Indexed OCR Text

Pages 101-120

- ١٠١-
٣٢٥٥ - حدثنا محمَّدُ بنُ يَحْتَى بِنِ فَرِسِ قَالَ أنبأنا مُمَّدُ بنُ كَثِيرِ
أخبرنا [ أنبأنا] سُليمانُ بنُ كَثِيرٍ عن الزُّهْرِىَّ من عُبَيْدِ اللهِ عن ابنٍ عَبَّاسٍ
عن التَبِّ صلى اللهُ عليه وسلم بِهَذَا الْخْدِيثِ، لَمْ يَذْ كُرِ الْقَتَمَ. زَادَ فِيهِ:
((وَلَمْ يُخْبِرْهُ)).
١٤ - باب فى الحلف كاذباً متعمداً
٣٢٥٦ - حدثنا مُوسَ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حمّادٌ أنبأنا عَطَاءُ بنُ السَّائِبِ
عن أبى يَحْمَى عن ابنِ عَبَّاسٍ ((أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّيِّ صلى اللهُ عليه
وسلم، فَأَلَ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم الطَّالِبَ الْبَيَِّةَ، فَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّئَةٌ،
فاسْتَحْلَفَ المَطْلُوبَ، فَحَلَفََ باللهِ الذِىِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ، فقالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم: ◌َى قَدْ فَعَلْتَ وَلَكِنْ قَدْ غُفِرَ لَكَ بِإِخْلاَصِ قَوْلٍ لا إلهَ إلاّ اللهُ»
- القسم يميناً على وجه آخر فيقول لولا أنه يمين ما كان الغى صلى الله عليه وسلم
يقول له لا نقسم، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأصحابه انتهى .
وقال المنذرى: والحديث أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن
ماجه، ومنهم من يذكر فيه أبا هريرة ومنهم من لا يذكره انتهى (ولم يخبر)
أى لم يخبر النبى صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالذى أخطأ فيه وأصاب . والحديث
سكت عنه المنذرى .
( باب فى الحلف كاذباً متعمداً )
( الطالب) أى المدعى ( فلم تكن له) أى الطالب (فاستحلف) النبى صلى
الله عليه وسلم (المطلوب) أى المدعى عليه ( خلف ) أى المطلوب ( بالله الذى
لا إله إلا هو) أى كاذباً بأن ليس للطالب عندى حق (بلى قد فعلت) أمي -

-١٠٢ -٠
قال أَبُو دَاوُدَ: يُرادُ من هُذَا الحديثِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْكَفَارَةِ .
- حلفت كاذباً أو فعلت ماحلفت على عدم فعله. قال فى فتح الودود: الظاهر أنه
ألزمه بالدعوى وبطلان اليمين بوحى أو إلهام ، وهذا دليل على أنه صلى الله عليه
وسلم كان أحيانا يقضى بالوحى ونحوه أيضاً (ولكن قد غُفِرَ لك ) أى إِنم
الحلف الكاذب ، ففيه دليل على أن الكبائر تغفر بكلمة التوحيد قاله فى
فتح الودود ( بإخلاص قول لا إله إلا الله ) .
وأخرج أحمد فى مسنده عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
لرجل فعلت كذا ؟ قال لا والذى لا إله إلا هو ما فعلت . قال فقال له جبريل
عليه السلام قد فعل ولكن اللهعز وجل غفر له بقوله لا والذى لا إله إلا هو .
وأخرج عن ابن عباس قال ((اختصم إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم
رجلان فوقعت اليمين على أحدهما خلف بالله الذى لا إله إلا هو ماله عنده شيء.
قال فنزل جبرئيل عليه السلام على النبى صلى الله عليه وآله وسلم فقال إنه كاذب
أن له عنده حقه فأمره أن يعطيه حقه وكفارة يمينه معرفته أن لا إله إلا الله أو
شهادته)) (أنه) صلى الله عليه وسلم (لم يأمره) أى الحالف الكاذب (بالكفارة)
وأخرج أحمد من حديث أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق ، وبهت مؤمن،
والفرار يوم الزحف ، ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق)).
ويشهد له ما أخرجه البخارى من حديث ابن عمر وقال ((جاء أعرابى إلى
النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما الكبائر)) فذكر الحديث وفيه
(((اليمين الغموس)) وفيه ((قلت وما اليمين الغموس)) قال (( الذى يقتطع بها مال
امرىء مسلم هو فيها كاذب».
ومعنى قوله ((ليس لهن كفارة)) أى لا يمحو الاثم الحاصل بسببهن شىء -

