Indexed OCR Text
Pages 241-260
على أن غسل الجمعة غير واجب قال الشافعي رحمه الله تعالى ومما يدل على ان امر النبي مطلقة
بالغسل يوم الجمعة فضيلة على الاختيار لاعلى الوجوب حديث عمر حيث قال لعثمان والوضوء
ايضا وقد علمت ان رسول الله ول# امر بالغسل يوم الجمعة فلو علما أن امره على الوجوب لم
یترك عمر عثمان حتی یرده ویقول له ارجع فاغتسل.
وقال الخطابى(١) في المعالم وفيه دلالة على ان غسل يوم الجمعة غير واجب ولو كان واجبا
لا شبه ان یأمر عمر عثمان ان ینصرف فیغتسل فدل سكوت عمر ومن حضره من الصحابة على
ان الامر به علی سبیل الاستحباب دون الوجوب ثم قال بعد قليل ولیس يجوز على عمر وعثمان
ومن بحضرتهما من المهاجرين والانصار أن يجتمعوا على ترك واجب انتهى .
وقال النووي(٢) ووجه الدلالة ان عثمان فعله واقره عمر وحاضرو الجمعة وهم أهل الحل
والعقد ولو کان واجبا لما تركه ولا لزموه به انتھی .
وقال الطحاوى(٣) ففي هذا اجماع على نفى وجوب الغسل انتهى. قال الحافظ في الفتح(٤)
وعلى هذا الجواب عدل اكثر المصنفين في هذه المسئلة كأبن خزيمة والطبرى والطحاوى وابن
حبان وابن عبدالبر وهلم جرا وزاد بعضهم فيه ان من حضر من الصحابة وافقوهما على ذلك
فكان اجماعا منهم على ان الغسل ليس شرطا في صحة الصلاة وهو استدلال قوى.
وقد نقل الخطابى وغيره الاجماع على ان صلاة الجمعة بدون الغسل مجزئة لكن حكى
الطبرى عن قوم إنهم قالوا بوجوبه ولم يقولوا انه شرط بل هو واجب مستقل تصح الصلاة بدونه
كان اصله التنظيف وازالة الروائح الكريهة ويرد عليهم انه يلزم من ذلك تأثيم عثمان رضى الله
عنه والجواب انه کان معذورا لأنه انما تركه ذاهلا عن الوقت مع انه يحتمل ان یکون قد اغتسل
في اول النهار لما ثبت في صحيح مسلم عن حمران ان عثمان لم یکن یمضی علیه یوم حتی یفیض
عليه الماء وانما لم يعتذر بذلك لعمر كما اعتذر عن التأخر لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة
كما هو الافضل وحكى ابن المنذر عن إسحاق بن راهوية ان قصة عمر وعثمان تدل على وجوب
الغسل لا على عدم وجوبه من جهة ترك عمر الخطبة واشتغاله بمعاتبة عثمان وتوبيخ مثله على
رؤس الناس فلو كان ترك الغسل مباحا لما فعل عمر ذلك وانما لم يرجع عثمان للغسل لضيق
(١) المعالم ١ /٢١٠، ٢١١.
(٢) شرح مسلم ٦/ ١٣٣.
.(٣) الطحاوي ١١٨/١.
(٤) الفتح ٣٦١/٢.
- ٢٤١ -
أ
الوقت إذ لو فعل لفاتته الجمعة أو لكونه كان اغتسل كما تقدم انتهى كلام الحافظ. وقال
الشوكانى في النيل(*) حديث عمر وعثمان رضى الله عنهما ما رواه الاحجة على القائل
بالاستحباب لا له لأن انكار عمر على رأس المنبر في ذلك الجمع على مثل ذلك الصحابى
الجليل وتقرير جمع الحاضرين الذين هم جمهور الصحابة لما وقع من ذلك الانكار عن اعظم
الادلة القاضية بأن الوجوب كان معلوما عند الصحابة ولو كان الأمر عندهم على عدم الوجوب
لما عول ذلك الصحابى في الاعتذار على غيره فأى تقرير من عمر ومن حضر بعد هذا ولعل
النووى ومن معه ظنوا أنه لو كان الاغتسال واجبا لنزل عمر من منبره واخذ بيد ذلك الصحابى
وذهب به إلى المغتسل أو لقال له لا تقف في هذا الجمع أو اذهب فاغتسل فانا سننظرك أو ا ما
أشبه ذلك ومثل هذا لا يجب على من رأى الاخلال بواجب من واجبات الشريعة وغاية ما كلفنا
به في الانكار على من ترك واجبا هو ما فعله عمر في هذه الواقعة انتهى .
وحديث عمر بن الخطاب من طريق ابى هريرة أخرجه البخارى(١) ومسلم(٢) والدارمى(٣)
واما من حديث عبدالله بن عمر عن ابيه فايضا اخرجه البخارى(٤) ومسلم(*) والترمذى(٦)
والنسائى(٧).
٣٤١ - حدثنا عبدالله بن مسلمة بن قعنب، عن مالك، عن صفوان بن سلیم،
عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وَ ل* قال: ((غُسْلُ يَوْمِ
الجُمُعَةِ وَاجبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ)).
[٣٤١] - (حدثنا عبدالله بن مسلمة) بفتح الميم وسكون السين (بن قعنب) ثقة (عن
مالك) بن انس الامام الحافظ (عن صفوان بن سليم) بضم السين المدنى أبى عبدالله
الزهرى تابعى ثقة مفتى عابد (عن عطاء بن يسار) بالياء التحتانية وخفة المهملة ثقة من
(*) النيل ٢٩٢،٢٩١/١.
(١) البخاري (٨٨٢).
(٢) مسمل: الجمعة ٤.
(٣) الدارمي ٣٦١/١.
(٤) البخاري (٨٧٨).
(٥) مسلم: الجمعة ٣.
(٦) الترمذي (٤٩٢).
(٧) النسائي ١٠٥/٣ ..
- ٢٤٢ -
التابعين وفيه رواية تابعى عن تابعى (عن ابى سعيد) سعد بن مالك بن سنان (الخدرى)
صحابی ابن صحابی قال الحافظ في الفتح(١) وقد تابع مالکا علی روايته الدراوردى عن صفوان
عند ابن حبان وخالفهما عبدالرحمن بن إسحاق فرواه عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار
عن أبى هريرة اخرجه ابوبكر المروزى في كتاب الجمعة له انتهى وقال الدارقطنى في كتاب
العلل ورواه عبدالرحمن عن صفوان عن عطاء عن أبي هريرة وأبي سعيد معا ومنهم من قال
عنه بالشك ورواه نافع القارى عن صفوان عن عطاء عن أبى هريرة ووهم فيه والصحيح
صفوان عن ابن يسار عن أبى سعيد انتهى .
قلت واخرجه البخارى(٢) في باب وضوء الصبيان ومتى عليهم حدثنا على بن عبدالله
حدثنا سفيان حدثنى صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى عن النبي
وي* قال الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم واخرجه ابن ماجة(٣) عن سهل بن زنجلة عن
سفيان به فعلى هذا تابع مالكا على رواية سفيان بن عيينة ايضا (ان رسول الله ® قال غسل
يوم الجمعة) ظاهر اضافته لليوم حجة لمن قال الغسل لليوم لا للجمعة وهو قول جماعة ومذهب
مالك والشافعي وأبى حنيفة وغيرهم انه للصلاة لا لليوم وقد روى مسلم هذا الحديث بلفظ
الغسل یوم الجمعة وكذا رواه الشيخان من وجه آخر عن أبی سعید کما تقدم آنفا وظاهره ان
الغسل حيث وجد فيه كفى لكون اللام جعل ظرفا للغسل ويحتمل ان يكون اللام للعهد
فتنفق الروايتان واستنبط منه ايضا ان ليوم الجمعة غسلا مخصوصا حتى لو وجدت صورة
الغسل فيه لم يجز عن غسل الجمعة الا بالنية وقد أخذ بذلك أبو قتادة فقال لابنه وقد رآه يغتسل
يوم الجمعة ان كان غسلك عن جنابة فأعد غسلا آخر للجمعة أخرجه الطحاوى وابن المنذر
وغيرهما ذكره الحافظ(٤).
