Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
[الأحزاب: ٥٦].
ولما نقله النووي عن العلماء من كراهة إفراد أحدهما عن الآخر، لكن العذر
عمن أفرد أنه يحتمل أن محل الكراهة فيمن اتخذه عادة أو أن من فعله منهم كالشافعي
له في مواضع كثيرة من ((الآلام)) وغيرها، جمع بينهما بلسانه، واقتصر على كتابة
أحدهما؛ إذ إن الكراهة بمعنى خلاف الأولى لإطلاقها عليه كثيرًا، فلا يشتد
التحاشي عن ارتكابه.
والصلاة لغةً هنا: الدعاء، وهو يلزمه التعظيم، فأطلق الملزوم وأريد لازمه، ومنه
يقال: الرحمة إلا أن الشرع خص الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بالإفراد بالدعاء
بلفظ الصلاة وتعظيمًا لهم.
والسلام: الاسم من التسليم، وهو التحية بالسلام، ومعناها في الأصل: الإخبار
بالسلامة من كل مكروه وأن يضم للصلاة عليه وعليه الصلاة على آله؛ لقوله لما سألوه عن
كيفية الصلاة عليه؟ ((قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ))(١) وهم المؤمنون من
بني هاشم والمطلب.
وقيل: ((كُلُّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ)(٢) أي: في مقام الدعاء واختاره بعضهم لحديث فيه لكنه
ضعيف: ((وعلى أصحابه)) لأنها إذا طلبت على الآل غير الصحابة فعلى الصحابة أولى.
(أَمَّا بَعْد) أتى بها اقتداء به ◌َّه وبأصحابه فإنهم كانوا يأتون بها في خطبتهم
ذكره الذهبي في الميزان، وإنما الكذاب إسحاق بن وهب الطهرمسي، فالتبس على المؤلف،
ويزيد بن عياض روى له الترمذي وابن ماجه وهو ضعيف. وقد أورد الذهبي الحديث في ترجمة
بشر بن عبيد وقال: هذا بشر كذبه الأزدي. وقال ابن عدي: منكر الحديث عن الأئمة، وقال في
اللسان: ذكره ابن حبان في الثقات وقد توبع إسحاق ويزيد وبشر.
قلت: وأورد له شواهد ومتابعات ترفعه لدرجة الحسن، والله أعلم.
(١) أخرجه البخاري (٤٥١٩)، ومسلم (٤٠٥).
(٢) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (٣٢٦/٢).

٦٧
بداية الشرح
للانتقال من أسلوب إلى آخر، و((أما)) متضمنة معنى الشرط وفعله وهو ((مهما يكن"
ثم التزموا حذف الفعل وتعويض اسم عنه وقع بين الشرط وجزائه تخفيفًا
لكثرة الاستعمال، أو تنبهًا على أن المقصود بها بيان حكم الاسم الواقع بعدها
فوقعت.
أما موضع اسم هو المبتدأ أو فعل هو الشرط وتضمنت معناهما كما مر،
ولتضمنها معنى الشرط لزمتها الفاء اللازمة له غالبًا ولتضمنها الابتداء لزمها لصوق
الاسم اللازم للمبتدأ اقتضاءً لحق ما كان وإبقاءً له بقدر الإمكان.
و(بعد): ظرف وعاملها عند سيبويه ((أما))، والأصل مهما(١) يكن من شيء بعد
الحمدلة والتشهد والصلاة على النبي ◌َّية.
(فَإِنِ الشَّمسُّك بِهِدْيِهِ) وَيّر وهو أقواله وأفعاله وأحواله (لَا يَسْتَتب) يعني: لا
يستتم ويستمر، ولو عبر بأحدهما لكان أولى؛ لأنه الهلاك أو الاستمرار في الخسران،
وكلاهما غير مناسب هنا كما هو جلي (إِلَّا بِالاقْتَفَاءِ) أي: الاتباع التام (لِمَا صَدَرَ)
وظهر إلى الأمة (مِنْ مشْكَاتِهِ) أي: قلبه المكني بها عنه؛ إذ هي الكوة يوضع فيها
المصباح، وهو قد وضع فيه علوم الأولين والآخرين المشبهة بالأنوار في عموم الاهتداء
بها والاستمساك بسببها.
ويصح أن يشير إلى ما قيل في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ من أنه إشارة إلى نوره
في قلب محمد ﴿، فحينئذٍ تڪون المشكاة مستعارة لصدره ولار؛ لأنه مقتبس لنور
القلب ومفيض على الخلق لاستعداده بانشراحه، وشقه أربع مرات عند التنقل في
الأطوار الأربعة المتكاورة المتباينة أحكامها وطبائعها؛ ليقترن بكل كمال باهر يحفظها
عن أن يقع فيها، أو في شيء من مقتضياتها طور الطفولة له عند حليمة، وطور أوائل
البلوغ وهو ابن عشر، وطور آخر سن الكهولة في ((حراء))، وطور أوائل الشيخوخة ليلة
الإسراء.
(١) لفظ المخطوط: ((منهما)) ولعل المثبت هو الأصح.

٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
فلذلك صفا قلبه الشريف وأشرف من كل كدر وخلق دنيء، وتجلى بكل كمال
علي فشبه بالزجاجة التي ﴿كَأنَّهَا كَوْكَبُ دُرِّيٌّ﴾ [النور: ٣٥]، وشبه ما فيه من اللطيفة
القدسية المزهرة المستمدة من حضرة الجلال الأحدي والجمال القدسي والعلم اللدني
بالمصباح الكامل المتوقد من الشجرة المباركة التي في غاية الاعتدال ونهاية الكمال.
(و) أن (الاعتِصَام بِحَبْلِ الله) أي: دينه السني الذي إذا استمسك به الغريق في
بحار جهله وشهواته نجا، وإذا أعرض عنه هلك وغوى (لَا يَتْمُّ إِلا بِبَيَانٍ كَشِفِهِ)
المجملات الآيات ومشتبهات النصوص؛ إذ لا يحيط بذلك غيره.
ولما مهد هذه القاعدة التي عليها مدار قواعد الدين عقبها ببيان السبب
الحامل له على تأليف كتابه الذي هو أجمع الكتب لبيان تلك القاعدة، فقال: (وَكَانَ
كِتَابِ المِصَابِيحِ الَّذِي صَنَّفَه الإِمَامُ) الجليل الكبير القدر الشافعي، المفسر، الحافظ،
الزاهد، الجامع بين العلم والعمل، السالك لطريقة السلف، فقد كان يأكل الخبز وحده
بلا أدم إلى أواخر عمره، فعدل عن ذلك لكبره وعجزه فصار يأكله بالزيت (محيي
السُّنةِ) لُقِّبَ به؛ لأنه لما فرغ من شرح السنة رأى النبي وسلم فقال له: «أحياك الله كما
أحییت سنتي».
(قَامِعِ البَدْعَةِ) أي: قاطعها، ودافع أهلها (أَبو مُحمَّد) زكي الدين (الحسينَ بِنِ
مَسْعُود الفرَّاء) نعت لأبيه؛ إذ هو الذي كان يعمل الفراء (البغويّ) نسبة إلى ((بغ)) من
بلاد ((خراسان)) بين ((مرو)) و((هراة).
وقيل: اسمها ((معشور)) ففي النسبة إليها تغيير خارج عن القياس، قال بعضهم.
وقيل: ذلك اسم للولاية تفقه على أستاذه القاضي حسين المروزي فقيه خراسان.
قال الرافعي: وكان يقال له: حبر الأمة، ثم حكي عنه أن رجلاً جاء فقال له:
حلفت بالطلاق أنه ليس أحد في الفقه والعلم مثلك، فأطرق ساعة وبكى ثم قال:
هكذا يفعل موت الرجال، لا يقع طلاقك.
توفي البغوي بـ(مرو)) سنة ست عشرة وخمسمائة، وقد أشرف على السبعين ظنًّا،

٦٩
بداية الشرح
دفن عند شيخه المذكور وهو من أكابر أصحاب الوجوه في مذهبنا (رَفَعَ اللهُ دَرجتَهُ)
وأدام علیه رضاه ورحمته.
(أَجْمع كِتَابِ صَنَّفَهُ فِي بَابِهِ) الذي هو استيعاب ما في كل مقصد من الأحاديث
الصحيحة والحسنة عنده (وَأَضْبَط لِشَوَارِدِ الأَحَادِيثِ) أي: مفرداتها التي لا يعثر
عليها إلا بمزيد مشقة (وَأوابدِهَا) أي: متوحشاتها التي لا يظفر بها إلا من أذهب في
تحصيلها عمره، وأعمل في تنقيحها فكره.
(وَلَمَّا سَلَكَ ﴾) في ذلك (طَرِيقَ الاخْتِصَارِ وَحَذْفِ الأَسَانِيدِ) عطف بيان
(تَكلَّمَ فِيهِ بَعضُ النُّقَادِ) كالنووي وابن الصلاح وغيرهما فقالوا: ما جنح إليه في
((مصابيحه)) من تقسيمه إلى صحاح وحسان مع صيرورته إلى أن الصحاح ما رواه
الشيخان في «صحيحهما)) أو أحدهما، والحسان ما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما
من الأئمة كالنسائي والدارمي، وابن ماجه اصطلاح لا يعرف بل هو خلاف الصواب؛
إذ الحسن عند أهل الحديث ليس عبارة عن ذلك؛ لأنه وقع في كتاب ((السنن)) المشار
إليها، غير الحسن من الصحيح والضعيف، لكن انتصر له المؤلف فقال: لا مشاحة في
الاصطلاح بل تخطيه لكن وفي اصطلاحه بعيدة عن الصواب.
والبغوي قد صرح في ابتداء كتابه بقوله: أعني: بالصحاح كذا وبالحسان كذا،
وما قال: أراد المحدثون بهما کذا، فلا يرد عليه شيء مما ذكر خصوصًا، وقد قال: وما
كان فيها من ضعيف أو غريب أشير إليه، وأعرضت عما كان منكرًا أو موضوعًا، وأيده
شيخ الإسلام ابن حجر بحكمه في قسم الحسان لصحة بعض أحاديثه تارة إما نقلاً عن
الترمذي أو غيره، وضعفه أخرى بحسب ما يظهر له في ذلك؛ إذ لو أراد بالحسان
الاصطلاح العام ما نوعه، ولا يضر المناقشة له في ذكره المنكر في بعض المواضع بعد
التزامه الإعراض عنه.
ولا يضر تصريحه بالصحة والنكارة في بعض ما أطلق عليه الحسان ولا تركه
حكاية تنصيص الترمذي في بعضها بالصحة أحيانًا، ولا إدخاله له في القسم الأول

٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
المسمى بالصحاح عدة روايات ليست في ((الصحيحين)) ولا في أحدهما مع التزامه
الاقتصار فيه عليهما؛ لأن ذلك كله إنما صدر منه لأمر خارجي يرجع إلى الذهول
ونحوه وأحسن من هذا في العذر عنه بالنسبة للأخير فقط؛ لأنه يذكر أصل الحديث
منهما أو من أحدهما ثم يتبع ذلك باختلاف لفظه ولو بزيادة في نفس ذلك الخبر
أوردها بعض مخرجي السنن، فيشير هو إليهما لكمال الفائدة.
ومما فيه نوع تأييد لاصطلاحه السابق في إطلاقه الحسن على جميع ما في السنن
فيشير هو إليها لكمال الفائدة إطلاق الحاكم والخطيب الصحة على جميع ما في
((سنن)) الترمذي وإطلاق ابن منده وابن السكن لها على جميع ما في (سنن)) أبي داود
و((سنن)) النسائي، ووافقهما في أبي داود الحاكم، وفي النسائي جماعة منهم أبو علي
النيسابوري وأبو أحمد بن عدي والدارقطني، والخطيب بل شذَّ بعض المغاربة ففضل
(سنن)) النسائي على صحيح البخاري، بل ذكر الحافظ أبو طاهر السلفي اتفاق علماء
المشرق والمغرب على صحة الكتب الخمسة: الصحيحين، وسنن أبي داود والترمذي
والنسائي.
نعم في هذه الإطلاقات كلها تساهل صريح؛ لأن في الثلاثة الأخيرة ما صرحوا
بكونه ضعيفًا أو منكرًا ونحو ذلك من أوصاف الضعيف، وقد صرح أبو داود بانقسام
ما في كتابه إلى صحيح وغيره والترمذي مصرح بانقسام ما في ((سننه)) إلى صحيح
وحسن، وما قيل: إن ما في هذه الثلاثة مما سكت عنه مخرجوها ولم يصرحوا فيه
بضعف ولا غيره صالح للاحتجاج به فغير سديد، بل فيها أحاديث لم يتكلم فيها
الترمذي وأبو داود وليس لغيرهم فيها كلام ومع ذلك فهي ضعيفة.
وألحق في ذلك قول النووي، رحمه الله: معظم الثلاثة يحتج به؛ أي: صالح؛ لأن
يحتج به؛ لئلا يرد المنسوخ أو المرجوح عند المعارضة، وقد تحمل تلك الإطلاقات على
أن غير الصحيح والحسن في تلك الثلاثة قليل بالنسبة لصحيحها وحسنها فلم يعتبر،
وبالجملة فكتاب النسائي أقل كتب الخمس غير («الصحيحين)) حديثًا ضعيفًا، ومن ثم