-- ١٠٣-٠
١٥ - باب كم الصاع فى الكفارة
٣٢٥٧ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحٍ قال قَرَأْتُ عَلَى أَنَسٍ بنِ عِيَاضٍ قال
حدََّى عَبْدُ الرَّحْمنِ بِنُ حَرْمَلَةً عن أُمَّ حَبِبٍ بِنْتِ ذُؤَيْبِ بنِ قَيْسٍ لُزَنِيَّةِ
وكَنَتْ تَمْتَ رَجُل مِنْهُمْ مِنْ أَعْلَمَ، ثُمَّ كَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَخٍْ لِصَفِيَّةَ زَوْجٍ
النَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم. قالَ ابنُ حَرْمَةَ: فَوَهَبَتْ لَنَا أُمُّ حَبِيبٍ صَاعً
حَدَّثَتْنَاَ عن ابنٍ أُخِى صَفِيَّةً عن صَفِيَّةَ أُنَّهُ صَاعُ النَّبِىِّ صلى اللهُ عليه وسلم
قالَ أُنَسٌ: فَجَرَّبْتُهُ [فَحَزَرْتُهُ - فَجَرَّبْتُهُ أو قَالَ فَحَزَرْتُهُ] فَوَجَدْتُهُ
مُدِّيْنٍ وَنِصْفاً بِدِّ هِشَمٍ)).
- من الطاعات ، فالظاهر أن هذه الأمور لا كفارة لها إلا التوبة منها ولا توبة
فى مثل الققل إلا بتسليم النفس للقود. فإن قلت: قوله صلى الله عليه وسلم فى
حديث ابن عباس وكفارة يمينه أن لا إله إلا الله)) وهذا يعارض حديث أبى
هريرة (( خمس ليس لهن كفارة)) لأنه قد نفى الكفارة عن الخمس التى من
جملتها الهمين الفاجرة فى اقتطاع حق، وهذا أثبت له كفارة وهى التكلم بكلمة
الشهادة ومعرفته لها .
قلت : يجمع بينهما بأن النفى عام والإثبات خاص . ذكره الشوكانى.
قال المنذرى: والحديث أخرجه النسائى وفى إسناده عطاء بن السائب وقد تكام
فيه غير واحد ، وأخرج له البخارى حديثاً مقروناً بأبى بشر .
( باب كم الصاع فى الكفارة )
أى كم يكون مقدار الصاع وأى صاع يعتبر فى الكفارة ( ثم كانت)
أى أم حبيب ( حدثتنا ) أى أم حبيب ( عن ابن أخى صفية ) قال الحافظ
لا يعرف (أنه) اى الصاع الموهوب (قال أنس) أى ابن عياض (جر .= ٨) -

- ١٠٤ -
٣٢٥٨ - حدثنا محمّدُ بنُ عُمَّدٍ بِنِ خَلاَّدٍ أَبُو عُمَرَ قال: ((كَانَ عِنْدَنَ
مَكُّوكٌ يُقَالُ لَهُ مَكُّوكُ خَالِدٍ وَكَانَ كَيْلَجَتَيْنِ بِكَهْلَجَةٍ هَارُونَ )).
قال مُمَّدٌ: صَاعُ خَالِدٍ صَاحُ هِشَمٍ- يَعنى ابنَ مَالِكٍ.
٣٢٥٩ - حدثنا محمّدُ بنُ مُمَّدِ بنِ خَلاَدٍ أَبُو عَرَ حدثنا مُسَدَّدٌ عن
أُمَّةَ بنِ خَالِدٍ قال: ((لَمَّا وُلَّى خَالِدِ الْقَسْرِىُّ أَضْعَفَ الصَّاعَ فَصَارَ الصَّاعُ
سِتَّةٌ عَشَرَ رَطْلاً)).
- أى اختبرت الصاع الموهوب (بمد هشام) بن عبد الملك وكان عنده أيضاً صاع
مثله. والحديث سكت عنه المنذرى. وتقدم بحث الصاع والرطل بما لا مزيد
عليه فى باب مقدار الماء الذى يجزىء به الغسل فليرجع إليه .
( حدثنا محمد بن محمد بن خلاد أبو عمر ) هو الباهلى (قال كان عندنا) وهذه
الرواية ليست فى مختصر السنن ولا فى عامة نسخ السنن ، وإنما وجدناها فى بعض
النسخ الصحيحة وذكرها الحافظ المزى فى الأطراف فى ترجمة محمد بن محمد الباهلى،
لكن لم ينسبها لأحد من الرواة ( مكوك) قال فى النهاية المكوك المد، وقيل
الصاع، والأول أشبهه لأنه جاء فى حديث آخر مفسراً بالمد ، والمكوك اسم
المكيال ويختلف القداره باختلاف اصطلاح الناس عليه فى البلاد ( وكان ) أى
مسكوك خالد ( كيلجتين ) قال فى لسان العرب الكيلجة مكمال والجمع كياج
وكيالجة أيضاً والهاء للعجمة انتهى.
( عن أمية بن خالد) والحديث ليس من رواية اللؤلؤى ، وذكره المزى
فى ترجمة خالد بن عبد الله القسرى وقال هو فى رواية ابن داسة وغيره (لما ولى
خالد ) بن عبد الله بن يزيد بن أسد أمير الحجاز ثم الكوفة (القسرى) بفتح
القاف وسكون المهملة كذا فى التقريب (أضعف الصاع فصار الصاع ستة عشر -

