Indexed OCR Text
Pages 101-120
يحصل الجمع بين الروايات في هذا الباب . (أو نستنجي برجيع أو عظم) ولفظ ((أو)) للعطف لا للشك، ومعناه معنى الواو، أي نهانا عن الاستنجاء بهما، والرجيع هو الروث والعذرة، فعيل بمعنى فاعل، لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعاما أو علفا. والروث هو رجيع ذوات الحوافر. وجاء في رواية رويفع بن ثابت فيما أخرجه المؤلف(١) ((رجيع دابة)). وأما عذرة الإِنسان أي غائطه فهي داخل تحت قوله وعمل* ((إنها ركس)). قال النووي في شرح صحيح مسلم(٢) رحمه الله تعالى: فيه النهي عن الاستنجاء بالنجاسات، ونبّه ◌َ* بالرجيع على جنس النجس، وأما العظم فلكونه طعاما للجن فنبه به على جميع المطعومات. انتهى. وقد أخرج الترمذي(٣) عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله المطر: ((لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن)). وأخرجه مسلم (٤) عنه حديث الوضوء بالنبيذ، وفيه: وسألوه الزاد: فقال: ((لكم كل عظم، ولكم كل بعرة علف لدوابكم)) ثم قال: ((لا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم)). واقتصاره في النهي على العظم والروث على أن ما سواهما يجزيء، ولو كان ذلك مختصا بالأحجار كما يقوله بعض الحنابلة والظاهرية لم يكن لتخصيص هذين بالنهي معنى، وإنما خص الأحجار بالذكر لكثرة وجودها، وروى الإِمام البخاري(٥) في المبعث أن أبا هريرة قال له وير لما فرغ: ما بال العظم والروث؟ قال: ((هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جنّ نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليهما طعاما)). وروى الدارقطني(٦) وصححه من حديث أبي هريرة أن النبي وَّ نهى أن يستنجي بروث أو بعظم، وقال: ((إنهما لا يطهّران)). وفي هذا رد على من زعم أن الاستنجاء بهما يجزيء وإن كان منهيا عنه. هذا ملخص كلام الحافظ. (١) سنن أبى داود (٣٦). (٢) شرح صحيح مسلم ١٥٧/٣. (٣) جامع الترمذي (١٨). (٤) صحيح مسلم (٤٥٠). (٥) صحيح البخاري (٣٨٦٠). (٦) سنن الدارقطنى ١ /٥٦. - ١٠١ - وفي سبل السلام(١): وعلل في رواية الدارقطني بأنهما لا يطهران، وعلل بأنهما طعام الجن، وعللت الروثة بأنها ركس، والتعليل بعدم التطهير فيها عائد إلى كونها ركسا، وأما تطهير العظم فلأنه لزج لا يكاد يتماسك، فلا ينشف النجاسة ويقطع البلة. ولما علل زياد بأن العظم والروثة طعام الجن قال له ابن مسعود: وما یغني عنهم ذلك یا رسول الله؟ قال: ((إنهم لا يجدون عظما، إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أخذ، ولا وجدوا روثا إلا وجدوا فيه حبه الذي کان یوم أكل)). رواه أبو عبدالله الحاكم في الدلائل. انتهى. ولا ينافيه ما ورد أن الروث علف دوابهم، لإمكان حمل الطعام فيه على طعام الدواب . وقال السيوطي في قوت المغتذي: روى الطبراني وأبو نعيم في الدلائل(٢) عن ابن مسعود قال: بينما نحن مع رسول الله صل# بمكة، فذكر قصة الجن إلى أن قال قلت: من هؤلاء يا رسول الله؟ قال: ((هؤلاء جن نصيبين، جاءوني يختصمون إلي في أمور كانت بينهم، وقد سألوني الزاد فزودتهم)) فقلت: ما زودتَهم؟ قال: ((الرجعة وما وجدوه من روث وجدوه تمرا، وما وجدوه من عظم وجدو كآسيا))، وعند ذلك نهى رسول الله وَل# أن يستطاب بالروث والعظم. انتهى . وحديث الباب أخرجه مسلم(٣) والترمذي(٤) والنسائي(٥) وابن ماجة(٦) والدارقطني(٧). (١) سبل السلام ٨٢/١. (٢) دلائل النبوة ص: ٣١٠ (ط دار المعرفة، بيروت). (٣) صحيح مسلم (٢٦٢). (٤) جامع الترمذي (١٦). (٥) سنن النسائي ٣٨/١. (٦) سنن ابن ماجه (٣١٦). (٧) سنن الدار قطنى ١/ ٥٤ . - ١٠٢ - ٨ - حدثنا عبدالله بن محمد النَّفَيْلى، قال ثنا ابن المبارك، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبى صالح، عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله وَله: ((إِنَّا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أَعَلمُكُمْ، فإذَا أَتَى أَحَدِكُمُ الْغَائِطَ فَلاَ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلاَ يَسْتَدْبِرْهَا وَلَا يَسْتَطِب بَيَمِينِهِ)). وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الرَّوْثِ وَالرُّمَّةِ . [٨] (حدثنا عبدالله بن محمد النفيلي) هو عبدالله بن محمد بن علي بن نفيل القضاعي النفيلي، أحد الأئمة الحفاظ. روى عن مالك وسعيد بن سنان وابن المبارك وخلق، وعنه أبو داود فأكثر وأحمد وأبو زرعة وخلق. قال أبو داود: ما رأيت أحفظ منه. وقال أبو حاتم: ثقة مأمون. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. (قال: ثنا ابن المبارك) هو عبدالله بن المبارك بن واضح أبو عبدالرحمن المروزي، أحد الأئمة الأعلام وشيوخ الإِسلام. روى عن حميد وحسين المعلم وسليمان التيمي. وهشام بن عروة وخلق، وعنه معتمر وبقية وابن مهدي وسعيد بن منصور وخلائق. قال ابن عيينة: ابن المبارك عالم المشرق والمغرب وما بينهما. وقال شعبة: ما قدم علينا مثله. وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام. وقال ابن معين: ثقة صحيح الحديث. مات سنة إحدى وثمانين ومائة. (عن محمد بن عجلان) القرشي أبي عبدالله المدني، أحد العلماء العاملين. عن أبي حازم والأعرج وعكرمة وطائفة، وعنه عبدالوهاب بن بخت ومنصور وشعبة والثوري ومالك وخلق. وثقه أحمد وابن معين، وذكره البخاري في الضعفاء. توفي سنة ثمان وأربعين ومائة. (عن القعقاع بن حكيم) الكناني المدني. عن ابن عمر وجابر، وعنه