قلت وأخرج الطبراني في الأوسط(٥) عن عبدالله بن قتادة قال دخل علي أبي وأنا أغتسل يوم
الجمعة فقال هذا من جنابة أو للجمعة قلت عن جنابة قال أعد غسلا أخر انى سمعت رسول
الله ﴾ يقول من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى وفيه هارون بن مسلم
(١) الفتح ٣٦١.
(٢) البخاري (٨٥٨).
(٣) ابن ماجة (١٠٨٩).
(٤) الفتح (٣٦١/٢).
(٥) انظر مجمع الزوائد ١٧٤/٢ .
٢٤٣٠ -
قال أبو حاتم فيه لين ووثقه الحاكم وابن حبان وبقية رجاله ثقات ويجىء بعض بيانه في الحديث
الآتی والله أعلم (واجب) قال الخطابى(١) معناه وجوب الاختيار والاستحباب دون وجوب
الغرض كما يقول الرجل لصاحبه حقك على واجب وأنا أوجب حقك وليس ذلك بمعنى
اللزوم والذي لا يسمع غيره ويشهد بصحه هذا التأويل حديث عمر الذي تقدم ذكره انتهى
كلام الخطابى وقال النووي(٢) أي متأكد في حقه كما يقول الرجل لصاحبه حقك واجب على
أي متأكد لأن المراد الواجب المتختم المعاقب عليه انتهى وفي شرح الموطأ للزرقانى(٢) قال ابن
عبدالبر ليس المراد أنه فرض بل هو مؤول أي واجب في السنة أو في المروءة أو في الأخلاق
الجميلة کقول العرب وجب حقك ثم أخرج بسنده عن الشهیب أنمالكا سئل عن غسل يوم
الجمعة أواجب هو قال هو حسن ولیس بواجب وأخرج عن ابن وهب ان مالكا سئل عن غسل
يوم الجمعة أواجب هو قال هو سنة ومعروف قيل ان في الحديث واجب قال ليس كل ماجاء
في الحديث يكون كذلك انتهى واستضعفه الامام تقى الدين بن دقيق العيد في شرح عمدة
الاحكام فقال ذهب الأكثرون إلى استحباب غسل الجمعة وهم محتاجون إلى الاعتذار عن
مخالفة هذا الظاهر وقد أولوا صيغة الأمر على الندب وصيغة الوجوب على التأكيد كما يقال
اكرامك على واجب وهو تأويل ضعيف إنما يصار إليه اذا كان المعارض راجحا على هذا الظاهر
واقوى ما عارضوا به هذا الظاهر حيث من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت ومن اغتسل فالغسل
أفضل ولا یعارض سنده هذه الأحاديث انتھی ومیء بسط الكلام في ذلك في شرح حديث
سمرة بن جندب (على كل محتلم) أي بالغ وإنما ذكر الاحتلام لكونه الغالب وتفسيره بالبالغ
مجاز لأن الاحتلام يستلزم البلوغ والقرينة المانعة عن الحمل على الحقيقة ان الاحتلام اذا كان
معه الانزال موجب للغسل سواء كان يوم جمعة أم لا ذكره الزرقانی وقد استدل به على دخول
النساء في ذلك ويؤيده حديث أبى هريرة(٣) قال قال النبي وي لقىالله تعالى على كل مسلم حق
أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما أخرجه البخارى وقد بين في الروايات الآخران هذا اليوم هو
يوم الجمعة وفي صحيح ابن خزيمة(٤) وابن حبان(٥) والمستخرج لابى عوانة من رواية عثمان بن
(١) المعالم ١/ ٢١١.
(٢) شرح مسلم ١٣٤/١.
(٣) البخاري (٨٩٨).
(٤) صحيح ابن خزيمة ١٢٦/٣.
(٥) انظر: موارد الظمان (٥٦٤).
- ٢٤٤ -
واقد عن نافع عن ابن عمر مرفوعا بلفظ من اتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل ومن لم
یأتها فليس عليه غسل.
قال الحافظ(١) ورجاله ثقات لكن قال البزار اخشى ان يكون عثمان بن واقد وهم فيه
وأخرج البيهقى(٢) بإسناد صحيح. عن عبدالله بن عمر أنه قال إنما الغسل على من تجب عليه
الجمعة .
قلت النساء لا تجب عليهن الجمعة برواية عن أبى داود(٣) ومن حديث طارق بن شهاب
عن النبى و# لا جمعة على امرأة وصبى ورجاله ثقات لكن قال أبو داود لم يسمع طارق من
النبي # إلا أنه رآه وقد أخرج الحاكم في المستدرك(٤) من طريق طارق عن أبى موسى
الاشعرى عن النبي # الحديث فلما سقط عنهن الجمعة سقط عنهن الغسل لأن الغسل هو
للصلاة كما هو مذهب أكثر الائمة لا ليوم كما ذهب إليه بعض الائمة قال الزين بن المنير ونقل
عن مالك ان من يحضر الجمعة من غير الرجال ان حضرها لابتغاء الفضل شرع له الغسل
وسائر آداب الجمعة وان حضرها لامر اتفاقى فلا والله أعلم.
والحديث أخرجه البخاري في الصلاة(٥) عن عبدالله بن يوسف والقعنبى كلاهما عن
مالك وفي الشهادات عن علي بن عبدالله عن سفيان وأخرجه مسلم في الجمعة (٦) عن يحيى بن
يحبى عن مالك وأخرجه النسائي(٧) في الصلاة عن قتيبة عن مالك وأخرجه ابن ماجة (٨) عن
سهل بن زنجلة عن سفيان به .
٣٤٢ - حدثنا يزيد بن خالد الرملي، نا المفضل - يعني ابن فضالة - عن عياش
بن عباس، عن بكير، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، عن النبي وسلم قال:
((عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ رَوَاحُ الْجُمُعَةِ، وعلى [ كل ] من راح الجمعة الغسلُ)).
(١) الفتح ٣٥٨/٢.
(٢) السنن الكبرى ٢٩٧/١.
(٣) أبو داود (١٠٦٧).
(٤) المستدرك ٢٨٨/١.
(٥) البخاري (٨٥٨، ٨٧٩، ٨٨٠، ٨٩٥، ٢٦٦٠).
(٦) مسلم: الجمعة ٥.
(٧) النسائي ٣/ ٩٣.
(٨) ابن ماجة (١٠٨٩).
- ٢٤٥ -
قال أبوداود: إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر أجزأه من غسل الجمعة وإن
أجنب.
