Indexed OCR Text

Pages 381-400

- ٣٨١-
٣٢ - باب فى بيع الطعام قبل أن يستوفى
٣٤٧٥ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن نَافِع عن ابنِ
عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: ((مَنِ ابْتَعَ طَعَمَا فَلاَ بَيِمْهُ
حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ )).
-
( باب فى بيع الطعام قبل أن يستوفى)
أى يقبض .
( من ابتاع) أى اشترى (حتى يستوفيه) أى يقبضه. وفى هذا الحديث
والأحاديث الآتية النهى عن بيع المبيع حتى يقبضه . قال النووى: واختلف
العلماء فى ذلك ، فقال الشافعى : لا يصح بيع المبيع قبل قبضه سواء كان طعاماً
أوعقاراً أو منقولا أو نقداً أوغيره. وقال أبو حنيفة: لا يجوز فى كل شىء إلا -
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
وقد روى البيهق فى سننه من حديث سفيان وهمام وأبان العطار عن يحيي بن أبى
كثير عن يعلى بن حكيم عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عصمة عن حكيم بن حزام
قال: قلت (( يا رسول الله، إنى أبتاع هذه البيوع، فما يحل لى منها وما يحرم على ؟
قال يا ابن أخى، لا تبع شيئاً حتى تقبضه)) ولفظ حديث أبان ((إذا اشتريت بيعاً
فلا تبعه حتى تقبضه)) وهذا إسناد على شرطهما سوى عبد الله بن عصمة وقد وثقه ابن
حبان واحتج به النسائى .
وروى النسائى من حديث عطاء بن أبي رباح عن حزام بن حكيم قال : قال حكيم
ابن حزام (( ابتعت طعاماً من طعام الصدقة ، فربحت فيه قبل أن أقبضه ، فأتيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال لا تبعه حتى تقبضه ))
وفى صحيح مسلم عن أبى الزبير عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم (( أنه نهى
أن يبيع الرجل طعاماً حتى يستوفيه)).
وفيه من حديث أبى هريرة يرفعه ( من اشترى طعاماً فلا يبعة حتى يكتاله)) =

- ٣٨٢-
- العقار . وقال مالك . لا يجوز فى الطعام ويجوز فيما سواه ووافقه كثيرون .
وقال آخرون: لا يجوزفى المسكيل والموزون ويجوز فيما سواه انتهى. قلت :-
=. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن من اشترى طعاماً فليس له بيعه حتى يقبضه،
وحكى ذلك عن غير واحد من أهل العلم إجماعاً .
وأما ما حكى عن عثمان البتى من جوازه فإن صح فلا يعتد به .
فأما غير الطعام فاختلف فيه الفقهاء على أقوال عديدة .
أحدها : أنه يجوز بيعه قبل قبضه ، مكيلا كان أو موزوناً ، وهذا مشهور
مذهب مالك . واختاره أبو ثور وابن المنذر .
والثانى : أنه يجوز بيع الدور والأرض قبل قبضها ، وماسوى العقار فلايجوز
بيعه قبل القبض ، وهذا مذهب أبى حنيفة وأبى يوسف.
والثالث : ما كان مكيلا أو موزوناً فلا يصح بيعه قبل القبض ، سواء أ كان
مطعوماً أم لم يكن ، وهذا يروى عن عثمان رضى الله عنه وهو مذهب ابن
المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعى وإسحاق، وهو المشهور من مذهب
أحمد بن حنبل .
والرابع : أنه لا يجوز بيع شىء من المبيعات قبل قبضه بحال ، وهذا مذهب
ابن عباس ومحمد بن الحسن ، وهو إحدى الروايات عن أحمد .
وهذا القول هو الصحيح الذى نختاره .
وقد اختلف أصحاب أحمد فى المنع من بيع المكيل والموزون قبل قبضه على
ثلاثة طرق .
أحدها : أن المراد ما تعلق به حق التوفية بالكيل أو الوزن ، كرطل من
زبرة ، أو قفيز من صبرة ، وهذه طريقة القاضى، وصاحب المحرر وغيرهما ، وعلى
هذا: فمنعوا بيع ما يتعلق به حق توفية، وإن لم يكن مكيلا ولا موزوناً ، كمن
اشترى ثوباً على أنه عشرة أذرع أو قطيعاً كل شاة بدرهم .
والطريقة الثانية: أن المراد به ما كان مكيل الجنس وموزونه ، وإن اشتراه
جزافاً كالصبرة ، وزيرة الحديد ونحوهما .
والطريقة الثالثة: أن المراد به المكيل والموزون من المطعوم والمشروب نص ==

- ٣٨٣ -
- يدل على ماذهب إليه الشافعى حديث زيد بن ثابت الآتى فى الباب وحديث
حكيم بن حزام عند أحمد بلفظ ((إذا اشتريت شيئاًفلا تبعه حتى تقبضه)) فإنهما -
= عليه فى رواية مهنا فقال : كل شىء يباع قبل قبضه ، إلا ما كان يكال أويوزن مما
يؤكل ويشرب .
فصار فی مذهبه أربع روايات .
إحداها : أن المنح مختص بما يتعلق به حق التوفية .
الثانية : أنه عام فى كل مكيل أو موزون مطعوم .
الثالثة : أنه عام فى كل مكيل أو موزون مطعوماً كان أو غيره .
الرابعة : أنه عام فى كل مبيع . والصحيح هو هذه الرواية لوجوه :
أحدها : حديث حكيم بن حزام (( قلت : يا رسول الله إنى أبتاع هذه البيوع
فما يحل لى منها وما يحرم على؟ قال: يا ابن أخى لاتبع شيئاً حتى تقبضه)) وقد ذكرنا
الكلام عليه .
الثانى : ما ذ کره أبو داود فى الباب من حديث زيد بن ثابت « نهى رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن تباع السلع حيث تبتاع)) وإن كان فيه محمد بن إسحاق فهو الثقة
الصدوق . وقد استوفينا الكلام عليه فى الرد على الجهمية من هذا الكتاب .
فإن قيل: الأحاديث كلها مقيدة بالطعام سوى هذين الحديثين، فإنهما مطلقان
أو عامان . وعلى التقديرين فنقيدهما بأحاديث الطعام أو نخصهما بمفهومها جمعا بين
الأدلة وإلا لزم إلغاء وصف الحكم، وقد علق به الحكم.
قيل : عن هذا جوابان
أحدهما : أن ثبوت المنع فى الطعام بالنص ، وفى غيره إما بقياس النظير ، كما صح
عن ابن عباس أنه قال ((ولا أحسب كل شىء إلا بمنزلة الطعام )) أو بقياس الأولى ،
لأنه إذا نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع كثرة الحاجة إليه وعمومها ، فغير الطعام
بطريق الأولى . وهذا مسلك الشافعى ومن تبعه .
الجواب الثانى : أن اختصاص الطعام بالمنع إنما هو مستفاد من مفهوم اللقب ،
وهو لو تجرد لم يكن حجة فكيف وقد عارضه عموم الأحاديث المصرحة بالمنع مطلقاً =

