Indexed OCR Text

Pages 261-280

- ٢٦١ -
بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَهُمْ. أَلاَ لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلاَ ذُو عَهْدِفِى عَهْدِهِ ، مَنْ
- بحذف إحدى التائين أى تتساوى (دماؤهم) أى فى الديات والقصاص. فى شرح
السنة يريد به أن دماء المسلمين متساوية فى القصاص يقاد الشريف منهم بالوضيع
والكبير بالصغير والعالم بالجاهل والمرأة بالرجل وإن كان المقتول شريفاً أو عاماً
والقاتل وضيعاً أو جاهلا، ولا يقتل به غير قاتله على خلاف ما كان يفعله أهل
الجاهلية وكانوا لا يرضون فى دم الشريف بالاستفادة من قاتله الوضيع حتى يقتلوا
عدة من قبيلة القائل ( وم ) أى المؤمنون ( يد) أى كأنهم بد واحدة فى التعاون
والتناصر ( على من سواهم) قال أبو عبيدة: أى المسلمون لا يسعهم التخاذل بل
يعاون بعضهم بعضاً على جميع الأديان والملل (ويسعى بذمتهم أدناهم) الذمة الأمان
ومنها سمى المعاهد ذمياً لأنه أومن على ماله ودمه الجزية. ومعنى أن واحداً من
المسلمين إذا أمن كافراً حرم على عامة المسلمين دمه وإن كان هذا المجير أدناهم مثل
أن يكون عبداً أو امرأة أو عهفاً تابعاً أو نحو ذلك فلا يخفى ذمته (ألا )
بالتخفيف للتنبيه ( لا يقتل مؤمن بكافر).
قال الخطابي : فيه بيان واضح أن المسلم لا يقتل بأحد من الكفار سواء
كان المقتول منهم ذمياً أو مستأمناً أو غير ذلك لأنه نفى عن فكرة فاشتمل على
جنس الكفار عموماً ( ولا ذو عهد فى عهده) قال القاضى : أى لا يقتل لكفره
ما دام معاهداً غير ناقض. وقال ابن الملك: أى لا يجوز قتله ابتداء ما دام
فى العهد .
وفى الحديث دليل على أن المسلم لا يقاد بالكافر أما الكافر الحربى فذلك
إجماع، وأما الذمى فذهب إليه الجمهور لصدق اسم الكافر عليه، وذهب الشعبى
والنخعى وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يقتل المسلم بالذمى ، وقالوا : إن قوله
ولا ذو عهد فى عهده معطوف على قوله مؤمن فيكون التقدير ولا ذو عهد فى -

- ٢٦٢ -
أَحْدَثَ حَدَثَا فَعَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَمْنَةَ
اللهِ وَالَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )).
قالَ مُسَدَّدٌ عن ابنٍ أَبِى عَرُوبَةَ: فَأَخْرَجَ كِتَابً.
- عهده بكافر كما فى المعطوف عليه والمراد بالكافر المذكور فى المعطوف هو
الحربى فقط بدليل جعله مقابلاً للمعاهد، لأن المعاهد يقتل بمن كان معاهداً مثله
من الذميين إجماعاً ، فيلزم أن يقيد الكافر فى المعطوف عليه بالحربى كما قيد فى
المعطوف ، فيكون التقدير لا يقتل مؤمن بكافر حربى ولا ذو عهد فى عهده
بكافر حربى . وهو يدل بمفهومه على أن المسلم يقتل بالكافر الذى ويجاب بأن
هذا مفهوم صفة وفى العمل به خلاف مشهور ، والحنفية ليسوا بقائلين به وبأن
الجملة المعطوفة أعنى قوله ولا ذو عهد فى عهده لمجرد النهى عن قتل المعاهد
فلا تقدير فيها أصلا . وبأن الصحيح المعلوم من كلام المحققين من الفحاة وهو
الذى نص عليه الرضى أنه لا يلزم اشتراك المعطوف والمعطوف عليه إلا فى الحكم
الذى لأجله وقع العطف وهو ها هنا النهى عن القتل مطلقاً من غير نظر إلى
كونه قصاصاً أو غير قصاص ، فلا يستلزم كون إحدى الجملتين فى القصاص أن
تكون الأخرى مثلها حتى يثبت ذلك التقدير المدعى ( من أحدث حدثاً فعلى
نفسه) أى من جنى جناية كان مأخوذاً بها ولا يؤخذ بجرم غيره، وهذا فى العمد
الذى يلزمه فى ماله دون الخطأ الذى يلزم عاقلته قاله الخطابى ( أو آوى محدثاً) أى
آوى جانياً أو أجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه.
قال المنذرى: وأخرجه النسائى. وقد أخرج البخارى فى صحيحه من حديث
أبى جحيفة وهب بن عبد الله السوائى قال ((سألت علياً هل عندكم شىء مما
ليس فى القرآن؟ فقال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر)) وأخرجه
الترمذى والنسائى وابن ماجه .
--