-١٠٥ -
قال أَبُو دَاوُدَ: ◌ُمَّدُ بنُ عُمَّدِ بنِ خَلَّدٍ فَقَلَهُ الرَّحْجُ صَبْراً، فقالَ بِيَدِهِ
طِكَذَا وَمَدِّ أَبُو دَاوُدَ يَدَهُ وَجَعَلَ بُعُونَ كَفِّيْهِ إِلَى الْأَرْضِ ، فال وَرَأَيْتُهُ
فِى النَّوْمِ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ فقالَ: أَدْخِلْنِ الْنَّةَ، قُلْتُ: قَ
يَضُرِّكَ الْوَقْفُ .
- رطلا) وهذا ليس فيه حجة، والصحيح أن الصاع خمسة أرطال وثلث رطل
فقط، والدليل عليه نقل أهل المدينة خلفا من سلف. ولمالك مع أبى يوسف
فيه قصة مشهورة ، والقصة رواها البيهقى بإسناد جيد انتهى. وقال العينى فى
عمدة القارى : لما اجتمع أبو يوسف مع مالك فى المدينة فوقعت بينهما المناظرة
فى قدر الصاع فزعم أبو يوسف أنه ثمانية أرطال وقام مالك ودخل بيته وأخرج
صاعا وقال هذا صاع النبى صلى الله عليه وسلم قال أبو يوسف فوجدته خمسة
أرطال وثلتا، فرجع أبو يوسف إلى قول مالك وخالف صاحبيه انتهى ( قت له
الزيج) الزيج طائفة من السودان تسكن تحت خط الاستواء وجنوبيه وليس
وراءهم عمارة . قال بعضهم وتمتد بلادهم من المغرب إلى قرب الحبشة وبعض
بلادهم على نيل مصر، الواحد زنجى مثل روم ورومى وهو بكسر الزاء والفتح
لغة كذا فى المصباح ( صبرا) قال فى النهاية كل من قتل فى غير معركة ولا حرب
ولا خطأ فإنه مقتول صبراً ( فقال بيده) أى أشار أبو داود بيده (قال)
أبو داود (ورأيته) أى محمد بن محمد بن خلاد (فقال) أى محمد (فلم يضرك
الوقف) يشبه أن يكون المعنى أى فلم يضرك الوقف بين يدى الزنج صبراً ، ولم
تفقص درجتك من هذا العمل بل إنما ازداد رفعتك ومنزلتك عند الله تعالى
والله أعلم.

-١٠٦ -
١٦ - باب فى الرقبة المؤمنة
٣٢٦٠ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا يَحْتَى عن الْجَّاجِ الصَّوَّافِ حدَّثَنى
يَخَْ بنُ أَبِى كَثِيرٍ مِن هِلاَلِ بنِ أَبِى مَيْعُونَةَ عن عَطَاءِ بنِ يَسَرٍ عن مُعَاوِيَةً
ابنِ الْكَمَ الشُِّىِّ قال ((قُلْتُ: يَارَسُولَ اللهِ جَارِيَةٌ لِى صَكَّكْتُهَاَ صَكَّةُ
فَعَظَمَ ذَلِكَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، فَقُلْتُ: أَفَلاَ أُعْتِقُهاَ؟ قال:
انْتِى بِها . قال: فَجِئْتُ بِهاَ. قال: أَيْنَ اللهُ؟ قالَتْ: فى السّماءِ. قال: فَمَنْ
( باب فى الرقبة المؤمنة )
أى هذا باب فى بيان أن تعتق الرقبة المؤمنة فى الكفارة دون غيرها .
(قال) أى معاوية (صككتها) أى لطمت الجارية (صَكَّةَ) أى لعامة
(فعظم ذلك) أى عد ذلك اللطم عظيما (علىّ) بتشديد الياء ( أفلا أعتقها) أى
الجارية من الإعتاق (قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اثتنى بها) أى
بالجارية ( قال) معاوية (فجئت بها) أى بالجارية (قال) رسول الله صلى الله عليه
وسلم ( أين الله) وفى رواية مسلم قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت
يارسول الله إن جارية لى كانت ترعى غنمالى نجئتها وقد فقدت شاة فسألتها فقالت
أكلها الذئب ، فَأَسِفْتُ عليها وكنت من بنى آدم فلطمت وجهها وعلىّ رقبة
أفأعتقها)) الحديث (قالت) الجارية ( فى السماء) فيه إثبات أن الله تبارك وتعالى
فى السماء. قال الذهبى فى كتاب الملو بإسناده إلى أبى مطيع الحكم بن عبد الله البلخى
صاحب الفقه الأكبر قال : سألت أبا حنيفة ممن يقول لا أعرف ربى فى السماء
أو فى الأرض، فقال قد كفر لأن الله تعالى يقول ﴿الرحمن على العرش استوى﴾
وعرشه فوق سماواته فقلت إنه يقول أقول على العرش استوى ولكن قال -

-١٠٧ -
[ مَنْ ] أَنَا؟ قالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قال: أَعْتِقْهَا فإِنّهَاَ مُؤْمِنَةٌ ».
٣٢٦١ - حدثنا مُوسَى بنُ إشمَاعِيلَ أخبرنا حَادٌ عن محمَّدِ بنِ عَمْرِو
- لا يدرى العرش فى السماء أو فى الأرض قال إذا أنكر أنه فى السماء فقد كفر»
انتهى. ويقول الأوزاعى ((كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله عز وجل
فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته)) أخرجه البيهقى فى كتاب
الأسماء والصفات وقال عبد الله أحمد بن حنبل فى الرد على الجهمية: حدثنى أبى
حدثنا شريح بن النعمان عن عبد الله بن نافع قال قال مالك بن أنس « الله فى
السماء وعلمه فى كل مكان، لا يخلو منه شىء)) وروى يحيى بن يحيى التميمى
وجعفر بن عبد الله وطائفة قالوا: جاء رجل إلى مالك فقال يا أبا عبدالله (الرحمن
على العرش استوى) كيف استوى؟ قال فما رأيت مالكا وجدمن شىء كوجدته
من مقالته وعلاه الرحضاء يعنى العرق، وأطرق القوم ، فسرِّىَ عن مالك وقال
الكهف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال
عنه بدعة. وإنى أخاف أن تكون ضالا، وأمر به فأخرج)) انتهى (قال)
رسول الله صلى الله عليه وسلم (قالت) الجارية (قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم
( اعتقها) أى الجارية (فإنها) أى الجارية (مؤمنة) قال الخطابي: قوله ((اعتقها
فإنها مؤمنة)) خرج مخرج التعليل فى كون الرقبة مجزية فى الكفارات بشرط
الإيمان لأن معقولا أن الهبى صلى الله عليه وسلم إنما أمره أن يعتقها على سبيل
الكفارة عن ضربها ثم اشترط أن تكون مؤمنة ، فكذلك هى فى كل كفارة.
وقد اختلف الناس فى هذا ، فقال مالك والأوزاعى والشافعى وابن عبيد:
لا يجزيه إلا رقبة مؤمنة فى شىء من الكفارات. وقال أصحاب الرأى يجزيه غير
المؤمنة إلا فى كفارة القتل، وحكى ذلك أيضاً عن عطاء انتهى.
قال المنذرى: والحديث أخرجه مسلم والنسائى أتم منه .
-