سعيد المقبري وزيد بن أسلم. وثقه أحمد وابن معين، من الرابعة. (عن أبي صالح) السمان، اسمه ذكوان المدني. عن سعد وأبي الدرداء. وعائشة وغيرهم، وعنه بنوه سهيل وعبدالله وصالح وعطاء بن أبي رباح والأعمش. قال أحمد: ثقة ثقة. توفي سنة إحدى ومائة. (عن أبي هريرة) الدوسي الصحابي الجليل، من حفاظ الصحابة ومن فقهائها، اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا لم يختلف في اسم آخر مثله، قيل: عبدالرحمن بن صخر، وقيل: غير ذلك، وفيه اختلاف إلى نحو ثلاثين قولا. وهو أحد المكثرين عن رسول الله معه. ومن قال إنه ليس بفقيه فقد أخطأ، إن لم يكن أبو هريرة فقيها فمن يكون فقيها؟. وله مناقب جمة وفضائل كثيرة، منها: ما روى - ١٠٣ - أصحاب الصحاح(١) عن الزهري عن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة قال: إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله وَيقر المُوعِد كنت رجلا مسكينا أخدم رسول الله و* والله على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، وقال رسول الله مَطاهر: ((من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئا سمعه مني))؟ فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه، ثم ضممته إليَّ فما نسيت شيئا سمعته. قال الإمام الحافظ ابن الأثير الجزري(٢): قال البخاري: روي عن أبي هريرة أكثر من ثمانمائة رجل من صاحب وتابع، فمن الصحابة: ابن عباس وابن عمر وجابر وأنس وواثلة بن الأسقع. انتهى. وفي الخلاصة(٣): وعنه إبراهيم بن حنين وأنس وبسر بن سعيد وسالم وابن المسيب وتمام ثماني مائة نفس ثقات. وقال السيد محمد بن إسماعيل الأمير اليماني في سبل السلام شرخ بلوغ المرام(٤): هو الصحابي الجليل الحافظ المكثر، واختلف في اسمه واسم أبيه على نحو من ثلاثين قولا، قال ابن عبدالبر(٥): الذي تسكن النفس إليه من الأقوال أنه عبدالرحمن أو عبدالله بن صخر الدوسي، وبه قال محمد بن إسحق والحاكم أبو أحمد. وذكر لأبي هريرة في مسند بقي بن مخلد خمسة آلاف حديث وثلاث مائة وأربعة وسبعين حديثا(٦)، وهو أكثر الصحابة حديثا فليس لأحد من الصحابة هذا القدر ولا ما یقاربه. انتهى . قال الهيثم بن عدي: توفي سنة ثمان وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة. قاله ابن الأثير(٧). (قال) أبو هريرة (قال رسول الله وَله: إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلّمكم) ما تحتاجون إليه كما تعلّمكم آباؤكم. وفي هذا وجوب طاعة الآباء، وأن الواجب عليهم تأديب أولادهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين (فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه) قال الخطابي(٨): أي لا يستنجي بها، (١) أخرجه البخاري ١٩٠/١، ٢١/٥، ٢٧١/١٣، ومسلم (٢٢٩٤). (٢) أسد الغابة ٣١٧/٥. (٣) الخلاصة : ٤٦٢. (٤) سبل السلام ١/ ١٤. (٥) الاستيعاب مع الإصابة ٢٠٧/٤ . (٦) ذكر عدد ما لكل واحد من الصحابة من الحديث (لابن حزم): ٢٧٥ . (٧) أسد الغابة ٣١٧/٥. (٨) معالم السنن ١٩/١. - ١٠٤ - وسمي الاستنجاء استطابة لما فيه من إزالة النجاسة وتطهير موضعها من البدن، يقال: استطاب الرجل: إذا استنجى، فهو مستطيب. وأطاب فهو مطيب. ومعنى الطيب ههنا الطهارة، وأصل الاستنجاء في اللغة الذهاب إلى الأرض المرتفعة لقضاء الحاجة، وكانوا يستترون بها إذا قعدوا للتخلي، فقيل على هذا: قد استنجى الرجل، أي أزال الحدث عن بدنه كما كنى عنه بالغائط. وأصل الغائط: المطمئن أي المنخفض من الأرض، كانوا يتناوبونه للحاجة، فكنوا به عن نفس الحدث كراهية لذكره بخاص اسمه، ومن عادة. العرب التعفف في ألفاظها واستعمال الكناية في كلامها، وصون الألسنة كما تصان الأبصار والأسماع عنه. (وكان يأمر بثلاثة أحجار) وأعيان الحجارة غير مختصة بهذا المعنى، دون غيرها من الأشياء التي تعمل عمل الحجارة، وذلك أنه لما أمر بالأحجار ثم استثنى الروث والرمة فتخصيصها بالنهي دلّ على أن ما عدا الروث والرمة قد دخل في الإِباحة، فبان أن الاستنجاء جائز ولو كانت الحجارة مخصوصة بذلك، وكل ما عداها بخلاف ذلك، لم يكن لنهيه عن الروث والرمة وتخصيصها بالذكر معنى، وإنما جرى ذكر الحجارة وسبق اللفظ إليها لأنها كانت أكثر الأشياء التي يستنجي بها وجودا، وأقربها تناولا. قاله الخطابي(١). (وينهى عن الروث والرمة) بكسر الراء وشددة الميم، والرمة والرميم: ٫ العظم البالي، أو الرمة جمع رميم، أي العظام البالية. ويقال: إنها سميت رمة لأن الابل ترمها أي تأكلها. وتحقيق استقبال القبلة واستدبارها في الخلاء سيجيء في الباب الآتي إن شاء الله. والحديث أخرجه مسلم(٢) مختصرا والنسائي (٣) وابن ماجة(٤) تاما. ٩ - حدثنا مسدد بن مسرهد، ثنا سفيان، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب رواية قال: ((إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلاَ بَوْلٍ ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا)) . فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل الكعبة فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله . (١) معالم السنن ١٩/١ (٢) صحيح مسلم ١٥٣/١. (٣) سنن النسائي ٣٨/١. (٤) سنن ابن ماجه (٣١٣) - ١٠٥ - [ ٩] (حدثنا مسدد بن مسرهد) البصري، ثقة حافظ، (حدثنا سفيان) هو ابن عيينة كما في رواية مسلم(١)، وفيه: قلت لسفيان بن عيينة: سمعت الزهري؟ قال: نعم. وسفيان هو ابن عيينة بن أبي عمران الهلالي، أبو محمد الكوفي، أحد أئمة الإِسلام. عن عمرو بن دينار وزيد بن أسلم وصفوان بن سليم وخلق، وعنه شعبة ومسعر من شيوخه وابن المبارك من أقرانه وأحمد وإسحق وابن معين وخلائق. قال العجلي: هو أثبتهم في الزهري، كان حديثه نحو سبعة آلاف. وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز. مات سنة ثمان وتسعين ومائة، ومولده سنة سبع ومائة. (عن الزهري) هو محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن شهاب بن عبدالله بن الحارث بن زهرة القرشي الزهري، أبو بكر المدني، الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه. وهو من رؤوس الطبقة الرابعة. عن ابن عمر وسهل بن سعد وأنس ومحمود بن الربيع وابن المسيب وخلق، وعنه أيوب وجعفر بن برقان وابن عيينة وابن جريج والليث ومالك وخلائق. قال علي بن المديني: له نحو ألفي حديث، وقال الليث: ما رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب. وقال أيوب: ما رأيت أعلم من الزهري. وقال مالك: كان ابن شهاب من أسخى الناس وتقيا، ماله في الناس نظير. توفي سنة أربع وعشرين ومائة. (عن عطاء بن يزيد الليثي) أبي محمد المدني، نزيل الشام، عن تميم الداري وأبي أيوب وأبي هريرة، وعنه أبو صالح السمان وسهيل بن أبي صالح. وثقه النسائي. قال عمروبن علي: مات سنة خمس ومائة، وقيل غير ذلك. (عن أبي أيوب) خالد بن زيد بن كليب الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله ﴾، وكان مع علي بن أبي طالب ومن خاصته، وعليه نزل النبي * حين دخل المدينة. له مائة وخمسون حديثا. روى عنه البراء وأفلح مولاه وعروة. له فضائل. مات بأرض الروم غازيا سنة اثنتين وخمسين. (رواية) هي مصدر فعل مقدر، أي يروي رواية، وهي في موضع الرفع، أي ما ورد بصيغة الكناية في موضع الصيغ الصريحة بالنسبة إلى النبي وهو، التابعي عن الصحابي: يرفع الحديث، أو يرويه، أو ينميه، أو رواية، أو يبلغ به، أو رواه، فهو المرفوع حكما. قاله الحافظ في شرح النخبة (٢). (قال) رسول الله وَ لهو: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول) الباء متعلقة (١) صحيح مسلم (٢٦٤). (٢) نزهة النظر شرح نخبة الفكر: ٩٥-٩٦. - ١٠٦ - بمحذوف، وهو حال من ضمير ((تستقبلوا)) أي لا تستقبلوا القبلة حال كونكم مقترنين بغائط أو بول، والمراد بالغائط: في أوله المكان وفي آخره الخارج، قاله أبو الطيب السندي في شرح الترمذي. (ولكن شرّقوا أو غربوا) هكذا في النسخ بإثبات الألف في ((أو غربوا)) وهكذا في مختصر الحافظ عبدالعظيم المنذري(١). قال السيوطي : قال الشيخ ولي الدين: ضبطناه في سنن أبي داود ((وغرّبوا)) بغير ألف، وفي بقية الكتب الستة ((أو غربوا)) بإثباتها، ونقله النووي في شرحه عن بعض نسخ أبي داود، وكذا رأيته في مختصر السنن للمنذري بإثبات الألف، ولعله من الناسخ، وكلاهما صحيح. انتهى. قال الخطابي(٢): هذا خطاب لأهل المدينة ولمن كان قبلته على ذلك السمت، وأما من كانت قبلته إلى جهة الغرب والشرق فإنه لا يغرب ولا يشرق. انتهى. وقال النووي(٣): هذا خطاب لأهل المدينة ومن في معناهم، بحيث إذا شرّق أو غرّب لا يستقبل الكعبة ولا يستدبرها. انتهى . وقال ابن دقيق العيد: هذا محمول على محل يكون التشريق والتغريب فيه مخالفا لاستقبال القبلة واستدبارها، كالمدينة التي هي مسكن رسول الله مَّلية وما في معناها من البلاد، ولا يدخل تحته ما كانت القبلة فيه إلى المشرق. انتهى. ومعنى ((شرقوا أو غربوا)) أي استقبلوا جهة المشرق والمغرب. قال أبو أيوب: (فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض) وفي رواية النسائي (٤) عن رافع بن إسحق أنه سمع أبا أيوب الأنصاري وهو بمصر يقول: والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكرابيس؟ الحديث. و((مراحيض)) هو بفتح الميم وبالحاء المهملة والضاد المعجمة جمع مرحاض بكسر الميم، وهو البيت المتخذ لقضاء حاجة الإِنسان أي للتغوط، قاله النووي(٥). وفي شرح العمدة: المرحاض وهو المغتسل، وهو أيضا كناية عن موضع التخلي. (قد بنيت قِبَل الكعبة) كذا في بعض النسخ، وهكذا في عمدة الأحكام(٦) ومنتقى (١) مختصر السنن ٢٠/١. (٢) معالم السنن ١ /٢٠ . (٣) شرح صحيح مسلم ١٥٨/٣. (٤) سنن النسائي ٢١/١. (٥) شرح صحيح مسلم ١٥٨/٣. (٦) عمدة الأحكام (٢١). - ١٠٧ - الأخبار(١) من رواية الشيخين، وفي بعض النسخ ((القبلة))، وهكذا وجدت في الصحيحين(٢) والترمذي(٣) حين راجعت إليها. أي بنيت المراحيض مقابل الكعبة وجهتها، (فكنا ننحرف عنها) بالنونين أي نحرص على اجتناب الكعبة بالميل عنها بحسب . قدرتنا، (ونستغفر الله) قال ابن العربي: ((نستغفر الله)) يحتمل ثلاثة أوجه: الأول يستغفر. الله من الاستقبال. الثاني أن يستغفر الله من ذنوبه، فالذنب يذكر بالذنب. الثالث: أن يستغفر الله لمن بناها، فإن الاستغفار للمذنبين سنة. انتهى. وفي شرح عمدة الأحكام: (ونستغفر الله)) قيل: يراد به ونستغفر الله لباني الكنف على هذه الصفة الممنوعة عنده، وإنما حملهم على هذا التأويل أنه إذا انحرف عنها لم يفعل ممنوعا، فلا يحتاج إلى الاستغفار. والأقرب أنه استغفار لنفسه، ولعل ذلك لأنه بسبب موافقته لمقتضى النهي غلطا أو سهوا فنذكر فننحرف ونستغفر الله. فان قلت: فالغالط والساهي لم يفعلا إثما، فلا حاجة بهما إلى الاستغفار. قلت: أهل الورع والمناصب العلية في التقوى قد يفعلون مثل هذا لنسبتهم النقص إلى أنفسهم في عدم التحفظ ابتداء. انتهى . والحديث أخرجه