- ٢٦٣ -
٤٥٠٨ - حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُمَرَ أخبرنا مُثَمٌ من يَحْتَ بنِ سَعِيدٍ
عن ◌َمْرِو بنِ شُعَيٍْ عن أَبِيهِ عن جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم ذَكَّرَ تَخْوَ حَدِيثٍ عَلِىّ، زَادَ فِيهِ: ((وَيُمِرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاُمْ، وَيَرُدُ
مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ وَمُنَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ».
- (ويجبر ) من الإجارة أى يعطى الأمان (أقصاه) أى أبعدهم (ويرد مشدهم)
أى قويهم (على مضعفهم) أى ضعيفهم .
قال فى النهايه: المشد الذى دوابه شديد قوية، والمُضعف الذى دوابه ضعيفة
يريد أن القوى من الغزاة يساهم الضعيف فيما يكسبه من الغنيمة انتهى (ومتسريهم)
أى الخارج من الجيش إلى القتال ( على قاعدهم ) أى بشرط كونه فى الجيش ،
قاله السندى. وقال الإمام ابن الأثير فى النهاية فى مادة سرى: يرد متسريهم
على قاعدهم المتسرى الذى يخرج فى السرية وهى طائفة من الجيش يبلغ أقصاها
أربعمائة تُبعث إلى العدو وجعها السرايا مُموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة -
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله آخر الباب :
وأما الحديث الذى ذكره أبوداود فى كتاب المراسيل عن عبد الله بن عبد العزيز
الحضرمى قال (( قتل رسول الله صلى الله علية وسلم يوم خير مسلماً بكافر قتله غيلة ،
وقال: أنا أولى وأحق من أوفى بذمته)) فمرسل لا يثبت .
ورواه أيضاً من حديث ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن البيلمانى
ولا يصح من الوجهين الإرسال وابن البيضمانى.
وقد أسنده بعضهم من حديث ابن البيلمانى عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه
وسلم ولا يصح .
وهذا الحديث مداره على ابن البيلمانى ، والبلية فيه منه، وهو مجمع على
ترك الاحتجاج به ، فضلا عن تقديم روايته على أحاديث الثقات الأئمة ، المخرجة فى
الصحاح كلها .
=

- ٢٦٤ -
١٢ - باب فيمن وجد مع أهله رجلا ، أيقتله ؟
٤٥٠٩ - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بنُ عَجْدَةَ الْحَوْطِئِّ
المَعْلَى وَاحِدٌ قَالاَ أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ مُمَّدٍ عن سُهَيْلٍ عن أُبِهِ عن أَبِى
حُرَيْرَةَ ((أَنَّ سَعْدَ بنَ عُبَدَةَ قالَ: يَارَسُولَ اللهِ الرَّجُلُ يَجِدُ مَعَ أَهْسِهِ
[امْرَأْتِهِ] رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: لاَ. قالَ
سَعْدٌ: بَلَى وَالَّذِى أُكْرَمَكَ بالْقِّ. قالَ النَّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم: اسْمَعُوا
إِلَى مَا يَقُلُ سَيِدُكُمْ » .
- العسكر وخيارهم من الشىء السرى النفيس. وقيل: سُموا بذلك لأنهم ينفذون
سراً وخفية وليس بالوجه لأن لام السر راء وهذه باء . ومعنى الحديث أن
الإمام أو أمير الجيش يبعثهم وهو خارج إلى بلاد العدو فإذا غنموا شيئاً كان
بينهم وبين الجيش عامة لأنهم ردء لهم وفئة، فإذا بمتهم وهو مقيم فإن القاعدين
معه لا يشاركونهم فى المغنم ، فإن كان جعل لهم نقلا من الغنيمة لم يشركهم غيرهم
فى شىء منه على الوجهين معاً . انتهى كلامه.
قال المنذرى : وأخرجه ابن ماجه .
( باب فيمن وجد مع أهله رجلا أيقتله )
( وعبد الوهاب بن نجدة) بفتح النون وسكون الجيم (الحوطى) بفتح
المهملة بعدها واو ساكنة ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ) أى لا يقتل
( قال سعد بلى والذى أ كزمك بالحق) الواو للقسم، وليس هو رداً لقول
النبى صلى الله عليه وسلم ومخالفة لأمره وإنما معناه الإخبار عن حالة الإنسان
عند رؤيته الرجل عند امرأته واستيلاء الغضب عليه فإنه حينئذ يعالجه بالسيف
(اسمعوا إلى ما يقول سيدكم) عدى السمع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء.
1

- ٢٦٥ -
قالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: ((إِلَى مَا يَقُولُ سَعْدٌ)).
٤٥١٠ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَةً عن مَالِكٍ عن سُهَيْلِ بنِ أبِى
صَالحٍ عن أُبِيهِ عن أَبِى هُرَيْرَةَ ((أَنْ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم: أَرَأَبْتَ لَوْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأْتِى رَجُلاً أُمْهِلُهُ حَتّى آلِىَ
بأَرْبَةِ شُهَدَاء؟ قالَ: نَعَمْ)).
- زاد مسلم فى رواية بعد هذا (( إنه لغيور وأنا أغير منه والله أغير منى)).
قال القارى . وفيه اعتذار منه صلى الله عليه وسلم لسعد وأن ما قاله سعد
قاله لغيرته ( قال عبد الوهاب الخ) أى قال عبد الوهاب فى روايته سعد
مكان سيدكم .
قال المنذرى: وأخرجه مسلم وابن ماجه.
(أرأيت) أى أخبرنى وليس هذا اللفظ فى بعض النسخ ( رجلا) أى
أجنبياً ( حتى أتى) بهمزة ممدودة وكسر الفوقية أى أجىء (قال) أى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ( نعم ) أى يمهله ويأتى بأربعة شهداء.
قال النووى : اختلف العلماء فيمن قتل رجلا وزعم أنه وجده قد زنى
بامرأته ، فقال جمهورهم لا يقبل قوله بل يلزمه القصاص إلا أن تقوم بذلك بينة
أو يعترف به ورثة القتيل ، والبينة أربعة من عدول الرجال يشهدون على
نفس الزنا ويكون القتيل محصفاً وأما فيما بينه وبين الله تعالى ، فإن كان صادقاً
فلا شيء عليه .
وقال بعض أصحابنا: يجب على كل من قتل زانياً محصناً القصاص ما لم يأمر
السلطان بقتله والصواب الأول .
وجاء عن بعض السلف تصديقه فى أنه زنى بامرأته وقتله بذلك انتهى -

