Indexed OCR Text

Pages 121-140

(٦) باب كيف التكشف عند الحاجة
١٤ - حدثنا زهير بن حرب، ثناوكيع، عن الأعمش، عن رجلٍ، عن ابن عمر
أن النبي ◌َِّ («كَانَ إذَا أَرَادَ حَاجَةٌ لَا يَرْفَعُ ثَْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأرْضِ)) قال أبو
داود: رواه عبدالسلام بن حرب عن الأعمش عن أنس بن مالك وهو
ضعيف .
(باب كيف التكشف عند الحاجة) أي كيف يتكشف عورته عند إرادة قضاء
الحاجة، أحال القيام أو عند قعوده ودنُوّه من الأرض؟.
[١٤] (حدثنا زهير بن حرب) بن شداد الحرشي - بفتح المهملتين بعدهما معجمة
- الحافظ، عن جرير بن عبدالحميد وهشيم وابن عيينة وحفص بن غياث وخلق، وعنه
البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة. قال النسائي: ثقة مأمون. وقال يعقوب بن شيبة:
زهير أثبت من أبي بكر بن أبي شيبة. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. (ثنا وكيع) بن الجراح
الكوفي الحافظ، ثقة عابد. (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي الحافظ، (عن رجل)
لم يسم الرجل، وأظن أنه غياث بن إبراهيم. قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: ذكرت لأبي
عبدالله - يعني أحمد - حديث الأعمش عن أنس، فقال: لم يسمع الأعمش من أنس،
ولكن رآه، زعموا أن غياثا حدث الأعمش بهذا عن أنس، ذكره الخلال في العلل. وقال
الخلال أيضا بسنده. قال: سألت أحمد لم كرهتَ مراسيل الأعمش؟ قال: كان لا يبالي
عمن حدث، قلت: كان له رجل ضعيف سوى يزيد الرؤاسي وإسماعيل بن مسلم؟ قال:
نعم، كان يحدث عن غياث بن إبراهيم عن أنس أن النبي # كان إذا أراد الحاجة أبعهد،
وسألته عن غياب بن إبراهيم فقال: كان كذوبا، قاله ابن القيم(١). لكن قال الحافظ في
التقريب(٢): سليمان الأعمش عن رجل عن ابن عمر في قضاء الحاجة لا يرفع ثوبه حتى
يدنو من الأرض، قیل: هو قاسم بن محمد (عن ابن عمر) بن الخطاب (أن النبي پز كان
إذا أراد حاجة) أي القعود لبول أو غائط (لا يرفع ثوبه) أي لم يتم رفعه (حتى يدنو من
الأرض) فيندب رفعه شيئا فشيئا، محافظة غلى التستر مالم يخف تنجس ثوبه، وإلا رفعه
بقدر حاجته .
(١) تهذيب السنن ١/ ٢٣ .
(٢) تقريب التهذيب : ٤٦٠
- ١٢١ -

(قال أبو داود: رواه عبدالسلام بن حرب) النهدي الملائي أبو بكر الكوفي الحافظ،
من كبار مشيخة الكوفة وثقاتهم ومسنديهم. عن أيوب وعطاء بن السائب وليث بن أبي
سليم، وعنه هنّاد وابن عرفة وإسحاق السلولي وابن معين وقتيبة وخلق. قال الترمذي:
ثقة حافظ. وقال الدارقطني: ثقة حجة. وقال ابن سعد: فيه ضعف. وقال يعقوب بن
شيبة: ثقة في حديثه لين. وقال ابن معين: ثقة، والكوفيون يوثقونه، ووثقه أبو حاتم
والعجلي، وقال أحمد بن حنبل: كنا ننكر منه شيئا. مات سنة سبع وثمانين ومائة. (عن
الأعمش) سليمان بن مهران (عن أنس بن مالك) الأنصاري الصحابي. والحديث رواه
الترمذي(١): حدثنا قتيبة نا عبدالسلام بن حرب عن الأعمش عن أنس بهذا، وروى
الدارمي (٢): حدثنا عمرو بن عون عن عبدالسلام بن حرب عن الأعمش عن أنس. (وهو
ضعيف) قال السيوطي : ليس مراده تضعيف عبدالسلام، لأنه ثقة حافظ من رجال
الصحيحين، بل تضعيف من قال ((عن أنس))، لأن الأعمش لم يسمع من أنس، ولذا قال
الترمذي: مرسل. انتهى كلامه.
فكلا الحديثين ضعيف من رواية ابن عمر، ومن رواية أنس. أما حديث ابن عمر
فلأن فيه رجلا مجهولا، وأما حديث أنس فلإرساله. ويوجد في بعض النسخ بعد قول
المؤلف وهو ضعيف هذه العبارة: قال أبو عيسى الرملي: حدثناه أحمد بن الوليد ثنا
عمرو بن عون ثنا عبدالسلام به. انتهى.
قلت: أبو عیسی هو إسحاق بن موسی بن سعید الرملي وراق أبي داود، وهذه إشارة
من أبي عيسى الرملي أن الحديث اتصل إليه من غير طريق شيخه أبي داود، كما يصنع ذلك
كثيرا أبو الحسن القطان تلميذ ابن ماجة، ومثال ذلك في سنن ابن ماجة(٣). في باب ما
يقول إذا دخل الخلاء: حدثنا محمد بن يحيى ثنا ابن أبي مريم ثنا يحيى بن أيوب عن
عبيدالله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة أن رسول الله الخير ...
الحديث، قال أبو الحسن: وحدثنا أبو حاتم ثنا ابن أبي مريم، فذكر نحوه. فرواية أبي
عيسى الرملي من هذا القبيل، وهي من رواية أبي عيسى الرملي، لا من رواية اللؤلؤي عن
أبي داود، فلعل بعض النساخ لرواية اللؤلؤي اطلع على رواية الرملي فأدرجها في نسخة
(١) جامع الترمذي (١٤).
(٢) مسند الدارمى ١٧١/١.
(٣) سنن ابن ماجه (٢٩٩).
- ١٢٢ -