البخاري(٤) ومسلم(٥) والترمذي(٦) والنسائي (٧) وابن ماجة (٨). ١٠ - حدثنا موسى بن إسماعيل، قال ثنا وهيب، قال ثنا عمرو بن يحيى، عن أبي زيد، عن معقل بن أبى معقل الأسدى، قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ وَهِ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبِلْتَيَنْ بَيَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ)) قال أبو داود: وأبو زيد هو مولى بني ثعلبة . [١٠] (حدثنا موسى بن إسماعيل) التميمي المنقري، ثقة حافظ مأمون، (قال: ثنا (١) منتقى الأخبار ٩٧/١ (بشرحه نيل الأوطار). (٢) صحيح البخاري (٣٩٤)، صحيح مسلم (٢٦٤). (٣) جامع الترمذي (٩). (٤) صحيح البخاري (١٤٤، ٣٩٤). (٥) صحيح مسلم (٢٦٤). (٦) جامع الترمذي (٩). (٧) سنن النسائي ٢٢،٢١/١ . (٨) سنن ابن ماجه (٣١٨). - ١٠٨ - وهيب) بن خالد بن عجلان الباهلي، أبو بكر البصري، ثقة ثبت لكنه تغير قليلا بأخرة. (قال: ثنا عمروبن يحيى) هوالمازني، كما في رواية ابن ماجة(١)، وهو عمروبن يحيى بن عمارة المازني المدني سبط عبدالله بن زيد بن عاصم. عن أبيه وعباد بن تميم، وعنه يحيى بن سعيد ويحيى بن أبي كثير من أقرانه وابن جريج ومالك وخلق. وثقه أبو حاتم والنسائي (عن أبي زيد) مولى الثعلبيين، كما في رواية ابن ماجة (٢)، وسيجيء للمؤلف واسمه الوليد، مجهول، قاله الحافظ(٣). (عن معقل بن أبي معقل الأسدي) ويقال: معقل بن أبي الهيثم الأسدي، ويقال: معقل بن أم معقل، وكله واحد. يعد في أهل المدينة. روى عنه أبو سلمة وأبو زيد مولاه وأم معقل، توفى في أيام معاوية رضى الله عنه، قاله ابن الأثير (٤)، وقال الحافظ (٥): له ولأبيه صحبة. (قال) معقل: (نهى رسول الله ومث له أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط) قال الإِمام الخطابي((٦): أراد بالقبلتين الكعبة وبيت المقدس، وهذا قد يحتمل أن يكون على معنى الاحترام لبيت المقدس، إذ كان هذه قبلة لنا، ويحتمل أن يكون من أجل استدبار الكعبة، لأن من استقبل بيت المقدس بالمدينة فقد استدبر الكعبة . والحديث أخرجه ابن ماجة (٧) أيضا. (قال أبو داود) سليمان بن الأشعث السجستاني، مؤلف هذا السنن، ثقة ثبت حافظ جليل توفي سنة خمس وسبعين ومائتين (وأبو زيد هو مولى بني ثعلبة) والحديث سكت عنه أبو داود ثم المنذري في تلخيصه(٨)، وما أورده الذهبي في الميزان، وإنما قال الحافظ(٩): إنه مجهول، وسكوت هؤلاء الأئمة عن تضعيفه تدل على حسن حال أبي زيد، والله تعالى أعلم، وعلمه أتم. (١) سنن ابن ماجه (٣١٩) (٢) المصدر نفسه (٣١٩). (٣) تقريب التهذيب: ٤٠٧ . (٤) أسد الغابة ٣٩٨/٤ (٥) تهذيب التهذيب ٢٣٥/١٠. (٦) معالم السنن ٢٠/١. (٧) سنن ابن ماجة (٣١٩). (٨) مختصر السنن ٢٠/١، ٢١. (٩) تقريب التهذيب: ٤٠٧ . - ١٠٩ - ١١ - حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، قال ثنا صفوان بن عيسى، عن الحسن ابن ذكوان، عن مروان الأصفر، قال: رأيت ابن عمر أنَاخَ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نُهىَ عن هذا؟ قال: بلى، إنما نَهِىَ عَنْ ذَلِكَ في الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَىْءٍ لا يَسْتُرُكَ فَلا بأسَ. [ ١١ ](حدثنا محمد بن یحیی بن فارس) هو محمد بن یحی بن عبدالله بن خالد بن فارس الذهلي، أبو عبدالله النيسابوري، الحافظ أحد الأعلام الكبار. عن ابن مهدي وعلى بن عاصم ويزيد بن هارون وعبدالصمد وخلائق، وله رحلة واسعة، وهو الذي جمع حديث الزهري في مجلدين. قال أبو حاتم: محمد بن يحيى إمام زمانه. وقال النسائي : ثقة مأمون. مات سنة ثمان وخمسين ومائتين. (نا صفوان بن عيسى) الزهري، أبو محمد البصري. عن یزید بن أبي عبيد وثور بن یزید وابن عجلان، وعنه أحمد وإسحق بن راهويه وعمروبن علي ومحمد بن بشار. قال ابن سعد: ثقة. مات سنة مائتين. (عن الحسن بن ذكوان) البصري أبو سلمة، عن الحسن وابن سيرين، وعنه يحيى القطان وعبد الوهاب بن عطاء. قال النسائي : ليس بالقوي. وضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم وابن المديني. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقد روى عنه يحيى القطان وابن المبارك، وناهيك به جلالة أن يروى عنه. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ في مقدمة الفتح (١): وأورد ابن عدي له حدیثین عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي، قال: إنه دلّسهما وإنما سمعهما من عمروبن خالد الواسطي، وهو متروك. قلت: فهذا أحد أسباب تضعيفه. وقال الآجري عن أبي داود(٢) كان قدريا، فهذا سبب آخر. (عن مروان الأصفر) قال ابن حبان البستي في كتاب الثقات: كنيته أبو خلف، من أهل البصرة، وهو الذي يقال له الأحمر. يروي عن ابن عمر وأنس بن مالك، روى عنه الحسن بن ذكوان وعيينة بن عبدالرحمن وسليم بن حيان. انتهى. وفي الخلاصة(٣): عن أبي هريرة وابن عمر وطائفة، وعنه خالد الحذاء وشعبة وخلق. وثقه أبو داود. (قال) مروان: (رأيت ابن عمر) بن الخطاب رضى الله عنهما، هو عبدالله بن عمر بن الخطاب القرشي أبو عبدالرحمن المكي، (١) هدى السارى : ٣٩٧. (٢) سؤالات أبى عبيد الآجري أبا داود: ٢٦٥. (٣) الخلاصة للخزرجي : ٣٧٣. أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم، وكانت هجرته قبل هجرة أبيه، وإنه لم یشهد بدرا، استصغره النبي # فرده، واختلفوا في شهوده أحدا فقيل: شهدها، وقيل: رده رسول الله * مع غيره ممن لم يبلغ الحلم، وإن أول مشاهده الخندق، وشهد بيعة الرضوان، وشهد غزوة