-٣٨٤ -
- بعمومهما بشملان الطعام وغيره. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم
والنسائي وابن ماجه .
-
= والقياس المذكور حتى لو لم ترد النصوص العامة لكان قياسه على الطعام دليلا على المنع
والقياس فى هذا يمكن تقديره من طريقين .
أحدهما : قياس بإبداء الجامع ، ثم المتكلمين فيه طريقان .
أحدهما : أنه قياس تسوية .
والثانى أنه قياس أولوية.
والثانى من الطريقين الأولين : قياس بإلغاء الفارق ، فإنه لا فارق بين الطعام
وغيره فى ذلك ، إلا ما لا يقتضى الحكم وجوداً ولا عدماً ، فافتراق المجلس فيها
عديم التأثير.
يوضحه : أن المسالك التى اقتضت المنع من بيع الطعام قبل قبضه موجودة بعينها
فى غيره كماسیاتی بيانه .
قال المخصصون المنع : تعليق النهى عن ذلك الطعام يدل على أنه هو العلة ، لأن
الحكم لو تعلق بالأعم لكان الأخص عديم التأثير ، فكيف يكون المنع عاماً ، فيعلقه
الشارع بالخاص .
قال المعممون : لا تنافى بين الأمرين فان تعليق الحكم بعموم المبيعات مستقل
بإفادة التعميم ، وتعليقه بالخاص يحتمل أن يكون لاختصاص الحكم به فثبت التعارض
ويحتمل أن يكون لغرض دعا إلى التعيين من غير اختصاص الحكمبه إما لحاجة المخاطب
وإما لأن غالب التجارة حينئذ كانت بالمدينة فيه، فرج ذكر الطعام مخرج الغالب
فلا مفهوم له ، وهذا هو الأظهر فإن غالب تجارتهم بالمدينة كانت فى الطعام ، ومن
عرف ما كان عليه القوم من سيرتهم عرف ذلك، فلم يكن ذكر الطعام لاختصاص
الحسكم به ، ولو لم يكن ذلك هو الأظهر لكان محتملا ، فقد تعارض الاحتمالان ،
والأحاديث العامة لا معارض لها فتعين القول بموجبها .
قال المخصصون : لا يمكنكم القول بعموم المنع ، فإنه قد ثبت بالسنة جواز
التصرف فى غير الطعام قبل قبضه بالبيع ، وهو الاستبدال بالثمن قبل قبضه
والمصارفة عليه .
=

- ٣٨٥ -
= قال المعممون : الجواب من وجهين .
أحدهما : الفرق بين الثمن فى الذمة والمبيع المتعين من وجوه ثلاثة .
أحدها : أن الثمن مستقر فى الذمة لا يتصور تلفه ، والبيع ليس كذلك ، نعم لو
كان الثمن معيناً لكان بمنزلة المبيع المتعين .
الثانى: أن بيع الثمن هاهنا إنما هو ممن فى ذمته ليس تبعاً لغيره ، فلو باع الثمن
قبل القبض أغير من هو فى ذمته لم يجز فى أحد قولى الشافعى ، وهو الذى رجحه
الرافعى وغيره من أصحابه .
الثالث : أن العلل التى لأجلها امتنع العقد على المبيع قبل قبضه منتقية فى
الثمن بأسرها .
فإن المآخذ ثلاثة :
إما عدم استقرار المبيع ، وكونه عرضة للتلف وانفساخ العقد
وهذه العلة مأمونة يكون الثمن فى الذمة .
وأما إن علق البائع لم تنقطع عن المبيع ، وهذه العلة أيضاً منتفية هاهنا
وإما أنه عرضة للربح وهو مضمون على البائع فيؤدى إلى ربح ما لم يضمن .
وهذه العلة أيضاً منتقية فى الثمن ، فإنه إنما يجوز له الاستبدال به بسعر يومه ،
كما شرطه النبى صلى الله عليه وسلم لئلا يربح فيما لم يضمن . ولا يمكن أن يقال مثل هذا
فى السلع ، لأنه إنما اشتراها للربح ، فلو منعناه من بيعها إلا بمثل الثمن لم يكن فى
الشراء فائدة ، بخلاف الأثمان فإنها لم توضع لذلك، وإنما وضعت رؤوساً للأموال ،
لامورداً للكسب والتجارة .
قال المخصصون : قد سلمتم نفوذ العتق قبل القبض ، وهو تصرف يزيل الملك ،
فما الفرق بينه وبين البيع الناقل للملك ؟
قال المعممون : الفرق بينهما أن الشارع جعل للعتق من القوة والسراية والنفوذ
ما لم يجعل لغيره ، حتى أدخل الشقص الذى للشريك فى ملك العتق قهراً، وأعتقه
عايه قهراً ، وحتى أعتق عليه ما لم يعتقه لقوته ونفوذه ، فلا يصح إلحاق غيره من
التصرفات به .
=
(٢٥ - عون المعبود ٩ )