اللؤلؤي، ومراده بذلك أنه لما كانت رواية عبدالسلام بن حرب التي أوردها أبو داود معلقة
غير موصولة أشار إلى وصلها برواية أبي عيسى الرملي بقوله: ثنا أحمد بن الوليد ثنا عمرو
بن عون أنا عبدالسلام به، قال أبو عيسى الترمذي(١): هكذا روى محمد بن ربيعة عن
الأعمش عن أنس هذا الحديث، وروى وكيع والحماني عن الأعمش قال: قال ابن عمر:
كان النبي ◌َ﴿ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، وكلا الحديثين مرسل،
ويقال: لم يسمع الأعمش من أنس بن مالك ولا من أحد من أصحاب النبي 3#. وقد نظر
إلى أنس بن مالك قال رأيته يصلي، فذكر عنه حكاية في الصلاة. انتهى.
وقال الحافظ المنذري في تلخيصه(٢): وذكر أبو نعيم الأصفهاني أن الأعمش رأى
أنس بن مالك وابن أبي أوفى وسمع منهما، والذي قاله الترمذي هو المشهور. انتهى.
(٧) باب كراهية الكلام عند الحاجة
١٥ - حدثنا عبيدالله بن عمر بن ميسرة، حدثنا ابن مهدي، ثنا عكرمة بن
عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض، قال: حدثني أبو سعيد
قال: سمعت رسول الله ﴿ يقول: ((لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرْبَانِ الْغَائِطَ كاَشِفَيْنْ
عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ؛ فإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ)).
قال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة.
باب كراهية الكلام عند الحاجة) لأنه خلاف الأدب والحياء.
[ ١٥](حدثنا عبيدالله بن عمر بن ميسرة) أبو سعيب البصري القواريري، عن حماد بن
يزيد وأبي عوانة وفضيل بن عياض، وعنه الشيخان وأبو داود وأبو زرعة. وثقه ابن معين.
مات سنة خمس وثلاثین ومائتين. (حدثنا ابن مهدي) هو عبدالرحمن بن مهدي بن حسان
الأزدي أبو سعيد البصري الحافظ الإِمام، عن شعبة والثوري ومالك وخلق، وعنه أحمد
وابن معين وعمروبن علي. قال ابن المديني: أعلم الناس بالحديث ابن مهدي. وقال أبو
خاتم: إمام ثقة أثبت من القطان وأتقن من وکیع، وقال أحمد: إذا حدث ابن مهدي عن
(١) جامع الترمذي (١٤).
(٢) مختصر السنن ٢٤/١.
- ١٢٣ -

رجل فهو حجة. توفي سنة ثمان وتسعين ومائة بالبصرة. (ثنا عكرمة بن عمار) الحنفي
العجلي أحد الأئمة، عن عطاء وطاوس، وعنه شعبة ويحيى القطان وابن المبارك وابن مهدي
وخلق، وثقه ابن معين والعجلي، وتكلم البخاري وأحمد والنسائي في روايته عن يحيى بن
أبي كثير، وأحمد في إياس بن سلمة. مات سنة تسع وخمسين ومائة. كذا في الخلاصة (١).
(عن يحيى بن أبي كثير) أبي النضر اليمامي، عن أنس وجابر وأبي أمامة مرسلا، وعن
عبدالله بن أبي أوفى، وعنه أيوب والأوزاعي وخلق. قال شعبة: يحيى بن أبي كثير أحسن
حديثا من الزهري، قال أبو حاتم: إمام لا يحدث إلا عن ثقة. مات سنة تسع وعشرين
ومائة. (عن هلال بن عياض) وقيل: عياض بن هلال، قال ابن حبان في كتاب الثقات:
عياض بن هلال هو الصحيح، قال الحافظ المنذري في كتاب الترغيب(٢): وعياض هذا
روى له أصحاب السنن، ولا أعرفه بجرح ولا عدالة، وهو في عداد المجهولين. وقال
الذهبي في الميزان(٣): هو لا يعرف. (قال: حدثني أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان
الأنصاري الخدري، وهو مشهور بكنيته، من مشهوري الصحابة وفضلائهم، وهو من
المكثرين من الرواية عنه، وأول مشاهده الخندق، وبايع تحت الشجرة، وغزا مع رسول
الله ◌َ # اثنتي عشر غزوة. روى عنه من الصحابة: جابر وزيد بن ثابت وابن عباس وأنس
وابن عمر وابن الزبير، ومن التابعين: سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعبيدالله بن
عبدالله بن عتبة وعطاء بن يسار وخلائق. له ألف ومائة حديث وسبعون حديثا. توفي يوم
الجمعة سنة أربع وسبعين، ودفن بالبقيع. (قال: سمعت رسول الله ول# يقول: لا يخرج
الرجلان) ذكر الرجلين في الحديث خرج مخرج الغالب، وإلا فالمرأتان والمرأة والرجل أقبح
من ذلك (يضربان الغائط) يقال: ضربت الأرض: إذا أتيت بخلاء، وضربت في الأرض
إذا سافرت، يقال: ويضرب الغائط إذا ذهب لقضاء الحاجة، والمراد هنا يقضيان الغائط،
(كاشفين عن عورتهما) قال النووي(٤): كذا ضبطناه في كتب الحديث، وهو منصوب على
الحال، قال: ووقع في كثير من نسخ المهذّب: ((كاشفان)»، وهو صحيح أيضا، خبر مبتدأ
محذوف، أي وهما كاشفان، والأول أصوب. (يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك)
(١) الخلاصة الخزرجي : ٢٧٠ .
(٢) الترغيب والترهيب ١٣٧/١.
(٣) ميزان الاعتدال ٣٠٧/٣.
(٤) شرح المهذب ٨٨/٢
- ١٢٤ -

المقت: هو البغض، كما في القاموس(١). وروى أنه أشد البغض.
والحديث استدلوا به على كراهة الكلام عنده، ولا يدل المقت على الحرمة، لحديث:
(أبغض الحلال الطلاق))(٢)، كذا في المجمع.
لكن قال الشوكاني(٣): والحديث يدل على وجوب ستر العورة وترك الكلام، فإن
التعليل بمقت الله يدل على حرمة الفعل المعلل ووجوب اجتنابه. انتهى.
وقال في كشف المناهج: ورواه ابن حبان في صحيحه(٤)، ولفظه: ((لا يقعد الرجلان
على الغائط يتحدثان یری كل واحد منهما عورة صاحبه، فإن الله يمقت على ذلك))، وسیاق
اللفظ يدل على أن المقت على المجموع، لا على مجرد الكلام، والمقت أشد البغض.
انتھی .
وأخرجه ابن السكن وصححه، وابن القطان من حديث جابر بلفظ: ((إذا تغوط
الرجلان فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه ولا يتحدثا)). قال الحافظ ابن حجر: وهو
معلول. وروى الطبراني في الأوسط(٥) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((لا يخرج
اثنان من الغائط فيجلسان يتحدثان كاشفين عن عورتهما، فإن الله عز وجل يمقت على
ذلك». قال المنذري في الترغيب(٦): سنده لین.
وهذه الأحاديث إنما تدل على تكلم اثنين بينهما حال التغوط، لأنه في هذه الصورة
ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه ويتحدث، فهو من الفعل الشنيع الموجب لمقت الله
عز وجل، وأما ان تغوط رجل واحد فيجوز له التكلم لضرورة، كإنقاذ الحرقى والغرقى
وقتل حية ومثل ذلك.
والحديث أخرجه ابن ماجة (٧) أيضا.
(١) القاموس المحيط (مقت).
(٢) أخرجه أبو داود (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨)، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٢٢/٧. وإسناده
ضعيف .
(٣) نيل الأوطار ١/ ٩١.
(٤) صحيح ابن حيان ٤٩٨/١.
(٥) انظر: مجمع الزوائد ٢٠٧/١.
(٦) الترغيب والترهيب ١٣٨/١.
.
(٧) سنن ابن ماجه (٣٤٢).
- ١٢٥ -