مؤتة مع جعفر بن أبي طالب، وشهد اليرموك وفتح مصر وإفريقية، وكان كثير الاتباع الآثار رسول الله بسعر، حتى إنه ينزل منازله ويصلي في كل مكان صلى فيه، وحتى أن النبي ** نزل تحت شجرة فكان ابن عمر يتعاهدها بالماء لئلا تيبس، قال مالك: قد أقام ابن عمر بعد النبي # ستين سنة يفتي الناس في الموسم وغير ذلك، قال مالك: وكان ابن عمر من أئمة المسلمين، وكان شديد الاحتياط والتوقي لدينه في الفتوى. روى عن النبي صل* فأکثر، له ألف وستمائة حديث وثلاثون حدیثا. وروی عن أبي بكر وعمر وعثمان وأبي ذر ومعاذ بن جبل ورافع بن خديج وأبي هريرة وعئشة، وروى عنه ابن عباس وجابر والأغر المزني من الصحابة، وروى عنه من التابعين بنوه سالم وعبدالله وحمزة، وأبو سلمة وحميد . ابنا عبدالرحمن، ومصعب بن سعد وسعيد بن المسيب وأسلم مولى عمر ونافع مولاه وخلق. قال أبو نعيم: مات سنة أربع وسبعين، وقيل: غير ذلك. والله أعلم بحقيقة الحال (أناخ) أي أقعد، يقال: أناخ الرجل الجمل إناخة، (راحلته) الراحلة: المركب من الإِبل، ذكرا كان أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة الناقة التي تصلح أن ترحل، وجمعها رواحل. (مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها) أي إلى راحلته، لتكون حائلة بينه وبين القبلة. (فقلت يا أبا عبدالرحمن) هذه كنية ابن عمر، والقائل مروان الأصفر (أليس قد نهى) بالبناء المجهول، والناهي الشارع، أو بالبناء المعروف، أي نهى رسول الله وصلاته، والأول أقرب. (عن هذا) أي استقبال القبلة بالغائط والبول، (قال) ابن عمر مجيبا له: (بلى إنما نهى عن ذلك في الفضاء) بالمد: المكان الواسع، وفضا المكان فضوا من باب قعد، إذا اتسع فهو فضاء، (فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس) في الاستقبال، أي فلا خوف من ارتكاب ذلك، فإنه جائز. والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه(١)، والدارقطني(٢)، والحاكم في المستدرك(٣) وقال: صحيح على شرط البخاري، وفي نسخة : على شرط مسلم. وقال الحازمي في كتاب الناسخ والمنسوخ (٤): هو حديث حسن. (١) صحيح ابن خزيمة (٦٠). (٢) سنن الدار قطنى ١ /٥٨ (٣) المستدرك ١/ ١٥٤. (٤) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار: ٢٦ . - ١١١ - (٥) باب الرخصة في ذلك ١٢ - حدثنا عبدالله بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن عمه واسع بن حبان، عن عبدالله بن عمر، قال: لَقَدْ ارْتَقَيْتُ عَلَ ظَهْرِ الْبَيْتِ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِلَّه عَلَى لِنَتَيْ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ المَقْدِس لِحَاجَتِهِ . (باب الرخصة في ذلك) أي في استقبال القبلة عند الحاجة واستدبارها. [١٢](حدثنا عبدالله بن مسلمة) القعنبي، ثقة حجة، (عن مالك) بن أنس بن مالك، أبي عبدالله المدني الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقين وكبير المثبتين. عن نافع وسعيد المقبري ونعيم بن عبدالله وابن المنكدر وإسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة وأيوب وزيد بن أسلم وخلق: وروى عنه ابن جريج وشعبة والثوري وابن عيينة والقطان وابن وهب وأبو حذافة السهمي وخلائق. قال الشافعي: مالك حجة الله تعالى على خلقه. وقال ابن مهدي: ما رأيت أحدا أشد تقوى من مالك. وقال ابن المديني: له نحو ألف حديث. وقال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر. ولد مالك سنة ثلاث وتسعين، وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة، ودفن بالبقيع. (عن يحيى بن سعيد) بن قيسن بن عمروبن سهل الأنصاري، قاضى المدينة. عن أنس وسعيد بن المسيب والقاسم وعراك بن مالك وخلق، وعنه الزهري والأوزاعي والسفيانان والحمادان وخلائق. قال ابن المديني: له نحو ثلاث مائة حديث. وقال ابن سعد: ثقة حجة كثير الحديث. وقال ابن معين والعجلي والنسائي : ثقة ثبت مأمون. وقال أحمد: يحيى بن سعيد أثبت الناس. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة. قال الحافظ: هو الأنصاري المدني التابعي، وكذا شيخه وشيخ شيخه في الأوصاف الثلاثة، ولكن قيل: إن الواسع رؤية، فذكر لذلك في الصحابة. (عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح أوله والموحدة المشددة، ابن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني، أبي عبدالله المدني الفقيه. عن عمه واسع، وعنه الزهري وابن إسحاق وطائفة. وثقه أبو حاتم وابن معين والنسائي. توفي سنة إحدى وعشرين ومائة. (عن عمه واسع بن حبان) المدني. عن ابن عمر ورافع بن خديج، وعنه ابنه حبان وابن أخيه محمد بن يحيى. وثقه أبو زرعة. (عن عبدالله بن عمر) بن الخطاب، أبي عبدالرحمن القرشي المكي أحد المكثرين. (قال: - ١١٢ - لقد ارتقيت على ظهر البيت) وفي رواية البخاري(١): ((ظهر بيت لنا))، وفي رواية مسلم (٣): ((على بيت أختي حفصة)). والارتقاء: الصعود، أي صعدت على سطح البيت. (فرأيت رسول الله وَليل على لبنتين) هو بفتح اللام وكسر الموحدة وفتح النون، تثنية لبنة، وهي ما تصنع من الطين أو غيره للبناء قبل أن يحرق. واللبنة هي بفتح اللام وكسر الباء، ويجوز إسكان الباء مع فتح اللام وكسرها. ولابن خزيمة (٣): ((فأشرفت على رسول الله صل# وهو على خلائه))، وللحکیم الترمذي بسند صحيح: «فرأيته في کنیف)). وانتفى بهذا إيراد من قال ممن يرى الجواز مطلقا: يحتمل أن يكون رآه في الفضاء، وكونه على لبنتين