- ١٠٨ -
عن أبى سّلَمَةً عن الشَّرِيدِ ((أَنَّ أُمَّهُ أَوْصَتْهُ أَنْ يُعْنِقَ عَنْهَاَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً،
فَتَى النّبيّ صلى اللهُ عليه وسلم فقالَ: يَرَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّى أَوْصَتْ أَنْْ
أُعْتِقَ عَنْهَاَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةٌ وَعِنْدِى جَرِيَةٌ سَوْدَاءِ نُوبِيَّةٌ)) فَذَكَرَ نَحْوَهُ
[ أَفَعْتِقُهاَ. فقالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ادْعُوهَاَ لِى ، فَدَعَوْهَا ،
فَجَاءَتْ ، فقالَ لَا النّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم: مَنْ رَبَّكِ؟ فَقَالَتْ: اللّهُ. قال:
فَمَنْ أَنَا؟ قالَتْ: رَسُولُ اللهِ. قال: أَعْتِقْهَاَ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ])).
قال أَبُو دَاوُدَ: خَالِدُ بنُ عَبْدِ اللهِ أَرْسَلَهُ لَمْ يَذْ كُرِ الشَّرِيدَ.
٣٢٦٢ - حدثنا إبْراهِيمُ بنُ يَعْقُوبَ الْجَوْزَ جَانِىُّ حدثنا يَزِبِدُ بنُ
هَارُونَ قَالَ أخبرنى المَسْعُودِىُّ عن عَوْنِ بنِ عَبْدِ اللهِ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ
عن أبى حُرِيْرَةَ ((أَنَّ رَجُلاً أَتَى اللَّيَّ صلى اللهُ عليه وسلمٍ بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ
فقالَ: يَارَسُولَ اللهِ إِنَّ عَلَىَّ رَقَبَةَ مُؤْمِنَةً، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ اللهُ؟ فَأَشَارَتْ
إِلَى السَّمَاءِ بِإِصْبَعِهَا، فقالَ لَمَا: فَمَنْ أَنَا؟ فَأَشَارَتْ إِلَى النَّيِّ صلى اللهُ عليه
- (عن الشريد) هو ابن سويد الثقفى ( أن أمه) أى الشريد (أوصته) أى
الشريد ( أن يعتق ) أى الشريد (عنها) أى عن أمه (فأتى) أى الشريد
( فقال) أى الشريد (نوبية) بالضم بلاد واسعة للسودان بجنوب الصعيد، كذا
فى القاموس. ولفظ أحمد من حديث أبى هريرة ((بجارية سوداء أعجمية)) (فذكر
نحوه) وفى بعض النسخ الصحيحة ((ساق العبارة)).
قال المنذرى: وأخرجه النسائى (أرسله) أى حديث أبى سلمة (لم يذكر)
أى خالد بن عبد الله (الشريد) الثقفى .
(عن أبى هريرة أن رجلا) وليس الحديث فى مختصر المنذرى، وأورده -
... ...
؛

-١٠٩-
وسلم وإِلَى السَّمَاءِ - يَعَنِى أَنْتَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، فقالَ: أَعْتِقْهَا
فإنَّهَا مُؤْمِنَةٌ))
١٧ - باب كراهية النذر
٣٢٦٣ - حدثنا عُثّانُ بنُ أَبِ شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الْجِيدِجِ
وحدثنا مُدَّدٌ حدثنا أُبُو عَوَانَةَ عن مَنْصُورِ عن عَبْدِ اللهِ بنِ مُرَّةَ، قال
مُثَانُ الْهَدَانِىُ عن عَبْدِ اللهِ بنِ مُمَرَ قال: ((أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم يَنْهَى عَنْ الَّذْرِ، ثُمَّ اتَّفْقَاَ ويَقُولُ: لا يَرُدُّ شَيْئاً وَإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ
- المزى فى الأطراف ورمز عليه علامة أبى داود فقط ، ثم قال ولم يذكره
أبو القاسم وهو فى الرواية انتهى .
قال الشوكانى: والحديث فيه دليل على أنه لا يجزى فى كفارة اليمين إلا
رقبة مؤمنة وإن كانت الآية الواردة فى كفارة اليمين لم تدل على ذلك ، لأنه
قال تعالى ( أو تحرير رقبة) بخلاف آية كفارة القتل فإنها قيدت بالإيمان. قال
ابن بطال: حمل الجمهور ومنهم الأوزاعى ومالك والشافعى وأحمد وإسحاق
المطلق على المقيد كما حملوا المطلق فى قوله تعالى ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ) على المقيد
فى قوله تعالى ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم) وخالف الكوفيون فقالوا يجوز
إعتاق الكافر ، ووافقهم أبو ثور وابن المنذر، واحتج له فى كتابه الكبير بأن
كفارة القتل مغلظة بخلاف كفارة اليمين ومما يؤيد القول الأول أن المعتق الرقبة
المؤمنة آخذ بالأحوط بخلاف المكفر بغير المؤمنة فإنه فى شك من براءة الذمة .
( باب كراهية النذر )
( ينهى عن النذر) قال الخطابي: معنى نهيه عليه السلام عن النذر إنما هو
تأكيد لأمره وتحذير التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى -

- ١١٠ -
مِنَ الْمُخِيلِ. قَالَ مُسَدِّدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: إِنَّ النّذْرَ
لا يَرُدُّ شَيْئاً »
- لا يفعل لكان فى ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به إذا كان بالنهى
عنه قد صار معصية فلا يلزم الوفاء به، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك
أمر مما لا يجلب لهم فى العاجل نقداً ولا يدفع عنهم ضرراً ، فلا يرد شيئاً قضاء الله
تعالى، يقول: لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئاً لم يقدره الله لكم،
أو تصرفون عن أنفسكم شيئاً جرى القضاء به عليكم ، فإذا فعلتم ذلك فأخرجوا
عنه بالوفاء به، فإن الذى نذرتمره لازم لكم . هذا معنى الحديث ووجهه .
وقوله عليه السلام إنما يستخرج به من البخيل فثبت بذلك وجوب استخراجه
من ماله ، ولو كان غير لازم له لم يجز أن يكره عليه والله أعلم ( لا يرد شيئاً)
قال الخطابى: فيه دليل على أن النذر إنما يصح إذا كان معلقاً بشىء كما
يقول إن شفى الله مريضى فلله علىّ أن أتصدق بألف درهم، وإن قدم غائبى
أو سلم مالى فى نحو ذلك من الأمور . فأما إذا قال على أن أتصدق بألف درهم
فليس هذا بنذر ، وإلى هذا ذهب الشافعى فى أحد قوليه وهو غالب مذهبه .
وحكى عن أبى العباس أحمد بن يحيى أنه قال: النذر وعد بشرط. وقال -
أبو حنيفة: النذر لازم وإن لم يعلق بشرط والله أعلم ( وإنما يستخرج به) أى
بسبب النذر ( من البخيل ) لأن غير البخيل يعطى باختياره بلا واسطة النذر.
قال العينى: يعنى أن من الناس من لا يسمح بالصدقة والصوم إلا إذا نذر
شيئاً لخوف أو طمع ، فكأنه لو لم يكن ذلك الشىء الذى طمع فيه أو خافه لم
يسمح بإخراج ما قدره الله تعالى ما لم يكن يفعله فهو بخيل انتهى .
قال المنذرى: والحديث أخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه انتهى -

- ١١١ -
٣٢٦٤ - حدثنا أَبُودَاوُدَ قال قُرِىءَ عَلَى الْحَارِثِ بنِ مِسْكِينٍ وَأَنا
شَاهِدٌ أَخْبَ كُمْ ابْنُ وَهْبٍ قال أخبرنى مَالِكٌ عن أَبِى الزِّنَادِ مِن عَبْدِ الرَّحْمنِ
ابنِ هُرْمُزَ عن أَبِى هُرِيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((لا يأتى
ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ الْقَدَرَ بِشَىْءٍ لَمْ أَ كُنْ قَدَّرْتُهُ لَهُ وَلَكِنْ يُلْقِهِ النَّذْرُ الْقَدَرَ
قَدَّرْتُهُ يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَخِيلِ بُؤْنَى عَلَيْهِ مَالَمْ يَسْكُنْ يُؤْنَى مِنْ قَبْلُ)) .
- قال المزى فى الأطراف : حديث عبد الله بن مرة الهمدانى الحارثى الكوفى
عن ابن عمر أخرجه البخارى فى القدر وفى النذر ، ومسلم فى النذور ، والنسائى
فيه، وابن ماجه فى الكفارات ، وأبو داود فى النذور عن عثمان ابن أبى شيبة
عن جرير، وعن مسدد عن أبى عوانة عن منصور عن عبد الله بن مرة. وحديث
مسدد فى رواية أبى الحسن بن العبد وأبى بكر بن داسة ، ولم يذكره أبو القاسم
انتهى كلامه. جيرير وأبو عوانة كلاهما يرويان عن منصور والله أعلم .
(لا يأتى ابن آدم) منصوب لأنه مفعول ( الغذر) بالرفع فاعل لا يأتى
( القدر ) مفعول ثان (بشىء لم أكن قدرته) أى الشىء والجملة صفة لقوله بشىء
وهو من الأحاديث القدسية ولكنه ما صرح برفعه إلى الله تعالى (له) أمى
لابن آدم ( ولكن يلقيه) بضم الياء من الإلقاء أى ابن آدم ( النذر) فاعله
(القدر) أى إلى القدر (قدرته) والجملة صفة لقوله القدر (يؤتى) أى يعطى البخيل
(عليه) أى على ذلك الأمر الذى بسببه نذر، كالشفاء (ما لم يكن يؤتى) أى
يعطى البخيل ( من قبل ) أى من قبل النذر .
وفى رواية لمسلم ((فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن
يخرجه)) والحديث وجد فى بعض النسخ الصحيحة ، وليس من رواية اللؤلؤى
ولذا لم يذكره المنذرى فى مختصره، وإنما الحديث من رواية أبى الحسن بن -