(قال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة) وعكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير
متكلم فيه، ومع هذا فهو متفرد، فلا يصح إسناده، لكن قال المنذري(١): وعكرمة هذا
الذي أشار إليه أبو داود هو أبو عمار عكرمة بن عمار العجلي اليمامي، وقد احتج به مسلم
في صحيحه، وضعف بعض الحفاظ حديث عكرمة هذا عن يحيى بن أبي كثير، وقد أخرج
مسلم حديثه عن يحيى بن أبي كثير، واستشهد البخاري بحديثه عن يحيى بن أبي كثير.
انتھی .
وفي بعض النسخ بعد قوله ((إلا عكرمة)) هذه العبارة: حدثنا أبان ثنا يحيى بهذا يعني
حدیث عكرمة بن عمار. انتهى .
قلت: ليس هذه العبارة للمؤلف أبي داود أصلا، لأن أبا داود ذكر أنه لم یسنده إلا
عكرمة بن عمار، وهو ضعيف عند أبي داود، ولم يقف عليه أبو داود مسندا من غير رواية
عكرمة بن عمار، فأراد ملحق هذه العبارة الاستدراك على أبي داود بأنه قد أسنده عن
يحيى بن أبي كثير أبان بن يزيد العطار، لكن لم أقف على نسبة هذه العبارة لأحد من
الأئمة. قاله شيخنا العلامة حسين بن محسن الأنصاري اليماني في بعض تعليقاته على سنن
أبي داود.
(٨) باب أيرد السلام وهو يبول؟
١٦ - حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة. قالا: ثنا عمر بن سعد، عن سفيان،
عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النّبيِّ
وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ
قال أبو داود: ورُويَ عن ابن عمر وغيره أن النبي ◌َ ◌ّ تيمم ثم رد على الرجل
السلام.
(باب أيردّ السلام وهو يبول؟) كذا في بعض النسخ، وهكذا في شرح الخطابي(٢).
وفي بعض النسخ: ((باب في الرجل يردّ السلام وهو يبول)) أي كيف حكمه؟
(١) مختصر السنن ١/ ٢٤.
(٢) معالم السنن ٢٤/١.
- ١٢٦ -

[١٦](حدثنا عثمان) بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو الحسن الكوفي
الحافظ. عن ابن المبارك وابن عيينة وشريك، وعنه الشيخان وأبو داود وابن ماجة وأبو زرعة
وخلق. قال ابن معين: ثقة أمين، وقال أبو حاتم: صدوق، وأنکر علیه أحمد أحاديث.
مات سنة تسع وثلاثين ومائتين. (وأبو بكر) هو عبدالله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان
المذكور، أبو بكربن أبي شيبة الكوفي الحافظ. روى عن شريك وهشيم وابن المبارك
وجرير بن عبدالحميد وابن عيينة وخلق، وعنه الأئمة الستة إلا الترمذي والنسائي وخلق.
قال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ منه، وقال الخطيب: كان متقنا حافظا. توفي سنة خمس
وثلاثين ومائتين. (ابنا أبي شيبة، قالا: ثنا عمر بن سعد) الحفري بفتح المهملة والفاء أبو
داود الكوفي، عن مسعر وصالح بن حسان، وعنه أحمد وإسحاق وابن المديني، وأثنى
علیه، ووثقه ابن معين. مات سنة ثلاث ومائتين (عن سفيان) وهو سفيان بن سعيد بن
مسروق الثوري، أبو عبدالله الكوفي أحد الأئمة الأعلام، عن زياد بن علاقة وحبيب بن
أبي ثابت وزيد بن أسلم وخلائق، وعنه ابن المبارك ويحيى القطان وعبدالرحمن بن مهدي
وخلق. قال ابن المبارك: ما كتبت عن أفضل من سفيان، وقال الخطيب: كان الثوري
إماما من أئمة المسلمين مجمعا على إمامته مع الإتقان والضبط والحفظ والمعرفة والزهد
والورع. توفي سنة إحدى وستين ومائة بالبصرة. (عن الضحاك بن عثمان) بن عبدالله بن
خالد أبي عثمان المدني، عن إبراهيم بن حنين وسعيد المقبري وزيد بن أسلم وخلق، وعنه
يحيى القطان وابن وهب وخلائق. وثقه ابن معين وأبو داود وابن سعد، وقال أبو زرعة:
ليس بقوي. مات سنة ثلاث وخمسين ومائة بالمدينة المشرفة. (عن نافع) العدوي أبي
عبدالله المدني. تابعي جليل ثقة ثبت فقيه، عن مولاه ابن عمر وأبي هريرة وعائشة وخلق،
وعنه أيوب وابن جريج ومالك وخلائق. قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع
عن ابن عمر، قال العجلي وابن خراش والنسائي: ثقة. مات سنة عشرين ومائة. (عن
ابن عمر بن الخطاب (قال: مررجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلّم)
الرجل (عليه) ◌َ# (فلم يردّ عليه) الجواب. وفي هذا دلالة على أن المسلم في هذا الحال لا
يستحق جوابا، وهذا متفق عليه بين العلماء، بل قالوا: يكره أن يسلم على المشتغل بقضاء
حاجة البول والغائط، فإن سلّم عليه كره له رد السلام، ويكره للقاعد على قضاء الحاجة
أن يذكر الله تعالى بشيء من الأذكار، فلا يرد السلام ولا يشمت العاطس ولا يحمد الله
تعالى إذا عطس.
- ١٢٧ -

(قال أبو داود: وروى عن ابن عمر وغيره) أي كأبي الجهم بن الحارث، ووصل
المؤلف هذين الروايتين في باب التيمم في الحضر (أن النبي ◌َّ تيمم، ثم رد على الرجل
السلام) وكذا في رواية مسلم(١) والنسائي(٢) والترمذي(٣) وابن ماجة (٤) من رواية
الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: مر رجل على النبي وَ ل وهو يبول، فسلم
عليه فلم يرد عليه. وفي رواية لابن ماجة (٥) أيضا عن أبي هريرة قال: مر رجل على النبي
وَس* وهو يبول فسلم عليه. وفي رواية لابن ماجة(1) أيضا عن جابر بن عبد الله أن رجلا مر
على النبي 98َّ وهو يبول فسلم عليه، فقال له رسول الله وَّ: إذا رأيتني على مثل هذه
الحالة فلا تسلّم علي، فإنك إن فعلت ذلك لم أردَّ عليك. وفي رواية للمؤلف(٧) في باب
التيمم من رواية محمد بن ثابت العبدي عن نافع عن ابن عمر قال: مر رجل على رسول
الله ◌َّ في سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول فسلّم عليه فلم يرد عليه. وفي
رواية للمؤلف(٨) فيه عن ابن الهاد عن نافع عن ابن عمر قال: أقبل رسول الله مَاظله من
الغائط، فلقيه رجل فسلّم عليه، الحديث. ففي رواية محمد بن ثابت العبدي وابن الهاد
تصريح على أن السلام كان بعد البول، وفي سائر الروايات والرواية الآتية أن السلام كان
حالة البول، ولهذه الروايات ترجيح، لأن رواية الضحاك بن عثمان عن نافع أخرجها مسلم
في صحيحه(٩). وقال ابن العربي في شرح الترمذي: هذا حديث صحيح اتفق عليه
العلماء، فلا يعارض حديث الصحيحين أو أحدهما رواية السنن، على أن كل الروايات
موافقة له، ومحمد بن ثابت العبدي ضعيف الحديث، أو تكونان واقعتين مختلفتين،
وتكلف بعضهم في الجمع بينهما فقال: وإطلاق ((وهو يبول)) مجاز باعتبار استبرائه من
البول، لأن المتبرأ منه كالمتصف به، وبه تندفع المنافاة بين الروايتين. انتهى.
قلت: في هذا تعسف وتكلف، والله أعلم.
(١) صحيح مسلم (٣٧٠).
(٢) سنن النسائي ٣٧/١.
(٣) جامع الترمذي (٩٠).
(٤) سنن ابن ماجه (٣٥٣).
(٥) سنن ابن ماجه (٣٥١).
(٦) المصدر نفسه (٣٥٢).
(٧) سنن أبى داود (٣٣٠).
(٨) المصدر نفسه (٣٣١).
(٩) صحيح مسلم (٣٧٠).
- ١٢٨ -