- ٣٨٦-
= قال المخصصون : قد جوزتم بيع الملك قبل قبضه فى صور .
إحداها ؛ بيع الميراث قبل قبض الوارث له .
الثانية : إذا أخرج السلطان رزق رجل فباعة قبل أن يقبضه .
الثالثة : إذا عزل سهمه فباعه قبل أن يقبضه .
الرابعة : ما ملكه بالوصية ، فله أن يبيعه بعد القبول وقبل القبض .
الخامسة : غلة ما وقف عليه ، له أن يبيعها قبل أن يقبضها .
السادسة : الموهوب للولد إذا قبضه ثم استرجعه الوالد ، فله أن يبيعه قبل قبضه .
السابعة : إذا أثبت صيداً ثم باعه قبل القبض جاز .
الثامنة : الاستبدال بالدين من غير جنسه هو بيع قبل القبض .
نص الشافعى على الميراث والرزق يخرجه السلطان ، وخرج الباقى على نصه .
التاسعة : بيع المهر قبل قبضه جائز ، وقد نص أحمد على جوازهبة المرأة صداقها
من زوجها قبل قبضه .
العاشرة : إذا خالعها على عوض جاز التصرف فيه قبل قبضه ، حكاه صاحب
المستوعب وغيره .
وقال أبو البركات فى المحرر: هو كالبيع ، يعنى فى عدم جواز التصرف فيه
قبل القبض .
؛ الحادية عشرة: إذا أعتقه على مال جاز التصرف فيه قبل قبضه ، حكاه
صاحب المستوعب .
الثانية عشرة : إذا صالحه عن دم العمد بمال جاز التصرف فيه قبل قبضه ،
وكذلك إذا أتلف له مالا ، وأخرج عوضه. ومنع صاحب المحرر من ذلك كله ،
وألحقه بالمبيع .
قال المعممون : الفرق بين هذه الصور وبين التصرف فى المبيع قبل قبضه : أن
الملك فيه غير مستقر ، فلم يسلط على التصرف فى ملك مزلزل ، بخلاف هذه الصور ،
فان الملك فيها مستقر غير معرض للزوال ، على أن المعاوضات فيها غير مجمع عليها ،
بل مختلف فيها ، كما ذكرناه . وفيها طريقتان لأصحاب أحمد :
=

-- ٣٨٧-
= إحداهما : طريقةٍ صاحب المستوعب ، وهى أن كل عقد ملك به العوض ، فإن
كان ينتقض بهلاك العوض قبل قبضه، کالإجارة والصلح عن المبيع ، فحكمه فى جواز
التصرف فيه حكم العوض المتعين بعقد البيع ، وإن كان العقد لا ينتقض بهلاك العوض
المتعين به ، كالهر وعوض الخلع والعتق والصلح عن دم العمد، فحكمه حكم المملوك
بعقد البيع ، وما ملك بغير عوض كالميراث والوصية والهبة ، فالتصرف فيه جائز
قبل قبضه .
قال المخصصون: قد ثبت فى صحيح البخارى عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن
عمر قال (( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفر ، فكنت على بكر صعب
لعمر ، فكان يغلبنى : فيتقدم أمام القوم ، فيزجره عمر ، ويرده، ثم يتقدم فيزجره
ويقول لى : أمسكه، لا يتقدم بین یدی النی صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله
صلى الله عليه وسلم: بعنيه يا عمر. فقال هو لك يا رسول الله . قال بعنيه ، فباعه منه
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هولك ياعبد الله فاصنع به ما شئت)) فهذا تصرف
فى المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه .
قال المعممون : لاريب أن هذا تصرف فيه بالهبة لا بالعاوضة . ونحن لنا فى مثل
هذا التصرف قبل القبض خلاف ، فمن أصحابنا من يجوزه ، ونفرق بين التصرف فيه
بالبيع والتصرف بالهبة . ونلحق الهبة بالعتق ، ونقول: هى إخراج عن ملكه
لا تتوالى فيه ضمانات ، ولا يكون التصرف بها عرضة لربح ما لم يضمن ، بخلاف البيع
ومن أصحابنا من منعها وقال : العلة المانعة من بيعه قبل قبضه عدم استقرار الملك
وضعفه، ولا فرق في ذلك بين تصرف وتصرف، فإن صح الفرق بطل القبض وإن
بطل القبض سوينا بين التصرفات ، وعلى هذا ، فالحديث لا دلالة فيه على التصرف
قبل القبض ، إذ قبض ذلك البعير حصل بالتخلية بينه وبينه ، مع تميزه وتعينه ،
وهذا كاف فى القبض .
فصل
وقد ذكر للمنع من بيع ما لم يقبض علتان .
إحداهما : ضعف الملك لأنه لو تلف انفسخ البيع .
والثانية: أن صحته تفضى إلى توالى الضمانين فإنا لو صححناه كان مضموناً للمشترى =