لا يدل على البناء، لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض. (مستقبل بيت المقدس لحاجته) أما بيت المقدس ففيه لغتان مشهورتان غاية الشهرة: إحداهما: بفتح الميم وإسكان القاف وكسر الدال المخففة، والثانية: بضم الميم وفتح القاف والدال المشددة، وتطهيره إخلاؤه من الأصنام والعبادة منها. وقال الزجاج: البيت المقدس المطهر، وبيت المقدس أي المكان الذي يطهر فيه من الذنوب، ويقال فيه أيضا إيلياء. قاله النووي(٤). ولم يقصد ابن عمر الإشراف على النبي وَلي في تلك الحالة، وإنما صعد السطح لضرورة له، كما في رواية للبخاري(٥): قال: ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي، فحانت منه التفاتة، كما في رواية للبيهقي (٦) من طريق نافع عن ابن عمر. نعم لما اتفقت له رؤيته في تلك الحالة عن غير قصد أحب أن لا يخلى ذلك من فائدة، فحفظ هذا الحكم الشرعي، وكأنه إنما رآه من جهة ظهره من غير محذور. ودل ذلك على شدة حرص هذا الصحابي على تتبع أحوال النبي وَل# ليتبعها، وكذا كان رضى الله عنه. قاله الحافظ في الفتح(٧). وفي رواية البخاري(4): مستدبر القبلة مستقبل الشام. والحديث أخرجه البخاري(٩) ومسلم(١٠) والترمذي(١١) والنسائي(١٢) وابن ماجة(١٣). (١) صحيح البخاري (١٤٥). (٢) صحيح مسلم (٢٦٦). (٣) صحيح ابن خزيمة (٥٩). (٤) شرح صحيح مسلم ٢١١/٢ (٥) صحيح البخاري (١٤٨). (٦) السنن الكبرى ٩٣/١. (٧) فتح الباري ٢٤٧/١ (٨) صحيح البخاري (١٤٨). (٩) المصدر نفسه (١٤٥، ١٤٨، ١٤٩، ١٠٢). (١٠) صحيح مسلم (٢٦٦). (١١) جامع الترمذي (١١). (١٢) سنن النسائي ٢٣/١ -٢٤. (١٣) سنن ابن ماجه (٣٢٢). - ١١٣ - ١٣ - حدثنا محمد بن بشار، قال ثنا وهب بن جرير، قال نا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحق يحدث عن أبَانَ بْن صَالح، عن مجاهد، عن جابر بن عبدالله، قال: نَهَى نَبِىُّ اللَّهِ وَّهِ أَنْ نَسَّتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِبَوْلٍ فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا)). [١٣] (حدثنا محمد بن بشار) البصري المعروف ببندار، أحد الثقات المشهورين، روى عنه الأئمة الستة، وثقه العجلي والنسائي وابن خزيمة - وسماه إمام أهل زمانه - والذهلي، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الذهبي: (١) انعقد الإجماع بعد على الاحتجاج ببندار. وضعفه عمروبن الفلاس، ولم يذكر سبب ذلك، فما عرجوا على تجريحه. روى عن المعتمر ويزيد بن زريع وغندر ويحيى القطان. مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين (ثنا وهب بن جرير بن حازم الأزدي، أبو العباس البصري الحافظ. عن أبيه وابن عون وشعبة وخلق، . وعنه أحمد وإسحق وابن معين، ووثقه. وقال النسائي: ليس به بأس. توفي سنة ست ومائتين. (ثنا أبي) جرير بن حازم أبو النضر البصري أحد الأعلام، عن الحسن وابن سیرین وطاووس وابن أبي مليكة وخلق، وعنه أيوب وابن عون وابنه وهب وهدبة بن خالد وخلق. ووثقه ابن معين إلا في قتادة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح .. مات سنة سبعين ومائة بعد أن اختلط، ولم يحدث في حال اختلاطه. (قال: سمعت محمد بن إسحاق) بن يسار أبا عبدالله المدني، أحد الأئمة الأعلام، صاحب المغازي. رأي أنسا. عن أبيه وعطاء والزهري وخلق، وعنه يحيى الأنصاري من شيوخه وعبدالله بن عون وشعبة والحمادان وخلق. قال البخاري: رأيت علي بن عبدالله يحتج به، ووثقه العجلي وابن سعد، وقال ابن نمير: كان يرمى بالقدر. كذا في الخلاصة(٢). وقال الإِمام شيخ الإسلام شمس الدين أبو عبدالله المعروف بابن القيم في كتاب تهذيب سنن أبي داود(٣)، في باب الرد على الجهمية: قال علي بن المديني: حديثه عندي صحيح، وقال شعبة: ابن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث، وقال أيضا: هو صدوق، وقال علي بن المديني أيضا: لم أجد له سوى حديثين منكرين. وهذا في غاية الثناء والمدح، (١) انظر: الخلاصة الخزرجي: ٣٢٨. (٢) الخلاصة الخزرجي: ٣٢٦، ٣٢٧. (٣) تهذيب السنن ٩٤/٧-٩٦. - ١١٤ - إذ لم يجد له على كثرة ما رواه إلا حديثين منكرين. وقال علي أيضا: سمعت ابن عيينة يقول: ما سمعت أحدا يتكلم في إبن اسحق إلا في القدر. ولا ريب أن أهل عصره أعلم به ممن تكلم فيه بعده. وقال يعقوب بن شيبة: سألت يحيى بن معين كيف ابن إسحاق؟ قال: ليس بذاك، قلت: ففي نفسك من حديثه شيء؟ قال: لا، كان صدوقا. وقال يزيد بن هرون: سمعت شعبة يقول: لو كان لي سلطان لأمَّرتُ ابن إسحاق على المحدثين. وقال ابن عدي: لم يختلف في الرواية عنه الثقات والأئمة، وهو لا بأس به. وقال أحمد بن عبدالله العجلي: ابن إسحاق ثقة. وقد استشهد مسلم بخمسة أحاديث ذکرها لابن إسحاق في صحيحه، وقد روى الترمذي في جامعه من حديث ابن إسحق، وقال: هذا حديث صحيح. وقد أطال البحث فيه ابن القيم(١)، وأجاب جوابا شافيا صحیحا عن وجه تضعيفه فليراجع إليه . وقال الإِمام الحافظ عبدالعظيم المنذري في آخر كتاب الترغيب: (٢) قال أحمد بن حنبل: هو حسن الحديث، واحتج به ابن خزيمة في صحيحه، وبالجملة فهو ممن اختلف فیه وهو حسن الحديث. انتهى . وقال الإِمام جمال الدين الزيلعي في نصب الراية(٣)، في باب الوصية للأقارب: قال البخاري في كتابه المفرد في القراءه خلف الإمام(٤): رأيت علي بن عبدالله يحتج بحديث ابن إسحاق، وقال علي عن ابن عيينة: ما رأيت أحدا يتهم محمد بن إسحاق. والذي يذكر عن مالك في ابن إسحاق لا يكاد يتبين، وقال إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام سوى المغازي، وكان إبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثا في زمانه، ولو صح عن مالك تناوله عن ابن اسحق فلربما تكلم الإِنسان فيرمي صاحبه بشيء واحد، ولا يتهمه في الأمور كلها. وقال "إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح: نهاني مالك عن شيخين من قريش، وقد أكثر عنهما . في الموطأ، وهما ممن يحتج بهما، ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس، وذلك نحو ما يذكر عن إبراهيم في كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة، وکذلك من کان (١) تهذيب السنن ٩٤/٧ -٩٧. (٢) الترغيب والترهيب ٣٥٦/٤. (٣) نصب الراية ٤ /٤١٦: (٤) جزء القراءة خلف الإمام: ٣٨ .. - ١١.