قال الإمام أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي شرح الترمذي : في حديث ابن
عمر خمس مسائل: الأولى: أن رجلا مر بالنبي ◌َّر فسلم عليه وهو يبول جريا على سنة
المار وأنه يبدأ بالسلام. الثانية: أنه سلّم عليه وهو یبول فلم ینکر ذلك عليه رسول الله"
◌َ* حتى فرغ، ولو كان مكروها متقذرا لغيَّره وما أقره عليه. الثالثة: فترك الكلام بذكر
الله عز وجل على قضاء الحاجة. الرابعة: أن النبي ( 18 تيمم لذكر الله، وذكر الله على
الطهارة أفضل، ولا سيما إذا كان دعاء. انتهى. والمسئلة الخامسة ليس لها ههنا محل، إنما
تجيء في کتاب التيمم.
والمسئلة الثانية التي ذكرها ابن العربي فيها نظر، لأنه سلف آنفا من رواية ابن
ماجة(١) قال له رسول الله وَله: ((إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلُّم علي، فإنك إن
فعلت ذلك لم أرد عليك)».
٠
١٧ - حدثنا محمد بن المثنى، ثنا عبدالأعلى، ثنا سعيد، عن قتادة، عن
الحسن، عن حُضَيْنْ بن المنذر أبى ساسان، عن المهاجر بن قَنْفَذ أنه أتى النبي
وَ﴾ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال: ((إني
كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ الله عَزَّ وَجَل إلَّ علَى طُهْر))، أو قال ((على طهارة).
[١٧] (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد أبو موسى البصري الحافظ، عن معتمر وابن عيينة
وغندر وخلق، وعنه الأئمة الستة. قال محمد بن يحيى: حجة، وقال النسائي: لا بأس
به، وقال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق. مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين (ثنا عبد
الأعلى) ابن عبدالأعلى السامي بمهملة أبو محمد البصري، أحد الكبار، عن يونس
والجريري وخالد الحذاء، وعنه إسحاق وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو بن علي وخلق. قال
الحافظ في مقدمة فتح الباري(٢): وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي والعجلي وابن نمير
وغيرهم، وكان ممن سمع من سعید بن أبي عروبة قبل اختلاطه، وقال أحمد بن حنبل:
كان يرى القدر، وقال ابن حبان في الثقات: كان متقنا وكان لا يدعو إلى القدر، وقال
محمد بن سعد: لم يكن بالقوي. قلت: هذا جرح مردود غير مبين، ولعله بسبب القدر،
وقد احتج به الأئمة كلهم. انتهى.
(١) سنن ابن ماجه (٣٥٢).
(٢) هدى السارى: ٤١٦.
- ١٢٩ -

مات سنة تسع وثمانين ومائة (ثنا سعيد) بن أبي عروبة أبو النضر البصري الحافظ، عن أبي
التياح ومطر الوراق وخلق، وعنه شعبة وابن علية ويزيد بن زريع وخلائق، قال
الحافظ (١): هو من كبار الأئمة، وثقه الأئمة كلهم إلا أنه رمي بالقدر، وقال العجلي: كان
لا يدعو إليه، وكان قد كبر واختلط، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: أثبت الناس في
قتادة هؤلاء الثلاثة: سعيد بن أبي عروبة وشعبة وهشام الدستوائي. وقال أبو عوانة: ما
كان عندنا في ذلك الوقت أحفظ منه. وقال أبو حاتم: كان أعلم الناس بحديث قتادة،
وقال أبو داود الطيالسي: كان أحفظ أصحاب قتادة، وقال أبو زرعة: أحفظ أصحاب .
قتادة: سعيد وهشام. انتهى. مات سنة ست وخمسين ومائة. (عن قتادة) بن دعامة
السدوسي البصري، ثقة ثبت (عن الحسن) ابن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يسار،
ثقة فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرا ويدلّس، عن جندب بن عبدالله وأنس
وعبدالرحمن بن سمرة وخلائق، وأرسل عن خلق من الصحابة، وروى عنه أيوب وحمید
ویونس وقتادة وخلق. قال ابن سعد: کان عالما جامعا رفيعا ثقة مأمونا عابدا ناسكا كثير
العلم فصيحا جميلا. مات سنة عشر ومائة (عن حضين بن المنذر أبي ساسان) حضين -
بمعجمة مصغرا - بن المنذر الرقاشي بالقاف، وأبو ساسان لقب حضين على صورة الكنية،
وكنيته أبو محمد، مثل أبي التراب فإنه لقب علي - رضى الله عنه - على صورة الكنية وكنيته
أبو الحسن، وهكذا أبو الزناد وأبو الأحوص وأبو ثور وأبو المساكين، فإنها ألقاب، وكناهم
أخر، وهذا باب معروف في كتب أسماء الرجال، وهو بصري عن عثمان وعلي، وكان معه
يوم صفين وبيده الراية، وعنه الحسن البصري وغيره، وثقه العجلي. مات سنة سبع
وتسعين. (عن المهاجر بن قنفذ) بن عميربن جدعان القرشي التيمي، وقيل: إن اسم
المهاجر عامر، واسم فنقذ خلف، وإن مهاجرا وقنفذا لقبان، وإنما قيل له المهاجر لأنه لما
أراد الهجرة أخذه المشركون فعذبوه، ثم هرب منهم، وقدم على رسول الله ێۇ مسلما فقال
رسول الله: هذا المهاجر حقا، وقيل: أنه أسلم يوم فتح مكة، وسكن البصرة ومات بها.
(أنه أتى النبي وَّر وهو ص وَّةَ (يبول) وفي رواية ابن ماجه (٢): ((وهو يتوضأ)). قال بعض
معاصري الأستاذ(٣) في إنجاح الحاجة: يحتمل أن يكون المراد من التوضىء البول بطريق
(١) هدى السارى: ٤٠٥، ٤٠٦.
(٢) سنن ابن ماجه (٣٥٠).
(٣) هو الشيخ عبد الغني المجددى الدهلوى (ت ١٢٩٦).
- ١٣٠ -