- ١١٢ -
- العبد عن أبى داود. والعجب عن الحافظ المزى فإنه لم يذكره أصلا فى الأطراف
فإِذا راجعنا نسختين من الأطراف فلم نجد فيهما هذا الحديث فى ترجمة مالك
ابن أنس عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة .
وقال الحافظ فى الفتح فى باب الوفاء بالنذر تحت قوله فى رواية شعيب عن
أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة لم أكن قدرته هذا من الأحاديث القدسية
لكن سقط منه التصريح بنسبته إلى الله عز وجل ، وقد أخرجه أبو داود فى
رواية ابن العبد عنه من رواية مالك ، والنسائي وابن ماجه من رواية سفيان
الثورى كلاهما عن أبى الزناد ، وأخرجه مسلم من رواية عمرو بن أبى عمرو
عن الأعرج.
وعند البخارى فى أواخر كتاب القدر من طريق همام عن أبى هريرة ولفظه
(((لم يكن قدرته)).
وفى رواية للنسائى ((لم أقدره عليه)).
وفى رواية ابن ماجه (( إلا ما قدر له ولكن يغلبه النذر فأقدر له)).
وفى رواية مالك ((بشىء لم يكن قدرله ولكن يلقيه النذر إلى القدر قدرته)»
وفى رواية مسلم((لم يكن الله قدره له)) وكذا وقع الاختلاف فى قوله ((فيستخرج
الله به من البخيل)) ففى رواية مالك ((فيستخرج به)) على البناء لما لم يسم فاءله
وكذا فى رواية ابن ماجه والنسائى وعبدة ((ولكنه شىء يستخرج به من البخيل))
وفى رواية همام (( ولكن يلقيه النذر وقد قدرته له أستخرج به من البخيل)).
وفى رواية مسلم (( ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم
يكن البخيل يريد أن يخرج)) انتهى كلام الحافظ .

-١١٣-
١٨ - باب النذر فى المعصية
٣٢٦٥ - حدثنا الْقَعْنَبِىُّ عن مَالِكٍ من طَلْحَةَ بنِ عَبْدِ لَلِكِ الْأَيْلِيِّ
عن الْقَاسِ عن عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: (( مَنْ نَذَرَ
أَنْ يُطِعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِىَ اللهَ فَلاَ يَعْصِهِ)).
٣٢٦٦ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا وُهَيْبٌ أخبرنا أُيُوبُ
عن حِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبَأْسٍ قال: ((بَيْنَ النّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم يَخْطُبُ
إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائمٍ فِى الشَّمْسِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقالُوا: هَذَا أَبُو إِسْرَائِيلَ،
( باب النذر فى المعصية )
( أن يطيع الله) كلمة أن مصدرية ، والإطاعة أعم من أن يكون فى واجب
أو مستحب ( فليطعه) مجزوم لأنه جواب الشرط ( فلا يعصه ) مجزوم أيضاً
لأنه جواب الشرط.
قال الخطابي: فى هذا بيان أن النذر فى المعصية غير لازم وأن صاحبه منهى
عن الوفاء به ، وإذا كان كذلك لم يجب فيه كفارة ، ولو كان فيه كفارة لأشبه
أن يجرى ذكرها فى الحديث وأن يوجد بيانها مقروناً به، وهذا على مذهب
مالك والشافعى .
وقال أصحاب الرأى وسفيان الثورى: إذا نذر فى معصية فكفارته كفارة
يمين. قال واحتجوا فى ذلك بحديث الزهرى وقد رواه أبو داود فى هذا الباب
انتهى . قال المنذرى: وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجه.
( فيسأل) النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه ( عنه) عن قيامه فى الشمس -
(٨ - عون المعبود ٩)

- ١١٤ -
نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلا يَتَكََّ وَيَصُومَ، قال: مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَمْ
وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ )).
- أو عن إسمه (هذا أبو إسرائيل) أى هو ملقب بذلك، وأبو إسرائيل هذا
رجل من بنى عامر بن لؤى من بطون قريش .
قال القاضى: الظاهر من اللفظ أن المسئول عنه هو اسمه ولذا أجيب بذكر
اسمه وأن ما بعده زيادة فى الجواب ( ولا يتكلم) مطلقاً ( وليتم) بسكون اللام
وكسرها فى الجميع ( صومه) أى ليكمل صومه. وفيه دليل على أن كل شىء
يتأذى به الإنسان مما لم يرد بمشروعيته كتاب ولا سنة كالمشى حافياً والجلوس
فى الشمس ليس من طاعة الله تعالى فلا ينعقد النذربه، فإنه صلى الله عليه وسلم
أمر أبا إسرائيل فى هذا الحديث بإتمام الصوم دون غيره، وهو محمول على أنه
على أنه لا يشق عليه .
قال القرطبى فى قصة أبى إسرائيل هذا أعظم حجة للجمهور فى عدم
وجوب الكفارة على من نذر معصية أو ما لا طاقة فيه.
قال مالك: لم أسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بكفارة.
قال الخطابي: قد تضمن نذره نوعين الطاعة والمعصية، فأمره النبى صلى الله
عليه وسلم بالوفاء بما كان منها من طاعة وهو الصوم ، وأن يترك ماليس بطاعة
من القيام فى الشمس وترك الكلام وترك الاستظلال بالظل ، وذلك أن هذه
الأمور مشاق تتعب البدن وتؤذيه ، وليس فى شىء منها قربة إلى الله تعالى وقد
وضع عن هذه الأمة الأغلال التى كانت على من قبلهم ، وتنقلب النذر فيه
معصية، فلا يلزم الوفاء ولا تجب الكفارة فيه انتهى.
وقال العينى: وإنما أمره بإتمام الصوم لأن الضوم قربة بخلاف أخواته -