-٢٦٦-
١٣ - باب العامل يصاب على يديه خطأ
٠ ٤٥١١ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ دَاوُدَ بِنِ سُفْيَانَ أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أنهأنا
مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِىَّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ ((أَنَّ النَّيَّ صلى اللهُ عليه وسلم
بَعَثَ أَبَ جَهْمِ بِنَ حُذَيْفَةَ مُصَدُّقَا فَلاَجَّهُ رَجُلٌ فى صَدَقَتِهِ فَضَرَبَهُ أَبُوجَهْمٍ
فَشَجَّهُ، فَأَتَوْا النَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فقالُوا: الْقَوَدَ يَرَسُولِ اللهِ، فقالَ
النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم: لَكَمُ كَذَا وَكَذا، فَمْ يَرْضَوْا. فقالَ: لَكُمُ كَذا
وَكَذَا ، فَمْ يَرْضَوْا، فقالَ: لَكُمُ كَذَا وَكَذا، فَرَضُوا، فقالَ النَّىُّ صلى اللهُ
عليه وسلم: إِنِّى خَطِبٌ الْعَشِّةَ عَلَى النَّاسِ وَيُخْرُهُمْ بِرِضَاكُمُ ، فَقالُوا: نَعَمَ،
فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّ هُؤُلَاءِ الَّيْنِيِّينَ أَتَوْنِى
يُرِيدُونَ الْقَوَدَ فَرَضْتُ عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذا فَرَضُوا، أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: لاَ،
فَهَمَّ لُهَ ◌ِرُونَ بِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ الّهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَنْ يَكُفُّوا
- قال المنذرى: وأخرجه مسلم والنسائى.
(باب العامل )
أى عامل الصدقة يصاب أحد على يديه خطأ فهل فيه قود .
( فلاجة ) نازعه وخاصمه من الدجاج. وفى نسخة الخطابى فلا حاء بالحاء
المهملة منقوصا وهما بمعنى ( فشجه ) جرح رأسه وشقه، والشج ضرب الرأس
خاصة وجرحه وشقه ( فأتوا) أى أهل الرجل المشجوج (فقالوا القود) بالنصب
بفعل مقدر أى نحن نريد القصاص ونطلبه ( لكم كذا وكذا) أى من المال
والمعنى اتركوا القصاص واعفوا عنه، وخذوا فى عوضه كذا وكذا من المال
(إنى خاطب) من الخطية بالضم (العشية) أى فى وقتها، وهى ما بعد الزوال ..

- ٢٦٧ -
عَنْهُمْ، فَكَفُّوا، ثُمَّدَعَهُمْ فَزَادَهُمْ فَقَالَ: أَرَضِهِمْ، فَقَالُوا: نَعَمْ ، فقالَ:
إِنِّى خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ وَيَخْرُهُمْ يِ ضَاكُمُ، فقالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم فقالَ: أَرَضِيُمْ؟ قَالُوا: فَمْ )).
١٤ - باب القود بغير حديد
٤٥١٢ - حدثنا مُمَّدُ بنُ كَثِيرِ أنبأنا هَمَامٌ عن فَقَادَةَ عن أَسٍ ((أنّ
جَارِيَةً وُجِدَتْ قَدْ رُضْ رَأْسُهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقِيلَ لَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هُذَا؟
- (فهم المهاجرون بهم) أى قصدوا زجرهم .
قال الخطابى فى المعالم: فى هذا الحديث من الفقه وجوب الإفادة من الوالى
والعامل إذا تناول دماً بغير حق كوجوبها على من ليس بوال، وجواز إرضاء
المشجوج بأكثر من الدبة فى دبة الشجة إذا طلب المشجوج القصاص . وأن
القول فى الصدقة قول رب المال وليس المساعى ضربه وإكراهه على ما لم يظهر
له من ماله .
وقوله: ((فلاحاه)) معناه نازعه وخاصمه . وفى بعض الأمثال : عاداك
من لاحاك .
وروى عن أبى بكر وعمر أقادا من العمال، ومن رأى عليهم القود الشافعى
وأحمد وإسحاق انتهى ملخصاً .
قال المنذرى: وأخرجه النسائى وابن ماجه، ورواه يونس بن يزيد عن
الزهرى منقطا .
قال البيهقى: ومعمر بن راشد حافظ قد أقام إسناده فقامت به الحجة.
( باب القود بغير حديد )
قد وجد هذا الباب مع حديثه فى نسخة واحدة ، وقد تقدم حديث الهاب -

- ٢٦٨ -
فُلاَنٌ أَفُلاَنٌ حَتّى ◌ُمِّىَ الْيَهُودِىُّ، فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهاَ، فَأُخِذَ اْيَهُودِىُّ فَاعْتَرَفَ
فَأَمَرَ النَِّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم أنْ يُرَضِّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ».
١٥ - باب القود من الضربة وقض الأمير من نفسه
٤٥١٣ - حدثنا أحمدُ بنُ صَالحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن عَمْو - يَعَنى
ابْنَ الْخَارِثِ - عن بُكَيْرِ بنِ الْأَشَجِّ عن عُبَيْدَةَ بنِ مُاَفِعٍ عن أبِى سَعِيدٍ
أُدْرِىِّ قَالَ: (( بَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسَلم يَقْسِمُ قَسَمَا أَقْبَلَ
رَجُلٌ فَأْ كَبَّ عَلَيْهِ فَطَعَفَهُ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم بِعُرْجُونٍ كَانَ مَعَهُ
فَجُرِحَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ لَّهُ رَسُولُ اللهِ صِلَى اللهُ عليه وسلمٍ تَعَلَ فَاسْتَقِدْ، قالَ
بَلْ عَفَوْتُ يَا رَسُولَ اللهِ)).
- فى باب يقاد من القاتل بهذا الإسناد واللفظ .
( باب القود من الضربة وقص الأمير من نفسه )
وسيجىء معنى القص ( عن بكير) بالتصغير ( فأ كب عليه) فى القاموس
أ كب عليه أقبل ولزم ( فطعنه) أى ضربه ووخزه (بالعرجون) بضم العين
وسكون الراء المهملتين وضم الجيم هو عود أصفر فيه شماريخ المذق (فاستقد)
أى خذ القصاص منى .
قال المنذرى : وأخرجه النسائى .
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
وقال الشافعى فى رواية الربيع: وروى من حديث عمر أنه قال ((رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطى القود من نفسه ، وأبا بكر يعطى القود من نفسه
وأنا أعطى القود من نفسى)) احتج به الشافعى فى القصاص فيما دون النفس .
وقد تقدم حديث النعمان بن بشير وقوله لمدعى السرقة ((إن شئتم أن أضربهم =