٥ - قبلهم، ولم يلتفت أهل العلم إلى ذلك، ولا سقطت عدالة أحد إلا ببرهان ثابت حجة. وقال عبيد بن یعیش: حدثنا يونس بن بكير، قال: سمعت شعبة يقول: محمد بن إسحاق أمیر المحدثين حفظه. وروى عنه الثوري وابن إدريس وحماد بن زيد ويزيد بن زريع وابن علية وعبدالوارث وابن المبارك، واحتمله أحمد ويحيى بن معين وعامة أهل العلم، وقال لي علي بن عبدالله: نظرت كتاب ابن إسحاق، فما وجدت عليه إلا في حديثين، ويمكن أن يكونا صحيحين. وما ذكر عن هشام بن عروة أنه قال: كيف يدخل محمد بن إسحاق على امرأتي؟ إن صح ذلك عنه فجائز أن تكتب إليه، فإن أهل المدينة يرون الکتاب جائزا، لأن النبي # كتب لأمير السرية كتابا، وقال له (١): ((لا تقرأ حتى تبلغ مكان كذا))، فلما بلغ فتح الكتاب وقرأ، وعمل بما فيه، وكذلك الخلفاء والأئمة يقضون بكتاب بعضهم إلى بعض، وجائز أيضا أن يكون سمع منها وهي من وراء حجاب، وهشام لم يشهد. انتهى كلامه ملخصا. وحاصل الكلام أن محمد بن اسحق صدوق حسن الحديث، لكنه يدلِّس، فإن صرح بالتحديث قبل روايته، وههنا صرح بالتحديث. مات سنة إحدى وخمسين ومائة. (يحدث عن أبان بن صالح) بن عمير بن عبيد القرشي، المدني. عن أنس ومجاهد والحسن وعطاء، وعنه ابن جريج وعبدالله بن أبي جعفر. قال ابن القيم(٢): وثقه يحيى بن معين وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان والنسائي، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص(٣): وضعفه ابن عبدالبر، ووهم في ذلك، فإنه ثقة باتفاق. وادعي ابن حزم أنه مجهول، فغلط. مات سنة خمس عشرة ومائة. (عن مجاهد) بن جبر بإسكان الموحدة، أبي الحجاج المكي الإمام المفسر. عن ابن عباس، وقرأ عليه، قال مجاهد: عرضت عليه ثلاثين مرة، وأم سلمة وأبي هريرة وجابر. وعنه عكرمة وعطاء وقتادة والحكم بن عتيبة وأيوب وخلق. وثقه ابن معين وأبو زرعة، قال ابن حبان: مات بمكة سنة اثنتين أو ثلاث ومائة وهو ساجد، ومولده سنة إحدى وعشرين. (عن جابر بن عبدالله) بن عمرو الأنصاري، صحابي جليل، (قال: نهى نبي الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة) بفروجنا (ببول، فرأيته) صلى الله عليه وسلم (قبل أن يقبض) أي وفاته (بعام) أي سنة واحدة (يستقبلها) أي القبلة. (١) أخرجه البخاري تعليقا ١ /١٥٣، ١٥٤. (٢): تهذيب السنن ٢٢/١. (٣) تلخيص الحبير ١/ ١٠٤ . ١ - -١٦ قال الخطابي(١): قلت: وفي هذا بيان ما ذكرنا من صحة من فرق بين البنيان والصحراء، غير أن جابرا توهم أن النهي عنه كان على العموم، فحمل الأمر في ذلك على النسخ . قال الحافظ في تلخيص الحبير من تخريج أحاديث الرافعي الكبير(٢): الحديث أخرجه أحمد (٣)، والبزار، وأبو داود، والترمذي (٤) وابن ماجة(٥)، وابن الجارود(٦)، وابن خزيمة(٧)، وابن حبان(٨)، والحاكم(٩)، والدارقطني(١٠)، وزاد ابن حبان: ((ويستدبرها))، وصححه البخاري فيما نقله عنه الترمذي، وحسنه هو والبزار، وصححه أيضا ابن السكن، وتوقف فيه النووي لعنعنة ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث في رواية أحمد وغيره. انتهى . وفي الاحتجاج بهذا الحديث نظر، لأنها حكاية فعل لا عموم لها، ولا يعلم هل كان في فضاء أو بنيان، وهل كان لعذر من ضيق مكان ونحوه أو اختيارا، فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع؟ قاله ابن القيم(١١). واختلف العلماء في استقبال القبلة واستدبارها على ثمانية مذاهب: (١) الأول: لا يجوز ذلك لا في الصحراء ولا في البنيان، وهو قول أبي أيوب الأنصاري الصحابي ومجاهد وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبي ثور وأحمد في رواية، قاله النووي في المنهاج(١٢). وقال الحافظ(١٣): وهو المشهور عن أبي حنيفة، ورجحه من المالكية ابن العربي ومن (١) معالم السنن ٢١/١. (٢) تلخيص الحبير ١/ ١٠٤ . (٣) مسند أحمد ٣٦٠/٣. (٤) جامع الترمذي (٩). (٥) سنن ابن ماجه (٣٢٥). (٦) المنتقى (٣١). (٧) صحيح ابن خزيمة (٥٨). (٨) صحيح ابن حبان ١ / ٤٩٧. (٩) المستدرك ١ / ١٥٤. (١٠) سنن الدار قطني ١ /٥٨. (١١) تهذيب السنن ٢٢/١. (١٢) أى شرح صحيح مسلم ١٥٤/٣ (١٣) فتح الباري ٢٤٦/١. ٠ - ١١٧ - الظاهرية ابن حزم. وقال الشوكاني(١): ورواه ابن حزم في المحلى (٢) عن أبي هريرة وابن مسعود وسراقة بن مالك وعطاء والأوزاعي، وعن السلف من الصحابة والتابعين. ·واحتج أهل هذا المذهب بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهي مطلقا، كحديث أبي هريرة، وحديث أبي أيوب، وحديث سلمان، وغيرها. قالوا: لأن النهي مقدم على الإباحة، ولأن المنع ليس إلا لحرمة القبلة، وهذا المعنى موجود في البنيان والصحراء، ولأنه لو كان الحائل كافيا