإشارة إلى نوع آخر مما تؤمن به؛ لأنه
سيوجد وما قبله موجودًا وللتنويه بذكره؛ لكثرة منكريه ولهذا كرر ذكره في القرآن
کثیرًا.
(بِالْقَدَرِ) هو غير القضاء؛ إذ هو إرادة الله تعالى إيجاد العالم على نظامه
العجيب، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها، وسيأتي لذلك بسط في تاسع
حديث الإيمان بالقدر فراجعه.
(خَيْرِهِ وَشَرِّو) بدل مما قبله لمزيد توضيحه وتأكيده لما فيه من تكرير العامل
وتعميمه، ومن ثم زيد في رواية: ((حُلْوِهِ وَمُرِّ)(١) أي: بأن جميع أفعال العباد خيرها
وشرها مخلوقة لله تعالى مرادة له؛ لأنه لا يرضى الشر منها قال تعالى: ﴿قُلْ كُلُّ مِّنْ
عِندِ الله﴾ [النساء: ٧٨].
﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥].
(١) أخرجه ابن حبان (٣٩٠)، والحميدي (١٣٩٥)، والبيهقي في الشعب (١٧٧)، والطبراني في الأوسط
(٢٧٤٩).

١٩٧
كتاب الإيمان
﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر:٧].
ومع ذلك هي مكتسبة للعباد؛ لأن لهم نوع اختيار في كسبها وإن رجع ذلك في
الحقيقة إلى إرادته تعالى وخلقه؛ إذ هو تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
وهذا أوسط المذاهب وأعدلها وأوقعها للنصوص فهو الحق خلافًا للجبرية
القائلين بأن العباد مجبورون على أفعالهم؛ إذ يلزمهم ألّا تكليف، ومن اعترف منهم
بهذا اللازم فهو كافر، بخلاف من زعم أن سلب قدرة العبد من أصلها إنما هو تعظيم
لقدرة الله تعالى عن أن يشركه فيها أحد بوجه فإنه مبتدع فاسق لخروجه إجماع أهل
السنة.
والقدرية: بفتح الدال وسكونها النافين للقدر وهم المعتزلة القائلون بأن
العبد يخلق أفعال نفسه، وأن قدرة الله تعالى لا يؤثر فيها وإردته لا يتعلق بها
لاستقلال قدرة العبد بالإيجاد والتأثير في أفعاله؛ إذ يلزمهم أن له تعالى شركاء في ملكه
تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا، وفيهم كمن اعتقد حقيقة
الشرك فهو كافر أو تنزيه الله عن فعله القبيح فهو مبتدع فاسق لمخالفتهم الإجماع
أيضًا.
قال ◌َله: (الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ))(١) وفرارهم منه بقولهم القدرية مثبتو
القدر، وهو أنتم لا نافوه، وهو نحن نبطله حمل الصحابة الذين هم أدرى بمحامل
مروياتهم من غيرهم الحديث على ما فيه على أنه صريح فيهم؛ لأن التشبيه بالمجوس لا
يتحقق إلا فيهم؛ لأن المجوس قالوا: بإلهين خالق الشر وخالق الخير، والمعتزلة هم الذين
كذلك لزعمهم أنه تعالى يخلق الخیر وهم يخلقون الشر.
فقول الزمخشري في ((كشافه)): ذلك عن أهل السنة هو من فرط تعصبه المؤدي
إلى غاية جهله وحماقته وسفاهته.
(١) أخرجه أبو داود (٤٦٩١)، والحاكم (٢٨٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين، والبيهقي
(٢٠٦٥٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٣٨)، والديلمي (٤٧٠٥).

١٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
ولذلك قال بعض الأئمة: إنه ثقة ثبت فيما ينقله وبقوله إلا في مقام تعصبه
لاعتزاله فإنه يتجاوز إلى الكذب الصراح والحماقة المفرطة والسفاهة القبيحة.
