Indexed OCR Text

Pages 1-20

عون المعبود
شرح
◌ِِبْنْ أبى دَاوُد
العلامة أبى الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادى
مع شرح الحافظ ابن قيم الجوزية
ضبط ومحقيق
عبدالرحمن محمد عثمان
الجزء العَائشر
الناشر
محمد عبد المحسنية
صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة

الطبعة الثانية
١٣٨٨ هـ - ١٩٦٩ م
حقوق الطبع محفوظة للناشر

- ٣ -
ـم الله الرحمن الرحيم
١٤ - باب فى الشهادات
٣٥٧٩ - حدثنا ابنُ السَّرْحِ وَأْمَدُ بنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِىُّ قالاَ أخبرنا
ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخبرنى مَالِكُ بنُ أَنَسٍ عن عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِى بَكْرٍ أَنَّ أَبَهُ
أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عَمْرِو بنِ عُثْنَ بنَ عَفَّنَ أُخْبِرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ
ابْنَ أَبِى عَمْرَةَ الْأَنْصَارِئَّ أُخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بنَ خَالِدِ الْتَنِىِّ أَخْبَرَهُ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمُ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ: الَّذِى
يَأْتِى بِشَهَدَ تِ أَوْ يُخْبِرُ بِشَهَدَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُنَا)) شَكَّ عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِى
بَكْرِ أَبَّتَهُمَ قَالَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ مَالِكٌ ((الَّذِى يُخْبِرُ بِشَهَدَتٍِ وَلا يَعْلَمُ
( باب فى الشهادات )
(بخير الشهداء) جمع شهيد ( أو يخبر بشهادته) شك من الراوى (قبل
أن يسألها) بصيغة المجهول أى قبل أن تطلب منه الشهادة . قال النووى : فيه
تأويلان أصحهما وأشهرهما تأويل مالك وأصحاب الشافعى أنه محمول على من عنده
شهادة لإنسان بحق ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد ويأتى إليه فيخبره بأنه شاهد
له لأنها أمانة له عنده، والثانى أنه محمول على شهادة الحسبة فى غير حقوق الآدميين
كالطلاق والعتق والوقف والوصايا العامة والحدود ونحو ذلك، فمن علم شيئاً من
هذا النوع وجب عليه رفعه إلى القاضى وإعلامه به . قال تعالى ﴿وأقيموا
الشهادة لله) كذا فى المرقاة ( أيتهما قال) أى أبو بكر والد عبد الله، أى قال
كلمة يأتى بشهادته أو قال كلمة يخبر بشهادته .

- ٤ -
بِهَ الَّذِى هِىَ لَهُ)) قالَ اْهَمْدَانِىُّ ((وَيَرْفَعُهَا إِلَى السُّلْطَانِ)) قال ابنُ السَّرْحَ
((أَوْ يَأْنِى بِهَا الْإِمَامَ)) وَالْإِخْبَارُ فِى حَدِيثِ الْهَمْدَانِىِّ. قال ابنُ السَّرْحِ
ابنَ أَبِى ◌َمْرَةَ وَلَمْ يَقُلْ عَبْدَ الرَّْنِ.
- قال المنذرى: وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه ( قال مالك)
فى تفسير قوله صلى الله عليه وسلم الذى يأتى بشهادته قبل أن يسألها ( ولا يعلم
بها) أى بشهادته (الذى هى له ) فاعل لا يعلم، أى لا يعلم بشهادته الرجلُ الذى
الشهادة له . قال ابن عبد البر: قال ابن وهب: قال مالك: تفسير هذا الحديث
أن الرجل يكون عنده شهادة فى الحق لرجل لا يعلمها فيخبره بشهادته ويرفعها
إلى السلطان. زاد يحيى بن سعيد إذا علم أنه ينتفع بها الذى له الشهادة، وهذا
لأن الرجل ربما نسى شاهده فظل مغموماً لا يدرى من هو ، فإذا أخبره الشاهد
بذلك فرّج كربه . وفى الحديث ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا
نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة والله في عون العبد ما كان العبد فى عون
أخيه)) ولا يعارض هذا حديث ((خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين
يلونهم ثم يجىء قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها)) لأن النخعى قال معنى
الشهادة هنا اليمين أى يحلف قبل أن يستحلف ، واليمين قد تسمى شهادة . قال
تعالى ( فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) انتهى كلامه .
قال المنذرى: وقال غيره: هذا فى الأمانة والوديمة تكون لليقيم لا يعلم بها
بمكانها غيره فيخبر بما يعلم من ذلك ، وقيل هذا مثل فى سرعة إجابة الشاهد
إذا استشهد لا يمنعها ولا يؤخرها، كما يقال الجواد يعطى قبل سؤاله ، عبارة عن
حسن عطائه وتعجيله . وقال الفارسى : قال العلماء إنما هى فى شهادته الحسبة ،
وإذا كان عنده علم لو لم يظهره لضاع حكم من أحكام الدين وقاعدة من قواعد
الشرع، فأما فى شهادات الخصوم فقد ورد الوعيد فى من يشهد ولا يستشهد -