الاستعارة، لأن الاستعارة بين السبب والمسبب وغيرهما من المناسبات، والمناسبة ههنا
ظاهرة. انتهى .
(فسلم) المهاجر (عليه) النبي مسير حالة البول (فلم يرد عليه) الجواب (حتى توضأ)
النبي محمد (ثم اعتذر إليه) في ترك الجواب (فقال) النبي وخير: (إني كرهت أن أذكر الله عز
وجل إلا على طهر) وفي بعض النسخ: ((أن أذكر الله تعالى))، وهكذا في المنذري(١) (أو قال
على طهارة) هذا شك من المهاجر أو ممن دونه .
وفيه دلالة على أنه ينبغي لمن سلّم عليه في تلك الحال أن يدع الرد حتى يتوضأ أو
يتيمم، ثم يردّ، وهذا إذا لم يخش فوت المسلم، أما إذا خشي فوته فالحديث لا يدل على
المنع، لأن النبي # تمكن من الرد بعد أن توضأ أو تيمم على اختلاف الروايتين، فيمكن
أن يكون تركه لذلك طلبا للأشرف، وهو الرد حال الطهارة. قاله الشوكاني(٢).
(٩) باب في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر
١٨ - حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن خالد بن
سلمة - يعنى الفافاء - عنِ البَهىِّ، عن عروة، عن عائشة قالت: ((كأَنَ رَسُولُ
الله ﴿ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَّانِهِ)).
(باب في الرجل يذكر الله على غير طهر) أي جائز له ذكر الله تعالى على غير طهارة،
ون كانت الطهارة مستحبة لذكر الله تعالى.
[ ١٨](حدثنا محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي، ثقة حافظ، عن هشيم وابن
المبارك وابن عيينة وابن ادريس، وعنه الأئمة الستة، قال أبو حاتم: صدوق، وقال
النسائي: ثقة لا بأس به، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين. (حدثنا ابن أبي زائدة) وهو يحی
بن زكريا بن أبي زائدة الكوفي أبو سعيد الحافظ، عن أبيه وعاصم الأحول وداود بن أبي
هند وخلق، وعنه أحمد وابن معين وابن المديني وأحمد بن منيع وخلق، وثقه العجلي
والنسائي وابن معين وأبو حاتم وغيرهم، مات سنة ثلاث وثمانين ومائة. (عن أبيه)
(١) مختصر السنن ١ /٢٥.
(٢) نيل الأوطار ٩٠/١
- ١٣١ -

زكريا بن يحيى بن أبي زائدة خالد بن ميمون الكوفي الحافظ، عن الشعبي وسماك وأبي
اسحاق، وعنه شعبة والقطان ووکیع، ووثقه أحمد وأبو داود، وقال: یدلس. مات سنة ثمان
وأربعين ومائة. (عن خالد بن سلمة يعني الفأفاء) بن العاص بن هشام أبي سلمة الكوفي،
عن ابٌ المسيب وموسى بن طلحة، وعنه شعبة وسفيانان، قال ابن المديني وابن معين
ويعقوب بن شيبة والنسائي : ثقة، وقال أبو حاتم: شیخ یکتب حديثه، وذكره ابن حبان
في الثقات، ورماه جريربن عبدالحميد بالإِرجاء والنصب مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة،
والفأفاء لقب يعرف به (عن البهي) بفتح الموحدة وكسر الهاء ثم التحتانية، هو عبدالله
مولى مصعب بن الزبير أبو محمد، عن عائشة وفاطمة بنت قيس، وعنه اسماعيل السدي
واسماعيل بن أبي خالد، وثقه ابن حبان، قال النووي(*): والبهي بتشديد الياء هو لقب
له، اسمه عبدالله بن بشار، قاله يحيى بن معين وأبو علي الغساني وغيرهما، قالا: وهو
معدود في الطبقة الأولى من الكوفيين. (عن عروة) بن الزبير بن العوام أبي عبدالله المدني،
أحد الفقهاء السبعة، ثقة فقيه مشهور، عن أبيه وأمه وخالته عائشة وعلي وأبي هريرة، وعنه
أولاده عثمان وعبدالله وهشام ويحیی ومحمد وسليمان بن يسار وابن أبي مليكة. قال ابن
سعد: ثقة كثير الحديث فقيه عالم ثبت مأمون، وقال العجلي: لم يدخل نفسه في شيء من
الفتن، وله فضائل كثيرة. قال ابن المديني: مات سنة اثنتين وتسعين، وقيل غير ذلك.
(عن عائشة) أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق، الصديقة بنت الصديق، قال لها رسول
اللـه * يوما (١)((يا عائشة، هذا جبرئيل عليه السلام: يقرئك السلام فقلت: عليه السلام
ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى، وقال جبريل عليه السلام: هذه زوجتك في الدنيا
والآخرة، وقال النبي وَلّ في حقها (٢): ((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر
الطعام))، وعن عمرو بن العاص قال:(٣) أتيت النبي آچ# فقلت: يارسول الله أي الناس
أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها. وقال النبي ◌َّه لأم سلمة (٤):
لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل على الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها. وكان
(٥) شرح صحيح مسلم ٦٨/٤.
(١) أخرجه البخاري ١٠٦/٧ وأحمد في مسنده ٥٥/٦، ٧٤، ٨٨، ١١٢، ١١٧، ١٤٦، ٢٠٩.
(٢) أخرجه البخاري ٤٤٦/٦، ٤٧١، و٥٥١/٩، ومسلم (٢٤٣١) عن أبي موسى . ورواه البخاري
١٠٦/٧، ٥٥٩/٩ ومسلم (٢٤٤٦) عن أنس.
(٣) أخرجه الترمذي (٣٨٧٩).
(٤) أخرجه البخاري ٨٤/٧، ومسلم (٢٤٤١، ٢٤٤٢) وغيرهما.
- ١٣٢ -