- ٢٦٩ -
٤٥١٤- حدثنا أَبُو صَالِحِ أنبأنا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِىُّ عن الْجُرَيْرِىِّ
عِنْ أَبِى نَضْرَةَ عَنْ أَبِى فِرَاسِ قالَ ((خَطَبَنَا عَمَرُ بنُ الْخْطَابٍ فَقَالَ إِنِّى لَمْ
أَبْعَثْ مُّلِ ◌ِيَضْرِبُوا أَبْشَارَ كُمْ وَلاَ لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمُ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ ذلِكَ
[بِ غَيْرُ ذَلِكَ ] فَلْيَرْفَعَهُ إِلَىَّ أَقُصُهُ مِنْهُ. قَالُ حَمْرُو بنُ اْعَاصِ: لَوْ أَنَّ
رَجُلاً أَدَّبّ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ أَنَقُصُّهُ مِنْهُ؟ قالَ إِى وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِلاّ
أَقُصُّهُ [لَأَقُصُّهُ ] [أَقُصُّهُ ] وَقَدْ رَأْيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَقَصَّ
مِنْ نَفْسِهِ)).
- ( أنبأنا أبو إسحاق الفزارى) بفتح الفاء والزاى المعجمة بعدهما ألف فراء
مهملة (عن الجريرى) بالتصغير (عن أبى فراس) بكسر الفاء (أبشاركم) أى
أجسامكم (فمن فعل به) بصيغة المجهول ( ذلك) أى الضرب وأخذ الأموال
( أقصه مده) فى القاموس: أقص الأمير فلاناً من فلان اقتص له منه، نجرحه
مثل جرحه أو قتله قوداً (قال إى) بكسر الهمزة وسكون الياء أى بلى (أقص
من نفسه ) فى القاموس أقص الرجل من نفسه مكن من الاقتصاص منه . -
= فإن خرج منه علم وإلا أخذت من ظهوركم مثل ما أخذت من ظهورهم فقالوا :
هذا حكمك؟ فقال هذا حكم الله ورسوله )) .
وروى النسائى من حديث محمد بن هلال عن أبيه عن أبى هريرة قال: ((كنا
نقعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد ، فإذا قام قمنا، فقام يوماً وقمنا معه
حتى إذا بلغ وسط المسجد أدركه أعرابى ، خيذ بردائه من ورائه، وكان رداؤ.
خشناً ، فمر رقبته، قال يا محمد ، احمل لى على بعيرى هذين، فإنك لا تحمل من
مالك ولا من مال أبيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ، وأستغفر الله ،
لا أحمل لك حتى تقيدنى ما جبذت برقبتى، فقال الأعرابى : لا والله لا أقيدك، فلما
سمعنا قول الأعرابى أقبلنا إليه سراعاً فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم=

- ٢٧٠ -
- قال المنذرى: وأخرجه النسائى. وأبو فراس قيل هو الربيع بن زياد بن
أفس الحارثى وقهل كنيته أبو عبد الله وقيل أبو عبد الرحمن. وسئل أبو زرعة -
= فقال : عزمت على من سمع كلامى أن لا يبرح مقامه حتى آذن له ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم لرجل من القوم : يافلان احمل له على بعير شعيراً، وعلى بعير تمراً
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انصرفوا)).
ترجم عليه القود من الجبذة ، ورواه أبو داود .
وروى النسائى أيضاً من حديث سعيد بن جبير أخبرنى ابن عباس ((أن رجلا
وقع فى أب كان له فى الجاهلية ، فلطمه العباس ، فجاء قومه ، فقالوا لتلطمنه كما اطمه
فليسوا السلاح، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم ، فصعد المنبر، فقال أيها الناس ،
أى أهل الأرض تعلمون أكرم على الله ؟ قالوا أنت ، قال: فإن العباس منى وأنامنه
لاتسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا، جاء القوم فقالوا يارسول الله، نعوذ بالله من غضبك
استغفر لنا )) .
وترجم عليه القود من اللطمة .
وروى النسائى أيضا حديث أبى سعيد المتقدم وقال «بينا رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقسم شيئا بيننا إذا كب عليه رجل فطعنه رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعرجون
كان معه ، فصاح الرجل ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعال فاستقد ، فقال
الرجل بل عفوت يا رسول الله )) .
وترجم عليه القود من الطعنة .
وفى الصحيحين عن عائشة قالت: (( لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مرضه
فأشار أن لا تلدونى، فقلنا: كراهة المريض للدواء ، فلما أفاق قال : لا يبقى أحد
منكم إلا لد ، وأنا أنظر، إلى العباس ، فإنه لم يشهد)).
ومن بعض تراجم البخارى عليه: (( باب القصاص بين الرجال والنساء
فى الجراحات ))
وفى الباب حديث أسيد بن حضير ((أن النبى صلى الله عليه وسلم طعنه فى خاصرته =