لجاز في الصحراء لأن بيننا وبين الكعبة جبالا وأودية وغير ذلك من أنواع الحائل. وأجابوا عن حديث ابن عمر أنه رأى النبي ولا مستقبل الشام مستدبر الكعبة بأنه ليس فيه أنه كان ذلك بعد النهي، وبأنه موافق لما كان عليه الناس قبل النهي، فهو منسوخ. صرح بذلك ابن حزم(٣). وعن حديث جابر بن عبدالله الذي قال فيه: فرأيته قبل أن يقبض ... الحديث بأن فيه أبان بن صالح، وليس بالمشهور، قاله ابن حزم(٤). والتعليل بأبان بن صالح مردود، لأن ابن حزم غلط فيه، فإنه ثقة بالاتفاق. والأولى في الجواب عنه ما قررناه آنفا. وعن حديث عائشة قالت: ذكر لرسول الله وعليه أن ناسا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم، فقال: ((أَوَقد فعلوها، حوِّلوا مقعدتي قِبَل القبلة)). رواه أحمد بن حنبل في مسنده(٥) وابن ماجة(٦)، بأنه من طريق خالد بن أبي الصلت، وهو مجهول لا ندري من هو، قاله ابن حزم(٧). وقال الذهبي في الميزان (٨) في ترجمته: هذا الحديث منكر، لكن قال النووي في شرح مسلم(٩): إن إسناده حسن، والمراد بمقعدتي ما کان یقعد علیه حال قضاء حاجته . (١) نيل الأوطار ٩٤/١. (٢) المحلى ١٩٤/١. (٣) المصدر نفسه ١٩٥/١ . (٤) المصدر نفسه ١٩٨/١ . (٥) مسند أحمد ٢١٩/٦. (٦) سنن ابن ماجه (٣٢٤). (٧) المحلى ١٩٦/٣. (٨) ميزان الاعتدال ٦٣٢/١. (٩) شرح صحيح مسلم ١٥٤/٣. - ١١٨ - (٢) والمذهب الثاني: جواز ذلك في البنيان والصحراء جميعا، وهو مذهب عروة بن الزبير وربيعة شيخ مالك وداود الظاهري. واحتج أهل هذا المذهب بحديث ابن عمر الذي رواه الجماعة، وبحديث جابر الذي رواه الخمسة إلا النسائي، وبحديث عائشة الذي أخرجه أحمد وابن ماجة، قالوا: إنها ناسخة للنهي . (٣) والمذهب الثالث: أنه يحرم ذلك في الصحراء بالبول والغائط، ولا يحرم ذلك في البنيان. وهذا مروي عن العباس بن عبدالمطلب وعبدالله بن عمر رضى الله عنهما والشعبي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين، قاله النووي(١). واحتج أهل هذا المذهب بحديث ابن عمر وعائشة، لأن ذلك كان في البنيان. قال الخطابي(٢): قلت: الذي ذهب إليه ابن عمر ومن تابعه من الفقهاء أولى، لأن في ذلك جمعا بين الأخبار المختلفة، واستعمالها على وجوهها كلها، وفي قول أيوب وسفيان تعطیل لبعض الأخبار وإسقاط له. وقال النووي(٣): فهذه أحاديث صحيحة مصرحة بالجواز في البنيان، وحديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم وردت بالنهي، فيحمل على الصحراء، ليجمع بين الأحاديث ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما ذكرناه فوجب المصیر إليه. انتهى . وقال الحافظ في الفتح (٤): وهو أعدل الأقوال لإِعماله جميع الأدلة. انتهى . ويردّه حديث جابر، فإنه لم يقيد الاستقبال فيه بالبنيان. وقد يجاب بأنها حكاية فعل لا عموم لها كما مر. (٤) المذهب الرابع: أنه لا يجوز الاستقبال لا في الصحراء ولا في البنيان، ويجوز الاستدبار فيهما، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأحمد، قاله النووي(٥). واحتج أهل هذا المذهب بحديث سلمان الذي أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبوا داود وليس فيه إلا النهي عن الاستقبال فقط. (١) شرح صحيح مسلم ٤ / ١٥٤ (٢) معالم السنن ٢٠/١. (٣) شرح صحيح مسلم ١٥٥/٣. (٤) فتح البارى ٢٤٦/١ . (٥) شرح صحيح مسلم ١٥٤/٣. ٠٤ - ١١٩ - 7 وهو متعقب فيه، لأن النهي عن الاستدبار في الأحاديث الصحيحة، وهو زيادة یتعین الأخذ بها. (٥) المذهب الخامس: أن النهي للتنزيه، وإليه ذهب الإِمام القاسم بن إبراهيم، ذكره الشوكاني في النيل(١). واحتج أهل هذا المذهب بحديث عائشة وجابر وابن عمر، قالوا: إنها صارفة للنهي عن معناه الحقيقي - وهو التحريم - إلى الكراهة، وهو لا يتم في حديث ابن عمر وجابر، لأنه ليس فيهما إلا مجرد الفعل، وهو لا يعارض القول الخاص بنا .. (٦) المذهب السادس: جواز الاستدبار في البنيان فقط، وهو قول أبي يوسف. كذا في فتح الباري(٢). واحتج أهل هذا المذهب بحديث ابن عمر، لأن فيه أنه رآه مستدبر القبلة مستقبل الشام. (٧) المذهب السابع: التحريم مطلقا، حتى في القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس. وهو محكى عن إبراهيم وابن سيرين، عملا بحديث معقل الأسدي : نهى رسول الله لي أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط. رواه أبو داود وغيره. وأجيب: بأنه حديث ضعيف، لأن فيه راويا مجهول الحال، وعلى تقدير صحته فالمراد بذلك أهل المدينة ومن على سمتها، لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة، فالعلة استدبار الكعبة لا استدبار بيت المقدس. وقد ادعى الخطابي(٣) الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة، وفيه نظر، لما ذكرناه عن إبراهيم وابن سيرين، وقد قال به بعض الشافعية أيضا، حكاه ابن أبي الدم. كذا في فتح الباري(٤). قلت: وقد سلف أن الحدیث قد سکت عنه أبو داود ثم المنذري، فهو لا ينزل عن درجة الحسن. (٨) المذهب الثامن: أن التحريم مختص بأهل المدينة ومن كان على سمتها، فأما من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقا، لعموم قوله: ((شرقوا أو غربوا))، قاله أبو عوانة صاحب المزني. كذا في فتح الباري(٥). قال الشوكاني(٦): وهو استدلال في غاية الركاكة والضعف. (١) نيل الأوطار ١ / ٩٤. (٢) فتح البارى ٢٤٦/١ . (٣) معالم السنن ٢١/١. (٤) فتح البارى ٢٤٦/١ . (٥) المصدر نفسه ١ /٢٤٦ . (٦) نيل الأوطار ١ / ٩٦. - ١٢٠ -