- ٥ -
١٥ - باب فى الرجل [فيمن ] يعين على خصومة
من غير أن يعلم أمرها
٣٥٨٠ - حدثنا أَحَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا عُمَرَةُ بنُ غَزِيَّةَ
عن يَحْتَّى بنِ رَاشِدٍ قال: جَلَسْنَاَ لِعَبْدِ اللهِ بنِ ◌ُمَرَ فَخَرَجَ إِلَيْنَا فَجَلَسَ
فقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ: ((مَنْ حَالَتْ شَفَعَتُهُ
دُونَ حَدٍ مِنْ حُدُودِ اللهِ فَقَدْ ضَاءَّ اللهَ، وَمَنْ خَاصَمَ فِى بَطِلٍ وَهُوَ بَعْلَهُ
لَمْ يَزَلْ فِى سَخَطِ اللّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ، وَمَنْ قَالَ فِى مُؤْمِنٍ ما لَيْسَ فِهِ
أَسْكَنَهُ اللهُ رَدْغَةَ الْبَالِ حَتّى يَخْرُجَ بِأَ قَالَ » .
- لأن وقت الشهادة على الأحكام إنما يدخل إذا جرت الخصومة بين المتخاصمين
وأيس من الإقرار واحتيج إلى البينة ، فحينئذ يدخل وقت الشهادة بهذا الوجه
فى هذا الحديث انتهى كلام المنذرى .
( باب فى الرجل يعين على خصومه الخ)
( من حالت) من الحيلولة أى حجبت (شفاعته دون حد) أى عنده ،
والمعنى من منع بشفاعته حداً . قال الطيبي : أى قدام حد فيحجز عن الحد بعد
وجوبه عليه بأن بلغ الإمام ( فقد ضاد الله) أى خالف أمره ، لأن أمره إقامة
الحدود، قاله القارى . وقال فى فتح الودود: أى حاربه وسعى فى ضد ما أمر الله
به ( ومن خاصم) أى جادل أحداً ( فى باطل وهو يعلمه) أى يعلم أنه باطل ،
أو يعلم نفسه أنه على الباطل ، أو يعلم أن خصمه على الحق ، أو يعلم الباطل أى
ضده الذى هو الحق ويصر عليه (حتى ينزع عنه) أى يترك وينتهى عن مخاصمته
يقال نزع عن الأمر نزوعاً إذا انتهى عنه (ماليس فيه) أى من المساوى (ردغة -

-
٦
٣٥٨١ - حدثنا عَلِيُّ بنُ الْحُسَيْنِ بنِ إِبْراهِيمَ حدثنا عُمَرُ بنُ يُونُس
أخبرنا ◌َاصِمُ بن ◌ُمَّدٍ بِنٍ زَيْدٍ الْعَمْرِىُّ عَالَ حَدَّتِى الْمَنِى بِنُ يَزِيدَ عن مَطَرٍ
الْوَرَّاقِ عن نَافِعٍ عن ابنٍ ◌ُمَرَ عن النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم بِمَعْنَاهُ قالَ:
((وَمَنْ أَعَنَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُهْرِ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ )).
- الجبال) قال فى النهاية: بفتح الراء وسكون الدال المهملة وفتحها هى طين ووحل
كثير، وجاء تفسيرها فى الحديث أنها عصارة أهل النار. وقال فى حرف الخاء
الخيال فى الأصل الفساد ، وجاء تفسيره فى الحديث أن الخبال عصارة أهل النار.
قلت : فالإضافة فى الحديث للبيان . وقال فى فتح الودود: قلت والأقرب
أن يراد بالخبال العصارة ، والردغة الطين الحاصل باختلاط العصارة بالتراب انتهى
( حتى يخرج مما قال ) قال القاضى: وخروجه مما قال أن يتوب عنه ويستحل من
المقول فيه . وقال الأشرف : ويجوز أن يكون المعنى أسكنه الله ردغة الخيال
ما لم يخرج من إثم ما قال ، فإذا خرج من إنمه أى إذا استوفى عقوبة إنمه لم
يسكنه الله ردغة الحبال، بل ينجيه الله تعالى منه ويتركه. قال الطبيبى: حتى على
ما ذهب إليه القاضى غاية فعل المغتاب فيكون فى الدنيا ، فيجب التأويل فى
قوله أسكنه ردغة الخبال بسخطه وغضبه الذى هو سبب فى إسكانه ردغة الحبال
كذا فى المرقاة. والحديث سكت عنه المنذرى .
( من أعان على خصومة بظلم) فى معنى ذلك ما أخرجه الطبرانى فى الكبير
من حديث أوس بن شرحبيل أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((من
مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام ( فقد باء ) أى
انقلب ورجع .
قال المنذرى: فى إسناده مطر بن طهمان الوراق قد ضعفه غير واحد ، وفيه
أيضاً المثنى بن يزيد الثقفى وهو مجهول .