[٣٤٢] - (حدثنا يزيد بن خالد الرملى) ثقة عابد (نا المفضل) على وزن محمد (يعنى ابن
فضالة) بفتح الفاء والضاد هو الرعينى القتيانى قاضى مصر وثقه ابن معين وابن يونس وقال
أبو حاتم وابن خراش صدوق (عن عياش) بالباء التحانية ثم المعجمة (بن عباس) بالموحدة
ثم المهملة هو القتبانى الحميرى المصرى روى عنه حيوة بن شريح وسعيد بن ابى ايوب وثقة
أبو داود (عن بکیر) بن عبدالله بن الاشج المدنی نزیل مصرثقة (عن نافع) ثقة جلیل (عن ابن
عمر) بن الخطاب (عن حفصة) زوج النبي ومشير (عن النبي ( *) قلت والمشهور من رواية نافع
عن ابن عمر عن النبي (98 إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل أخرجه مالك(١) والأئمة الستة
في كتبهم(٢) واما هذا الحديث ففيه زيادة في المتن والاسناد قال الحافظ (٣) اخرج ابو داود والنسائي
وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم من طرق عن مفضل بن فضالة عن عياش بن عباس فذكر
الحديث قال الطبراني في الأوسط لم يروه عن نافع بزيادة حفصة الا بكير ولا عنه الا عياش
تفرد به مفضل قال الحافظ قلت رواته ثقات فان كان محفوظا فهو حديث آخر ولا مانع أن
يسمعه ابن عمر من النبي {18 ومن غيره من الصحابة ولا سيما مع اختلاف المتون انتهى (قال
على كل محتلم) بالغ (رواح الجمعة) الرواح ضد الصباح وهو اسم للوقت من زوال الشمس
إلى الليل كذا ذكره جماعة من أئمة اللغة لكن انكره الأزهرى على من زعم أن الرواح لا يكون
الا بعد الزوال ونقل ان العرب تقول راح في جميع الأوقات بمعنى ذهب قال وهي لغة أهل
الحجاز ونقل ابو عبيد في الغربين نحوه (وعلى كل من راح الجمعة) ظرف (الغسل) مبتدأ
مؤخر.
والحديث أخرجه النسائي(٤) وابن خزيمة(٥) وابن حبان والطبرانى ولفظ بعض هؤلاء
والجمعة واجبة على كل محتلم وعلى من راح إلى الجمعة الغسل ذكره الحافظ (٦) واخرج
(١) الموطأ من ٨٥.
(٢) البخاري (٨٧٧)، مسلم: الجمعة ٤، النسائي ٩٣/٣، ابن ماجة (١٠٨٨)، والترمذي (٤٩٠).
(٣) الفتح ٣٥٨/٢.
(٤) النسائي ١٠٥/٣.
(٥) ابن خزيمة ١١٠/٣.
(٦) الفتح ٣٥٨/٢.
- ٢٤٦ -
الطحاوى(١) حدثنا محمد بن حميد ثنا يحيى بن عبدالله بن بكير ثنا المفضل بن فضالة عن
عياش بن عباس عن بكير بن عبدالله بن الأشج عن نافع عن ابن عمر عن حفصة عن رسول
الله ◌َّ انه قال على كل محتلم الرواح إلى الجمعة وعلى من راح المسجد الغسل.
واعلم أن هذا الحديث عام مخصوص منه البعض فان صلاة الجمعة لاتجب على المسافر
والمريض وغير ذلك وان كانوا بالغين واستدل من مفهوم الحديث على أن الغسل لا يجب لمن لم
يحضر الجمعة ويؤيده الرواية المتقدمة عن عثمان بن واقد عن نافع عن ابن عمر عن ابى عوانه
وابن خزيمة وابن حبان في صحاحهم بلفظ من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل ومن
لم یأتها فليس عليه غسل(٢) ..
وفي الحديث دلالة على أن غسل الجنابة يكفى للجمعة لأن الواجب على من يصلى
الجمعة الغسل فقط وقد حصل المقصود من غسل الجنابة لأنه أتى بالمأمور وهو الغسل وان
اجتمعا سببان وهما يوم الجمعة والجنابة ولذا قال المؤلف الامام.
(قال أبو داود إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر) لأن طلوع الفجر أول اليوم شرعا
وغسل يوم الجمعة انما بعد طلوع الفجر فمن اغتسل للجنابة قبل طلوع الفجر لا يجزى عن
الجمعة لأنه اغتسل قبل مجىء الوقت (اجزاه) أي یکفیه (من غسل الجمعة وان اجنب) ويؤيد
هذا المذهب ما أخرجه البخاری في صحيحه(٣)عن طریق شعیب عن الزهری قال طاوس قلت
لابن عباس ذكروا أن النبي پے قال اغتسلوا یوم الجمعة واغسلوا رؤسکم وان لم تکونوا جنبا
واصيبوا من الطيب قال ابن عباس أما الغسل فنعم وأما الطيب فلا أدرى قال الحافظ (٤) معناه
اغتسلوا يوم الجمعة ان كنتم جنبا للجنابة وان لم تكونوا جنبا للجمعة وأخذ منه أن الاغتسال
يوم الجمعة للجنابة يجزىء عن الجمعة سواء نواه للجمعة أم لا وفي الاستدلال به على ذلك.
بعد نعم روى ابن حبان من طريق ابن إسحاق عن الزهرى في هذا الحديث اغتسلوا يوم
الجمعة إلاأن تكونوا جنبا وهذا أوضح في الدلالة على المطلوب لكن رواية شعيب عن الزهرى
أصح قال ابن المنذر حفظنا الاجزاء عن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والخلاف في
(١) شرح معاني الآثار ١١٦/١.
(٢) انظر: فتح الباري ٣٥٧/٢.
(٣) البخاري (٨٨٤).
(٤) الفتح ٣٧٣/٢.
- ٢٤٧
هذه المسئلة منتشر في المذاهب انتهى وقال العلامة العينى في عمدة القارى(١) ان الاغتسال يوم
الجمعة للجنابة يجوز عن الجمعة سواء نواه للجمعة أو لا قال ابن المنذر اكثر من يحفظ عنه من
أهل العلم يقولون يجزى غسله واحدة للجنابة والجمعة وقال ابن بطال روينا عن ابن عمرو
مجاهد ومكحول والثورى والأوزاعى وابى ثور وقال أحمد أرجو أن يجزيه وهو قول اشهب وغيره
وبه قال المزنى وعن أحمد لا يجزيه عن غسل الجنابة حتى ينويها وهو قول مالك في المدونة وذكره
ابن عبدالحكم وذكر ابن المنذر عن بعض ولد ابى قتادة انه قال من اغتسل الجنابة يوم الجمعة
اغتسل للجمعة انتهى كلامه .
٣٤٣ - حدثنا يزيد بن خالد بن عبدالله بن موهب الرملي الهمداني ح وحدثنا
عبدالعزيز بن يحيى الحراني، قالا: نا محمد بن سلمة ح وحدثنا موسى بن
إسماعيل، نا حماد، وهذا حديث محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحق، عن محمد
بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، [ قال أبوداود]: قال يزيد وعبدالعزيز
في حديثهما: عن أبي سلمة بن عبدالرحمن وأبي أمامة بن سهل، عن أبي سعيد
الخدري، وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله وَله: ((مَن اغتَسَلَ يَوْمَ الجمعةَ ولَبِسَ
مِن أحسن ثيابه ومَسَّ مِنْ طيبٍ إنْ كان عِنْدَه ثم أتىَ الجمعةَ فلم يَتَخَطَّ أعناق
الناس ثم صلى ماكتب الله له ثم أنصتَ إذا خرج إمامُهُ حتى يفْرُغَ من صلاته
كانت كفّارةً لما بينها عن جَمْعَتِهِ التي قبلها)) ويقول أبوهريرة: ((وزيادة ثلاثة أيام))
ويقول ((إن الحسنة بعشر أمثالها)).
قال أبوداود: وحديث محمد بن سلمة أتم، ولم يذكر حماد كلام أبي هريرة.