- ٣٨٨-
= الأول على البائع الأول والمشترى الثانى على البائع الثانى فكيف يكون الشىء الواحد
مضموناً لشخص مضموناً عليه؟ وهذان التعليلان غير مرضيين .
أما الأول ، فيقال: ما تعندون بضعف الملك ؟ هل عنيتم به أنه لو طرأ
عليه سبب يوجب فسخه ينفسخ به ، أو أمراً آخر ؟ فإن عنيتم الأول فلم
قلتم : إنه مانع من صحة البيع ، وأى ملازمة بين الانفساخ بسبب طارىء ، وبين
عدم الصحة شرعاً أو عقلا ؟
وإن عنيتم بضعف الملك أمراً آخر ، فعليكم بيانه لننظر فيه .
وأما التعليل الثانى: فكذلك أيضاً ، ولا تظهر فيه مناسبة تقتضى الحكم، فإن
كون الشىء مضموناً على الشخص بجهة ، ومضموناً له بجهة أخرى غير ممتنع شرعاً
ولا عقلا، ويكفى فى رده أنه لا دليل على امتناعه، كيف وأنتم تجوزون للمستأجر
إجارة ما استأجره، والمنفعة مضمونة له على المؤجر ، وهى مضمونة عليه للمستأجر
الثانى ، وكذلك الثمار بعد بدو صلاحها إذا بيعت على أصولها ، فهى مضمونة على
البائع إذا احتاجت إلى سقى اتفاقاً . وإن تلفت بجائحة فهى مضمرنة عليه وله .
ولهذا لما رأى أبو المعالى الجوينى ضعف هذين التعليلين قال : لا حاجة
إلى ذلك ، والمعتمد فى بطلان البيع إنما هو الإخبار ، فالشافعى يمنع التصرف فى
المبيع قبل قبضه، ويجعله من ضمان البائع مطلقاً ، وهو رواية عن أحمد وأبى حنيفة
كذلك إلا فى العقار .
وأما مالك وأحمد فى المشهور من مذهبه: فيقولان : ما يمكن المشترى من قبضه
وهو المتعين بالعقد ، فهو من ضمان المشترى ، ومالك وأحمد يجوزان التصرف فيه ،
ويقولان : الممكن من القبض جار مجرى القبض على تفصيل فى ذلك.
فظاهر مذهب أحمد : أن الناقل للضمان إلى المشترى، هو التمكن من القبض،
لا نفسه وكذلك ظاهر مذهبه : أن جواز التصرف فيه ليس ملازماً للضمان ، ولا
مبتنياً عليه، ومن ظن ذلك من أصحابه فقد وهم ، فإنه يجوز التصرف حيث يكون من
ضمان البائع ، كما ذكرنا فى الثمن ومنافع الإجارة، وبالعكس أيضاً ، كما فى الصبرة المعينة.
وقد نص الخرقى على هذا، وهذا فقال فى المختصر : وإذا وقع المبيع على مكيل أو
موزون أو معدود فتلف قبل قبضه . فهو من مال البائع .
=

- ٣٨٩ -
٣٤٧٦ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عن مَالِكٍ عن نَافِعٍ من ابنِ
عُمَرَ أَنَّهُ قال: (( كُنَّا فِى زَمَنِ [زَمَنٍ] رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم نَبْقَعُ
الطَّعَمَ فَيَبْعَثُ عَلَيْنَ مَنْ يَأْمُرُنَ بِانْتِقَلِ مِنَ الْمَكَنِ الَِّىِ ابْتَنَهُ فِيهِ إِلَى
مَكَنٍ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ - يَعنى جُزَافًاً » .
- ( نبتاع الطعام ) أى نشتريه (فيبعث) بصيغة المجهول هكذا مضهوط فى
بعض النسخ وهو الظاهر . وقوله من يأمرنا هو مفعول مالم يسم فاعله لكن قال -
= ثم قال: ومن اشترى ما يحتاج إلى بيعه لم يجز بيعه حتى يقبضه.
ثم قال : ومن اشترى صبرة طعام لم يبعها حتى ينقلها .
فالصبرة مضمونة على المشترى بالتمكن والتخلية اتفاقاً ، ومع هذا لا يبيعها حتى
يقبضها ، وهذا منصوص أحمد .
فالمأخذ الصحيح فى المسألة : أن النهى معلل بعدم تمام الاستيلاء، وعدم انقطاع
علاقة البائع عنه ، فإنه يطمع فى الفسخ والامتناع من الأقباض إذا رأى المشترى
قد رج فيه، ويغره الربح وتضيق عينه منه، وربما أفضى إلى التحيل على الفسخ ولو
ظلما ، وإلى الخصام والمعاداة ، والواقع شاهد بهذا.
فمن محاسن الشريعة الكاملة الحكيمة : منع المشترى من التصرف فيه حتى يتم
استيلاؤه عليه ، وينقطع عن البائع ، وينفطم عنه فلا يطمع فى الفسخ والامتناع من
الإقباض وهذا من المصالح التى لا يهملها الشارع، حتى إن من لا خبرة له من التجار
بالشرع يتحرى ذلك ويقصده ، لما فى ظنه من المصلحة ، وسد باب المفسدة .
وهذه العلة أقوى من تينك العلتين .
وعلى هذا فإذا باعه قبل قبضه من بائعة جاز على الصحيح ، لانتفاء هذه العلة .
ومن علل النهى بتوالى الضمانين يمنع بيعه من بائعة لوجود العلة ، فبيعه من بائعة
يشبه الإقالة . والصحيح من القولين : جواز الإقالة قبل القبض ، وإن قلنا : هى بيع.
وعلى هذا خرج حديث ابن عمر فى الاستبدال بثمن المبيع ، والمصارفة عليه قبل
قبضه ، فإنه استبدال ومصارفة مع العاقد ، لامع غيره ، والله أعلم.