- ٢٧١ -
- الرازى عن أبى فراس هذا الذى روى عنه أبو نضرة عن عمر فقال لا أعرفه
وقال الحافظ أبو أحمد الكرابيسى ولا أعرف أبا نضرة روى عن الربيع بن زياد -
= بعود فقال: اصبرنى فقال: اصطبر، قال: إن عليك قميصاً، وليس على قميص،
فرفع النبي صلى الله عليه وسلم عن قميصه . فاحتضنه وجعل يقبل كشحه ، قال :
إنما أردت هذا يارسول الله)) رواه أبو داود فى كتاب الأدب ، وسيأتى هناك إن
شاء الله تعالى .
((واصبرنى)) أى أقدنى من نفسك و ((واصطبر)) أى استقد. والاصطبار:
الاقتصاص . يقال : أصبرته بقتيله : أقدته منه .
وذكر النسائى من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن عروة عن
عائشة ((أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقاً، فلاحاه
رجل فى صدقته، فضربه أبو جهم ، فأتوا النبى صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : القود
يارسول الله، فقال، لكم كذا وكذا فلم يرضوا به، فقال: لكم كذا وكذا، فرضوا
به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى خاطب على الناس ومخبر هم برضاكم ،
قالوا: نعم ، نخطب النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال: إن هؤلاء أتونى يريدون القود
فعرضت عليهم كذا وكذا ، فرضوا، قالوا : لا، فهم المهاجرون بهم، فأمرهم رسول
الله صلى الله عليه وسلم أن يكفوا، فكفوا، ثم دعاهم فقال: أرضيتم؟ قالوا : نعم ،
قال: فإنى خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم ، قالوا : نعم ، فخطب الناس ثم قال :
أرضيتم؟ قالوا: نعم ))
وترجم عليه : السلطان يصاب على يده .
فصل
وقد اختلف الناس فى هذه المسألة - وهى القصاص فى اللطمة والضربة ونحوها
مما لا يمكن المقتص أن يفعل بخصمه مثل ما فعله به من كل وجه - هل يسوع القصاص
فى ذلك، أو يعدل إلى عقوبته بجنس آخر، وهو التعزير ؟ على قولين .
أمحهما : أنه شرع فيه القصاص، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، ثبت ذلك عنهم
حكاه عنهم أحمد وأبو إسحاق الجوز جانى فى المترجم ، ونص عليه الإمام أحمد فى رواية
الشالنجى وغيره، قال شيخنا رحمه الله : وهو قول جمهور السلف.
=

- ٢٧٢ -
- شيئاً إنماروى عنه أبو مجلز وقتادة وذكره الشعبى فى بعض أخباره. وأبوفراس
الذى روى عنه أبو نضرة هو النهدى. هذا آخر كلامه. وأبو نضرة بفتح النون
وسكون الضاد المعجمة هو المنذر بن مالك العوقى.
= والقول الثانى: أنه لا يشرع فيه القصاص، وهو المنقول عن الشافعى ومالك
وأبى حنيفة ، وقول المتأخرين من أصحاب أحمد ، حتى حكى بعضهم الإجماع على أنه
لاقصاص فيه .
وليس كما زعم، بل حكاية إجماع الصحابة على القصاص أقرب من حكاية الإجماع
على منعه . فإنه ثبت عن الخلفاء الراشدين ، ولا يعلم لهم مخالف فيه .
ومأخذ القولين : أن الله تعالى أمر بالعدل فى ذلك ، فبقى النظر فى : أى
الأمرين أقرب إلى العدل ؟ .
فقال المانعون: الماثلة لا تمكن هنا، فكأن العدل يقتضى المدول إلى جنس آخر
وهو التعزير ، فإن القصاص لا يكون إلا مع المماثلة، ولهذا لا يجب فى الجرح حتى
ينتهى إلى حد ، ولا فى القطع إلا من مفصل ، لتمكن المماثلة، فإذا تعذرت فى القطع
والجرح صرنا إلى الدية. فكذا فى اللطمة ونحوها، لما تعذرت صرفا : إلى التعزير.
قال المجوزون : القصاص فى ذلك أقرب إلى الكتاب والسنة والقياس والعدل
من التعزير .
أما الكتاب : فإن الله سبحانه قال (وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وقال ( فمن
اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) .
ومعلوم : أن الماثلة مطلوبة بحسب الإمكان ، واللطمة أشد مماثلة للطمة، والضربة
للضربة من التعرير لها، فإنه ضرب فى غير الموضع ، غير مماثل لا فى الصورة ، ولا فى
المحل ، ولا فى القدر، فأنتم فررتم من تفاوت لا يمكن الاحتراز منه بين اللطمتين ،
فصرتم إلى أعظم تفاوتاً منه ، بلا نص ولا قياس .
قالوا : وأما السنة: فما ذكرنا من الأحاديث فى هذا الباب ، وقد تقدمت، ولو
لم يكن فى الباب إلا سنة الخلفاء الراشدين لكفى بها دليلا وحجة.
قالوا . فالتعزير لا يعتبر فيه جنس الجناية ، ولاقدرها، بل قد يعزروه بالسوط ==

- ٢٧٣ -
= والعصا ويكون إنما ضربه بيده أو رجله، فكانت العقوبة بحسب الإمكان فى ذلك
أقرب إلى العدل الذى أنزل الله به کتبه وأرسل به رسله .
قالوا : وقد دل الكتاب والسنة فى أكثر من مائة موضع على أن الجزاء من
جنس العمل فى الخير والشر، كما قال تعالى ( جزاءاً وفاقا) أى : وفق أعمالهم،
وهذا ثابت شرعاً وقدراً .
أما الشرع. فلقوله تعالى ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ، والعين بالعين
والأنف بالأنف ، والأذن بالأذن ، والسن بالسن، والجروح قصاص ﴾ فأخبر
سبحانه: أن الجروح قصاص ، مع أن الجارح قد يشتد عذابه إذا فعل به كما فعل ،
حتى يستوفى منه .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه رضخ رأس اليهودى)) كما رضخ
رأس الجارية وهذا القتل قصاص ، لأنه لو كان لنقض العهد أو الحرابة لكان
بالسيف. ولا يرضخ الرأس ..
ولهذا كان أصح الأقوال : أنه يفعل بالجانى مثل ما فعل بالمجنى عليه ، مالم يكن
محرماً لحق الله كالقتل باللواطة ، وتجريع الخمر ونحوه ، فيحرق كما حرق ، ويلقى
من شاهق كما فعل ، ويخنق كما خنق ، لأن هذا أقرب إلى العدل . وحصول مسمى
"القصاص وإدراك الثأر، والتشفى، والزجر المطلوب من القصاص.
وهذا مذهب مالك والشافعى ، وإحدى الروايات عن أحمد .
قالوا : وأما كون القصاص لا يجب فى الجرح حتى ينتهى إلى حد ، ولا فى الطرف
حتى ينتهى إلى مفصل لتحقق المماثلة - فهذا إنما اشترط لثلا يزيد المقتص على مقدار
الجناية ، فيصير المجنى عليه مظلوماً بذهاب ذلك الجزء ، فتعذرت المماثلة فصرنا إلى
الدية وهذا بخلاف اللطمة والضربة، فإنه لو قدر تعدى المقتضى فيها لم يكن ذلك
بذهاب جزء، بل بزيادة ألم، وهذا لا يمكن الاحتراز منه ، ولهذا توجبون التعزير
مع أن ألمه يكون أضعاف ألم اللطمة ، والبرد من سن الجانى مقدار ماكسر من سن
المجنى عليه مع شدة الألم وكذلك قلع سنه وعينه أو نحو ذلك لابد فيه من زيادة ألم =
(١٨ - عون المعبود ١٢)