(قَالَ) جبريل للنبي نَّهِ (صَدَقْتَ) ومقتضى تفسير الإسلام والإيمان بما ذكر
تغايرهما وهو صادق أن يكون الإسلام أعم مطلقًا أو من وجه لاستلزام الإيمان له؛
أي: لما في مجرد التصديق من الاستسلام والانقياد أو بناء على ما يأتي أن الأعمال من
الإيمان ولا عكس؛ إذ قد ينقاد بظاهره فقط، وقد يؤمن بباطنه فقط بأن يصدق بقلبه
بجميع ما يجب الإيمان ثم يموت فجأة قبل تمكنه من التلفظ.
وهذا ما صححه الخطابي بعد قوله: صنف في المسألة إمامان كبيران وأكثرا من
الأدلة في القولين؛ أي: التغاير والترادف وتكافآً في ذلك، ثم قال: اختلاف هذه
الأسماء الثلاثة يعني هذين، والإحسان الآتي يوهم افتراقًا في أحكامهما وليس كذلك
إنما هو اختلاف ترتيب وتفصيل لما تضمنه اسم الإيمان من قول وفعل وإخلاص،
فأشار في الإحسان إلى الإخلاص ولم يكن خارجًا عن الجوابين الأولين؛ ولهذا في
قصة الوفد جعل لکلٍ إیمانًا. انتهى.
وهذا لا ينافي ما صححه أولاً للتحقيق الآتي.
وقال ابن الصلاح: ما هنا بيان لأصليهما من التصديق والانقياد، فالإيمان
يتناول ما فسر به الإسلام من سائر الطاعات؛ لكونها ثمرات التصديق الذي هو أصل
الإيمان؛ ولهذا فسر في حديث الوفد الآتي بما فسر به الإسلام هنا، والإسلام يتناول
أصل الإيمان وهو التصديق، ويتناول الطاعات فتحقق أنهما يجتمعان ويفترقان.
وقيل: ((تفسير الإيمان هنا بالتصديق والإسلام بالعمل لم يرد به إلا تفسير
إيمان القلب والإسلام في الظاهر لا المعنى الشرعي؛ لأن الإيمان شرعًا التصديق
والعمل معًا)).
أمَّا التصديق وحده غير منج له من النار والنطق وحده نفاق، والتحقيق أنهما
مختلفان باعتبار المفهوم متحدان في الماصدق وهو ظاهر ومنه: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا

١٩٩
كتاب الإيمان
قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] ومنه ما في هذا الحديث.
وقول أحمد بتغايرهما، وحكاية ابن السمعاني وغيره له عن أهل السنة متحدان في
الماصدق، ومنه: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ
المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦].
ومنه حديث الوفد الآتي، ومنه ما صح عن الشافعي من ترادفهما.
ومنه قول البغوي في ((شرح السنة)): ((اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من
علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان)).
وقول البخاري وغيره: ((الإيمان والإسلام والدين أسامٍ بمسمى واحد)).
وما نقله ابن عبد البر عن الأكثرين أنهم سووا بينهما، ووجه ذلك الاتحاد أنه
لا يوجد إيمان يعتد به شرعًا إلا إن انضم إليه التلفظ بالشهادتين، فإن تركه مع القدرة
فهو مخلد في النار أبدًا عند أكثر أهل السنة بل كلهم على ما يصرح به كلام البغوي،
لكنه معترض، فإن جمعًا من أهل المذاهب الأربعة قائلون بأنه من أهل الجنة ولا يوجد
إسلام يعتد به شرعًا إلا إن انضم إليه تصديق بالقلب، فلزم شرعًا من أحدهما الآخر.
وهذا معنى قول البغوي وغيره ردًّا على من زعم أن الإيمان مجرد التصديق أخذًا
بظاهر هذا الحديث، لم يجعل ويه الإسلام اسمًا للأعمال الظاهرة احترازًا عن عدم
شموله للإيمان، والإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد احترازًا عن عدم شموله للإسلام،
بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها لمسمى واحد وجماعها الدين.