- ٣٩٠ -
٣٤٧٧ - حدثنا أَحَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْسَى عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ
أخبرنى نَافِعٌ عن ابنِ عُمَرّ قالَ: ((كَانُوا يَبْتَعُونَ الطَّعَامَ جِزَافً بِأَعْلَى
الشّوقِ ، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَنْ يَبِيعُوهُ حَتّى يَنْقُلُوهُ)).
- الزرقانى فى شرح الموطأ فيبعث أى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله من
يأمرنا محله نصب مفعول يبعث انتهى، وكذا قال الشيخ المحدث ولى الله الدهلوى
فى المصفى شرح الموطأ والله أعلم. (يعنى جزافاً) بكسر الجيم وضعها وفتحها
والكسر أفصح وأشهر، وهو البيع بلا كيل ولا وزن ولا تقدير. قاله
النووى . وقوله يعنى جزافاً هو تفسير لقوله نبتاع الطعام أى نبتاع جزافاً .
قال الخطابي: المقبوض يختلف فى الأشياء حسب اختلافها فى أنفسها وحسب
اختلاف عادات الناس فيه ، فمنها ما يكون بأن يوضع المبيع فى يد صاحبه ،
ومنها ما يكون بالتخلية بينه وبين المشترى ، ومنها ما يكون بالنقل من موضعه،
ومنها ما يكون بأن يكال وذلك فيما يبيع من الكيل كيلا، فأما ما يباع منه
جزافً صبرة مصبورة على الأرض فالقبض فيه أن ينقل ومحول من مكانه ، فان
ابتاع طعاماً كيلا ثم أراد أن يبيعه بالكمل الأول لم يجز حتى بمكيله على المشترى
ثانياً وذلك لما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أن يباع الطعام
حتى يجرى فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشترى انتهى .
قال النووى : وجواز بيع الصبرة جزافاً هو مذهب الشافعى .
قال الشافعى وأصحابه: بيع الصبرة من الحنطة والتمر وغيرهاجزافاً محيح انتهى
قال المنذرى: وأخرجه مسلم والنسائى.
(بأعلى السوق) أى فى الناصية العلها منها ( حتى ينقلوه) أى عن مكانه،
فإن القبض فيه بالنقل عن مكانه ذكره الطيبى والحديث دليل على أنه لا يجوز -

-٣٩١-
٣٤٧٨ - حدثنا أَحَدُ بنُ صَالحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرنا عَمْرٌو عن
الُنْذِرِ بنِ عُبَيْدٍ المَدِيِّ أَنَّ الْقَاسِمَ بنَ مُمَّدٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ
حََّهُ (( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم نَهى أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ طَعَامًا اشْتَرَاهُ
بِكَيْلٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ)).
- لمن اشترى طعاماً أن يبيعه حتى بقبضه من غير فرق بين الجزاف وغيره وإلى
هذا ذهب الجمهور .
وحكى فى الفتح عن مالك فى المشهور عنه الفرق بين الجزاف وغيره فأجاز
بيع الجزاف قبل قبضه، وبه قال الأوزاعى وإسحاق والحديث يرد عليهم وكذا
حديث ابن عمر الآنى من طريق الزهرى عن سالم.
قال المعذرى : وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه بنحوه.
(نهى أن يبيع أحد طعاماً اشتراه بكيل حتى يستوفيه) استدل به من فرق
بين الجزاف وغيره .
قال الزرقانى ، وفرق مالك بين الجزاف فأجاز بيعه قبل قبضه لأنه مرئى ،
فيكفى فيه التخلية وبين المكيل والموزون فلابد من الاستيفاء.
وقد روى أحمد عن ابن عمر موفوعاً (( من اشترى بكيل أو وزن فلا يبعه
حتی یقبضه )) ففى قوله بكهل أو وزن دليل على أن ما خالفه بخلافه .
وجعل مالك رواية ((حتى يستوفيه)) تفسيراً لرواية (( حتى يقبضه)) لأن
الاستيفاء لا يكون إلا بالكيل أو الوزن على المعروف لغة .
قال تعالى: ﴿ الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم
أو وزنوم يخسرون﴾ وقال (فأوف لنا الكيل﴾ وقال (وأوفوا الكيل إذا
كلتم ) انتهى .

-٣٩٢-
٣٤٧٩ - حدثنا أَبُو بَكْرٍ وَعُثمانُ ابْنَا أَبِى شَيِبَةَ قالاً أخبرنا وَكِيْعٌ
عن سُفْيَانَ عن ابنِ طَاوُسٍ عن أَبِيهِ عن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَنِ ابْتَعَ طَعَاماً فَ بَيِمْهُ [ِفَلاَ يَبِعُهُ] حَتّى يَكْقَالَهُ))
زَادَ أَبُو بَكْرٍ قَال قُلْتُ لِاِ بْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ؟ قال: أَلاَ تَرَى أَنَّهُمْ يَبْتَاعُونَ ..
[يَتَبَابَعُونَ] بالذَّهَبِ وَالطَّعَامُ مُرَجَّى ».
- وأجاب الجمهور عنه بأن التنصيص على كون الطعام المنهى عن بيعه مكيلا
أو موزوناً لا يستلزم عدم ثهوت الحكم فى غيره.
نعم لو لم يوجد فى الباب إلا الأحاديث التى فيها إطلاق لفظ الطعام لأمكن
أن يقال إنه يحمل المطلق على المقيد بالكيل والوزن، وأما بعد التصريح بالنهى
عن بيع الجزاف قبل قبضه كما فى حديث ابن عمر ، فيتحتم المصير إلى أن حكم
الطعام متحد من غير فرق بين الجزاف وغيره .
قال المنذرى : وأخرجه النسائى .
( يكتاله) أى يقبضه بالكيل (قلت لابن عباس لم) بكسر اللام وفتح الميم
أى ما سبب النهى ( يباعون بالذهب والطعام مرجى) بوزن إسم المفعول من
باب الأفعال والتفعيل همز ولا يهمزأى مؤخر.
قال الخطابي: وكل شىء أخرته فقد أرجيعه، يقال أرجهت الشىء ورجيت
أى أخرته وقد يتكلم به مهموزاً وغير مهموز انتهى .
والمعنى أنه إذا اشترى طعاماً بمائة دينار ودفعها للهائع ولم يقبض منه الطعام
وتأخر فى يد البائع، ثم باع الطعام إلى آخر بمائة وعشرين مثلا، فكأنه اشترى
بذهبه ذهباً أكثر منه كذا فى النيل .