[٣٤٣] - (حدثنا يزيد بن خالد بن عبدالله بن موهب) بفتح الهاء ثقة (الرملى) الرملة مدينة
بفلسطين كانت قصبتها وكانت رباطا للمسلمين وبينها وبين بيت المقدس ثمانية عشر ميلا
(الهمدانى) نسبة إلى همدان على وزن سكران قبيلة من حمير من عرب اليمن (ح وحدثنا
عبدالعزيز بن يحيى) بن يوسف البسكاني وثقه أبوداود (الحراني) بتشديد الراء وآخره نون
مدينة قديمة قصبت ديار مصر وهي أول مدينة بنيت بعد الطوفان وهي مهاجر الخليل عليه
السلام وحران أيضا من قرى حلب وحران الكبرى وحران الصغرى قريتان بالبحرين لبنى
(١) عمدة القارى ١٧٧/٦ .
- ٢٤٨ -
عامر وحران أيضا قرية بدمشق (قالا نا محمد بن سلمة) بن عبدالله الباهلى الحرانى قال ابن .
سعد كان ثقة فاضلا عالما فقيها (ح وحدثنا موسى بن إسماعيل) المنقرى ثقة (نا حماد) بن سلمة
ثقة (وهذا حديث محمد بن سلمة) الباهلى (عن محمد بن إسحاق) بن يسار ثقة على ما هو
الحق والحاصل أن يزيد بن خالد وعبدالعزيزبن يحيى كلاهما يرويان عن محمد بن سلمة
الباهلى وأما موسى بن إسماعيل فيروى عن حماد ثم محمد بن سلمة وحماد بن سلمة كلاهما
يرويان عن محمد بن إسحق لكن هذا الحديث المروى هو لفظ محمد بن سلمة وليس لفظ حماد
(عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث التميمى ثقة فقيه (عن ابى سلمة بن عبدالرحمن) بن
عوف الزهرى المدنى ثقة مکثر.
(قال أبوداود) المؤلف كذا في بعض النسخ (قال يزيد) بن خالد (وعبدالعزيز) بن يحيى
(في حديثهما) عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحق عن محمد بن إبراهيم (عن أبى
سلمة بن عبدالرحمن) المدنى (وأبى امامة بن سهيل) بن حنيف اسمه اسعد معروف بكنيته
معدود في الصحابة له روية ولم يسمع من النبي لة (عن أبى سعيد الخدرى وأبى هريرة قالا)
واما موسى بن سلمة مخالف في بعض الاسناد (قال رسول الله ◌َلل من اغتسل يوم الجمعة
ولبس من أحسن ثيابه) وفيه استحباب التجمل والزينة يوم الجمعة الذي هو عيد للمسلمين
المصلين والتجمل يكون بأحسن الثياب والثوب الأبيض هو من خير الثياب لما أخرجه اصحاب
السنن وأحمد والحاكم(١) عن حديث ابن عباس مرفوعا البسو البياض فانها خير ثيابكم وفي لفظ
للحاكم خير ثيابكم البياض فالبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم وصححه القطان ورواه
أصحاب السنن غير أبو دواد والحاكم(٢) أيضا من حديث سمرة والله أعلم (ومس من طيب
ان كان عنده ثم أتى الجمعة) أي لصلاة الجمعة (فلم يتخط اعناق الناس) قال ابن الأثير(٣)
تخطى رقاب الناس أي يخطو خطوة خطوة والخطوة بالضم بعد ما بين القدمين في المشى انتهى
والمعنى لم يتجاوز رقاب الناس ولم يؤذيهم وهو كناية عن التبكير أي على المصلى ان يبكر فلا
يتخطى رقاب الناس ولا يفرق بين اثنين ولا يزاحم رجلين فيدخل بينهما لأنه لربما ضيق عليهما
خصوصا في شدة الحر واجتماع الانفاس (ثم صلى ما كتب الله له) أي يصلى ما شاء ولفظ
(١) أبو داود (٣٨٧٨)، الترمذي (٩٤٤)، أحمد ٢٤٧/١، ٢٧٤ وابن ماجه (٣٥٦٦)، المستدرك
٤ / ١٨٥، أما النسائي من أصحاب السنن فلم يخرج معاني الحديث في المجتبى، ولم يعزه إليه ابن
الاثير في جامع الأصول ٦٦٨/١٠.
(٢) النسائي ٣٤/٤ز، ٢٠٥/٨، والترمذي (٢٨١١)، وابن ماجه (١٤٧٣)، والحاكم ٤ /١٨٥.
(٣) النهاية (خطو).
- ٢٤٩ -
البخارى(١) من حديث سلمان ثم يصلى ماكتب له وفي حديث أبى هريرة عند مسلم(٢) فصلى
ما قلا له وفي حديث أبى الدرداء عند أحمد والطبرانى(٣) وركع ماقضى له وفي حديث أبى
أيوب عند أحمد(٤) والطبرانى(٥) أيضا فيركع ان بداله ذكره العينى(٦).
وفيه دليل على أن ليس قبل الجمعة سنة مخصوصة مؤكدة ركعتان أو أربع ركعات مثلا
كالسنة بعد الجمعة فالمصلى اذا دخل المسجد يوم الجمعة فله أن يصلى ماشاء متنفلاً وما أخرجه
ابن ماجة في سننه(٧) عن ابن عباس قال كان النبي ولم يركع من قبل الجمعة اربعا لا يفصل
في شيء منهن ففيه بقية ومبشر بن عبيد والحجاج بن ارطاة وعطية العوفى وكلهم متكلم فيه
وقال الشيخ العلامة الامام شهاب الدين أبو شامة في كتابه الباعث على انكار البدع
والحوادث(٨) وجرت عادة الناس أنهم يصلون بين الأذانين يوم الجمعة متنفلين بركعتين أو أربع
ركعات ونحو ذلك إلى خروج الامام وذلك جائز ومباح وليس بمنكر من جهة كونه صلاة وانما
المنكر اعتقاد العامة منهم ومعظم المتفقه منهم أن ذلك السنة للجمعة قبلها كما يصلون السنة
قبل الظهر ويصرحون في نيتهم بأنها سنة الجمعة والدليل على انه لا سنة لها قبلها ان المراد من
قولنا الصلاة المسنونة انها منقولة عن رسول الله ( قولا وفعلا والصلاة قبل الجمعة لم يأت
منها شيء عن النبي ◌ُّ يدل على انه سنة ولا يجوز القياس في شرعية الصلوات انتهى مختصرا
وأما الشيخ العلامة بدر الدين بن الملقن فاثبت سنيتها وألف في ذلك رسالة ويجىء زيادة
الكلام في هذه المسئلة في كتاب الجمعة في الصلاة بعد الجمعة ان شاء الله تعالى (ثم انصت)
يقال انصت اذا سكت والصنته اذا اسكنه فهو لازم ومتعد والأول المراد هنا وفي رواية مسلم
انتصت بزيادة التاء المثناة من فوق قال القاضى عياض وهو وهم وذكر صاحب الموعب
والأزهرى وغيرهما انصت ونصت وانتصت ثلاث لغات بمعنى واحد فلا وهم حينئذ والله
أعلم: ويجىء مباحث هذه كلها في كتاب الجمعة اذا خرج امامه للخطبة والصلاة في رواية
(١) البخاري (٨٨٣).
(٢) مسلم (٨٥٧).
(٣) انظر مجمع الزوائد ١٧١/٢.
(٤) المصدر نفسه ٢ / ١٧١.
(٥) مسند أحمد ٤٢٠/٦.
(٦) انظر مجمع الزوائد ٢/ ١٧١ .
(٧) عمدة القارى ٦ / ١٧٥ .
(٨) ابن ماجة (١١٢٩).
- ٢٥٠ -
البخارى(١) من حديث سلمان ثم ينصت إذا تكلم الامام (حتى يفرغ) ذلك المصلى أو يفرغ
الامام والأول اظهر (من صلاته) قال الخطابی(٢) رح وقرانه بین غسل الجمعة وبین لبسه أحسن
ثيابه ومس الطيب يدل على ان الغسل مستحب كاللبس والطيب انتهى .