ولهذا قال: ((ذَلِكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ)(١) أي: فعلم من هذا أن
ما سبقه تفصيل المجمل بعده وهو الدين وجمع بينهما؛ أعني: التفصيل والإجمال؛ لأن
المقام مقام تعليم للأمة وتفهيم لهم فوجب أن يكون تفسيرهما باعتبار، وجعلهما
بيانًا للدين باعتبار، سيما والمخاطبون قد سمعوا كله؛ إذ هذه المسألة والأجوبة كانت
(١) تقدم تخريجه.

٢٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
قبيل حجة الوداع في السنة العاشرة قريب انقطاع الوحي واستقرار الشرع كما مرَّ
﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
وخبر: ((الْإِيمَانُ بِضْعُ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً))(١) ونحوهما وهذا يؤكد أن ما عرفوه وألفوه
هو اختلافهما مفهومًا واتحادهما ماصدقًا؛ فلذا فصلا لهم نظرًا للمفهوم، ثم أجملا
بجعلهما شرحًا للدين ومرادفين له، كما دلَّ عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ
الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].
وصحَّ عن الشافعي # باعتبار الماصدق فتأمل ذلك فإنه نفيس.
وإليه نظر أحمد في قوله: بتغايرهما؛ إذ به تجتمع الآيات والأحاديث، فحيث
رأيت اتحادًا فأجمله على الماصدق، وحيث رأيت اختلافًا فأجمله على المفهوم.
ثم رأيت بعضهم صرح بما قررته حيث قال: الذي يظهر من مجموع الأدلة أن
لكل منهما حقيقة شرعية وحقيقة لغوية، لكن كل ملزم للآخر بمعنى التكميل له،
فكما أن العادل لا يكون مسلمًا كاملاً إلا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا يكون
مؤمنًا كاملاً إلا إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام أو بالعكس، أو
يطلق أحدهما على إرادتهما معًا فهو مجاز، وتبين المراد بالسياق، فإن وردا معًا في مقام
السؤال حملا على الحقيقة، وإن لم يردا معًا، أو لم يكن في مقام السؤال أمكن للحمل
على الحقيقة أو المجاز بحسب ما يظهر من القرائن. انتهى.
وقوله: ((بمعنى التكميل وما بعده)) غير صحيح بإطلاقه لا يقال يلزم على ما علم
مما مرَّ أن الإيمان اسم لمجموع التصديق، والتلفظ بالشهادتين والعمل أن من أخل
بالعمل يكون كافرًا، وهو مذهب الخوارج؛ لأنا نقول: ((ليس العمل جزءاً من مفهوم
الإيمان الكامل)».
وأما النطق بالشهادتين مع القدرة عليه فهو شطر من مفهوم الإيمان النافع من
(١) أخرجه مسلم (٣٥)، وأبو داود (٤٦٧٦)، وأحمد (٩٣٥٠)، والنسائي (٥٠٠٥)، وابن ماجه (٥٧)،
وابن حبان (١٦٦)، والطبراني في الأوسط (٩٠٠٤).

٢٠١
كتاب الإيمان
الخلود في النار، أو شرط له على ما مرَّ عن الأكثرين بما فيه قبل محل الخلاف إذا أفرط،
ولفظ من تلك الثلاثة، فإن اجتمعت كما هنا تغايرت، وليس بصحيح إلا إن أراد
التغاير باعتبار المفهوم، وحينئذٍ فاعتباره لا يتوقف على اجتماع ولا على انفراد، بل
يصح مع كل منهما فبطل هذا القيد من أصله.
وينبني على ما تقرر من أن الأعمال جزء من مفهوم الإيمان السابق أنه يزيد
بزيادتها وينقص بنقصها، ومرَّ ذلك مستوفى في أول كتاب الإيمان فراجعه وحققه فإنه
مهم.
(قَالَ فَأَخْبِرِفِي عَنِ الإِحْسَانِ) المعهود ذهنًا في الآيات القرآنية نحو: ﴿لَّلَّذِينَ
أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦].
﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠].
﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] فلذلك أوثر هنا بالذكر، وهو
أما الإنعام على النفس من أحسنت إليه إذا وصلته؛ لأن المرائي يبطل عمل نفسه فقيل
له: «أحسن إلى نفسك بملاحظتك لربك وحده».
وأما إجادة العمل وإتقانه من أحسنته أتقنته؛ أي: ما الإجادة والإتقان في
حقيقة الإيمان والإسلام؟ فأجابه بما ينبئ عن الإخلاص ويستوجبه.
(قَالَ) وَلِّ مُجِيبًا له: (الإِحْسَانِ أَنْ تَعْبُدَ اللّهَ).
وفي رواية: (أَنْ تَخْشَى اللّهَ))(١) ومآلهما واحد؛ إذ العبادة الطاعة مع خضوع
وتذلل (گأَنَّكَ تَراهُ) أي: في حال کونك في عبادتك له مثل حال کونك رائیًا له، أو حال
كونك مشابهًا لمن يراك في حفظ القلب عن أن يخطر فيه غيره الذي هو مقام الشهود
الأعظم، وهذا هو المقصود من تلك المشابهة، وإلا فمفادها الإشارة إلى حالات ثلاث
كما في ((كان زيد قائمًا)» لإفادته تصور القعود والقيام، والانتصاب المتوسط بينهما
(١) أخرجه مسلم (١٠٨)، والطيالسي (٢٠)، والطبراني في الشاميين (٢٣٨٣).

٢٠٢
ـسـ
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
المقصود تشبيهه بالعليا وهي القيام، فكذا ما هنا يفيد حاله دينًا، وهي الإتيان بعبادة
صحيحة مستجمعة الأركان والشروط.
وعليا: وهي حالة الشهود والاستغراق في مجاز الكشف المشار إليها بقوله :
((وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِيَ فِي الصَّلَاةِ»(١).
ووسطى: وهي خلوص القصد والقرب؛ أي: من مولاه المراقب لحركاته وسكناته
فقصد تشبيهه هذه العليا المخصوص كمالها به له في حصول الاستلذاذ بالطاعة،
وانسداد كل مسلك من مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه الذي
هو ثمرة امتلاء القلب بمحبته تعالى، واشتغال السر به وتنجيه نسيان العلم
واضمحلال الرسوم.
ووهم بعضهم هنا وهمًا فاحشًا فقال ((بعد كأنك تراه)) أي: ((كأنك تراه ويراك)»
لدلالة كأنك تراه عليه، وهو غلط قبيح؛ إذ كيف يقال: ((وكأنه يراك)) مع أنه رأى
حقيقة في كل زمن ومكان وحال، فكان الصواب أن يقال: بعد تراءي؛ أي: وهو يراك
كأن حكمه عدم ذكر رؤيته تعالى هنا بعد أن ذكرها فيه نوع تخويف، وهو إنما يذكر
في مقام التقصير وهو الآتي كما أشعر به (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ) أي: تعامله معاملة من
تراه.
وفي رواية: ((فَإِنْ لَمْ تَرَهُ))(٢) بأن غفلت عن تلك المشابهة المحصلة لغاية الكمال،
فلا تغفل عما يجعل لك أصله الكمال، بل استمر على إحسان العبادة (فَإِنَّهُ يَرَاكَ) دائمًا
فاستحضر ذلك لتستحي منه حتى لا تغفل عن مراقبته، فعلم أن الفاء للتعليل، وأن ما
بعدها لا يصلح للجواب؛ لأن رؤية الله تعالى للعبد حاصلة سواء رآه العبد أم لا، بل
الجواب محذوف اغتناء عنه بالمذكور؛ إذ هو لا زمه.
(١) أخرجه أحمد (١٢٣١٥)، والنسائي (٣٩٣٩)، وابن سعد (٣٩٨/١)، وأبو يعلى (٣٥٣٠)، والحاكم
(٢٦٧٦) وقال: صحيح على شرط مسلم، والبيهقي (١٣٢٣٢)، والضياء (١٦٠٨).