- ٧-
١٦ - باب فى شهادة الزور
٣٥٨٢ - حدثنا يَحْيَ بنُ مُوسَى الْبَلْجِئُّ أخبرنا محمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ
حدَّثَنِى سُفْيَانُ - يَعنى الْعَصْغُرِىَّ - عن أَبِيهِ عنْ حَبِيبِ بنِ الثَّعْمَنِ الْأْسِدِىِّ
عن خُرَيْمِ بنِ فَتِكٍ قال: ((صَلَى رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم صَلَةَ الصُّبْحِ
فَ انْصَرَفَ قَمَ قَائِمًا فقالَ: عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالْإِخْرَاكِ بِاللهِ ثَلاَثَ
مَّاتٍ [مِرَارٍ] ثُمَّ قَرَأَ: فَاجْتَذِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأُوْتَانِ، وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ
الزُّورِ، حُنَفَاء ◌ِهِ غَيْرَ مُشْرِ كِينَ بِهِ))
( باب فى شهادة الزور )
بضم الزاى وسكون الواو الكذب .
(عن خريم) يضم خاء معجمة وفتح راء وسكون ياء ( ابن فاتك) بفاء
بعدها ألف فتاء مثناة فوقية مكسورة (فلما انصرف) أى عن الصلاة (قام قائماً)
أى وقف حال كونه قائماً أو قام قياماً. قال الطهى: هو اسم الفاعل أقيم مقام
المصدر، وقد تقرر فى على المعانى أن فى العدول عن الظاهر لا بد من نكتة، فإذا
وضع المصدر موضع اسم الفاعل نظر إلى أن المعنى تجسم وانقلب ذاتاً وعكسه
فى مسكسه، وكان قيامه صلى الله عليه وسلم صار قائماً على الإسناد المجازى ،
كقولهم نهاره صائم وليله قائم ، وذلك يدل على عظم الشأن ما قام له وتجلد وتشمر
بسببه ( عدات) بضم أوله ( شهادة الزور) أى شهادة الكذب ( بالإشراك
بالله) أى جعلت الشهادة الكاذبة مماثلة للاشراك بالله فى الإثم لأن الشرك كذب
على الله بما لا يجوز، وشهادة الزور كذب على العبد بما لا يجوز، وكلاهما غير
واقع فى الواقع ، قاله القارى
وقال الطيبى: وإنما ساوى قول الزور الشرك لأن الشرك من باب الزور -

- ٨ -
١٧ - باب من ترد شهادته
٣٥٨٣ - حدثنا حُفْعُ بنُ مُمَرَّ أخبرنا محمَّدُ بنُ رَاشِدٍ أخبرنا سُلَمَانُ
ابنُ مُوسَ عن عَمْرِ و بنِ شُعَيْبٍ عن أَبِيهِ عِن جَدِّهِ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ
صلى اللهُ عليهِ وسِم رَدَّ شَهَدَةَ الْاْنِ وَالْخَائِفَةِ وَذِى الْفِعْرِ عَلَى أَخِيهِ، وَرَدَّ
شَهَدَةَ الْقَافِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ وَأَجَازَهَا لِغَيْرِمْ »
- فإن المشرك زاعم أن الوثن يحق العبادة (ثلاث مرات) أى قاله ثلاث مرات
( ثم قرأ) أى استشهاداً ( من الأوثان) من بيانية أى النجس الذى هو الأصنام
( واجتنهوا قول الزور) أى قول الكذب الشامل لشهادة الزور .
قال المنذرى: وأخرجه الترمذى وابن ماجه، وقال الترمذى : وهذا عندى
أصح، وخريم بن فاتك له صحبة ، وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أحاديث
وهو مشهور ، وأخرجه الترمذى أيضاً من حديث أيمن بن خريم بن فاتك عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد يعنى
حديث خريم بن فاتك، ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعاً من النبى صلى الله عليه
وسلم. هذا آخر كلامه. وذكر غيره أن له صحبة، وأنه روى عن النبى صلى الله
عليه وسلم حديثين اختلف فى أحدهما، ورجح يحيى بن معين حديث خريم بن
فاتك كماذكره الترمذى رضى الله عنهم . وخريم بضم الخاء المعجمة وبعدها راء
مهملة مفتوحة وياء آخر الحروف ساكنة وميم. انتهى كلام المنذرى .
( باب من ترد شهادته)
(رد شهادة الخائن والخائنة) صرح أبو عبيد بأن الخيانة تكون فى حقوق
الله كما تكون فى حقوق الناس من دون اختصاص (وذى الغمر) بكسر العين
المعجمة وسكون الميم أى الحقد والعداوة (على أخيه) أى المسلم فلا تقبل شهادة -

قال أبُو دَاوُدَ: الْغِمْرُ: الْحِقْدُ [الِنَّةُ] وَالشَّحْنَاءِ، وَالْقَانِعُ: الْأَخِيرُ
التَّابِعُ مِثْلُ الْأُجِبْرُ الخَاصُ
- عدو على عدو سواء كان أخاه من النسب أو أجنبياً (ورد شهادة القانع لأهل
البيت ) قال المظهر: القانع السائل المقتنع الصابر بأدنى قوت ، والمراد به ها هنا
أن من كان فى نفقة أحد كالخادم والتابع لا تقبل شهادته له ، لأنه يجر نفعاً بشهادته
إلى نفسه، لأن ما حصل من المال المشهود له يعود نفعه إلى الشاهد، لأنه يأكل
من نفقته ، ولذلك لا تقبل شهادة من جر نفعاً بشهادته إلى نفسه كالوالد يشهد
لولده أو الولد لوالده أو الغريم يشهد بمال للمفلس على أحد ، وتقبل شهادة أحد
الزوجين لآخر خلافاً لأبى حنيفة وأحمد ، وتقبل شهادة الأخ لأخيه خلافاً
المالك انتهى.
قال الخطابي: ومن رد شهادة القانع لأهل البيت بسبب جر المنفعة فقياس
قوله أن ترد شهادة الزوج لزوجته لأن ما بينهما من التهمة فى جر المنفعة أ كهر،
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة . والحديث أيضاً حجة على من أجاز شهادة الأب
لابنه انتجى ( وأجازها) أى شهادة القانع ( لغيرهم ) أى لغير أهل البيت لانتفاء
التهمة ( قال أبو داود الغمر الحقد) وفى بعض النسخ الحنة وهى بكسر الحاء
المهملة وتخفيف النون المفتوحة لغة فى إحنة وهى الحقد ( والشحناء ) بالمد العداوة
( والقانع الأجير التابع مثل الأجير الخاص) هذه العبارة ليست فى بعض النسخ.
قال الخطابي: القانع السائل والمسعطعم ، وأصل القنوع السؤال ، ويقال
فى القانع إنه المنقطع إلى القوم يخدمهم ويكون فى حوائجهم ، وذلك مثل الوكيل
والأجير ومجوه انتهى
قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه. والغمر بكسر الغين المعجمة وسكون الميم
وبعدها راء مهملة