-٣٩٣-
٣٤٨٠ - حدثنا مُسَدَّدٌ وَسُلَمانُ بنُ حَرْبٍ قالاً أخبرنا حمادٌ ح.
وأخبرنا مُدَّدٌ أخبرنا أَبُوعَوَانَةَ وَهُذَا لَفْظُ مَُدَّدٍ عن ◌َمْرِ وِ بنِ دِينَارٍ منْ
طَاوُسٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ [ النَّبِىُّ] صلى اللهُ عليه وسلم:
( إِذَا اشْتَرَى أَحَدُ كُمْ طَعَامًا فَلاَ بَبِهُ حَتَّى يَقْضَهُ. قال سُلَمَانُ بنُ حَرْبٍ:
حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. زَادَ مُسَدِّدٌ قَالَ وَقالَ ابنُ عَبَّاس: وَأَحْسِبُ كُلِّ شَىْءٍ
مِثْلَ الطَّعَامِ».
٣٤٨١ - حدثنا الْحَسَنُ بنُ عَلِىّ أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أنبأنا [حدثنا]
- وقال فى مرقاة الصعود: معنى الحديث أن يشترى من إنسان طعاماً بدينار
إلى أجل ثم يبيعه منه أو من غيره قبل أن يقبضه بدينارين مثلا فلا يجوز، لأنه
فى التقدير بيع ذهب بذهب والطعام غائب ، فكأنه باعه ديناره الذى اشترى
به الطعام بدينارين فهو ربا، ولأنه بيع غائب بناجز فلا بصح انتهى.
قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن
ماجه بنحوه .
(عن عمرو بن دينار) فماد وأبو عوانة كلاهما يرويان عن عمرو بن دينار
( قال سليمان بن حرب حتى يستوفيه ) أى يقبضه وافياً كاملا وزناً أو كيلا
(وأحسب) بكسر السين وفتحها أى أظن ( كل شىء مثل الطعام ) أى فى أنه
لا يجوز للمشترى أن يبيعه حتى يقبضه، وهذا من تفقه ابن عباس رضى الله عنه
وقال صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام ((لا تيبعن شيئاً حتى تقبضه)) رواه
البيهقى وقال إسناده حسن متصل، كذا فى إرشاد السارى ، ورواه أحمد أيضاً
كما تقدم.
قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى بنحوه.
-

- ٣٩٤ -
مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِىِّ عن سَالِمٍ عن ابنِ عُمَرَ قال: ((رَأَيْتُ النَّاسَ بُضْرَبُونَ
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم إذَا اشْتَرَوا الطَّعَامَ جُزَافاً أَنْ يَبِيعُوهُ
حتّى يُبْلِغَهُ إِلَى رَحْلِهِ » .
٣٤٨٢ - حدثنا عُمَّدُ بنُ عَوْفِ الطَّائِىُّ أخبرنا أَحْمَدُ بنُ خَالِدِ الْوَهْبِىُّ
أخبرنا ◌ُمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ عن أَبِ الزَّنَادِ عن عُبَيْدِ بنِ مُتَيْنٍ عن ابنِ ◌ُمَرَ
قال: ((ابْتَعْتُ زَيْتًا فِى السُّوقِ فَلَمَّ اسْتَوْ جَبْتُهُ لِنَفْسِىَ لَفِيِّ رَجُلٌ فَأَعْطَانِى
بِ رِنِجَا حَسَنَا فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى بَدِهِ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِى بِذِرَاعِ
فَالْتَفَتُّ فِإِذَا زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ فَقالَ: لا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَجُوزَهُ إِلَى
- (يضربون) بصيغة المجهول. قال السيوطى: هذا أصل فى ضرب المحتسب
أهل السوق إذا خالفوا الحكم الشرعى فى مبايعاتهم ومعاملاتهم انتهى.
قال النووى : فيه دليل على أن ولى الأمر يعزر من تعاطى بيعاً فاسداً ،
ويعزره بالضرب وغيره مما يراه من العقوبات فى البدن انتهى ( جزافاً) أى
شراء جزافاً ، ويجوز أن يكون بالنصب على الخال أى حال كونهم مجازفين .
قال القرطبى : فى هذا الحديث دليل لمن سوى بين الجزاف والكهل من الطعام
فى المنع من بيع ذلك حتى يقبض ورأى نقل الجزاف قبضه، وبه قال الكوفيون
والشافعى وأبو ثور وأحمد وداود كذا فى عمدة القارى شرح البخارى . قال
المنذرى : وأخرجه البخاري ومسلم والنسائى.
( فلما استوجبته) أى صار فى ملكى بعقد التهايع . قاله فى المجمع (فأردت
أن أضرب على يده) أى أعقد معه البيع ، لأن من عادة المتبايعين أن يضع -

- ٣٩٥ -
رَحْلِكَ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم نَهَى أَنْ تُبَعَ السَّلَعُ حَيْثُ تُبْتَعُ
حَتَّى يَحُوزَهَا [يَجُوزَ ] التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ)).
٣٣ - باب فى الرجل يقول عند البيع لاخلابة
٣٤٨٣ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَةً عن مَالِكٍ عن عَبْدِ اللهِ بنِ دِينَارٍ
عن ابنٍ مُمَ ((أَنَّ رَجُلَاذَ كَرَ لِرَ سُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمٍ أَنَّهُ يُخْدَعُ
فِى الْبَيْعِ، فقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: إِذَا بَيَمْتَ فَقُلْ لا خِلاَبَةَ
فَكَنَ الرَّجُلُ إِذَا بَيَعَ يَقُولُ لاخِلاَبَةَ ».
- أحدهما يده فى يد الآخر عند العقد قاله فى المجمع (تحوزه) أى تحرزه (نهى أن
تباع السلع) بكسر السين وفتح اللام جمع السلعة بالكسر المتاع وما تجربه .
كذا فى القاموس ( حيث تبتاع) أى فى مكان اشترائها .
قال المنذرى : فى إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه .
( باب فى الرجل يقول عند البيع لاخلابة)
بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام بعدها موحدة أى لاخديعة ولا غين لى
فى هذا البيع ، أى فهل يثبت له الخيار أم لا .
وقال أحمد من قال ذلك فى بيعه كان له الرد إذا غبن ، والجمهور على أنه
لا رد له مطلقاً .
( أن رجلا) اسمه حبان بن منقذ بن عمرو الأنصارى، وقيل بل هو والده
منقذ بن عمرو وكان قد بلغ مائة وثلاثين سنة، وكان قد شج فى بعض مغازيه مع
النبى صلى الله عليه وسلم فى بعض الحصون بحجر فأصابته فى رأسه مأمومة، فتغير
بها لسانه وعقله لكن لميخرج عن التمييز قاله النووى (يخدع) بصيغة المجهول -