مسروق إذا روى عنها يقول حدثتني الصديقة بنت الصديق البريئة البراءة، وكان أكابر
الصحابة يسألونها عن الفرائض، وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة من أفقه الناس
وأحسن الناس رأيا في العامة، وقال عروة: ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر
من عائشة. لها ألفان ومائتان وعشرة أحاديث، وعنها مسروق والأسود وابن المسيب وعروة
والقاسم وخلائق. توفيت سنة سبع وخمسين ودفنت بالبقيع. (قالت: كان رسول الله وال#
يذكر الله على كل أحيانه) وروى أصحاب السنن الأربعة (*) عن علي رضى الله عنه قال:
كان رسول الله # يقضي حاجته ثم يخرج، فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم ولا يخجبه ـ
وربما قال لا يحجزه - من القرآن شيء ليس الجنابة، لكن لفظ الترمذي مختصر: كان يقرئنا
القرآن علی کل حال مالم یکن جنبا. وقال: حديث حسن صحيح .
وفيه دلالة على أنه إذا كان الحدث الأصغر لا يمنعه عن قراءة القرآن، وهو أفضل
الذكر، كان جواز ما عداه من الأذكار بالطريق الأولى، وكذلك حديث عائشة المذكور في
الباب فإن قولها «كان النبي يذكر الله على كل أحيانه مشعر بوقوع الذكر منه حال الحدث
الأصغر، لأنه من جملة الأحيان المذكورة. والأحیان: جمع حین بمعنی الوقت، أي یذکر
الله تعالى على كل وقت سواء كان طاهرا أو محدثا بحدث أصغر، فيمكن الجمع بين هذا
الباب والباب السابق باستحباب الطهارة لذكر الله تعالى والرخصة في تركها.
والحديث أخرجه مسلم(١) وابن ماجه(٢) في الطهارة والترمذي(٣) في كتاب الدعوات.
(١٠) باب الخاتم يكون فيه ذكر الله يدخل به الخلاء
١٩ - حدثنا نصر بن علي، عن أبى على الحنفي، عن همام، عن ابن جريج،
عن الزهرى، عن أنس قال: ((كانَ النّبِيُّ ◌َهَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاَءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ)).
قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد
عن الزهرى عن أنس أن النبي وَ لَّ ((اتخذ خاتماً من وَرِقٍ ثم ألقاه)).
(٥) سنن أبى داود (٢٢٩)، وسنن النسائي ٥٢/١، وجامع الترمذي (١٤٦)، وسنن ابن ماجه
(٥٩٤)، وأحمد في المسند ٨٣/١، ٨٤، ١٠٧، ١٢٤، ١٣٤.
(١) صحيح مسلم (٣٧٣).
(٢) سنن ابن ماجه (٣٠٣).
(٣) جامع الترمذي (٣٣٨١).
- ١٣٣ -

والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام.
(باب الخاتم يكون فيه ذكر الله يدخل به الخلاء) أو ينزعه إكراما لذكر الله تعالى،
أي فما حکمه؟
[١٩] (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان الأزدي الجهضمي الحافظ أحد
أئمة البصرة، عن المعتمر وابن عيينة وخلق، وعنه الأئمة الستة، قال أبو حاتم: هو عندي
أوثق من الفلاس وأحفظ، وقال النسائي وابن خراش: ثقة، مات سنة خمسين ومائتين.
(عن أبي علي الحنفي) هو عبيدالله بن عبدالمجيد الحنفي، أبو علي البصري مشهور
بكنيته، وهو من نبلاء المحدثين، عن هشام الدستوائي وقرة بن خالد وابن أبي ذئب، وعنه
محمد بن بشار والدارمي والذهلي ومحمد بن المثنی، قال ابن معين وأبو حاتم: لا بأس به،
ووثقه العجلي والدارقطني وغير واحد، وأخرجه العقيلي في الضعفاء، قاله الحافظ. وقال
الذهبي في الميزان(١): وذكر العقيلي في كتابه وساق له حديثا لا أرى به بأسا. انتهى.
واحتج به الأئمة الستة. مات سنة تسع ومائتين (عن همام) بن يحيى بن دينار الأزدي أبي
عبدالله البصري أحد الأئمة وثقاتها، عن الحسن وعطاء ونافع ويحيى بن أبي كثير وخلق،
وعنه الثوري وابن المبارك وابن مهدي. قال ابن سعد: كان ثقة ربما غلط في الحديث،
وقال أبو حاتم: ثقة صدوق في حفظه شيء، وسئل عن أبان وهمام فقال: همام أحب إلي
ما حدث من كتابه، واذا حدث من حفظه فهما متقاربان. وقال أحمد بن حنبل: هو أثبت
من أبان العطار في يحيى بن أبي كثير، وقال أيضا: همام ثبت في كل المشايخ، قال ابن
معين: هو أحب إليّ من حماد بن سلمة في قتادة ومن أبي عوانة، وقال عمروبن علي:
الأثبات من أصحاب قتادة: ابن أبي عروبة وهشام وشعبة وهمام، وكان ابن مهدي حسن
الرأي فيه. مات سنة أربع وستين ومائة (عن ابن جريج) عبدالملك بن عبدالعزيز بن
جريج الأموي المكي الفقيه أحد الأئمة، عن مجاهد ونافع وخلق، وعنه الأوزاعي
والسفيانان وخلائق. قال ابن المديني: لم يكن في الأرض أحد أعلم بعطاء من ابن جريج،
وقال أحمد: اذا قال أخبرنا وسمعت حسبك به، وقال ابن معين: ثقة إذا روى من الكتاب.
مات سنة خمسين ومائة (عن الزهري) محمد بن مسلم أبي بكر المدني الفقيه الحافظ (عن
أنس) بن مالك الأنصاري الصحابي الفققيه المجتهد (قال: كان النبي وَل إذا دخل الخلاء
(١) ميزان الاعتدال ١٣/٣.
- ١٣٤ -

وضع خاتمه) عن يده المباركة احتراما لذكر الله تعالى، لأن نقش خاتمه كان («محمد رسول
الله)). أخرجه بعض أصحاب الصحاح(١) والبيهقي والحاكم. والحديث يدل على كراهة
إدخال الخاتم ونحوه مما فيه ذكر الله تعالى الحشوش.
(قال أبو داود) أي المؤلف: (هذا حديث) أي حديث همام عن ابن جريج (منكر)
المنكر ما رواه الضعيف مخالفا للثقة، (وإنما يعرف) بالبناء للمجهول هذا الحديث (عن ابن
جريج عن زياد بن سعد) الخراساني أبي عبدالرحمن المكي عن أبي الزبير وغيره، وعنه
همام بن يحيى ومالك وغيرهما، قال النسائي: ثقة ثبت. (عن الزهري عن أنس أن النبي
( * اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه) أي خاتمه. وهذا الحديث هو المعروف، والمعروف مقابل
المنكر لأنه إن وقعت مخالفة الحديث القوي مع الضعيف فالراجح يقال له المعروف ومقابله
يقال له المنکر کما ثبت في موضعه، ومجيء إن شاء الله تعالی حدیث أنس هذا بإسناد آخر
في كتاب الخاتم (والوهم فيه) أي في هذا الحديث في إتيان هذه الجملة ((إذا دخل الخلاء
وضع خاتمه)) (من همام) بن يحيى بن دينار، (ولم يروه) حديث أنس بهذه الجملة (إلا همام)
وقد خالف همام جميع الرواة عن ابن جريج، لأنه روى عبدالله بن الحارث المخزومي وأبو
عاصم وهشام بن سليمان وموسى بن طارق كلهم عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن
الزهري عن أنس أنه رأى في يد النبي ( خاتما من ذهب، فاضطرب الناس الخواتيم،
فرمى به النبي رس# وقال لا ألبسه أبدا، وهذا هو المحفوظ والصحيح عن ابن جريج، قاله
الدارقطني في كتاب العلل .
قال الحافظ زكي الدين عبدالعظيم المنذري(٢) قال أبو داود: هذا حديث منكر،
وقال النسائي: وهذا الحديث غير محفوظ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وهمام هو أبو عبدالله همام بن يحيى الأزدي البصري وإن كان قد تكلم فيه بعضهم، فقد
اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، وقال يزيد بن هارون: همام قوي في
الحديث، وقال يحيى بن معين: ثقة صالح، وقال أحمد بن حنبل: همام ثبت في كل
المشايخ، وقال ابن علي الجرجاني: وهمام أشهر وأصدق من أن یذکر له حديث منكر،
وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو مقدم أيضا في يحيى بن أبي كثير، وعامة ما يرويه
(١) أخرجه البخاري (٦٥، ٢٩٣٨، ٥٨٧٠، ٥٨٧٢، ٥٨٧٤، ٥٨٧٥، ٥٨٧٧، ٧١٦٢) ومسلم
(٢٠٩٢) وغيرهما .
(٢) مختصر السنن ٢٦/١.
- ١٣٥ -