٧١
بداية الشرح
قيل: ما وضع في الإسلام مثله.
ويقاربه (سنن)) أبي داود، بل قال الخطابي: لم يصنف في علم الدين مثله،
ويقاربه كتاب الترمذي بل قال أبو إسماعيل الهروي: هو عندي أنفع من
(الصحيحين)) لأن كل أحد يصل للفائدة منه وهما لا يصل إليهما منهما، ويقاربه
كتاب الترمذي بل قال أبو إسماعيل الهروي: هو عندي أنفع من الصحيحين؛ لأن كل
أحد يصل للفائدة منه وهما لا يصل إليها منهما إلا العالم المتبحر.
وأما ((سنن)) ابن ماجه فإنه انفرد بأحاديث عن رجال متهمين بالكذب، وساق
أحاديث حكم غيره عليها بالبطلان أو السقوط أو النكارة.
ومن ثَمَّ قال العلائي: ينبغي أن يجعل مسند الدارمي سادسًا للخمسة بدله، فإنه
قليل الرجال الضعفاء، نادر الأحاديث المنكرة والشاذة، وإن كانت فيه أحاديث مرسلة
وموقوفة فهو مع ذلك أولى منه، وهذا هو السبب في جعل جمع كرزين، والمجد بن
الأثير ((الموطأ)) سادسًا.
وأول من جعل السادس ابن ماجه أبو الفضل بن طاهر، وتبعه عبد الغني، ثم
الحافظ المزي وعذرهم كثرة زوائده على الخمسة بخلاف ((الموطأ)(١).
والحاصل مما مرَّ في الانتقاد على البغوي، وجوابه أنه وإن سلم له اصطلاحهم
لكنه موهم فلذلك انتقدوا عليه (وَإِنْ كَانَ نَقْلهُ) للأحاديث بلا إسناد (وَ) الحال (إِنهُ
مِنَ) الأثبات (الثّقَاتِ) الحفاظ المتقنين، المرجوع إليهم، المعول عليهم (كَالإِسْنَادِ) لأن
هذا هو شأن من اشتهرت أمانته وعلمت عدالته وصيانته، ويعول على نقله، وإن تجرد
عن إسناد الشيء بمحله (لَكِن لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَام) جمع علم بمعنى العلامة؛ أي:
آثار يستدل بها عليه كذكر رواية الصحابي الذي أهمله الشيخ في أكثر كتابه؛ إذ في
ذکر فوائد:
(١) ذكره العجلوني في كشف الخفا (٣٢٦/٢).

٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
منها: إن الحديث قد يتعدد راويه وطرقه، فبعضها صحيح وبعضها ضعيف،
فیذکر الصحابي ليعلم ضعف المروي من صحته.
ومنها: رجحان الخبر بحال الراوي من زيادة فقهه وورعه ومعرفة ناسخه من
منسوخه لتقدم إسلام الراوي وتأخيره، ومعرفة مطلقه من مقيده؛ لأن أحد الرواة قد
يطلق والآخر قد يقيد، فيعلم هذا من هذا (كَالأَغْفَالِ) جمع غفل، وهو الأرض التي بها
علامة ولا أثر عمارة؛ أي: كما لا علامة عليه ظاهرة والأول: كالمشكاة، والثاني:
كأصلها وهو المصابيح، ومن ثم فرع على ذلك.
قوله: (فَاسْتَخرتُ اللهَ) في تهذيبه وتكميله عملاً بقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ
مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] من أمرهم.
وقوله ◌َ﴾: ((مَا خَابَ مَن استَخَار)(١).
(وَاسْتَوتَقتُ مِنْهُ) أي: أخذت من المصابيح ما هو الوثيقة المقصودة بالذات وهو
الأحاديث عزيت عن وسمها بصحاح أو حسان حذرًا من الانتقاد والإيهام السابق
(فَأَودعتُ كُلَّ حَدِيثٍ مِنه في مقرّه)(٢) ومحله الأنسب به مع بیان مخرجه.
(فَأَعْلمت) أي: وسمت وبينت (مَا أَغْفَلَهُ) أي: تركته عمدًا بلا إسناد اختصارًا
فجاء ما وضعته متقنًا محكمًا بينًا (كَمَا رَواهُ الأَئمةُ المتْقِنُون) من الإتقان وهو الأحكام
- أي: المحكمون لمروياتها بإيرادها على أكمل ما ينبغي وأولى ما يستطام(٣) (مِثْل أَبِي
عَبْد الله مُحمَّد بن إِسْمَاعِيل) ابن إبراهيم بن المغيرة - بضم فكسر - ابن بَرْدِزْبَه -
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٦٢٧)، وفي الصغير (٩٨٠).
(٢) قال الملا علي القاري في ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) (٢٧/١): (فأودعت كل حديث
منه) أي: من المصابيح في مقره كذا في بعض النسخ هذه الفقرة موجودة، والمعنى وضعت كل
حديث من الكتاب في محله الموضوع في أصله من كل كتاب وباب من غير تقديم وتأخير
وزيادة ونقصان وتغيير.
(٣) الطام: شيء عظيم.