- ١٠ -
٣٥٨٤ - حدثنا حُمَّدُ بنُ خَلَفِ بنِ طَارِقِ الرَّازِى [الدَّارِى] أخبرنا
زَيْدُ بنُ يَحْتَى بِنُ عُبَيْدٍ الْزَاعِىُّ قَالَ أخبرنا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ من
سُلَيْنَ بنِ مُوسَى بِإِسْتَادِهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((لا تَجُوزُ
شَهَادَةُ خَاْنٍ وَلا خائِنَةٍ ، وَلَازَّانِ وَلَازَانِيَةٍ، وَلاذِى غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ »
١٨ - باب شهادة البدوى على أهل الأمصار
٣٥٨٥ - حدثنا أَحَدُ بنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِىُّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرنى
يَحْيَى بنُ أَيوبَ وَنَافِعُ بنُ يَزِيدَ عن ابنِ الهَادِ عن محمَّدِ بنِ عَمْرِ و بْنِ
عَطَاءُ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارِ عِن أَبِى هُرِيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم يَقُولُ: ((لا ◌َجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِىٌّ عَلَى صَاحِبٍ قَرْيَةٍ))
- ( ولا زان ولا زانية) المانع من قبول شهادتهما الفسق الصريح (ولا ذى
غمر على أخيه) فإن قيل لم قبلتم شهادة المسلمين على الكفار مع العداوة ، قال
ابن رسلان : قلنا العداوة ها هنا دينية والدين لا يقتضى شهادة الزور بخلاف
العداوة الدنيوية، قال وهذا مذهب الشافعى ومالك وأحمد والجمهور ، وقال
أبو حنيفة : لا تمنع العداوة الشهادة لأنها لا تخل بالعدالة ، فلا تمنع الشهادة
كالصداقة انتهى . قال فى النيل: والحق عدم قبول شهادة العدو على عدوه لقيام
: الدليل على ذلك والأدلة لا تعارض بمحض الآراء انتهى
( باب شهادة البدوى على أهل الأمصار)
( لا يجوز شهادة بدوى على صاحب قربة) البدوى هو الذى يسكن البادية
فى المضارب والخيام، ولا يقيم فى موضع خاص، بل ير تحل من مكان إلى مكان
وصاحب القرية هو الذى يسكن القرى وهى المصر الجامع. قال فى النهاية: إنما -

- ١١-
١٩ - باب الشهادة على الرضاع
٣٥٨٦ - حدثنا سُلَمَانُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عن أيوبَ
عن ابنِ أَبِ مُلَيْكَةَ قَالَ حدَّتِى مُقْبَةُ بنُ الْارِثِ وَحَدَّ قَذِ صَاحِبٌ لِ عَنْهُ
وَأَنا لِحَدِيثٍ صَاحِبِى أَحْفَظُ قالَ: ((تَزَوَّجْتُ أُمَّ يَحْبَى بِنْتَ أَبِى إِهَابٍ
- كره شهادة البدوى لما فيه من الجفاء فى الدين والجهالة بأحكام الشرع ولأنهم
فى الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها .
قال الخطابي : يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو لما فيهم من عدم
العلم بإنيان الشهادة على وجهها ، ولا يقيمونها على حقها لقصور علمهم عما يغيرها
عن وجهها، وكذلك قال أحمد . وذهب إلى العمل بالحديث جماعة من أصحاب
أحمد، وبه قال مالك وأبو عبيد، وذهب الأكثر إلى القبول. قال ابن رسلان:
وحملوا هذا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو والغالب أنهم لا تعرف
عدالتهم . كذا فى النيل .
قال المنذرى : وأخرجه ابن ماجه ورجال إسناده احتج بهم مسلم فى صحيحه .
وقال البيهقى: وهذا الحديث مما تفرد به محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن
يسار، فإن كان حفظه فقد قال أبو سليمان الخطابى رحمه الله يشبه أن يكون إنما
كره شهادة أهل البدو لما فيهم من عدم العلم بإتيان الشهادة على وجهها ،
ولا يقيمونها على حقها لقصور علمهم عن ما تحملها وتغيرها عن جهتها والله أعلم .
(باب الشهادة على الرضاع)
( وحدثنيه) عطف على حدثنى عقبة وقائلهما ابن أبي مليكة ( صاحب لى)
اسمه عبيد كما فى الرواية التالية ( عنه) أى عن عقبة بن الحارث . والحاصل أن
ابن أبي مليكة روى الحديث عن عقبة بن الحارث بلا واسطة ورواه عنه -