- ١١٥-
١٩ - باب من رأى عليه كفارة إذا كان فى معصية
٣٢٦٧ - حدثنا إِشْمَاعِيلُ بنُ إْ اهِيمَ أَبُو مَعْمَرٍ أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ
المُبَارَكِ عن يُونُسَ عن الزُّهْرِيِّ عن أَبِى سَلَمَةَ عن عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى اللهُ
عليه وسلم قال: ((لا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ)).
- وفيه دليل على أن السكوت عن المباح أو عن ذكر الله ليس بطاعة، وكذلك
الجلوس فى الشمس، وفى معناه كل ما يتأذى به الإنسان مما لا طاعة فيه ولا
قربة بنص كتاب أو سنة كالجفاء، وإنما الطاعة ما أمرالله به رسوله صلى الله
عليه وسلم انتهى .
وفيه دليل أيضاً على إبطال ما أحدثته الجهلة المتصوفة من الأشغال الشديدة
المحدثة والأعمال الشاقة المفكرة ويزعمون أنها طريقة تزكية أنفاسهم ، وهذا
جهل منهم من أحكام الشريعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك لنا شيئاً
إلا بينه ، فمن أين وجدوها ومن أين أخذوها والله أعلم. والحديث أخرجه
البخارى وابن ماجه .
( باب من رأى عليه )
أى على الفاذر (كفارة إذا كان) النذر ( فى معصية) كما هو مذهب
أبى حنيفة وسفيان الثورى ، وروى ذلك عن أحمد وإسحاق ونقل الترمذى
اختلاف الصحابة فى ذلك .
( لا نذر فى معصية) وفى رواية مسلم من حديث عمران ((لا وفاء لنذر فى
معصية)) وفى رواية له ((لا نذر فى معصية الله تعالى)).
-
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
هذا حديث لم يسمعه الزهرى من أبى سلمة وإنما سمعه من سليمان بن أرقم عن =

-١١٦ -
- قال النووى : فى هذا دليل على أن من نذر معصية كشرب الخمر فنذره
باطل لا ينعقد ولا يلزمه كفارة يمين ولا غيرها ، وبهذا قال مالك والشافعى
وجمهور العلماء.
-
= يحيبن أبى كثير عن أبى سلمة كذلك رواه محمد بن أبى عتيق وموسى بن عقبة عن
الزهرى، وسليمان بن أرقم متروك ، والحديث عند غيره عن يحيى بن أبي كثير
عن محمد بن الزبير الحنظلى عن أبيه عن عمران بن حصين عن النبى صلى الله عليه
وسلم كذلك رواه على بن المبارك عن يحيى بن أبى كثير وبمعناه رواه الأوزاعى عن
يحي بن أبى كثير، إلا أن فى حديث الأوزاعى ((لا نذر فى غضب، وكفارته كفارة
يمين)) وكذلك رواه حماد بن زيد عن محمد بن الزبير ورواه بن أبى عروبة عن محمد
ابن الزبيروقال ((لا نذر فى معصية الله)).
ورواه عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن الزبير عن أبيه أن رجلا حدثه أنه
سأل عمران بن حصين عن رجل حلف أنه لا يصلى فى مسجد قومه ، فقال عمران :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا نذر فى معصية الله، وكفارتة
كفارة يمين))
وفى هذا دلالة على أن أباه لم يسمعه من عمران .
ورواه محمد بن إسحاق عن محمد بن الزبير عن رجل صحبه عن عمران .
ورواه الثوری عن محمد بن الزبير عن الحسن عن عمران إلا أنه قال (( لا نذر
فى معصية أو فى غضب )) .
قال : فهذا حديث مختلف فى إسناده ومتنه ، كما ذكرنا . ولا تقوم الحجة
بأمثال ذلك .
وقد روينا عن محمد بن إسماعيل البخارى أنه قال: محمد بن الزبير الحنظلى
منكر الحديث . وفيه نظر .
قال البيهقى: وإنما الحديث فيه عن الحسن عن هياج بن عمران البرجمى ((أن
غلاماً لابنه أبق، جعل الله عليه: لئن قدر عليه ليقطعن يده، فلما قدر عليه بعثنى إلى
عمران بن حصين فسألته؟ فقال: إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحث فى
خطبته على الصدقة ، وينهى عن المثلة . فقل لابنك فليكفر عن يمينه ، =

- ١١٧-
- وقال أحمد تجب فيه كفارة اليمين لحديث عائشة. واحتج الجمهور بحديث
عمران وأما حديث ((كفارته كفارة يمين)) فضعيف باتفاق الحدثين انتهى -
= وليتجاوز عن غلامه. قال: وبعثنى إلى سمرة، فقال مثل ذلك)) وهذا أصح
ما روى فيه عن عمران .
واختلف فى اسم الذى رواه عن الحسن ، فقيل: هكذا. وقيل: حبان بن
عمران البرجمى .
والأمر بالتكفير فيه موقوف على عمران وسمرة .
والذى روى عن ابن عباس مرفوعا (( من نذر نذراً فى معصية الله فكفارته
كفارة يمين ومن نذر نذراً لم يطقه، فكفارته كفارة يمين)) لم يثبت رفعه ـ
والله أعلم .
قال الموجبون للكفارة فى نذر المعصية - وهم أحمد وإسحاق والثورى وأبو حنيفة
وأصحابه - هذه الآثار قد تعددت طرقها. ورواتها ثقات . وحديث عائشة احتج به
الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه ، وإن كان الزهرى لم يسمعه من أبى سلمة ، فإن
له شواهد تقويه رواء عن النبى صلى الله عليه وسلم سوى عائشة: جابرو عمران بن حصين
وعبد الله بن عمر ، قاله الترمذى . وفيه حديث ابن عباس رفعه (( من نذر نذراً فى
معصية، فكفارته كفارة يمين )) رواه أبو داود ، ورواه ابن الجارود فى مسنده ،
ولفظه عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم ((النذر نذران: فما كان لشفكفارته
الوفاء به ، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه وعليه كفارة يمين )»
وروى أبو إسحاق الجوز جانى حديث عمران بن حصين فى كتابه المترجم وقال
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( النذر نذران فما كان من نذر فى طاعة
الله فذلك لله، وفيه الوفاء، وما كان من نذر فى معصية الله فلا وفاء فيه، ويكفره
ما يكفر اليمين))
وروى الطحاوى بإسناد صحيح عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم ((من نذر
أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه ويكفر عن يمينه)) وهو عند
البخارى إلا ذكر الكفارة .
=