قلت ليس في هذا الحديث ذكر وجوب الغسل ولا عدمه بل فيه ذكر ثواب الغسل ولبس
أحسن الثياب ومس الطيب وغير ذلك فمن فعل هذه الأفعال كانت هذه كفارة لذنوبه فلا
يثبت بالأقران حكم عدم وجوب الغسل كما لا يخفى وآما اقتران الواجب بغير الواجب فأيضا
جائز كما سيجىء والله أعلم (كانت) هذه المذكورات عن الغسل ولبس أحسن الثياب ومس
الطيب وعدم التخطى والصلاة النافلة والأنصات (كفارة لما بينها) أي الجمعة الحاضرة (عن
جمعته التي قبلها) وعند ابن خزيمة(٣) عن طريق الليث عن ابن عجلان عن سعيد المقبرى بلفظ
غفر له ما بينه وبين الجمعة التي قبلها. قال الإِمام الخطابى(1) يريد بذلك ما بين الساعة التي
يصلى فيها الجمعة إلى مثلها من الجمعة الأخرى لأنه لو كان المراد به ما بین الجمعتین علی أن
يكون الطرفان وهما يوما الجمعة وغير داخلين في العدد لكان لا يحصل له من عدد المحسوب
أكثر من ستة أيام وأراد ما بينهما على معنى ادخال الطرفين فيه بلغ العدد ثمانية فاذا ضمت إليها
الثلاثة الأيام المزيدة التي ذكرها أبو هريرة صار جملتها اما احد عشر يوما على أحد الوجهين وأما
تسعة أيام على الوجه الآخر فدل على أن المراد به ماقلناه على سبيل التكسير لليوم ليستقيم الأمر
في تکمیل عدد العشرة انتھی کلامه.
وقال النووي(٥) والمراد بما بين الجملتين من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل الوقت من
الجمعة الثانية تكون سبعة أيام بلا زيادة ونقصان ويضم إليها ثلاثة فتصير عشرة انتهى (قال)
الاشبه أن يكون قائل هذا القول محمد بن سلمة ويحتمل أن يكون مقولة أبى سلمة بن
عبدالرحمن الراوى عن أبى هريرة (ويقول أبى هريرة) موقوفا عليه (وزيادة ثلاثة أيام ويقول)
أبو هريرة (ان الحسنة بعشر أمثالها) قال النووي(٦) تعنى المغفرة له ما بين الجمعتين وثلاثة أيام
(١) البخاري (٨٨٣).
(٢) المعالم ٢١٢/١.
(٣) لم أجده بهذا اللفظ والسند في صحيح ابن خزيمة وفيه ١٣١/٣ عن أبى ذر بلفظ، ((كفر الله عنه))
وانظر فتح الباري ٣٧٢/٢.
(٤) المعالم ١/ ٢١٢.
(٥) شرح مسلم ٥ /١٤٧.
(٦) المصدر نفسه ٥ / ١٤٧ .
- ٢٥١ -
أن الحسنة بعشر أمثالها وصار يوم الجمعة الذي فعل فيه هذه الأفعال الجميلة في معنى الحسنة
التي تجعل بعشر أمثالها انتهى فان قلت تكفير الذنوب الماضية بالحسنات والتوبة ويتجاوز الله
تعالى وتكفير ذنوب الأيام الثلاثة الآتية الزائدة على الأسبوع هو تكفير الذنب قبل وقوعه فکیف
يعقل قلت المراد عدم المواخذة به اذا وقع ومنه ما ورد في مغفرة ماتقدم من الذنب وما تأخر ومنه
حديث أبى قتادة في صحيح مسلم(٣) صيام عرفة احتسب على الله ان يكفر السنة التي قبله
والسنة التي بعده ذكره العينى(*)(قال أبو داود. وحديث محمد بن سلمة أتم) سندا ومتنا (ولم
يذكر حماد) بن سلمة (كلام أبى هريرة) المذكور آنفا كما ذكره محمد بن سلمة وهو قوله وزيادة
ثلاثة أيام وان الحسنة بعشر أمثالها .
واعلم ان محمد بن سلمة روى هذه الجملة من كلام أبى هريرة موقوفا عليه وأما أبو
صالح فروى عن أبى هريرة وأدرج وزيادة ثلاثة أيام في الحديث.
أخرج مسلم(٢) من طريق سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي وَّ قال
من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له ثم انصت حتى يفرغ من خطبته ثم يصلى معه
غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام .
وأخرج(٣) عن طريق اعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال رسول الله وَ# من
توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وانصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة
أيام.
ولابن حبان من طريق سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة مرفوعا بلفظ غفر له
ما بينه وبين الجمعة الاخرى وزيادة ثلاثة أيام من التي بعدها وهذه الزيادة ايضا عند ابن
خزيمة في رواية سعيد المقبرى عن عمارة بن عمر وعن سلمان الفارسى مرفوعا.
وأخرج البيهقى في المعرفة في باب النية للجمعة وأخبرنا أبو الحسن المقرى بن الحمانى
أخبرنا أحمد بن سلیمان حدثنا محمد بن إسماعيل السلمی حدثنا عبدالعزيز الاولي حدثنا
سليمان عن صالح بن كيسان عن سعيد المقبرى أن أباه حدثه ان أبا هريرة قال قال رسول الله
حَسّ إذا كان يوم الجمعة اغتسل الرجل وغسل رأسه وتطيب إلى ان قال ثم استمع إلى الامام
(*) مسلم : الصيام ١٩٤.
(١) عمدة القارى (١٧٦/٦).
(٢) مسلم: الجمعة ٣١.
(٣) المصدر نفسه ٣٢.
٣
- ٢٥٢ -
غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام والله أعلم.
فائدة قال الخطابى(١) تحت قوله كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها وقد اختلف
الفقهاء في من اقر لرجل لما بين درهم إلى عشرة دراهم فقال أبو حنيفة يلزمه تسعة دراهم وقال
أبو يوسف ومحمد يلزمه عشرة دراهم ويدخل فيه الطرفان والواسطة وقال أبو ثور لا يلزمه اكثر
من ثمانية دراهم ويسقط الطرفان وهو قول زفر وهذا اغلب وجوه ما يذهب إليه أصحاب
الشافعی انتھی .
٣٤٤ - حدثنا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب، عن عمرو بن الحرث أن
سعيد بن أبي هلال وبكير بن الأشج حدثاه عن أبي بكر بن المنكدر، عن عمرو بن
سليم الزرقي، عن عبدالرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، أن رسول الله
﴿﴿ قال: ((الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ محْتَلِمٍ والسِّوَاك، ويمسَّ من الطيب ماقدِّر
له)) إلا أن بكيراً لم يذكر عبدالرحمن وقال في الطيب ((ولو من طيب المرأة)).