- ١٢ -
فَدَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةُ سَوْدَاءِ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْنَا جَمِيعًا، فَأَتَيْتُ النَّبَّ
صلى اللهُ عليه وسلم فَذَ كَرْتُ ذُلِكَ لَهُ، فَأَعْرَضَ عَنِّى فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ
إِنَّهَا لَكَذِيَةٌ قَالَ وَمَا يُدْرِيكَ وَقَدْ قَالَتْ مَا قالَتْ دَعْهَا عَنْكَ )).
- بواسطة عبيد (بنت أبى إهاب) بكسر الهمزة وآخره باء موحدة (فزعمت)
أى قالت ( إنها أرضعتنا جميعاً) يعنى نفسه وزوجته أم يحيى (وقد قالت ) أى
تلك المرأة السوداء والواو للمحال ( ما قالت) من أنها أرضعتكما (دعها)
أى اتركها .
قال فى السبل : والحديث دليل على أن شهادة المرضعة وحدها تقبل، وإليه
ذهب ابن عباس وجماعة من السلف وأحمد بن حنبل . وقال أبو عبيد: يجب
على الرجل المفارقة ولا يجب على الحاكم الحكم بذلك. وقال مالك: إنه لا يقبل
فى الرضاع إلا امرأتان. وذهب الحنفية: إلى أن الرضاع كغيره لا بد من شهادة
رجلين أو رجل وامرأتين ولا تكفى شهادة المرضعة لأنها تقرر فعلها . وقال
الشافعى: تقبل المرضعة مع ثلاث نسوة بشرط أن لا تعرض بطلب أجرة . قالوا
وهذا الحديث محمول على الاستحباب والتحرز عن مظان الاشتهاه. وأجيب
بأن هذا خلاف الظاهر سيما وقد تكرر سؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم أربع مرات
وأجابه بقوله كيف وقد قيل، وفى بعض ألفاظه دعها، وفى رواية الدارقطنى :
لا خير لك فيها ، ولو كان من باب الاحتياط لأمره بالطلاق مع أنه فى جميع
الروايات لم يذكر الطلاق فيكون هذا الحكم مخصوصاً من عموم الشهادة المعتبر
فيها العدد، وقد اعتبرتم ذلك فى عورات النساء فقلتم يكفى بشهادة امرأة واحدة
والعلة عندهم فيه أنه قل ما يطلع الرجال على ذلك فالضرورة داعية إلى اعتباره،
فكذا هنا انتهى .

- ١٣ -
٣٥٨٧ - حدثنا أحمدُ بنُ أَبِى شُعَيْبِ الْخَرَّانِىُّ أخبرنا الحارثُ
ابنُ عَمَيْرِ الْبَصْرِىُّ ح وَحدثها مُنْنُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ
عُلَيَّةَ كِلاَهُا عن أيُّوبَ عن ابنِ أَبِىِ مُلَيْكَةَ عن عُبَيْدِ بنِ أبِى مَرْيَمَ من
عُقْبَةَ بنِ الْحَارِثِ وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِن عُقْبَةَ، وَلَكِِّى لِحَدِيثٍ عُبَيْدٍ أحْفَظُ
فَذَ كَرَ مَعْنَاهُ
قال أَبُو دَاوُدَ: نَظَرَ حمّادُ بنُ زَيْدٍ إِلَى الْخَارِثِ بنِ عُمَيْرٍ فقالَ لهُذَا
مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِ أَيُّوبَ.
٢٠ - باب شهادة أهل الذمة والوصية فى السفر
[ باب شهادة أهل الذمة فى الوصية فى السفر ]
[ وفى الوصية فى السفرِ]
٣٥٨٨ - حدثنا زِيَادُ بنُ أيُّوبَ أخبرنا هُشَيٌْ أخبرنا زَ كَرِيًّا عن
الشَّفْسِيِّ ((أَنَّ رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفاةُ بِدَقُوقَاءَ هُذِهِ وَلَمْ يَجِدْ
- قال المنذرى: وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى.
(قال أبو داود نظر حماد بن زيد الخ) لم توجد هذه العبارة فى بعض النسخ
( باب شهادة أهل الذمة والوصية فى السفر )
( بدقوفاء) بفتح الدال المهملة وضم القاف وسكون الواو بعدها قاف مقصورة
وقد مدها بعضهم، وهى بلد بين بغداد وإربل ، كذا فى النيل. وفى النسخ -
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
وهذا تعليل فاسد فان البخارى رواه فى صحيحه مسنداً متصلا .