- ٣٩٦ -
٣٤٨٤ - حدثنا محمّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ الْارُزَى [الْأَدُزِّئُّ] وَإِبْاهِيمُ
ابنُ خَالِدٍ أَبُو تَوْرِ الْكَلِىُّ لَعَنِى قَالاً أخبرنا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، قَالَ مُمَّدٌ:
عَبْدُ الْوَهَّابِ بنُ عَطَاءِ، قالَ أنبأنا سَعِدٌ عن قَتَادَةً عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ
- (يقول لاخلابة) أى لاخديعة فى الدين، لأن الدين النصيحة، فلا لنفى الجنس
وخبرها محذوف .
وقال التوربشتى : لقنه النبى صلى الله عليه وسلم هذا القول ليتلفظ به عند
البيع ليطلع به صاحبه على أنه ليس من ذوى البصائر فى معرفة السلع ومقادير
القيمة فيها ليرى له كما يرى لنفسه ، وكان الناس فى ذلك أحقاء لا يغبدون أخاهم
المسلم، وكانوا ينظرون له كما ينظرون لأنفسهم انتهى .
واستعماله فى الشرع عبارة عن اشتراط خيار الثلاث ، وقد زاد البيهقى فى
هذا الحديث بإسناد حسن ثم أنت بالخيار فى كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال .
واستدل به أحمد لأنه يرد بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السلعة، وحدّه بعض
الحنابلة بثلث القيمة ، وقيل بسدسها . وأجاب الشافعية والحنفية والجمهور بأنها
واقعة عين وحكاية حال فلا يصح دعوى العموم فيها عند أحد . كذا فى إرشاد
السارى . قال المعذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى.
(الأرزى) هكذا فى نسخة صحيحة. قال الإمام الحافظ أبو على الغسانى فى
تقييد المهل : الأرزى بهمزة مضمومة وراء مهملة مضمومة وبعدها زاى مشددة
هو محمد بن عبد الله الأرزى، وبعضهم يقول الرزى بحذف الهمزة لأنه يقال أرز
ورز من شيوخ مسلم حدث عنه فى غير موضع من كتابه تفرد به أى ماروى عنه
البخارى ، وقد حدث عنه أبو داود السجستانى سمع عبد الوهاب بن عطاء وخالد
ابن الحارث انتهى .
-

- ٣٩٧-
((أَنَّ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ [ النِّىِّ] صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ يَبْتَاعُ
وفى عِقْدَتِهِ ضُعْفٌ، فَأَتَّى أَهْلُهُ نَبِيَّ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فقالُوا: يَنَبِىَّ اللّهِ
احْجُرْ عَلَى فُلاَنِ فإِنَّهُ يَبْتَعُ وفِى عِقْدَتِهِ ضَعْفٌ ، فَدَعَهُ النَّىُّ صلى اللهُ عليه
وسلم فَتَهُ عن الْبَيْجِ، فقالَ: يَارَسُولَ اللهِ [َبِىِّ اللهِ] إِنِّى لَا أَصْبِرُ من الْبَيْجِ
فقالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: إِنْ كُنْتَ غَيْرَ قَارِكٌ لِلْبَيْجِ، فَقُلْ:
هَاءَ وَهَاءَ وَلا خِلاَبَةَ ». قَالَ أَبُو نَوْرِ عن سَعِيدٍ .
- وفى التقريب: محمد بن عبد الله الرزى براء مضمومة ثم زاى ثقيلة أبو جعفر
البغدادى ثقة يهم انتهى .
وقال السيوطى فى لب اللباب: هو منسوب إلى الأرز طبخاً أو بيعاً انتهى
وفى الخلاصة محمد بن عبد الله الأدزى بفتح الهمزة وإسكان المهملة قبل الزاى
وهو الرزى بضم المهملة وكسر الزاى أبو جعفر البصرى نزيل بغداد . انتهى،
والله أعلم (وفى عقدته ضعف) وقع تفسيره فى بعض الروايات بلفظ يعنى فى
عقله ضعف .
وقال فى المجمع: أى فى رأيه ونظره فى مصالح نفسه انتهى.
وفى التلخيص : العقدة الرأى ، وقيل هى العقدة فى اللسان لما فى بعض
الروايات من أنه أصابته مأمومة فكسرت لسانه حتى كان يقول لاخذابة بالذال
مكان اللام .
وفى رواية لمسلم أنه كان يقول لاخنابة بالدون والله تعالى أعلم (احجر على
فلان ) أى امنعه عن التصرف ( فقل هاء وهاء) بالمد وفتح الهمزة، وقيل
بالكسر ، وقيل بالسكون.
قال فى المجمع : هو أن يقول كل من البيعين ها فيعطيه مافى يده كحديث -