٧٣
بداية الشرح
بموحدة مفتوحة فراء ساكنة فمهملة مكسورة، فزاي ساكنة فموحدة مفتوحة فيها على
المشهور في ضبطه - وبه جزم ابن ماکولا.
وهو بالفارسية - الزراع - الجعفي، مولاهم، ولاء إسلام على مذهب من يرى أن
من أسلم على يد شخص كان ولاؤه له، وذلك لأن جده المغيرة كان مجوسيًّا، ثم أسلم على
يد اليمان الجعفي والي ◌ُخارى نسبة لجعفي بن سعد(١).
(العَشِيرَة) أي: قبيلة من اليمن من ((مدحج))، ووهم من قال أنه اسم بلد، وكأنه
توهمه من قول ياقوت في ((معجمه)): إنه مخلاف باليمن ينسب لقبيلة من ((مدحج)) بينه
وبين صنعاء اثنان وأربعون فرسخًا، انتهى.
ومراده أن المحل إنما وصف بذلك من باب مجاز المجاورة للمحل باسم الحال،
ووحده إبراهيم.
قال الحافظ ابن حجر: لم نقف على شيء من أخباره وأبوه إسماعيل من العلماء
العاملين، روى عن حماد بن زيد ومالك، وصحب ابن المبارك، وروى عنه العراقيون،
قال: لا أعلم في جميع مالي درهمًا من شبهة (البُخَارِي) إمام المسلمين، توفي أبوه
صغيرًا، فنشأ في حجر والدته، ثم عمي فرأت إبراهيم الخليل العقديئة، وعلى نبينا قائلاً لها:
قد ردَّ الله على ابنك بصره بكثرة دعائك له.
فأصبح وقد رد الله عليه بصره فنشأ متربيًا في حجر العلم، مرتضعًا ثدي
الفضل، ثم ألهم طلب الحديث وله نحو عشر سنين بعد خروجه من المكتب، ولما بلغ
إحدى عشرة سنة رد على بعض مشايخه غلطًا وقع له في سندٍ حتى صلح كتابه من
حفظ البخاري، ولما بلغ ست عشرة سنة حفظ كتب ابن المبارك ووكيع، وعرف كلام
أصحاب الرأي.
(١) انظر: تاريخ بغداد (١١/٢)، وتهذيب الكمال (٤٣١/٢٤)، تهذيب التهذيب (٤١/٩)، التقريب
والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث للنووي (ص٣٢)، والإكمال لابن ماكولا
(٥٨/١).

٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
ثم خرج مع أمه وأخيه إلى مكة، فرجع أخوه وأقام هو لطلب الحديث، فلما
طعن في ثماني عشرة صنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم والتاريخ الكبير عند
قبر النبي ◌َله في الليالي المقمرة وكتبوا عنه وسنه نحو ثماني عشرة، ولما رجع من مكة
ارتحل إلى سائر مشايخ الحديث إلى أكثر المدن والأقاليم.
وكان أول سماعه، وسنه إحدى عشرة سنة بعد أن سمع الكثير ببلدة بخارى
أعظم مدن ما رواء النهر بينها وبين ((سمرقند)) ثمانية أيام.
قال النووي والتاج السبكي وغيرهما: ذكره أبو عاصم العبادي في ((طبقات))
أصحابنا الشافعيين وقال: سمع من أصحاب الشافعي كالزعفراني والكرابيسي وأبي
ثور، ولم يرو في (صحيحه)) عن الشافعي؛ لأنه أدرك أقرانه والشافعي مکتهلاً، فلم يرو
عنه نازلاً على أنه روى عن أبي ثور وغيره مسائل عن الشافعي ذكرها في موضعين من
((صحیحه).
قال: والحامل لي على تأليفه أنني رأيت كأني واقفً بين يدي النبي ◌ُّ وبيدي
مروحة أذب عنه فعبر لي بأني أذب عنه الكذب، وما وضعت فيه حديثًا إلا بعد الغسل
وصلاة ركعتين، وأخرجته من زهاء ستمائة ألف حديث، وصنفته في ست عشرة سنة،
وجعلته حجة فيما بيني وبين الله، وما أدخلت فيه إلا صحيحًا، وما تركت من
الصحيح أكثر؛ لئلا يطول، وصنفته بالمسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا حتى
استخرت الله، وصلیت رکعتین وتیقنت صحته، انتهى.
وهذا باعتبار الابتداء وترتيب الأبواب، ثم كان يخرج الأحاديث بعد في بلده
وغيرها، وهو محمل رواية أنه كان يضيفه في البلاد؛ إذ مدة تصنيفه في البلاد ست
عشرة سنة، وهو لم يجاور هذه المدة بمكة.
ورواية أنه جعل تراجمه في الروضة الشريفة محمولة على نقلها من المسودة إلى
المبيضة، ونقلاً عن أبي جمرة عمن لقبه من العارفين أنه ما قرأ في شدة إلا وفرجت وما
ركب به في مركب فغرق، وإنه كان مجاب الدعوة وقد دعا لقارئه.

٧٥
بداية الشرح
قال ابن كثير الحافظ: وكان يستسقي بقراءته الغيث وسمعه منه تسعون ألف
رجل، وممن روى عنه مسلم في غير صحيحه وأبو زرعة وأبو حاتم والترمذي والنسائي
على قول، ومحمد بن نصر الفقيه وابن خزيمة.
قيل: وكان ورده ختمة في كل يوم وثُلثها في سَحر كل ليلة، وكان يقول: أرجو الله
ألَّا يحاسبني أني اغتبت أحدًا وأحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف غير
صحيح؛ أي: باعتبار كثرة طرقها مع عد المكرر والموقوف وآثار الصحابة والتابعين
وغيرهم وفتاويهم مما كان السلف يطلقون على كله حديثًا وحينئذٍ فيسهل الخطب،
فرب حديث له مائة طريق وأكثر، ولولا ذلك لشهد الوجود بخلاف هذه الدعوى، فإن
الموجود في الكتب الحديثة من الكتب الستة وغيرها صحيحها وغيره لا يبلغ نصف
هذا العدد بل ولا ثُلثه.
وقيل: وهو صبي حفظ سبعين ألف حديثٍ سردًا، وينظر في الكتاب نظرة
واحدة فيحفظ ما فيه، وكان يحضر السماع ولا يكتب فعوتب في ذلك، فقال: اسمعوا
عليَّ فسرد لهم من حفظه خمسة عشر ألف حديث وجعلوا يصححون كتبهم من
حفظه، وكان أهل المعرفة يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على
نفسه، ويجلسوه في بعض الطريق فتجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عليه وكان
شابًا، وقد بلغ إنسانًا أن صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديث، فلقيه، فقال: أنت الذي
تقول أنك تحفظ سبعين ألف حديث؟ قال: نعم وأكثر، وما من حديث عن الصحابة
والتابعين إلا ولي فيه أصل من الكتاب أو السنة.
وكان يقول: دخلت ((بلخ)) فسألني أهلها أن أملي عليهم الكل ممن كتبت عنه
فأمليت ألف حديث عن ألف شيخ، ولبلوغها النهاية في معرفة علل الحديث كان
مسلم بن الحجاج يقول: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين
وطبيب في علله.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخراسان في ذلك أعلم منه، وكان

٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
بـ(سمرقند)) أربعمائة محدث اجتمعوا تسعة أيام لمخالطته، فخلطوا الأسانيد بعضها في
بعض وعرضوها عليه، فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلقوا عليه بسقطة لا في إسناد ولا
متن، ولما قدم بغداد فعلوا معه نظير ذلك فعمدوا إلى مائة حديث فكتبوا متونها
وأسانيدها ودفعوا لكل واحد عشرة ليلقيها عليه في مجلسه الخاص بالناس امتحانًا،
فقام أحدهم عن حديث من تلك العشرة فقال: لا أعرفه، ثم سأله عن الثاني، فقال:
مثل ذلك وهكذا إلى العشرة، ثم قام الثاني فكان كالأول، ثم الثالث وهكذا إلى أن
فرغوا، فحينئذٍ التفت إلى الأول أمَّا حديثك فصوابه كذا وكذا، ولا زال على ذلك إلى أن
أكمل المائة فبهر الناس وأذعنوا له.
ولما قدم البصرة نادى منادٍ يعلمهم بقدومه، فأحدقوا به وسألوه أن يعقد لهم
مجلس الإملاء فأجابهم، فنادى المنادي يعلمهم أنه أجاب، فلما كان من الغد اجتمع
كذا كذا ألف من المحدثين والفقهاء فأول ما جلس قال: يا أهل البصرة أنا شاب وقد
سألتموني أن أحدثكم وسأحدثكم أحاديث عن أهل بلدكم تستفيدونها - يعني:
ليست عندكم - وأملي عليهم من أحاديث أهل بلدهم ما ليس عندهم حتى بهرهم،
ومن ثم كثرتنا الأئمة عليه حتى صح عن أحمد بن حنبل أنه قال: ما أخرجت خراسان
مثله.
وقال غير واحد: هو فقيه هذه الأمة.
وقال إسحاق بن راهويه: يا معشر أصحاب الحديث، انظروا إلى هذا الشاب
واكتبوا عنه، فإنه لو كان في زمن الحسن البصري لاحتاج إليه لمعرفته بالحديث وفقهه،
وقد فضله بعضهم في الفقه والحديث على أحمد وإسحاق.
وقال ابن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه.
وكان - رحمه الله - غاية في الحياء والسخاء والشجاعة والورع والزهد، وكان
يختم في رمضان كل يوم ختمة ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليالٍ بختمة، وكان يصلي

٧٧
بداية الشرح
وقت السحر ثلاث عشرة ركعة ولسعه زنبور(١) وهو في صلاته في ستة عشر أو سبعة
عشر موضعًا، فقيل له: لم تخرج من الصلاة أول ما لسعك، قال: كنت في سورة
فأحببت أن أتمها.
ولما قال: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا، قيل له: إن بعض
الناس ينقم عليك التاريخ فإنه غيبة، فقال: إنما روينا ذلك رواية ولم ننقله من عند
أنفسنا، وقد قال ◌َّ﴾: ((بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَة)(٢).
وورث من أبيه مالاً كثيرًا فكان يتصدق به، وكان قليل الأكل جدًّا كثير
الإحسان إلى الطلبة مفرطًا في الكرم، وأعطى خمسة آلاف درهم ربح بضاعة له
فأعطاه آخرون عشرة آلاف، فقال: إني نويت بيعها للأولين ولا أحب أن أغير نيتي،
وعثرت جاريته بمحبرة بين يديه فقال لها: كيف تمشين؟ فقالت: إذا لم يكن طريق
كيف أمشي؟ فقال: اذهبي فأنت حرة، فقيل له: يا عبد الله أغضبتك وأعتقتها؟ فقال:
أرضیت نفسي بما فعلت.
ولما بنى رباطًا مما يلي بخارى اجتمع إليه خلق كثير يعينونه فكان ينقل معهم
اللبن فيقال له: قد كفيت، فيقول: هذا هو الذي ينفعني، ولما قدم (نيسابور)) تلقاه أهلها
من مرحلتين أو ثلاث لقول محمد بن يحي الذهلي عالمها في مجلسه: من أراد أن
يستقبل محمد بن إسماعيل غدًا فاستقبله فإني أستقبله، فاستقبله هو وعامة علمائها،
فلما دخلها قال الذهلي لأصحابه: لا تسألوه عن شيء من الكلام فإنه إن أجاب بخلاف
ما نحن فيه وقع بيننا وبينه وشمت بنا كل ناصبي ورافضي وجهمي ومرجئ، ثم سأله عن
اللفظ بالقرآن مخلوق، وقال بعضهم: لم يقله، ووقع بينهم.
وقال ابن عدي: إنهم لما اجتمعوا عنده حسده بعض شيوخ الوقت، فقال
لأصحاب الحديث: إنه يقول لفظي بالقرآن مخلوق، فلما حضر المجلس قام إليه رجل
(١) الزُّنْبُورُ، بالضم ذُبابٌ لَسَّاعُ.
(٢) أخرجه الترمذي في ((الشمائل المحمدية)) (٣٤٥)، بتحقيقنا، والطيالسي في ((مسنده) (١٥٤٧).

٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرض
عنه ثلاثًا، فألح، فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان
بدعة، فقال الرجل: فأي لفظي بالقرآن مخلوق؟ فقال الذهلي: القرآن كلام الله ومن
زعم لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع لا يجلس إلينا، ولا نكلم من ذهب بعد هذا
إلى محمد بن إسماعيل، فانقطع الناس عن البخاري إلا مسلم ابن الحجاج، فبعث إلى
الذهلي جميع ما كتب عنه على ظهر حمال، وقال البخاري: لا يساكنني محمد بن
إسماعيل في البلد، فخشي على نفسه البخاري وسافر من البلد.
ولما رجع البخاري نصبت له القباب على فرسخ منها واستقبله عامة أهلها، ونثر
عليه الدراهم والدنانير، وبقي مدة يحدثهم، فأرسل إليه أمير البلد خالد بن محمد الذهلي
- نائب الخلافة العباسية - يتلطف معه ويسأله أن يأتيه بالصحيح ويحدثهم به في
قصره، فامتنع، وقال لرسوله: قل له إني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن
احتاج لشيء منه فليحضر في مسجدي أو داري، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان،
فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة ألَّا أكتم العلم.
فراسله أن يعقد مجلسًا لأولاده ولا يحضر غيرهم، فامتنع عن ذلك أيضًا وقال:
لا يسعني أن أخص بالسماع قومًا دون قوم، فحصلت بينهما وحشة، فاستعان الأمير
بعلماء بخارى عليه حتى يكلموه في مذهبه، فأمره بالخروج من البلد، فدعا عليه وكان
مجاب الدعوة، فلم يأت شهر حتى ورد أمر الخلافة بأن ينادي على الأمير فأركب حمارًا،
فنودي عليه فيها وحبس إلى أن مات، ولم يبق أحد ممن ساعده إلا وابتلي ببلية
شديدة.
ولما خرج البخاري من بخارى كتب إليه أهل سمرقند يخطبونه لبلدهم فسار
إليهم، فلما كان بـ(خرتنك)(١) . بمعجمة مفتوحة في الأشهر أو مكسورة فراء ساكنة
(١) خَرتَنكُ: بفتح أوله وتسكين ثانيه وفتح التاء المثناة من فوق ونون ساكنة وكاف، قرية بينها وبين
سمرقند ثلاثة فراسخ بها قبر إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري. ينسب إليها أبو
عـ

٧٩
بداية الشرح
ففوقية مفتوحة فنون ساكنة فكاف - وهي على فرسخين من سمرقند، وجزم بعضهم
بأن بينهما نحو ثلاثة أيام.
قال: وسألت أهلها عن ذلك، فقالوا: هذا خطأ، والصواب الأول، وسألتهم عن
معنى خرتنك، فقالوا: معناه الضيق لكثرة الزائرين، فقلت لهم: يلزم حدوث هذه
التسمية بعد موت البخاري، فقالوا: هو كذلك؛ لأنها قالت قبل موته تسمى بكذا.
وذكره بلغة أنه وقع بينهم بسبب فتنة فقوم یریدون دخوله وآخرون يكرهونه،
وكان له أقرباء بها فنزل بها حتى ينجلي الأمر فأقام أيامًا، فمرض حتى وجه إليه رسول
من أهل سمرقند يلتمسون خروجه إليهم، فأجاب وتهيأ للركوب ولبس خفيه وتعمم،
فلما مشي قدر عشرين خطوة أو نحوها إلى الدابة ليركبها قال: أرسلوني فقد ضعفت،
فأرسلوه فدعا بدعواته ثم اضطجع فقضى، فسال منه عرق كثير لا يوصف وما سكن
عنه العرق حتى أدرج في أكفانه.
وقيل: ضجر ليلة فدعا بعد أن فرغ من صلاة الليل: اللَّهُمَّ قد ضاقت عليَّ
الأرض بما رحبت فاقبضني إليك، فمات عن غير ولد، ذكر في ذلك الشهر وقت
العشاء ليلة السبت ليلة عيد الفطر، سنة ست وخمسين ومائتين عن اثنتين وستين
سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، وولد يوم الجمعة بعد الصلاة ولثلاث عشرة خلت من شوال
أيضًا.
وقيل: قبره بمصر وهو شاذ، وكان أوصى أن يكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها
قميص ولا عمامة ففعل به ذلك، ولما صلي عليه ووضع في حفرته فاح من تراب قبره
رائحة طيبة كالمسك ودامت أيامًا وجعل الناس يختلفون إلى قبره مدة، يأخذون من
تراب قبره ويتعجبون من ذلك.
-
منصور غالب بن جبرائيل الخرتنكي، وهو الذي نزل عليه البخاري ومات في داره، حكى عن
البخاري حكايات. [معجم البلدان لياقوت ١٥٤/٢].

٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
453* ومعه جماعة من أصحابه وهو واقف فسلمت
قال بعضهم: رأيت النبي
عليه، فرد علي السلام فقلت: ما وقوفك هنا يا رسول الله؟ قال: أنتظر محمد بن
إسماعيل.
قال: فلما كان بعد أيام بلغني موته، فنظرت فإذا هو قد مات في الساعة التي
رأيت النبي وله فيها، ولما ظهر أمره بعد موته خرج بعض مخالفيه إلى قبره وأظهروا
التوبة والندامة، وبعد نحو سنتين من موته استسقى أهل سمرقند مرارًا فلم يسقوا،
فقال بعض الصالحين لقاضيها: أرى أن تخرج بالناس إلى قبر البخاري وتستسقي عنده
فعسى الله أن يسقينا، ففعل وبكى الناس عند القبر وتشفعوا بصاحبه، فأرسل الله
تعالى السماء بماء عظيم غزير أقام الناس من أجله بـ(خرتنك)) نحو سبعة أيام لا
يستطيع أحد الوصول إلى سمرقند من كثرة المطر.
(فَائِدة):
اتفقت الأمة على تلقي ((الصحيحين)) بالقَبول وأنها أصحاب الكتب المصنفة، ثم
الجمهور أن ((صحيح البخاري)) أرجحهما وأصحهما.
قيل: ولم يوجد عن أحد التصريح بنقيضه؛ لأن قول أبي علي النيسابوري ما
تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم ليس فيه تصريح بأصحيته على كتاب
البخاري؛ لأن نفي الأصحية لا ينفي المساواة وتفضيل بعض المغاربة لـ((صحيح مسلم))
محمول على ما يرجع لحسن السياق وجودة الوضع والترتيب؛ إذ لم يفصح أحد منهم بأن
ذلك راجع إلى الأصحية، ولو صرحوا به لرد عليهم شاهد الوجود؛ إذ ما يدور عليه
الصحة من الصفاء الموجود في (صحيح مسلم)) موجودة في (صحيح البخاري)) على وجه
أكمل وأتم وأسد؛ لأن شرطه فيها أقوى وأشد.
أمَّا رجحانه من حيث الاتصال؛ فلاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبت له
الاجتماع بمن يروي عنه ولو مرة، واكتفى مسلم بمجرد المعاصرة نظرًا لإمكان اللقي،
وألزم البخاري بأن لا يقبل المعنعن أصلاً ورد بأن ذلك لا يلزمه؛ لأن الراوي إذا ثبت