- ١٤ -
أُحَدًا مِنَ الْمُسْلِينَ يُشْهِدُهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
فَقَدِمَ الْكُوْفَةَ فَأَتَيَا أَبًا مُوسَى الْأَشْعَرِىَّ فَأَخْرَاهُ وَقَدِمَا بِتَرِ كَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ
فَقَالَ الْأَشْعَرِىُّ هَذَا أَمْرٌ لَمْ ◌َكُنْ بَعْدَ الَّذِى كَانَ فِ عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى
اللهُ عليه وسلمٍ فَأَحْلَفَهُمَ بَعْدَ الْعَصْرِ بِاللهِ مَ خَاناً وَلاَ كَذِبًا وَلاَ بَدَّلاَ وَلاَ
كَا وَلاَ غَيْرًا، وَإِنَّهَا لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ وَتَرِكَتُهُ، فَأَمْضَى شَهَدَتَهَمَاَ)).
- الحاضرة بالمد (من أهل الكتاب) يعنى نصرانهين كما بين ذلك البيهقى وبين
أن الرجل من خثعم ولفظه عن الشعبى توفى رجل من خثعم فلم يشهد موته إلا
رجلان نصرانيان ( وقدما بتركته) أى الرجل المسلم المتوفى (فقال الأشعرى)
أبو موسى (بعد) الأمر (الذى كان) ذلك الأمر ( فى عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم) يشير أبو موسى إلى واقعة السهى التى كانت فى عهد النبى صلى الله
عليه وسلم
ومراد أبى موسى أن بعد واقعة السهمى لم تكن واقعة مثلها إلا هذه الواقعة
وهى وفاة رجل من المسلمين بدقوقا ، وشهادة رجلين من أهل الكتاب على
وصيته ( فأحلفهما) يقال فى المتعدى أحلفته إحلافاً وحلفته تحليفاً واستحلفته
( بعد العصر) هذا يدل على جواز العغليظ بزمان من الأزمنة ( ولا بدَّلا) بصيغة
الماضى المعلوم من التبديل .
= وقوله ((قال لى)) طريق من طرق الرواية ليس بموجب لتعليل الإسناد.
فالتعلیل به تعنت
وقال على بن المدينى : هذا حديث حسن، ولا أعرف ابن أبى القاسم.
وقال غيره : هو محمد بن أبى القاسم الطويل ، قال يحيى بن معين : ثقة ،
كتبت عنه .
وقد تأول قوم الآية تأويلات باطلة
=

- ١٠
قال الخطابي : فى هذا دليل على أن شهادة أهل الذمة مقبولة على وصية المسلم
فى السفر خاصة وممن روى عنه أنه قبلها فى مثل هذه الحالة شريح وإبراهيم
النخعى، وهو قول الأوزاعى ، وقال أحمد بن حنبل: لا تقبل شهادتهم إلا فى
مثل هذا الموضع للضرورة . وقال الشافعى : لا تقبل شهادة الذمى بوجه لا على
مسلم ولا على كافر ، وهو قول مالك . وقال أحمد بن حنبل : لا يجوز شهادة
أهل الكتاب بعضهم على بعض. وقال أصحاب الرأى: شهادة بعضهم على بعض
جائزة والكفر كله ملة واحدة . وقال آخرون: شهادة اليهودى على اليهودى
جائزة ولا يجوز على النصرانى والمجوسى لأنها ملل مختلفة ، ولا مجوز شهادة
أهل ملة على منة أخرى وهذا قول الشعبى وابن أبى ليلى وإسحاق بن راهويه --
= فمنهم من قال: كلها فى المسلمين، وقوله ( أو آخران من غيركم) يعنى من غير
قبيلتك وهذا باطل فإن الله افتتح الخطاب: ﴿يا أيها الذين آمنوا) ثم قال (أو آخران
من غيرك ) ومعلوم أن غير المؤمنين هم الكفار، ولم يخاطب الله سبحانه بهذه الآية
قبيلة دون قبيلة، بل الخطاب بها على عاده خطاب القرآن لعموم المؤمنين.
وحديث ابن عباس صريح فى المراد بها ، وأن الشهود من أهل الكتاب .
وقال بعضهم: ((الشهادة)) هنا بمعنى الحضور، لا الإخبار وهذا إخراج للكلام
عن الفائدة، وحمل له على خلاف مراده ، والسياق يبطل هذا التأويل المستنكر
وقال بعضهم: ((الشهادة)) هنا بمعنى اليمين، وظاهر السياق، بل صريحه:
يشهد بأنها شهادة صريحة ، مؤكدة باليمين ، فلا يجوز تعطيل وصف الشهادة:
وقال بعضهم: الآية منسوخة ، وهذه دعوى باطلة فان المائدة من آخر القرآن
نزولا، ولم يجىء بعدها ما ينسخها ، فلو قدر نص يعارض هذا من كل وجه لكان
منسوخًا بآية المائدة.
وقال بعضهم: هذه الآية ترك العمل بها إجماعا ، وهذه مجازفة ، وقول بلا علم،
فالخلاف فيها أشهر من أن يخفى، وهى مذهب كثير من السلف ، وحكم بها أبوموسى
الأشعرى وذهب إليها الامام أحمد .