- ٢٧٤-
= ليصل المجنى عليه إلى استيفاء حقه فهلا اعتبرتم هذا الألم المقدرة زيادته فى اللطمة
والضربة ، كما اعتبرتموه فيما ذكرنا من الصور وغيرها ؟.
قال المانعون: كما عدلنا فى الإتلاف المالى إلى القيمة، عند تعذر المماثلة ، فكذلك
ههنا، بل أولى لحرمة البشرة، وتأكدها على حرمة المال .
قال المجوزون : هذا قياس فاسد من وجهين .
أحدهما: أنكم لا تقولون بالمماثلة فى إتلاف المال ، فإنه إذا أتلف عليه ثوباً لم
تجوزوا أن يتلف عليه مثله من كل وجه . ولو قطع يده أو قتله لقطعت يده وقتل به،
فعلم الفرق بين الأموال والأبشار ، ودل على أن الجناية على النفوس والأطراف يطلب
فيها المقاصة بما لا يطلب فى الأموال .
والثانى : أن من هو الذى سلم لكم أن غير المكيل والموزون يضمن بالقيمة
لا بالنظير. ولا إجماع فى المسألة ولانص؟ بل الصحيح: أنه يجب المثل فى الحيوان
وغيره بحسب الإمكان كما ثبت عن الصحابة فى جزاء الصيد : أنهم قضوا فيه بمثله من
النعم بحسب الإمكان ، فقضوا فى النعامة ببدنه ، وفى بقرة الوحش ببقرة ، وفى الظبى
بشاة ، إلى غير ذلك .
قال المانعون: هذا على خلاف القياس)) فيصار إليه إتباعاً للصحابة ، ولهذا منعه
أبو حنيفة وقدم القياس عليه ، وأوجب القيمة .
قال المجوزون : قولكم: إن هذا على خلاف القياس : فرع على صحة الدليل الدال
على أن المعتبر فى ذلك هو القيمة ، دون النظير، وأنتم لم تذكروا على ذلك دليلا من
كتاب ولاسنة ولا إجماع ، حتى يكون قضاء الصحابة بخلافة على خلاف القياس ،
فأين الدليل ؟ :
قال المانعون : الدليل على اعتبار القيمة فى إتلاف الحيوان دون المثل : أن النبى
صلى الله عليه وسلم ( ضمن معتق الشقص إذا كان موسراً بقيمته)) ولم يضمنه نصيب
الشريك بمثله . فدل على أن الأصل هو القيمة فى غير المكيل والموزون .
قال المجوزون : هذا أصل ما بذيتم عليه اعتبار القيمة فى هذه المسائل وغيرها ،
ولكنه بناء على غير أساس فإن هذا ليس مما نحن فيه فى شىء فإن هذا ليس من =

- ٢٧٥ -
= باب ضمان المتلفات بالقيمة بل هو من باب تملك مال الغير بالقيمة ، كتملك الشقص
المشفوع بثمنه ، فإن نصيب الشريك يقدر دخوله فى ملك المعتق ، ثم يعتق عليه بعد
ذلك ، والقائلون بالسراية متفقون على أن يعتق كله على ملك المعتق ، والولاء له
دون الشريك .
واختلفوا : هل يسرى العتق عقب إعتاقه ، أو لا يعتق حتى يؤدى الثمن ؟ على
قولين للشافعى ، وهما فى مذهب أحمد، قال شيخنا: والصحيح: أنه لا يعتق إلا بالأداة
وعلى هذا ينبنى : ما إذا أعتق الشريك نصيه بعد عتق الأول وقبل وزن القيمة،
فعلى الأول : لا يعتق عليه ، وعلى الثانى : يعتق عليه ، ويكون الولاء بينهما .
وعلى هذا أيضاً : ينبنى ما إذا قال أحدهما : إذا أعتقت نصيك فنصيبى حر ، فعلى
القول الأول لا يصح هذا التعليق ، ويعتق كله فى مال المعتق. وعلى القول الثانى :
يصح التعليق ، ويعتق نصيب الشريك من ماله .
فظهر أن استدلالكم بالعتق استدلال باطل، بل إنما يكون إتلافاً إذا قتله ،
فلو ثبت لكم بالنص أنه ضمن قاتل العبد بالقيمة دون المثل : كان حجة ، وإنى
لكم بذلك ؟ .
قالوا : وأيضاً فالفرق واضح بين أن يكون المتلف عيناً كاملة أو بعض عين .
فلو سلمنا أن التضمين كان تضمين إتلاف لم يجب مثله فى العين الكاملة .
والفرق بينهما : أن حق الشريك فى العين التى لا يمكن قسمتها فى نصف القيمة
مثلا أو ثلثها ، فالواجب له من القيمة بنسبة ملكه، ولهذا يجبر شريكه على البيع إذا
طلبه ليتوصل إلى حقه من القيمة ، والنبى صلى الله عليه وسلم راعى ذلك ، وقوم
عليه العبد قيمة كاملة ، ثم أعطاه حقه من القيمة ، ولم يقوم عليه الشقص وحده ،
فيعطيه قيمته .
فدل على أن حق الشريك فى نصف القيمة .
فإذا كان كذلك فلو ضمنا المعتق نصيب الشريك بمثله من عبد آخر لم تجبره
على انبيع إذا طلبه شريكه، لأنه إذا لم يكن له حق فى القيمة بل حقه فى نفس العين
فقه باق منها .
=