(٢) أخرجه ابن عساكر (٣٠٤/٣٦).

٢٠٣
كتاب الإيمان
وإن هذا من أعظم ما يهتم به الصديق، ويعتمد عليه العارف؛ إذ من عبد الله
عبادة من يرى الله ويراه الله لم يستبقِ شيئًا من الخضوع والإخلاص، وحفظ القلب
والجوارح، ومراعاة الأدب مادام في عبادته، لكن رعايتك لذلك كله برأيكما إنما هو
لكونه يراك فحسب، وهذا موجود إن لم تره فكن مشاهدًا له دائمًا، فإن عجزت
فمراقبًا لاطلاعه تعالى عليك في الحالين، ومن علم أن له حافظًا رقيبًا مشاهدًا لحركاته
وسكناته، لا سيما ربه ومالك أمره لم ينس الأدب بحضرته طرفة عين، ولا قلبه خاطر
ففيه غاية الحث على الإخلاص، ولزوم الشهود أو المراقبة بهذه الجملة التي هي من
جوامع الكلم المخصوص بها وصل﴾.
وإذا أمر أولوا الحقائق بمجالسة الصالحين منعًا من النقائص؛ إذ لا يقع
بحضرتهم احترامًا واستحياء، فكيف لا يستحي من يعلم أن الله سبحانه مطلع عليه
في جميع أحواله وأقواله وأفعاله، سره وعلنه، وباطنه وظاهره؟ !.
ومن ثم قال القرطبي: ((هذا الحديث يصلح أن يقال له: أم السنة)).
قيل: وهذه النكتة استفتح به البغوي مفاتيحه، وغيرها تأسيًا بافتتاح القرآن
بالفاتحة لتضمنها علومه إجمالاً، فعلم بهذا مع ما مرَّ، ومع ملاحظة أن الإحسان اسم
جامع لجميع أبواب الحقائق؛ إذ هو:
إمَّا في القصد: بتهذيبه علمًا، وإبرامه عزمًا، وتصفيته حلًّا.
وإمَّا في الأحوال: بأن يراعيها غيرة، ويسترها تطرقًا، ويصححها تحقيقًا.
وإمَّا في الوقت: بألّا يزايل المشاهدة أبدًا، ولا يلحظ لهمته أبدًا، ويجعل هجرته
إلى الحق سرمدًا.
إن هذه الأجوبة الثلاثة مشتملة على شرح جميع وظائف العبادة الظاهرة
والباطنة من العقائد وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات
الأعمال، وعلى بيان جميع الأحوال والمعارف والمقامات واللطائف، وشروطها وآدابها
ومكملاتها وتفاوتها في مراتب السلف وحقائق الشهود، وإنما هي غايات مطالب

٢٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
الصديقين، ومطمح نظر العارفين.
فعلوم الشريعة بأسرها ظاهرها وباطنها راجعة إلى ما فيه ومتشعبة منه، سيما
مسألة الرؤية التي طالع النزاع والتشنيع من المعتزلة على مدعيها؛ إذ الحديث مصرح
بأنه لا يشترط فيها خروج شعاع ولا انطباع صورة المرئي في الحدقة، ولا مواجهة ولا
مقابلة ولا رفع حجب، فمن ثم جازت رؤيته تعالى للمؤمنين يوم القيامة بحالة يخلقها
في الحاسة منزهة عن الكيف وغيره من سائر صفات الأجسام، وأما تلك الأمور فإنما
هي شروط للرؤية العادية.
ووجه الفرق ما أشار إليه مالك # أن البصر في الدنيا خلق للفناء، فلم يقدر
على رؤية الباقي بخلافه في الآخرة فإنه لما خلق للبقاء الأبدي قوي وقدر على نظر الباقي
سبحانه.
وفي: ((كَأَنَّكَ تَرَاهُ)» دليل لما هو الحق أن رؤية الله تعالى من الدنيا لا تقع، ومن ثم
روى مسلم: (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا)(١).