- ١٦ -
٣٥٨٩ - حدثنا الحسنُ بنُ عَلِىّ أخبرنا يَحْتَ بنُ آدَمَ أخبرنا ابنُ
أَبِى زَائِدَةَ من ◌ُمَّدٍ بِن أَبِى الْفَاسِمِ عنِ عَبْدِ الملكِ بنِ سَعِيدِ بنِ جُبَّيْرٍ عنْ
أَبِهِدِ عن ابن عَبَّاسٍ قَالَ ((خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَهْمِمَعَ نَسِيمِ الدَّارِىِّ
وَعَدِيٌّ بنِ بَدَّاءَ فَمَاتَ السَّهْىُ بِأَرْضِ لَيْسَ فِيهاَ [بِهَا] مُسْلِمٌ، فَلَمّا قَدِما
بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَمَ فِضَّةٍ مُخَوَّصَ بِالذَّهَبِ، فَأَحْلَفَهُمَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ فَقَالُوا اشْتَرَيْنَهُ مِنْ تَسِيمٍ وَعَدِيِّ فَقَامَ
رَجُلاَنٍ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْىِّ فَحَفَ لَشَهَدَتُنَ أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَ إِنَّ الْجَامَ
- وحكى ذلك عن الزهرى ، قال وذلك للعداوة التى ذكر الله سبحانه بين هذه
الفرق انتهى . والحديث سكت عنه المنذرى .
(وعدى بن بداء) بفتح الموحدة وتشديد الدال المهملة مع المد (فمات السهمى)
وكان لما اشتد وجمه أوصى إلى تميم وعدى وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى
أهله ، ذكره القسطلانى ( فلما قدما) أى تميم وعدى (فقدوا) أى أهل المتوفى
(جام فضة) أى كأساً من فضة (مخوصاً بالذهب) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة
- والواو المشددة آخره صاد مهملة أى فيه خطوط طوال كالخوص وكانا أخذاه من
مقاعه ( ثم وجد) بصيغة المجهول (فقالوا ) أى الذين وجد الجام معهم ( فقام
رجلان) هما عمرو بن العاص والمطلب بن أبى وداعة ( لشهادتنا أحق من
شهادتهما) أى يميننا أحق من يمينهما.
قال الخطابي: فى هذا حجة لمن رأى رد اليمين على المدعى والآية محكمة لم
ينسخ منها فى قول عائشة والحسن البصرى وعمرو بن شرحبيل ، وقالوا المائدة
آخر ما نزل من القرآن لم ينسخ منها شىء ، وتأول من ذهب إلى خلاف هذا
القول الآية على الوصية دون الشهادة ، لأن نزول الآية إنما كان فى الوصية -

- ١٧ -
لِصَاحِبِنَاً [لِصَاحِبِهِمْ - لِصَاحِبِهِها] قالَ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
شَهَادَةُ بَيْفِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَ كُمُ المَوْتُ﴾ الآيَةَ)).
- وتميم الدارى وصاحبه عدى بن بداء إنما كانا وصيين لاشاهدين والشهود
لا يحلفون، وقد حلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما عبر بالشهادة عن
الأمانه التى تحملاها وهو معنى قوله تعالى ﴿ ولا نكتم شهادة الله) أى أمانة الله
وقالوا معنى قوله تعالى ﴿ وآخران من غيركم﴾ أى من غير قبيلتكم، وذلك أن
الغالب فى الوصية أن الموصى شهد أقرباؤه وعشيرته دون الأجانب والأباعد .
ومنهم من زعم أن الآية منسوخة، والقول الأول أصح والله أعلم انتهى (يا أيها
الذين آمنوا شهادة بينكم) أى ليشهد ما بينكم، لأن الشهادة إنما يحتاج إليها
عند وقوع التنازع والتشاجر .
واختلف فى هذه الشهادة فقيل هى هنا بمعنى الوصية وقيل بمعنى الحضور -
للوصية . وقال ابن جرير الطبرى هى هنا بمعنى اليمين أى يمين ما بينكم أن
يحلف اثنان ، واختار هذا القول القفال، وضعف ذلك ابن عطية واختار أنها هنا
هى الشهادة التى تؤدى من الشهود أى الإخبار بحق للغير على الغير .
قال القرطبى: ورد لفظ الشهادة فى القرآن على أنواع مختلفة بمعنى الحضور ،
قال الله تعالى ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وبمعنى قضى ، قال تعالى
﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو) وبمعنى أقر، قال تعالى ﴿والملائكة يشهدون)
وبمعنى حكم ، قال تعالى ﴿ وشهد شاهد من أهلها) وبمعنى حاف ، قال تعالى
(فشهادة أحدهم أربع شهادات﴾ وبمعنى وصى، قال تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا
شهادة بينكم) انتهى .
وقال الخطيب والخازن : وهذه الآية الكريمة وما بعدها من أشكل
آى القرآن وأصعبها حكما وإعراباً وتفسيراً ونظما انتهى .
-
(٢ - عون المعبود ١٠)

- ١٨ -
- وفى حاشية الجمل على الجلالين : هذه الآية واللتان بعدها من أشكل القرآن
حكما وإعراباً وتفسيراً، ولم يزل العلماء يستشكلونها ويكفون عنها حتى قال مكى
ابن أبى طالب فى كتابه الكشف: هذه الآيات فى قراءتها وإعرابها وتفسيرها
ومعانيها وأحكامها من أصعب آى القرآن وأشكله . وقال السخاوى: ولم أر
أحداً من العلماء تخلص كلامه فيها من أولها إلى آخرها انتهى .
وقال القرطبى: ما ذكره مكى ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضاً . وقال
التفتازانى فى حاشيته على الكشاف: واتفقوا على أنها أصعب ما فى القرآن إعراباً
ونظراً وحكماً والله أعلم .
(إذا حضر أحدكم الموت) ظرف للشهادة وحضوره ظهور أمارته يعنى إذا
قارب وقت حضور الموت (الآية) وتمام الآية مع تفسيرها هكذا ( حين الوصية)
بدل من الظرف ، وفيه دليل على أن الوصية مما لا ينبغى التساهل فيها ( اثنان)
خبر شهادة أى شهادة بينكم شهادة اثنين . قال الخازن: لفظه خبر ومعناه الأمر
يعنى ليشهد اثنان منكم عدد حضور الموت وأردتم الوصية (ذوا عدل منكم)
من المسلمين ، وقيل من أقاربكم ، وهما أى ذو عدل ومنكم صفتان لاثنان يعنى
من أهل دينكم وملعكم يا معشر المؤمنين .
واختلفوا فى هذين الاثنين ، فقيل هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية
الموصى، وقيل هما الوصيان لأن الآية نزلت فيهما ، ولأنه قال تعالى فيقسمان بالله
والشاهد لا يلزمه يمين ، وجعل الوصى اثنين تأ كيداً، فعلى هذا تكون الشهادة
بمعنى الحضور كقولك شهدت وصية فلان بمعنى حضرت (أو آخران ) عطف
على اثنان (من غيرك) يعنى من غير أهل دينكم، فالضمير فى معكم للمدين
والمراد بقوله غيركم الكفار وهو الأنسب بسياق الآية، وهذا قول ابن عباس
وأبى موسى الأشعرى وسعيد بن المسيب وابن جبير والنخعى والشعنى وابن -