٨١
بداية الشرح
لقاؤه ولو مرة لا يجري في روايته احتمال ألا يكون سمع؛ لأنه يلزم من جريانه أن
يكون مدلسًا، والمسألة مفروضة في غير المدلس.
وأمَّا رجحانه من حيث العدالة والضبط؛ فلأن الرجال الذين تكلم فيهم من
رجال مسلم أكثر عددًا ممن تكلم فيهم من رجال البخاري مع أنه لم يكثر من
إخراج حديثهم، بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم ومارس حديثهم وميز جيدها
من غيره بخلاف مسلم، فإن أكثر من تفرد بتخريج أحاديثه ممن تكلم فيهم من رجال
البخاري مع أنه لم يكثر من إخراج حديثهم، بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم
ومارس حديثهم وميز جيدها من غيره بخلاف مسلم، فإن أكثر من تفرد بتخريج
أحاديثه ممن تكلم فيهم ممن تقدم عصره من التابعين وتابعيهم، ولا ريب أن المحدث
أعرف بحدیث شیوخه ممن تقدم عنهم.
وأمَّا رجحانه من حيث عدم الشذوذ في الإعلال؛ فلأن ما انتقد على البخاري
من الأحاديث أقل عددًا مما انتقد على مسلم، ولا يقدح فيها إخراجهما لمن طعن فيه؛
لأن تخريج صاحب الصحيح لأي راوٍ كان مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم
غفلته إن خرج له في الأصول، فإن خرج في المتابعات والشواهد والتعليق كانت
درجاته متقاربة في الضبط وغيره، لكن مع حصول وصف الصدق له، فالطعن فيمن
خرج له أحدهما مقابل لتعديله، فلا يقبل الجرح إلا مفسرًا بما يقدح في عدالته أو
ضبطته مطلقًا أو في ضبطه لخبر بعينه؛ لتقارب الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح؛ إذ
منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح.
وقد كان أبو الحسن المقدسي يقول فيمن خرج له أحدهما في الصحيح: ((هذا
جاز القنطرة)) يعني: لا يلتفت لما قيل فيه؛ لأنهما مقدمان على أئمة عصرها ومن بعده
في معرفة الصحيح والعلل، وقد مر عن البخاري أنه ما أدخل في ((صحيحه)) حديثًا إلا
بعد أن استخار الله تعالی وتیقن صحته.
وقال مسلم: عرضت كتابي على أبي زرعة فلما أشار أن له علة تركه.

٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
والحاصل: إن أكثر ما انتقد عليهما من الأحاديث لا ينتفي عنه وصف الصحة؛
لوروده من جهة أخرى مع الإجماع على تلقي كتابيهما بالقبول والتسليم، وإنهما لا
يخرجان إلا ما له علة له أو له علة غير مؤثرة، ونفرض توجه الانتقاد عليهما ما هو
معارض بتصحيحهما، وهما مقدمان على غيرهما بلا ريب.
والجمهور على أن ((صحيحه)) أصح الكتب بعد القرآن حتى من («صحيح مسلم»
وقال جماعة بالعكس، والحق الأول إلا باعتبار دقائق الأسانيد ونحوها، فمسلم أمير.
ومن ثم قال النووي: لا نظير لكتابته في صنعه الإسناد، ومع ذلك ((صحيح
البخاري» أصح وأكثر فوائد.
(وَأَبِي الْحُسَينِ مُسْلِمٍ بنِ الحَجَّاجِ القُشِيرِي) من (بني قشير)) قبيلة من العرب
معروفة، النيسابوري أحد أئمة أعلام هذا الشأن وكبار المبرزين فيه والرجالين في
طلبه إلى أئمة الأقطار، والمتفق على تمييزه وتقدمه فيه على أهل عصره كما شهد له
بذلك إماما وقتيهما: أبو زرعة وأبو حاتم، فإنهما كانا يقدمانه في معرفة الصحيح على
مشايخ عصرهما من مشايخ البخاري وغيرهم كأحمد وإسحاق وقتيبة ابن سعيد
وَالْقَعْنَيِّ.
وروى عنه جماعات من كبار أئمة عصره وحفظه، وفيهم من هو في درجته کأبي
حاتم الرازي والترمذي وابن خزيمة وخلائق، وله المصنفات الجليلة الكثيرة غير
((الصحيح)) الذي امتن الله به على المسلمين وأبقى له به البقاء الحسن الجميل إلى
يوم الدين، فإن من اطلع على ما أودعه في أسانيده وترتيبه وحسن سياقه وبديع طريقته
من نفائس التحقيق وأنواع الورع التام والاحتياط والتحري في الرواية، وتلخيص
الطرق واختصارها وضبط متفرقها وانتثارها، وكثرة اطلاعه واتساع روايته، علم أنه
إمام لا یلحق وفارس لا یسبق.
قال: صنفت السند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، ولما قدم
البخاري نيسابور آخر مرة لازمه مسلم وأدام الاختلاف إليه، ومن ثم حذا حذوه في