[٣٤٤] - (حدثنا محمد بن سلمة المرادى) المصرى الفقيه وثقه النسائي وابن يونس وقد تابع
محمد بن سلمة عمرو بن سواد العامرى عند مسلم (نا ابن وهب) هو عبدالله بن وهب
المصرى الفقيه ثقة حافظ (عن عمرو بن الحارث) وفي صحيح مسلم(٢) قال نا عمرو بن
الحارث وهو الانصارى المصرى الفقيه ثقة حافظ (أن سعيد بن أبى هلال) الليثى المصرى
نزيل المدينة أحد المكثرين ثقة معروف في الكتب الستة وثقة ابن سعد والعجلى وأبو حاتم وابن
خزيمة والدارقطنى وابن حبان واخرون وشذ الساجى فذكره في الضعفاء (وبكير بن) عبدالله
(الاشج) المدنى ثم المصرى قال النسائى ثقة ثبت (حدثناه عن أبى بكير بن المنكدر) بن
عبدالله التيمى عن عمروبن سليم وأبى امامة وعنه بكير ومحمد بن عمروبن علقمة وثقه
أبو داود وقال الامام البخاري في صحيحه(٣) قال ابو عبدالله هو أخو محمد بن المنكدر ولم يسمع
ابو بكر هذا روی عنه بکیر بن الاشچ وسعید بن أبی ھلال وعدة وکان محمد بن المنكدر یکنی
بأبى بكر وأبى عبدالله انتهى قال الحافظ في الفتح (٤) ومراد البخارى ان محمد بن المنكدر وان
(١) المعالم ٢١٢/١.
(٢) مسلم: الجمعة ١١.
(٣) البخاري مع الفتح ٣٦٤/٢.
(٤) الفتح ٣٦٥/٢.
- ٢٥٣ -
آ
کان یکنی ایضا أبا بكر لكنه ممن کان مشهورا باسمه دون کنیته بخلاف اخیه أبی بکر روای
هذا الخبر فانه لا اسم له الأ کنیته وهو مدنی تابعی کشيخه (عن عمرو بن سليم) بضم السين
ابن خلدة بن مخلد بن عامر بن زریق (الزرقی) المدنی الانصاری روی عن أبی حصید وأبی
قتادة وأبى هريرة وعنه ابنه سعيد وسعيد المقبرى والزهرى وثقه النسائى وفي صحيح البخاري(١)
حدثنى عمروبن سليم الانصارى (عن عبدالرحمن بن أبى سعيد الخدرى المدنى عن أبى
وأبی حصید عن ابناه ربيح وسعيد وثقه النسائی (عن أبيه) أبى سعيد سعد بن مالك الخدرى
رضى الله عنه وفي صحيح البخارى(٢) باسقاط واسطة عبد الرحمن بن أبى سعيد بين عمروبن
سليم وأبى سعيد الخدرى ولفظه حدثنا علي بن عبدالله بن جعفر أخبرنا حرمى بن عمارة
حدثنا شعبة عن أبى بكر بن المنكدر حدثنى عمرو بن سليم الانصارى قال اشهد على أبی
سعيد قال أشهد على رسول الله وس# قال الحافظ(٣) والذي يظهر أن عمرو بن سليم سمعه من
عبدالرحمن بن أبی سعید عن أبيه ثم لقی أبا سعيد فحدثه وسماعه منه ليس بمنكر لأنه قدیم
ولد في خلافة عمر بن الخطاب ولم يوصف بالتدليس انتهى وأما باثبات الواسطة كما عند المؤلف
فاخرجه ايضا مسلم(٤) والنسائى(٥) ويجىء باقى الكلام في أخر الحديث (ان النبي مَ ا ﴾ قال يوم
الجمعة على كل محتلم) ولفظ مسلم غسل يوم الجمعة على كل محتلم قال النووي(٦) هكذا وقع
في جميع الأصول غسل يوم الجمعة على كل محتلم وليس فيه ذكر واجب انتهى.
قلت وفي صحيح البخاري(٧) بسند علي بن عبدالله بن جعفر المذكور بلفظ الغسل يوم
الجمعة واجب على كل محتلم وكذا فيه(٨) عن أبي سعيد من طريق مالك عن صفوان بن سليم
عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صل قال غسل يوم الجمعة واجب على
كل محتلم وفي صحيح ابن حبان من طريق الدراوردى عن صفوان بن سليم بلفظ غسل
الجمعة واجب كغسل الجنابة ذكره في الفتح(٩) ومعنى قوله محتلم أي بالغ وهو مجاز لأن الاحتلام
(١) البخاري (٨٨٠).
(٢) المصدر نفسه (٨٨٠).
(٣) الفتح ٣٦٥/٢.
(٤) مسلم: الجمعة ١١.
(٥) النسائي ٩٢/٣.
(٦) شرح مسلم ٦ / ١٣٥ .
(٧) البخاري (٨٨٠).
(٨) المصدر نفسه (٨٧٩).
(٩) الفتح ٣٦٣/٢.
- ٢٥٤ -
يستلزم البلوغ والقرينة المانعة عن الحمل على الحقيقة أن الاحتلام إذا كان معه الإنزال يوجب
الغسل سواء كان يوم الجمعة أو لا (والسواك) بالرفع معطوف على قوله الغسل
ولفظ البخارى(١) وأن يستن وان يمس طيبا ان وجد (ويمس) بفتح الميم على الافصح وجاء
بضمها (من الطيب) قال النووي(٢) معناه ويستن له سواك مس الطيب وقال ابن المنير في حاشية
البخارى يحتمل ان يكون قوله وان يستن معطوفا على الجملة المصرحة بوجوب الغسل فيكون
واجبا ايضا ويحتمل ان يكون مستأنفا فيكون التقدير وان يستن ويتطيب انتهى (ماقدر) بصيغة
المجهول (له) ولفظ مسلم وسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه قال القاضى عياض(٣) يحتمل
قوله ما قدر عليه إرادة التأكيد ليفعل ما أمكنه ويحتمل إرادة الكثرة والأول أظهر ويؤيده قوله
الآتى ولو من طيب المرأة لأنه يكره استعماله للرجال وهو ما ظهر لونه وخفى ريحه فاباحته للرجل
لأجل عدم غيره يدل على تأكيد الأمر في ذلك.
قال الحافظ (٤) ويؤخذ من اختصاره على المس الأخذ بالتخفيف في ذلك قال الزين بن المنير
فيه تنبيه على الرفق وعلى تيسير الأمر في التطیب بأن يكون بأقل مايمكن حتى انه يجزىء مسه
من غير تناول قدر ينقصه تحريضا على امتثال الأمر فيه (الا أن بكيرا لم يذكر) واسطة
(عبدالرحمن) بن أبى سعيد الخدرى بين عمروبن سليم وأبى سعيد الخدرى كما ذكره
سعید بن أبی هلال فبین رواية سعيد الخدری کما ذكره سعيد بن أبى هلال فبين رواية بكير
وسعيد مخالفة في موضع من الاسناد فرواية بكير موافقة لرواية شعبة المتقدمة في اسقاط واسطة
عبدالرحمن.
قال الحافظ(٥) وكذلك أخرج أحمد من طريق ابن لهيعة عن بكير ليس فيه عبدالرحمن وغفل
الدارقطنى في العلل عن هذا الكلام فجزم أن بكيرا أو سعيدا خالفا شعبة فزادا في الاسناد
عبدالرحمن وقال انهما ضبطا اسناده وجوداه هو الصحيح قال الحافظ(٦) وليس كما قال بل المنفرد
بزيادة عبدالرحمن هو سعيد بن ابى هلال وقد وافق شعبة وبكيرا على اسقاطه محمد بن المنكدر
أخو أبى بكر اخرجه ابن خزيمة من طريقه والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد وحكى
(١) البخاري (٨٨٠).
(٢) شرح مسلم ١٣٥/٦.
(٣) انظر شرح مسلم للنووي ١٣٥/١ .
(٤) الفتح ٣٦٤/٢.
(٥) المصدر نفسه ٣٦٥/٢.
(٦) الفتح (٣٦٥/٢).