ورؤيته وَلجري لربه بعين رأسه على الأصح ليلة الإسراء إمّا مستثنى، وإمَّا أنه
لكونه في الملكوت الأعلى الذي لم يرتقِ إليه غيره لا يصدق عليه أنه واقع بالدنيا.
وزعم بعض غلاة الصوفية وقوعها في الدنيا أخذًا من قوله: ((فَإِن لَم تَكن
تَرَاهُ)(٢) فإن فنيت عن نفسك، ومحوت عن قلبك جميع رسمك، وصرت كأنك أنت
لست بموجود، فإنك حينئذٍ تراه تحريف لكلام من لا ينطق عن الهوى وجهل بمواقع
ألفاظه وجلالة إشاراته بإخراجها إلى ما يشبه السفساف مع ما في ذلك من قبيح
الانحراف والاعتساف ففي رواية: (فَإِنَّكَ إِن لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)(٣) فسلط النفي على
الرؤية لا على الكون.
(١) أخرجه أحمد (٢٢٨١٦) وأبو داود (٤٣٢٠) ونعيم بن حماد (١٤٥٤) وأبو نعيم في الحلية (٢٢١/٥).
(٢) أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩)، وأحمد (٩٤٩٧)، وابن ماجه (٦٤)، والنسائي (٤٩٩١).
(٣) أخرجه أحمد (٢٩٢٦)، والطبراني (١٣٥٨١)، وابن عساكر (٣١١/٣٥).

٢٠٥
كتاب الإيمان
وفي الأخرى: ((فَإِنْ لَم تَرَه فَإِنَّهُ يَرَاكَ))(١) ويلزم على زعمهم حذف ألف ((تراه)) لأنه
جواب ((إن)) ولم يأت حذفها في شيء من طرق الحديث، وإمكان أن التقدير ((فأنت
تراه)) لا يفيد؛ لأن الأصل عدمه مع أنه شاذ؛ لأن الجزاء حينئذٍ جملة اسمية وحذف
فائها شاذ، فكيف إذا ضم إلى حذفها حذف المبتدأ؟! ويلزمهم أيضًا أن ((فإنه يراك))
يصير كاللغو؛ لأن المعنى إذا كان: ((فإن فنيت فأنت تراه)» فأي فائدة لقوله عقبه: «فإنه
یراك))؟ فتأمل ذلك، ولا تغتر بخلافه.
وفي رواية: إنه قال ها هنا ((صَدَقْتَ)) أيضًا فلعل حذفه من هذه الرواية مسلم
وغيره استغناء عنه بما سبق أو نسيان من الراوي لا يقال قوله: «الإِحْسَانُ أَنْ
تَعْبُدَ اللهَ ... إلى آخره)(٢) يقتضي أن الإحسان لا يكون في المعصية والمباح؛ لأنا نمنع
ذلك بأن العبادة تشمل الثلاثة:
- إما الطاعة: فواضح مما مرَّ.
- وأما المعصية: فسببها الغفلة والشهوة؛ إذ العبد مأمور بأن يشهد أن الله
يبصره على أي حالة كان وأنه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
فإذا لاحظ ذلك حق الملاحظة كفَّ عن المعصية ألبتة؛ إذ لا يقع أحد في
معصية إلا لغفلته عن ذلك، كيف وهو لو تحقق أن كثيرًا يراه لو فعلها لم يمكنه
الإقدام عليها، فما بالك برؤية الحق؟!
وهذا هو البرهان الذي رآه يوسف - صلى الله على نبينا وعليه وسلم - وهو قيام
الدليل الواضح العلمي بأنه خالق موجود حق ناظر إلى كل شيء، ومصرف لكل شيء،
فمن أراه تعالى هذا البرهان الواضح لإخلاصه وعبوديته صرف: ﴿عَنْهُ السُّوءَ
وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف: ٢٤].
- وأما المباح: ففعله ينشأ عن غفلة أيضًا، لكن عن هذا المقام الإحساني؛ إذ
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.