= ٢٧٦ -
= قالوا ؛ فظهر أنه ليس معكم أصل تقيسون عليه، لامن كتاب ولاسنة ولا إجماع
وقد ثبت فى الصحيح (( أن النبى صلى الله عليه وسلم اقترض بكراً وقضى خيراً
منه)) واحتج به من يجوز قرض الحيوان، مع أن الواجب فى القرض رد المثل ،
وهذا يدل على أن الحيوان مثلى .
ومن العجب أن يقال : إذا اقترض حيواناً رد قيمته ، ويقاس ذلك على الإتلاف
والغصب فيترك موجب النص الصحيح لقياس لم يثبت أصله بنص ولا إجماع ،
ونصوص أحمد : أن الحيوان فى القرض يضمن بمثله .
وقال بعض أصحابه: بل بالقيمة طرداً للقياس على الغصب .
واختلف أصحابه فى موجب الضمان فى الغصب والإتلاف على ثلاثة أوجه .
أحدها : أن الواجب القيمة فى غير المكيل والموزون .
والثانى : الواجب المثل فى الجميع .
والثالث: الواجب المثل فى غير الحيوان ، ونص عليه أحمد فى الثوب والقصعة
ونحوهما . ونص عليه الشافعى فى الجدار المهدوم ظلماً يعاد مثله، وأقول الناس بالقيمة
أبو حنيفة ، ومع هذا فعنده إذا أتلف ثوباً ثبت فى ذمته مثله لا قيمته ، ولهذا يجوز
الصلح عنه بأكثر من قيمته ، ولو كان الثابت فى الذمة القيمة لما جاز الصلح عنها
بأ كثر منها .
فظهر أن من لم يعتبر المثل فلا بد من تناقضه أو مناقضته للنص الصريح ، وهذا
مالا ملخص منه .
واصل هذا كله: هو الحكومة التى حكم فيها داود وسليمان عليهما السلام وقصها
الله علينا فى كتابه . وكانت فى الحرث، وهو البستان ، وقيل: إنها كانت أشجار
عنب، فنفشت فيها الغنم ـ والنفش إنما يكون ليلا - فقضى داود لأصحاب البستان
بالغنم ، لأنه اعتبر قيمة ما أفسدته ، فوجده يساوى الغنيم ، فأعطاهم إياها ، وأماسليمان
فقضى على أصحاب الغنم بالمثل، وهو أن يعمروا البستان كما كان، ثم رأى أن مغله
إلى حين عوده يفوت عليهم ، ورأى أن مغل الغنم يساويه ، فأعطاهم الغنم يستغلونها
حتى يعود بستانهم كما كان ، فإذا عاد ردوا إليهم غنمهم .

- ٢٧٧ -
= فاختلف العلماء فى مثل هذه القضية على أربعة أقوال .
أحدها : القول بالحكم السليمانى فى أصل الضمان ، وكيفيته، وهو أصح الأقوال
وأشدها مطابقة لأصول الشرع والقياس ، كما قد بينا ذلك فى كتاب مفرد فى الاجتهاد
وهذا أحد القولين فى مذهب أحمد ، نص عليه فى غير موضع ، ويذكر وجهاً فى
مذهب مالك والشافعى .
والثانى : موافقته فى النفش دون المثل ، وهذا المشهور من مذهب الشافعى
ومالك وأحمد .
والثالث : عكسه، وهو موافقته فى المثل دون النفش، وهو قول داود وغيره
فإنهم يقولون: إذا أتلف البستان بتفريطه ضمنه مثله. وأما إذا انفلتت الغنم ليلا لم
يضمن صاحبها ما أتلفته .
والرابع : أن النفش لا يوجب الضمان ، ولو أوجبه لم يكن بالمثل بل بالقيمة ، فلم
توافقه لا فى النقش ولا فى المثل ، وهو مذهب أبى حنيفة، وهذا من اجتهادهم فى
القياس ، والعدل هو الذى أوجبه الله .
فكل طائفة رأت العدل هوقولها، وإن كانت النصوص والقياس وأصول الشرع
تشهد بحكم سليمان ، كما أن الله سبحانه أثنى عليه به، وأخبر أنه فهمه إياه .
وذكر مأَخذ هذه الأقوال وأدلتها وترجيح الراجح منها له موضع غير هذا أليق
به من هذا .
والمقصود : أن القياس والنص يدلان على أنه يفعل به كما فعل ، وقد تقدم أن
النبى صلى الله عليه وسلم ((رضخ رأس اليهودى كما رضخ رأس الجارية، وأن ذلك
لم يكن لنقض العهد ولا للحرابة، لأن الواجب فى ذلك القتل بالسيف، وعن أحمد
فى ذلك أربع روايات .
إحداهن : أنه لا يستوفى القود إلا بالسيف فى العنق ، وهذا مذهب أبى حنيفة.
والثانية : أنه يفعل به كما فعل إذا لم يكن محرماً لحق الله تعالى، وهذا مذهب
مالك والشافعى.
والثالثة : إن كان الفعل أو الجرح مرهقاً فعل به نظيره، وإلا فلا .