- ٣٩٨-
٣٤ - باب فى العربان
٣٤٨٥ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ قَالِ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بنِ أَنَسٍ
- ((إلا يداً بيد)) وقيل معناه هاك وهات أى خذ واعط (ولا خلابة) قال فى النيل
اختلف العلماء فى هذا الشرط هل كان خاصاً بهذا الرجل أم يدخل فيه جميع من
شرط هذا الشرط ، فعند أحمد ومالك فى رواية عنه أنه يثبت الرد لكل من
شرط هذا الشرط ، ويثبتون الرد بالغبن لمن لم يعرف قيمة السلع ، وأجيب بأن
النبى صلى الله عليه وآله وسلم إنما جعل لهذا الرجل الخيار الضعف الذى كان
فى عقله كما فى حديث أنس فلا يلحق به إلا من كان مثله فى ذلك بشرط أن
يقول هذه المقالة، ولهذا روى أنه كان إذا غين يشهد رجل من الصحابة أن
النبى صلى الله عليه وآله وسلم قد جعله بالخيار ثلاثاً فيرجع فى ذلك ، وبهذا يتبين
أنه لا يصح الاستدلال بمثل هذه القصة على ثبوت الخيار لكل مغبون وإن كان
صحيح العقل، ولاعلى ثبوت الخيار لمن كان ضعيف العقل إذا غبن، ولم يقل هذه
المقالة ، وهذا مذهب الجمهور وهو الحق انتهى ملخصاً (قال أبو ثور عن سعيد)
أى مكان قوله أخبرنا سعيد .
قال المنذرى : وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجه ، وقال الترمذى :
صحيح غريب .
( باب فى العربان)
بضم العين وسكون الراء، ويقال عربون وعربون بالفتح والضم وبالهمز
بدل العين فى الثلاث والراء ساكنة فى الكل .
قال ابن الأثير: قيل سمى بذلك لأن فيه إعراباً لعقد البيع أى إصلاحاً
وإزالة فساد لئلا يملكه غير، باشترائه . قاله الزرقانى .
-

- ٣٩٩ -
أَنَّهُ بَغَهُ عن عَمْرِوِ بنِ شُعَيْبٍ عن أَبِيهِ من ◌َجَدِّهِأَنَّهُ قال ((نَهَى رَسُولُ اللهِ
- وقال فى الجمع : هو أن يشترى أى السلعة ويدفع شيئاً على أنه إن أمضى
البيع حسب من الثمن ، وإلا كان للبائع ولم يرتجعه أعرب فى كذا وعرب وعربن
وهو عربان وعربون لأن فيه إعراباً بالبيع أى إصلاحاً لثلا يملكه غيره بالشراء
وهو بيع باطل لما فيه من الشرط والغرر انتهى.
(أنه بلغه) ولفظ الموطأ مالك عن الثقة عنده.
قال الحافظ الإمام ابن عبد البر: تكلم الناس فى الثقة هنا والأشبه القول
بأنه الزهرى عن ابن لهيمة أو ابن وهب عن ابن لهيعة لأنه سمعه من عمرو وسمعه
منه ابن وهب وغيره انتهى .
وقال فى الاستذكار: الأشبه أنه ابن لهيمة ثم أخرجه من طريق ابن وهب
عن مالك عن عبد الله بن لهيعة عن عمرو به .
وقال رواه حبيب كاتب مالك عن مالك عن عبد الله بن عامر الأسلمى عن
عمرو به، وحبيب متروك كذبوه انتهى. ورواية حبيب عند ابن ماجه
قال الزرقانى : وأشبه من ذلك أنه عمرو بن الحارث المصرى فقد رواه
الخطيب من طريق الهيثم بن يمان أبى بشر الرازى عن مالك عن عمرو بن الحارث
انتهى (عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصى صدوق
(عن أبيه) شعيب تابعى صدوق (عن جده) أى شعيب وهو عبد الله لأنه
ثبت سماع شعيب منه أو ضميره لعمرو ، ويحمل على الجد الأعلى وهو الصحابى
عبد الله بن عمرو ، ولذا احتج الأكثر بهذه الترجمة خلافً لمن زعم أنها منقطعة
لأن جد عمرو محمداً ليس بصحابى ولا رواية له بناء على عود الضمير لعمرو وأنه
الجد الأدنى كذا فى شرح الموطأ للزرقانى.
-

- ٤٠٠ -
صلى اللهُ عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ قال .آلِئٌ: وَذَلِكَ فِهِمَا نُرَى - وَاللهُ أَعْلَ-
أَنْ يَشْتَرِىَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ أَوْ يَتَكَّرَى الدَّابَّةَ ثُم يَقُولُ: أَعْطِكَ [أَعْطَيْتُكَ]
دِينَراً عَلَى أَنِّى إِنْ تَرَكْتُ السَّلْعَةَ أَو الْكِرَاءَ فِمَ أَعْطَيْتُكَ لَكَ)).
- قلت : وقد تقدم فى أوائل الكتاب ترجمة عمرو بن شعيب أكثر من هذا
( قال مالك و) تفسير (ذلك فيما نرى) بضم الفون نظن (أن يشترى الرجل)
أو المرأة (العبد) أو الأمة (ثم يقول) الذى اشترى منه أو تكارى منه (أعطيك
ديناراً) أودرهما أوأكثر من ذلك أو أقل (على أنى إن تركت السلعة) المباعة
(فما أعطيتك لك ) ولا رجوع لى به عليك.
ولفظ الموطأ على أنى إن أخذت السلعة أو ركبت ما تكاريت منك ،
فالذى أعطيتك هومن ثمن السلعة أو من كراء الدابة ، وإن تركت ابتياع السلعة
أو كراء الدابة فما أعطيتك لك باطل بغير شيء انتهى .
قال الزرقانى : هو باطل عند الفقهاء لما فيه من الشرط والغور وأ كل أموال
الناس بالباطل ، فإن وقع فسخ فإن فات مضى لأنه مختلف فيه فقد أجازه أحمد ،
وروى عن ابن عمر وجماعة من التابعين إجازته ويرد العربان على كل حال .
قال ابن عبد البر: ولا يصح ما روى عنه صلى الله عليه وسلم من إجازته،
فإن صح احتمل أنه يحسب على البائع من الثمن إن تم البيع ، وهذا جائز عند
الجميع انتهى.
وقال فى النيل: والمراد أنه إذا لم يختر السلعة أو اكتراء الدابة كان الدينار
أو نحوه المالك بغير شىء وإن اختارهما أعطاه بقية القيمة أو الكراء، وحديث
الباب يدل على تحريم البيع مع العربان ، وبه قال الجمهور، وخالف فى ذلك أحمد
فأجازه ، وروى نحوه عن عمرو ابنه ، ويدل على ذلك حديث زيد بن أسلم أنه -