- ١٩ -
- سيرين ويحيى بن يعمر وأبى مجلز وعبيدة السلمانى ومجاهد وقتادة ، وبه قال
الثورى وأبو عبيد وأحمد بن حنبل قالوا إذا لم يجد مسلمين يشهدان على وصيته
وهو فى أرض غربة فليشهد كافرين أو ذميين أو من أىّ دين كانا ، لأن هذا
موضع ضرورة.
قال شريح : من كان بأرض غربة لم يجد مسلماً يشهد وصيته فليشهد كافرين
على أى دين كانا من أهل الكتاب أو من عبدة الأصنام فشهادتهم جائزة فى
هذا الموضع، ولا تجوز شهادة كافر على مسلم بحال إلا على وصيته فى سفر لا يجد
فيه مسلماً .
وقال قوم فى قوله (ذوا عدل منكم) يعنى من عشيرتكم وحيكم أو آخران
من غيركم من غير عشيرتكم وحيكم وأن الآية كلها فى المسلمين ، وهذا قول
الحسن والزهرى وعكرمة وقالوا لا تجوز شهادة كافر فى شىء من الأحكام وهذا
مذهب الشافعى ومالك وأبى حنيفة ، غير أن أبا حنيفة أجاز شهادة أهل الذمة
فيما بينهم بعضهم على بعض.
واحتج من قال بأن هذه الآية محكمة بأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا
وليس فيها منسوخ .
واحتج من أجاز شهادة غير المسلم فى هذا الموضع بأن الله تعالى قال فى
أول الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا) فيم بهذا الخطاب جميع المؤمنين ثم قال بعده
(ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم) فعلم بذلك أنهما من غير المؤمنين ،
ولأن الآية دالة على وجوب الخلف على هذين الشاهدين وأجمع المسلمون على أن
الشاهد المسلم لا يجب عليه يمين ، ولأن الميت إذا كان فى أرض غربة ولم يجد
مسلماً يشهده على وصيته ضاع ماله وربما كان عليه ديون أو عنده وديعة فيضيع
ذلك كله وإذا كان ذلك كذلك احتاج إلى إشهاد من حضر من أهل الذمة -

- ٢٠ -
- وغيرهم من الكفار حتى لا يضيع ماله وتنفذ وصيته فهذا كالمضطر الذى أبيح
له أكل الميتة فى حال الاضطرار، والضرورات قد تبيح شيئاً من المحظورات.
واحتج من منع ذلك بأن الله تعالى قال ( ممن ترضون من الشهداء﴾
والكفار ليسوا مرضيين ولا عدولا ، فشهادتهم غير مقبولة فى حال من الأحوال
قاله الخازن .
قلت : الآية محكمة وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ .
وأما قوله تعالى ( ممن ترضون) الآية، وقوله (وأشهدوا ذوى عدل
منكم) فهما عامان فى الأشخاص والأزمان والأحوال، وهذه الآية خاصة بحالة
الضرب فى الأرض وبالوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين ، ولا تعارض بين
خاص وعام والله أعلم .
( إن أنتم ضربتم) أى سافرتم (فى الأرض فأصابتكم مصيبة الموت) عطف
على ضربتم وجواب الشرط محذوف أى إن كنتم فى سفر ولم تجدوا مسلمين
فيجوز إشهاد غير المسلمين ، كذا فى جامع البيان . والمعنى أى فنزل بكم أسباب
الموت وقاربكم الأجل وأردتم الوصية حينئذ ولم تجدوا شهوداً عليها من المسلمين
فأوصيتم إليهما ودفعتم مالكم إليهما ثم ذهبا إلى ورثتكم بوصيتكم وبما تركتم
فارتابوا فى أمرهما وادعوا عليهما خيانة فالحكم فيه أنكم (تحبسونهما) وتوقفونها
صفة للآخران أو استئناف (من بعد الصلاة) أى بعد صلاة العصر، فإن أهل
الكتاب أيضاً يعظمونها ، أو بعد صلاة ما، أو بعد صلاتهم ( فيقسمان بالله )
أى فيحلفان بالله. قال الشافعى: الأيمان تغلظ فى الدماء والطلاق والعتاق والمال
إذا بلغ مائتى درهم بالزمان والمكان ، فيحاف بعد صلاة العصر إن كان بمكة
بين الركن والمقام ، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان فى بيت المقدس فعند
الصخرة ، وفى سائر البلاد فى أشرف المساجد وأعظمها بها قاله الخازن . وقال -