-٢٧٨-
= والرابعة : إن كان الجرح أو القطع موجباً للقود لو انفرد فعل به نظيره ،
وإلا فلا .
وعلى الأقوال كلها : إن لم يمت بذلك قتل .
وقد أباح الله تعالى للمسلمين أن يمثلوا بالكفار إذا مثلوا بهم، وإن كانت المثلة
منهياً عنها. فقال تعالى ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما يعوقبتم به) وهذا دليل على أن
العقوبة بجدع الأنف وقطع الأذن، وبقر البطن ونحو ذلك هى عقوبة بالمثل ليست
بعدوان ، والمثل هو العدل .
وأما كون المثلة منهياً عنها : فلما روى أحمد فى مسنده من حديث سمرة بن
جندب وعمران بن حصين قال (( ماخطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمرنا
بالصدقة ونهانا عن المثلة )» .
فإن قيل : فلو لم يمت إذا فعل به نظير ما فعل ، فأنتم تقتلونه ، وذلك زيادة على
ما فعل ، فأين المماثلة؟
قيل : هذا ينتقض بالقتل بالسيف ، فإنه لو ضربه فى العنق ولم يوجبه ، كان
لنا أن نضربه ثانية وثالثة، حتى يوجبه اتفاقاً ، وإن كان الأول إذا ضربه
ضربة واحدة .
واعتبار الماثلة له طريقان :
إحداهما : اعتبار الشيء بنظيره ومثله . وهو قياس العلة الذى يلحق فيه
الشىء بنظيره .
والثانى : قياس الدلالة الذى يكون الجمع فيه بين الأصل والفرع ، بدليل العلمة
ولازمها ، فإن انضاف إلى واحد من هذين عموم لفظى : كان من أقوى الأدلة ،
الاجتماع العمومين : اللفظى والمعنوى ، وتضافر الدليلين: السمعى والاعتبارى .
فيكون موجب الكتاب والميزان ، والقصاص فى مسألتنا: هو من هذا الباب
كما تقدم تقريره، وهذا واضح لا خفاء به ، ولله الحمد والمنة .

-٢٧٩-
١٦ - باب عضو النساء من الدم
٤٥١٥ - حدثنا دَاوُدُ بنُ رُشَيْدٍ أخبرنا الْوَلِدُ عن الأوْزَاعِىِّ أَنَّهُ
◌َمِيعَ حِصْنَا أَنَّهُ سَمِعَ أَبَ سَلَمَةً يُخْبِرُ عنْ عَائِشَةَ عن اللَّيِّ صلى اللهُ عليه
وسلم أَنَّهُ قَالَ: ((عَلَى المُقْتَتِينَ أَنْ بَنْحَجِزُوا الأوَّلُ فَلأوّلُ وَإِنْ
كَانَتِ امْرَأَةَ»
( باب عفو النساء عن الدم)
(داود بن رشيد) بالتصغير ( سمع حصناً) بكسر ثم مهملة ساكنة ثم نون
ابن عبد الرحمن أو ابن محصن مقبول قاله الحافظ فى التقريب ( على المقتتلين )
أى أولياء المقتول الطالبين القود وهو على صيغة إسم فاعل ، وإنما سماهم مقتتلين
لما ذكره الخطابى فقال يشبه أن يكون معنى المقتتلين ههنا أن يطلب أولياء
القتيل القود فيمتنع القتلة فينشأ بينهم الحرب والقتال من أجل ذلك ، فجعلهم
مقتقلين لما ذكرنا .
قال: ويحتمل أن يكون الرواية بنصب التائين ، يقال اقتتل فهو مقتقل
غير أن هذا يستعمل أكثره فيمن قتله الحب (أن ينحجزوا) بماء معملة ثم
جيم ثم زاى أى يمتنعوا ويكفوا عن القود بعفو أحدهم (الأول فالأول ) أى
الأقرب فالأقرب ( وإن كانت امرأة ) كلمة إن وصلية .
-
ذكر الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
حديث ((على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول)) وكلام المنذرى إلى آخره ،
ثم قال :
وليس فى شىء من هذا مايبين وجه الحديث .
وقد روى ((الأول فالأول)) وروى ((الأولى فالأولى)) بفتح الهمزة، أى =

- ٢٨٠ -
قال أَبُو دَاوُدَ: يَنْحَجِزُوا يَكُفُّوا عنِ الْقَوَدِ.
[قال أَبُو دَاوُدَ: يَغْنِى أَنَّ عَفْوَ النِّسَاءِ فِى الْقَتْلِ جَائِزٌ إِذَا كَانَتْ إِحْذَى
الأوْلِيَاءُ وَبَغَنِ عنْ أَبِى عُبَيْدٍ الَ يَنْحَجِزُوا: يَكُنُّوا عَنِ الْقَوَدِ ].
- قال الخطابى تفسيره أن يقتل رجل وله ورثة رجال ونساء فأيهم عفا، وإن
كان امرأة سقط القود وصار دية .
قال وقد اختلف الناس فى عقو النساء فقال أكثر أهل العلم: عفو النساء
عن الدم جائز كمفو الرجال .
وقال الأوزاعى وابن شبرمة ليس للنساء عفو وعن الحسن وإبراهيم النخعى
ليس الزوج ولا للمرأة عفو فى الدم انتهى .
قال المنذرى: وأخرجه النسائى. وحصن هذا قال أبو حاتم الرازى لا أعلم
روى عنه غير الأوزاعى ولا أعلم أحداً نسبه وقال غيره حصن بن عبد الرحمن -
= الأقرب فالأقرب ، وهو أولى ، وبه يتبين معنى الحديث .
وأصل الحجز: المنع، ومنه الحاجز بين الشيئين ((وينحجزوا)) مطاوع حجزته
فانحجز وهو يدل على حاجز بينهم، وهو عفو من له الدم ، فإنه إذا عنا وجب عليهم
أن ينحجزوا . لأن صاحب الدم قد عفا، وهذا العفو لحق يستحقه الأولى فالأولى
من المقتول ، وإن كان امرأة ، فإذا عفت - وهى أولى بالمقتول - فقد حجز
عفوها بينهم ، ولا يجوز للرجال الأباعد بعد ذلك الطلب بدمه ، وقد عفا عنه
الأولی منهم .
فقد اتضح بحمد الله وجهه، وأسفر صبح معناه .
وعلى هذا: فيكون ((الأولى فالأولى)) فاعل فعل دل عليه المذكور ، أى
يحجز بينهم الأولى فالأولى ، وإن كان امرأة .
وترجمة أبى داود تشعر بهذا، والله أعلم .