مستقیم، فإذا كان حال همام کذلك فیترجح ما قاله الترمذي، وتفرده به لا يوهن الحديث،
وإنما يكون غريبا كما قال الترمذي. والله أعلم. انتهى كلام المنذري.
وما قاله أبو داود ((ولم يروه إلا همام)) ففيه نظر، لأنه رواه يحيى بن المتوكل ويحيى بن
الضريس البجلي عن ابن جريج عن الزهري عن أنس مرفوعا نحو حديث همام، قاله
الدارقطني في كتاب العلل، فهذان قد تابعا هماما عن ابن جريج على هذه الجملة.
وأجاب عنه ابن القيم(١) بأن حديث يحيى بن المتوكل الذي أشار إليه الدارقطني رواه
البيهقي (٢) من حديث يحيى بن المتوكل عن ابن جريج به، ثم قال: هذا شاهد ضعيف،
وإنما ضعف ابن يحيى هذا، قال فيه الإِمام أحمد: واهي الحديث، وقال ابن معين: ليس
بشيء، وضعفه الجماعة كلهم. وأما حديث يحيى بن الضريس فيجيء، هذا ثقة فينظر
الإسناد إليه. انتهى .
وتعقب عليه الشيخ الإِمام سراج الدين في البدر المنير فقال: وقد رواه مع همام
مرفوعا يحيى بن الضريس ويحيى بن المتوكل وأخرجهما الحاكم(٣) والبيهقي (٤)، قال الحاكم:
هذا شاهد ضعيف. قلت: وفيه نظر إذ ليس في إسناده من تكلم فيه، ويحيى بن المتوكل
لا أعلم فيه إلا قول ابن حبان إنه يخطي، وصححه الحاكم من طريقه، وليس هذا
بيحيى بن المتوكل الذي يقال له أبو عقيل، ذاك ضعيف كما نص عليه ابن المبارك وأحمد
وابن المديني وغيرهم، وفرق بينهما المزي وتبعه الذهبي. انتهي .
وقال في موضع آخر: وهما ثقتان، وعلى هذا ينتفي دعوى الترمذي أنه غريب،
ویرجح تصحیحه له. انتهى .
وقد روى هذا الحديث موقوفا على أنس أيضا، قال الدارقطني في كتاب العلل: رواه
سعيد بن عامر وهدبة بن خالد عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس أن النبي
وَ*، وخالفهم عمروبن عاصم، فرواه عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس أنه
كان إذا دخل الخلاء، موقوفا. ولم يتابع عليه. انتهى.
(١) تهذيب السنن ٢٧/١ .
(٢) السنن الكبرى ١ /٩٥.
(٣) المستدرك ١٨٧/١.
(٤) السنن الكبرى ١ /٩٥.
- ١٣٦ -

وقال الحافظ في التلخيص(١): الحديث أخرجه أصحاب السنن(٢) وابن حبان(٣)
والحاكم (٤) من حديث الزهري عن أنس به، وقال النسائي: غیر محفوظ، وقال أبو داود:
منكر، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه وأشار إلى شذوذه، وصححه الترمذي، وقال
النووي: هذا مردود عليه قاله في الخلاصة، وقال المنذري(٥): الصواب عندي تصحيحه،
فإن رواته ثقات أثبات، وتبعه أبو الفتح القشيري في آخر الاقتراح، وعلته أنه من رواية
همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس، ورواته ثقات، لكن لم يخرج الشيخان رواية
همام عن ابن جريج، وابن جريج قيل لم يسمعه من الزهري وإنما رواه عن زياد بن سعد
عن الزهري بلفظ آخر. انتهى.
(١١) باب الاستبراء من البول
٢٠ - حدثنا زهير بن حرب وهناد بن السرى، قالا: ثنا وكيع، ثنا الأعمش،
قال: سمعت مجاهدًا يحدث عن طاوس، عن ابن عباس، قال: مَرَّ رَسُول اللَّهِ
وَّ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: ((إنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبير: أمَّا هَذَا فَكَانَ لا
يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمِشِي بِالنَّمِيمَةِ)). ثم دعا بعَسِيبِ رَطْبٍ
فشقه باثنين، ثمٍ غرسٍ على هذا واحدًا، وعلى هذا واحداً.
وقال: ((لَعَلَّهُ يَخِفَّفُ عَنْهُمَا مَالْ بَيْبَسَا)) قال هناد ((يستتر)) مكان ((يستنزه)).
(باب الاستبراء من البول) والاستبراء هو أن يستفرغ بقية البول وينقى موضعه
ومجراه حتی یبرئهما منه. يقال: استبرأت من البول أي تنزهت عنه .
[ ٢٠] (حدثنا زهير بن حرب) بن شداد الحرشي، حافظ ثقة (وهناد بن السري) بن
مصعب، التميمي الدارمي، الحافظ الصالح، عن شريك وابن عيينة وأبي الأحوص
وخلق، وعنه أصحاب السنن الأربعة ومسلم وخلائق. وثقه النسائي. مات سنة ثلاث
(١) تلخيص الحبير ١٠٧/١-١٠٨.
(٢) انظر: الترمذي (١٧٤٦)، ابن ماجه (٣٠٣).
(٣) صحيح ابن حبان ١/ ٤٩٤.
(٤) المستدرك ١ / ١٨٧.
(٥) مختصر السنن ٢٦/١.
- ١٣٧ -