- ٢٥٥ -
الدارقطني في العلل فيه اختلافا آخر علی علي بن المدینی شیخ البخاری فیه فذكر ان الباغندى
حدث به عنه بزيادة عبدالرحمن أيضا وخالفه تمام عنه فلم يذكر عبدالرحمن وفيما قال نظر فقد
أخرجه الإِسماعيل عن الباغندي بإسقاط عبدالرحمن وكذا أخرجه أبو نعيم في المستخرج عن
أبى اسحاق بن حمزة وأبو احمد الغطريفى كلاهما عن الباغندى فهؤلاء ثلاثة من الحفاظ حدثو
به عن الباغندى فلم يذكروا عبدالرحمن في الاسناد فلعل الوهم فيه ممن حدث به الدارقطني
عن الباغندى وقد وافق البخارى على ترك ذكره محمد بن يحيى الذهلي عند الجوزقي ومحمد بن
عبدالرحيم صاعقة عند ابن خزيمة وعبد العزيز بن سلام عند الاسماعيلي وإسماعيل القاضى
عند ابن مندة في غرائب شعبة كلهم عن علي بن المدينى ووافق على بن المدينى على ترك ذكره
ايضا إبراهيم بن محمد عن عرعرة عن حرمى بن عمارة عند أبى بكر المروزى في كتاب الجمعة
له ولم اقف عليه من حديث شعبة إلا من طريق حرمى واشار ابن مندة إلى انه تفرد به عنه هذا
آخر كلام الحافظ ابن حجر عليه الرحمة من الله اكبر الذي هو مشتمل على تحقيقات شريفة
وتدقيقات لطيفة ولم يبق بعد تحقيق هذا الحافظ الكبير والإِمام الشهير تحقيق أحد جزاه خير
الجزاء (وقال) بكير بن عبدالله الاشج (في الطيب ولو من طيب المرأة) وهو ماظهر لونه وخفی
ريحه وهو المكروه للرجال فأباحه للرجل هنا للضروة لعدم غيره وهذا يدل على تأكده وتقدم آنفا
بيان ذلك قال البخارى(١) في آخر الحديث قال عمر وأما الغسل فاشهد انه واجب وأما الاستنان
والطیب فالله أعلم واجب هو أم لا ولكن هكذا في الحدیث انتھی فأشار عمرو بن سليم راوی
الخبر إلى أن العطف لا يقتضي العشريك من جميع الوجوه فكان القدر المشترك تأكيد الطلب
للثلاثة وكأنه جزم بوجوب الغسل دون غيره للتصريح به في الحديث وتوقف فيما مداه لوقوع
الاحتمال فيه .
قلت والحديث يدل على وجوب غسل يوم الجمعة للتصريح فيه بلفظ الواجب في رواية
البخارى وقد استدل به على عدم الوجوب باعتبار اقترانه بالسواك ومس الطيب قال القرطبى
ظاهره وجوب الاستنان والطيب لذكرهما بالعاطف فالتقدير الغسل واجب والاستنان الطيب
کذلك قال ولیسا بواجبین اتفاقا فدل على أن الغسل لیس بواجب بلفظ واحد انتھی وقد سبق
إلى ذلك الطبرى والطحاوى وقال ابن تيمية في المنتقى أراد بلفظ الوجوب تأكيد استحبابه
بدليل انه قرنه بما ليس بواجب بالاجماع وهو السواك والطيب انتهى وتعقبه ابن الجوزى بأنه
لا يمتنع عطف ماليس بواجب على الواجب لاسيما ولم يقع التصريح بحكم المعطوف وقال المنير
(١) البخاري (٨٨٠).
- ٢٥٦ -
في الحاشية ان سلم ان المراد بالواجب الفرض لم ينفع دفعه بعطف ماليس بواجب عليه لأن
للقائل أن يقول اخرج بدليل فبقى ماعداه على الأصل قال الحافظ(١) وعلى ان دعوى الاجماع
في الطيب مردودة فقد روى سفيان بن عيينة في جامعه عن ابى هريرة انه كان يوجب الطيب
يوم الجمعة واسناده صحيح وكذا قال بوجوبه بعض أهل الظاهر انتهى والحق ما أشار إليه
عمرو بن سليم الانصارى ولا ريب ان العطف لا يقتضى التشريك من جميع الوجوه كما عرفت
والله أعلم.
وحديث أبى سعيد أخرجه البخارى ومسلم والنسائى (٢).
٣٤٥ - حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي حِبٍّ ، ثنا ابن المبارك، عن الأوزاعي،
حدثني حسان بن عطية، حدثني أبو الأشعث الصنعاني: حدثني أوس بن أوس
الثقفي، سمعت رسول الله و3# يقول: ((من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكر
وابتكر، ومشي ولم يركب، ودنا من الإِمام فاستمع ولم يلغ؛ كان له بكل خطوة عَمَلُ
سنة أجر صيامها وقيامها)).
[٣٤٥] - (حدثنا محمد بن حاتم) بن يونس روى عن سفيان بن عيينة وعبدالله بن المبارك
وعبده بن سليمان وجماعة وعنه على بن المدينى مع تقدمه وأبو داود ووثقه (الجرجرائى) نسبة إلى
جرجرايا بفتح الجيمين وتسكين الراء الأولى وفتح الثانية مدينة من أرض العراق بين واسط
وبغداد وقال في مراصد الاطلاع(٣) هو بلد من اعمال النهروان الأسفل بين واسط وبغداد من
الجانب الشرقى انتهى. (حبّى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة وآخره ياء المتكلم
لمحمد بن حاتم (ثنا ابن المبارك) هو عبدالله ثقة ثبت فقيه (عن الأوزاعى) هو عبدالرحمن بن
عمرو فقيه ثقة جليل امام اهل الشام والأوزاع بالفتح ثم السكون وزاى والف وعين قرية على
باب دمشق من جهة باب الفراد ليس سميت بالقبيلة حيث سكنوها (حدثنى حسان بن عطية)
المحاربى ابوبكر الدمشقى الفقيه روى عن سعيد بن المسيب وعنه الأوزاعى ومحمد بن مطرف.
وثقه أحمد وابن معين والعجلى وغيرهم وقال الأوزاعى مارأيت أشد اجتهادا منه وتكلم فيه
سعيد بن عبدالعزيز من أجل القول بالقدر وانكر ذلك الأوزاعى (حدثنى أبو الاشعث) اسمه
(١) الفتح ٣٦٢/٢.
(٢) سبق تخريج الحديث قريباً.
(٣) مراصد الاطلاع.
- ٢٥٧ -
شراحيل عن عبادة بن الصامت وشداد بن أوس وشهيد فتح دمشق روى عنه أبو قلابة
وحسان بن عطية وثقه ابن حبان والعجلى (الصغانی) هو صغاء دمشق وقیل الیمن (حدثنى
أوس بن اوس) صحابی سکن دمشق قال النووی في تهذيب الاسماء(١) هو راوی حدیث من
غسل واغتسل وهو أوس بن أوس الثقفى وقال يحيى بن معين يقال له أوس بن أوس ويقال له
أوس بن أبى أوس وقال البخارى أوس بن أوس وأوس بن أبى أوس وأوس بن حذيفة الثلاثة
اسم لرجل واحد ووافقه جماعة وخالفة بعضهم فجعلوهم ثلاثة نزل أوس هذا دمشق ومسجده
روی حدیثین في الجمعة حدیث من غسل واغتسل وحديث اكثروا من الصلاة على وحديثا في
الصيام انتهى وقال الحافظ في التهذيب(٢) قال العباس الدورى عن يحيى بن معين أوس بن
أوس بن أوسر واحد وقیل أن یحیی اخطأ في ذلك لأن أوس بن ابى اوس هو أوس بن حذيفة
انتهى وقال في التقريب(٣) أوس بن أبى أوس واسم أبى أوس حذيفة الثقفى صحابى أيضا
وهو غير الذي قبله على الصحيح والله اعلم (الثقفى) بفتحتين منسوب إلى الثقيف هو أبو
قبيلة من هوازن حى من اليمن وقد ذكر الحافظ ابن الاثير وابن حجر في كتابيهما (٤) في الصحابة
ترجمة أوس هذا مفصلا ومشروحا واشعبا الكلام (قال سمعت رسول الله و # يقول من غسل)
بالتشديد والتخفيف (يوم الجمعة واغتسل) قال الإِمام الخطابى(٥) اختلف الناس في معناها
فمنهم من ذهب إلى أنه من الكلام المظاهر الذي يراد به التوكيد ولم تقع المخالفة بين المعنيين
لاختلاف اللفظین الا تراه یقول في هذا الحدیث ومشی یرکب ومعناهما واحد وإلى هذا ذهب
الأثرم صاحب أحمد وقال بعضهم غسل معناه غسل الراس خاصة وذلك لأن العرب لهم لم
وشعور في غسلها مؤونة فأفرد ذكر غسل الرأس من أجل ذلك وإلى هذا ذهب مكحول وقوله
اغتسل معناه غسل سائر الجسد وزعم بعضهم أن قوله غسل معناه اصاب اهله قبل خروجه
إلى الجمعة ليكون املك لنفسه واحفظ لبصره في طريقه قال ومن هذا قول العرب فحل غسله
كان كثير الضراب انتهى.