٨٣
بداية الشرح
((صحيحه) وكان هذا هو مراد الدارقطني بقوله: لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء.
توفي ه يوم الأحد لست بقين منه بـ((نيسابور)) وقبره بها مشهور يزار ويتبرك
به، وكان فيما قيل: عقد له مجلس للمذاكرة، فذكر له حديث فلم يعرفه، فانصرف إلى
منزله وقدمت له سلة فيها تمر، فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة، فأصبح وقد
فني التمر ووجد الحديث.
ويقال: إن ذلك كان سببًا لموته، ولذا قال ابن الصلاح: وكانت وفاته بسبب
غريب نشأ من غمرة فكرة علمية وسنه.
قيل: خمس وخمسون، وبه جزم ابن الصلاح وتوقف فيه الذهبي.
وقال: إنه قارب الستين، وهو أشبه من الجزم ببلوغه الستين، فإن المعروف أن
مولده سنة أربع ومائتين.
(وَأَبِي عَبْدِ الله مَالِك بنٍ أَفْسِ الأَصْبَحِي) المدني إمام دار الهجرة وأحد أئمة
المذاهب المتبوعة المشهورة، وهو من تابعي التابعين أخذ عن خلائق منهم، وأخذ منه
أئمة لا يحصون، وأجمع طوائف العلماء على إمامته وجلالته وعظم سيادته والإذعان له
في الحفظ والتثبت وتعظيمه لحديث رسول الله له.
قال البخاري إمام الصنعة: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر﴾ وفي
هذه المسألة خلاف منتشر، وعلى هذا المذهب قالوا: أصح الأسانيد عن مالك الشافعي؛
إذ هو أجل أصحابه على الإطلاق بإجماع أصحاب الحديث.
ومن ثم قال أحمد: سمعت ((الموطأ)) من سبعة عشر رجلاً من حفاظ أصحاب
مالك ثم على الشافعي؛ لأني وجدته أقومهم به وأصحها عن الشافعي وأحمد، فقد قال
الشافعي: إنه خرج من ((بغداد)) وما خلف بها أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم منه.
ولاجتماع الأئمة الثلاثة في هذه التبعية قيل لها: سلسلة الذهب، ولا ينافي ذلك
إكثار أحمد في («مسنده» إخراج حديث مالك من غير طريق الشافعي وعدم إخراج
أصحاب الأصول حديث مالك من جهة الشافعي.

٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
وأمَّا الأول: فلعل جمعه المسند كان قبل سماعه من الشافعي.
وأمَّا الثاني: فلطلبهم العلو المقدم عند المحدثين على ما عداه من الأغراض.
وقال الشافعي: إذا جاء الحديث عن مالك فاشدد به يديك، كان حجة الله على
خلقه بعد التابعين، وقال: إذا جاء الأثر فمالك النجم، وما أحد أمن علي من مالك،
ومالك وابن عيينة القرينان ولولاهما لذهب علم الحجاز، ومالك معلمي وعنه أخذنا
العلم.
قال حرملة: لم يكن الشافعي مقدماً على مالك أحدًا في الحديث.
وقال ابن مهدي: لا أقدم على مالك في صحة الحديث أحدًا.
وقال وهب بن خالد: ما بين المشرق والمغرب رجل آمن على حديث رسول الله
من مالك وفي الحديث الصحيح: ((يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبِلِ))(١).
وفي رواية: ((آبَاطَ الْمَطِيِّ يطَلُبون الْعِلْمَ، فَلَا يَجِدُونَ أحدًا أَعْلَم مِنْ عَالِم
الْمَدِينَةِ»(٢) قال سفيان بن عيينة: هو مالك.
قال بكر بن عبد الله: أتينا مالكاً فجعل يحدثنا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن،
وكنا نستزيده من حديثه، فقال لنا يومًا: ما تصنعون بربيعة؟ هو نائم في ذلك الطاق،
فأتينا ربيعة فنهيناه وقلنا له: أنت ربيعة؟ فقال: نعم، قلنا: الذي يحدث عنك مالك؟
قال: نعم، قلنا: كيف حظي بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك؟ قال: أما علمتم أن
مثقالاً من دولة خیر من حمل علم.
قال ابن المهدي: الثوري إمام في الحديث والأوزاعي إمام في السنة، ومالك إمام
فيهما، وكان إذا أتاه أحد من أهل الأهواء قال: أمَّا أنا فعلى بينة من ديني وأمَّا أنت
فشاك، اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه.
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٨٠) وقال: حسن، والحاكم (٣٠٧) وقال: صحيح على شرط مسلم،
والبيهقي (١٦٨١) وقال: أخرجه الشافعي في القديم عن سفيان بن عيينة.
(٢) أخرجه أحمد (٢٩٩/٢)، والتّرمِذي (٢٦٨٠).

٨٥
بداية الشرح
وقال الشافعي: رأیت على باب مالك کراعًا من أفراس خراسان وبغال مصر ما
رأيت أحسن منه، فقلت: ما أحسنه! فقال: هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله، فقلت:
دع لنفسك منها دابة تركبها، فقال: أنا أستحي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله وَله
بحافر دابة.
وروى ابن كثير إمام القراء في النوم: كان قائلاً يقول له: هذا رسول الله عَليه
جالس والناس حوله يقولون له: يا رسول الله، مره لنا، فقال لهم: ((إني كنزت تحت المنبر
كنزًا كبيرًا وقد أمرت مالكًا أن يقسمه فيكم، فاذهبوا إلى مالك))(١) فانصرف الناس
وبعضهم يقول لبعض: ما ترون مالكً فاعلاً؟ فقال بعضهم: ينفذ لما أمره به رسول الله
وسام
وقال بعضهم: رأيت النبي صل من أربعين سنة في النوم فقلت: يا رسول الله،
[إن](9) مالكاً والليث يختلفان في مسألة، فقال النبي وَالر: «مالك مالك مالك ورث
جدي)(٣) يعني: إبراهيم الفي وكأن هذا لمبالغته في تعظيم حديثه ◌َ ل* فإنه كان إذا
أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته وتطيب، وتمكن من
الجلوس على وقار وهيبة ثم حدث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث
رسول الله صل﴾.
ومن کلامه:
إذا لم يكن للإنسان في نفسه خیر لم يكن للناس فیه خیر.
(١) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣١٧/٦)، وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٢٨/١).
وفي (ترتيب المدارك)) للقاضي عياض (١٩٧/١)، قال الحسن بن علي الأشناني: قال قائلون: جدي
يعني إبراهيم الخليل وَل﴿. وقال آخرون: الولي، وقال آخرون: السنة.
(٢) زيادة لإتمام المعنى.
(٣) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣١٧/٦)، وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٢٨/١).
وفي (ترتيب المدارك)) للقاضي عياض (١٩٧/١)، قال الحسن بن علي الأشناني: قال قائلون: جدي
يعني إبراهيم الخليل وَل﴾. وقال آخرون: الولي، وقال آخرون: السنة.