وأربعين ومائتين. (قالا: ثنا وكيع) بن الجراح، ثقة حافظ (ثنا الأعمش) سليمان بن
مهران. ثقة ثبت (قال: سمعت مجاهدا) بن جبر أبا الحجاج المكي، الإِمام الجليل (يحدث
عن طاؤوس) بن كيسان الإِمام العالم، عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وزيد بن ثابت
وزيد بن أرقم وجابر وابن عمر. قال طاؤوس: أدركت خمسين من الصحابة، وعنه الزهري
وعمرو بن دينار وسليمان الأحول وخلائق. قال ابن عباس: إني لأظن طاؤوسا من أهل
الجنة. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مثله. ووثقه ابن معين وغيره. مات سنة ست ومائة
(عن ابن عباس) بن عبدالمطلب، ابن عم النبي بشار، وحبر الأمة (قال: مر رسول الله
على قبرين) وفي رواية البخاري(١): مر النبي صلى الله عليه وسلم بحائط من حيطان
المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما (فقال) النبي مسئلة: (إنهما يعذبان)
في قبورهما (وما يعذبان في كبير). وفي رواية البخاري(٢): ثم قال: بلى. أي: وإنه لكبير.
وصرح بذلك في الأدب المفرد (٣)، من طريق عبد بن حميد عن منصور، فقال: وما يعذبان
في كبير، وإنه لكبير. وهذا من زيادات رواية منصور على الأعمش، ولم يخرجها مسلم.
قال الحافظ (٤): واختلف في معنى قوله: وإنه لكبير، فقال أبو عبدالملك: يحتمل أنه
وَ* ظن أن ذلك غير كبير، فأوحى إليه في الحال بأنه كبير فاستدرك. انتهى.
وقال الخطابي(٥): ((وما يعذبان في كبير))، معناه: أنهما لم يعذبًا في أمر كان يكبر عليهما
أو شق فعله لو أراد أن يفعلاه، وهو التنزه من البول وترك النميمة. ولم يرد أن المعصية في
هاتين الحالتين ليست بکبیرة، وإن الذنب فیھما هین سهل - انتهى.
وقال النووي(٦): ((وما يعذبان في كبير))، فقد جاء في رواية البخاري(٧): وما يعذبان
في كبير وإنه لكبير، الحديث ذكره في كتاب الأدب، وفي كتاب الوضوء من البخاري (٨)
(١) صحيح البخاري (٢١٦).
(٢) المصدر نفسه (٢١٦).
(٣) الأدب المفرد (٧٣٥) من ٢٥٦ ولم أجده بهذا السند ..
(٤) فتح الباري ٢١٨/١ .
(٥). معالم السنن ٢٧/١ .
(٦) شرح صحيح مسلم ٢٠١/٣ .
(٧) صحيح البخاري (٦٠٥٢، ٦٠٥٥).
(٨) المصدر نفسه (٢١٦).
- ١٣٨ -

أيضا: ((وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير))، فثبت بهاتين الزيادتين الصحيحتين أنه كبير،
فيجب تأويل قوله { 18: ((وما يعذبان في كبير)). وقد ذكر العلماء فيه تأويلين: أحدهما أنه
لیس بکبیر في زعمهما. والثاني أنه ليس بکبیر تركه علیھما. وحکی القاضى عياض تأويلا
ثالثا أي ليس بأكبر الكبائر، فعلى هذا يكون المراد بهذا الزجر والتحذير لغيرهما، أي لا
يتوهم أحد أن التعذيب لا يكون إلا في أكبر الكبائر الموبقات فإنه يكون في غيرها. وسبب
كونهما كبيرين: أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة، فتركها كبيرة بلا شك.
والمشي بالنميمة والسعي بالفساد من أقبح القبائح.
(أما هذا فكان لا يستنزه من البول، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة) وفي رواية
الْشيخين(١): أما أحدهما، وأما الآخر.
قال الخطابي(٢): فيه دلالة على أن الأبوال كلها نجسة منجسة من مأكول اللحم وغير
مأكوله، لورود اللفظ به مطلقا على سبيل العموم والشمول - انتهى.
فالخطاب حمله على العموم في بول جميع الحيوان. وفيه نظر لأنه قال ابن بطال في شرح
البخاري: أراد البخاري أن المراد بقوله في رواية الباب: كان لا يستتر من البول، بول
الإِنسان لا بول سائر الحيوان، فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع
الحيوان .
قال ابن حجر(٣): وكأنه أراد ابن بطال ردا على الخطابي حيث قال: فيه دليل على
نجاسة الأبوال كلها. ومحصل الرد أن العموم في رواية من البول أريد به الخصوص لقوله:
((من بول))، أو الألف واللام بدل من الضمير، لكن يلتحق ببوله بول من هو في معناه من
الناس لعدم الفارق. قال: وكذا غير المأكول. وأما المأكول فلا حجة في هذا الحديث لمن
قال بنجاسة بوله، ولمن قال بطهارته حجج أخرى. وقال القرطبي: قوله: من البول، اسم
مفرد لا يقضي العموم، ولو سلم فهو مخصوص بالأدلة المقتضية لطهارة بول ما يؤكل.
والنميمة، هي: نقل الكلام على جهة الفساد والشر. أي كان أحدهما من صاحبي
· القبرين ينقل كلام أحد إلى الآخر على جهة الفساد والشر.
(١) البخاري (٢١٨)، مسلم (٢٩٢).
(٢) انظر: فتح الباري ٣٢١/١.
(٣) فتح الباري ٣٢١/١.
- ١٣٩ -

(ثم دعا) النبي ◌َّد (بعسيب رطب) بفتح العين وكسر السين المهملتين، وهو
الجريد والغصن من النخل، يقال له: العنكال (فشقه) أي العسيب (باثنين) هذه الباء
زائدة للتأكيد، واثنين منصوب على الحال (ثم غرس) من باب ضرب، تقول: غرست
الشجرة غرسا وغراسا: إذا نصبتها في الأرض (على هذا) أي القبر (واحدا) مفعول غرس،
أي غرس كسرة واحدة من العسيب على هذا القبر (وعلى هذا واحدا، وقال) النبي ◌َّ:
(لعله) قال ابن الملك: والهاء في لعله ضمير الشأن (يخفف) العذاب (عنهما) أي عن
صاحبي القبرين (مالم بيبسا) العودان. وفي رواية البخاري(١): مالم تيبسا، بالمثناة
الفوقانية .
قال المازري: يحتمل أن يكون أوحى إليه أن العذاب يخفف عنهما هذه المدة.
وقال الحافظ(٢): وعلى هذا ((فلعل)) ههنا للتعليل.
وقال النووي(٣): وضعه ◌َليل الجريدتين على القبر، فقال العلماء: هو محمول على أنه
سأل الشفاعة لهما، فأجيبت شفاعته * بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا. وقد ذكر
مسلم(٤) في آخر الكتاب في الحديث الطويل حديث جابر في صاحبي القبرين: ((فأجيبت
شفاعتي أن يرفع ذلك عنهما ما دام العودان رطبين»
وقيل: يحتمل أنه لو كان يدعو لهما تلك المدة.
وقال الخطابي(٥): هو محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف مدة بقاء النداوة، لا أن في
الجريدة معنى يخصه، ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس.
وقال الطيبي: الحكمة في كونهما ما دامتا رطبتين تمنعان العذاب، يحتمل أن تكون
غير معلومة لنا كعدد الزبانية .
قلت: هذه احتمالات شتى، والعلم فيه عند الله تعالى.
(قال هناد: يستتر، مكان: يستنزه) كذا في أكثر الروايات بمثناتين من فوق، الأولى
مفتوحة والثانية مكسورة. وفي رواية ابن عساكر: يستبريء، بموحدة ساكنة من الاستبراء،
(١) صحيح البخاري (٢١٦).
(٢) فتح الباري ٣٢٠/١.
(٣) شرح صحيح مسلم ٢٠١/٣.
(٤) صحيح مسلم (٣٠٠٦-٣٠١٤).
(٥) معالم السنن ٢٧/١.
- ١٤٠ -