وقال النووي في شرح المهذب(٦) يروى غسل بالتخفيف والتشديد والأرجح عند المحققين
(١) تهذيب الأسماء واللغات.
(٢) التهذيب ٣٨١/١.
(٣) التقريب ٨٥/١.
(٤) أسد الغابة ١٣٩/١، والاصابة ٧٩/١، ٨١.
(٥) المعالم (٢١٣/١، ٢١٤).
(٦) المجموع ٣٧٣/٤.
- ٢٥٨ -
التخفيف والمختار أن معناه غسل رأسه ويؤيده رواية أبى داود في هذا الحديث من غسل رأسه
يوم الجمعة وإنما أفرد الرأس بالذكر لأنهم كانوا يجعلون فيه الدهن والخطمى ونحوهما وكانوا
يغسلونها ثم لا يغتسلون جسده قال وذكر بعض الفقهاء غسل بالعين المهملة وتشديد السين
أي جامع وهذا غلط غير معروف وإنما هو تصحيف انتهى.
قال السيوطى وقيل المراد غسل اعضائه للوضوء ثم اغتسل للجمعة .
قال العراقی ويحتمل أن المراد غسل ثيابه واغتسل في جسده وقیل هما بمعنى واحد وکرر
للتأكيد وقيل غسل أى جامع اهله يقال غسل الرجل امرأته بالتخفيف والتشديد اذا جامعها
وفي سنن الترمذى قال وکیع اغتسل هو غسل امرأته ويروى عن ابن المبارك انه قال في هذا
الحدیث من غسل واغتسل یعنی غسل رأسه واغتسل انتھی والله اعلم (ثم بكّر) بالتشديد
على المشهور قاله النووى(*) أي راح في أول وقت ولفظ النسائى غدا وابتكر (وابتكر) أي ادرك
أول الخطبة ورجحه العراقى في شرح الترمذى وقيل كرره للتأكيد وبه جزم ابن العربى في
عارضة الاحوذى وقال الازهرى يجوز في بكر التخفيف والتشديد فمن خفف فمعناه خرج من
بيته باكرا ومن شدد معناه اتى الصلاة لاول وقتها ويقال لاولى الثمار باكورة لأنه جاء في أول
وقت قال ومعنی ابتکر ادرك اول الخطبة كما يقال ابتکر بکرا اذا انکحها لأول أدراکھا انتھی .
وقال ابن الأثير في النهاية (١) بكر اتى الصلاة في أول وقتها وكل من اسرع إلى شىء فقد
بكر إليه واما ابتكر فمعناه ادرك أول الخطبة واول كل شىء باكورته وابتكر الرجل اذا أكل
باكورة الفواکه وقیل معنی اللفظین واحد فعل وافتعل وانما کرر للمبالغة والتوکید کما قالوا جاد
مجد انتهى .
وقال الخطابى في المعالم(٢) زعم بعضهم ان معنى بكر ادرك باكورة الخطبة وهى اولها ومعنى
ابتکر قدم في الوقت وقال ابن الانباری معنی بکر تصدق قبل خروجه وتأول في ذلك ماروی
في الحديث من قوله عليه السلام باكروا بالصدقة فان البلاء لا يتخطاها انتهى .
قلت والصحيح ماذهب إليه أكثر أهل اللغة وهو ومارجحه العراقى (ومشى ولم يركب)
قال الخطابى(٣) معناهما واحد وانه للتأكيد هو قول الأثرم صاحب أحمد انتهى.
(*) المجموع ٣٧٣/٤
(١) النهاية (بكر).
(٢) المعالم ٢١٤/١ .
(٣) المصدر نفسه ٢١٤/١ .
- ٢٥٩ -
وقال النووى(*) والمختار انه أخرج بهما شیئین الاول حصل مشیه علی مضيئه ذهابا وإن
کان راكبا والثاني نفى الركوب بالكلية اذ لو اقتصر على مشى احتمل مراده وجود شىء من
مشى ولو ببعض طريقه فنفاه وبين أن معناه مشى كل طريقه بلا ركوب بشى منها انتهى (ودنا)
أي قرب (من الامام واستمع) فیھما شيئان متخالفان اذ قد يدنو ولا يستمع وقد يستمع ولا
يدنو فندب إليها معا والله اعلم (ولم يلغ) بحذف واو كيدع قال الازهرى معناه استمع الخطبة
ولم يشتغل بغيرها وقال النووى(١) معناه لم يتكلم لأن الكلام حال الخطبة لغو (كان له بكل
خطوة) بضم الخاء بعد ما بين القدمين (عمل) بالرفع اسم كان المضاف إلى (سنة) بفتح السين
والنون واحد السنين وهو الحول (اجر صيامها) أي صيام السنة وهو بدل من عمل سنة
(قيامها) ولفظ الترمذى(٢) واستمع وانصت كان له بكل خطوة يخطوها اجر سنة صيامها وقيامها
وليس فيه مشى ولم يركب وأخرج أحمد(٣) من حديث عبدالله بن عمرو عن النبي وَ طير قال من
غسل واغتسل ودنا وابتكر فاقترب واستمع كان له بكل خطوة يخطوها قيام سنة وصيامها ورجاله
رجال الصحيح .
وفي هذا الحديث ترغيب عظيم لغسل يوم الجمعة والترغيب لاينافى الوجوب وحث على
التكبير والمشي والدنو من الإِمام والاستماع وترك اللغو وأن الجمع بين هذه الامور سبب
لاستحقاق ذلك الثواب الجزيل.
والحديث أخرجه الترمذى(٤) والنسائى(*) وابن ماجة(٦) والطبرانى(٧).
٣٤٦ - حدثنا قتيبة بن سعيد، نا اللیث، عن خالد بن یزید، عن سعيد بن أبي
هلال، عن عبادة بن نَسيِّ، عن أوس الثقفي، عن رسول الله وَ ﴿ أنه قال: ((مَنْ
غسل رأسه یوم الجمعة واغتسل» ثم ساق نحوه.
(*) المجموع ٣٧٤/٤ مختصرا.
(١) انظر: المجموع ٣٧٤/٤.
(٢) الترمذي (٤٩٦).
(٣) مسند أحمد (٢٠٩/٢).
(٤) الترمذي (٤٩٦).
(٥) النسائي ٩٥/٣.
(٦) ابن ماجة (١٠٨٧).
(٧) انظر مجمع الزوائد ٢ /١٧٥.
- ٢٦٠ -