- ١١٨ -
لكن قال الحافظ قلت قد سمحه الطحاوى وأبو على بن السكن فأين الاتفاق
انتهى. قال السندى ((لا نذر فى معصية)) ليس معناه أنه لا ينعقد أصلا، إذ
= قال الاشبيلى: وهذا أصح إسناداً، وأحسن من حديث أبى داود - يعنى حديث
الزهرى عن أبى سلمة المتقدم .
وفى مصنف عبد الرزاق : عن يحي بن أبى كثير عن رجل من بنى حنيفة ،
وعن أبى سلمة كلاهما عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا (( لا نذر فى غضب ولا فى
معصية الله ، وكفارته كفارة يمين ))
قالوا : وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث عقبة بن عامر عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه قال ((كفارة النذر كفارة اليمين))
وهذا يتناول نذر المعصية من وجهين .
أحدهما : أنه عام لم يخص منه نذر دون نذر .
الثانى: أنه شبهه باليمين ، ومعلوم : أنه لو حلف على المعصية وحنث لزمه كفارة
يمين ، بل وجوب الكفارة فى نذر المعصية أولى منها فى يمين المعصية لما سنذكره .
قالوا ووجوب الكفارة قول عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله ، وعمرانبن
حصين , وسمرة بن جندب ، ولا يحفظ عن صحابى خلافهم .
قالوا . وهب أن هذه الآثار لم تثبت ، فالقياس يقتضى وجوب الكفارة فيه ،
لأن النذر يمين، ولوحلف ليشربن الحمر ، أوليقتلن فلاناً ، وجبت عليه كفارة اليمين
وإن كانت يمين معصية فهكذا إذا نذر المعصية .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تسمية النذر يميناً - لما قال لأخت عقبة لما
نذرت المشى إلى بيت الله فعجزت تكفر يمينها، وهو حديث صحيح وسيأتى.
وعن عقبة مرفوعاً وموقوفاً ((النذر حلفة)) .
وقال ابن عباس فى امرأة نذرت ذبح ابنها ((كفرى يمينك)).
فدل على أن النذر داخل فى مسمى اليمين فى لغة من نزل القرآن بلغتهم .
وذلك أن حقيقته هى حقيقة اليمين فإنه عقده لله ملتزماً له، كما أن الحالف عقد=

-١١٩-
- لا يناسب ذلك قوله وكفارته الخ بل معناه ليس فيه وفاء، وهذا هو صريح
فى بعض الروايات الصحيحة (وكفارته كفارة يمين) قال فى المنتقى: واحتج به -
أحمد وإسحاق انتهى . وفى المرقاة : وبه قال أبو حنيفة وهو حجة على الشافعى.
قال المنذرى: وأخرجه الترمذى وابن ماجه وقال الترمذى : هذا حديث لايصح
لأن الزهرى لم يسمع هذا الحديث من أبى سلمة وقال غيره: لم يسمعه الزهرى -
= يمينه بالله ملتزماً لماحاف عليه، بل ما عقد لله أبلغ وألزم مما عقد به فإن ما عقد به من
الأيمان لا يصير باليمين واجباً ، فإذا حلف على قربة مستحبة ليفعلنها لم تصر واجبة عليه،
وتجزئه الكفارة ولو نذرها وجبت عليه ولم تجزئه الكفارة.
فدل على أن الالتزام بالنذر آ كد من الالتزام باليمين، فكيف يقال : إذا التزم
معصية بيمينه وجبت عليه الكفارة، وإذا التزمها بنذره الذى هو أقوى من اليمين فلا
كفارة فيها، فلو لم يكن فى المسألة إلا هذا وحده لسكان كافياً .
ومما يدل على أن النذر آ كدمن اليمين. أن الناذر إذا قال: للهعلى أن أفعل كذا
فقد عقد نذره بجزمه أيمانة بالله، والتزامه تعظيمه، كما عقدها الحالف بالله كذلك،
فهما من هذه الوجوة سواء ، والمعنى الذى يقصده الحالف ويقوم بقلبه هو بعينه مقصود
للناذر قائم بقلبه ويزيد النذر عليه أنه التزمه لله ، فهو ملتزم من وجهين : له، وبه .
والحالف إنما التزم ما حلف عليه خاصة، فالمعنى الذى فى اليمين داخل فى حقيقة النذر
فقد تضمن النذر اليمين وزيادة ، فإذا وجبت الكفارة فى يمين المعصية فهى أولى بأن
يجب فى نذرها .
ولأجل هذه القوة والتأكيد : قال بعض الموجبين الكفارة فيه : إنه
إذا نذر المعصية لم يبرأ بفعلها ، بل تجب عليه الكفارة عيناً ، ولو فعلها لقوة النذر ،
بخلاف ما إذا حلف عليها ، فإنه إنما تلزمه الكفارة إذا حنث، لأن اليمين أخف
من النذر .
وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد، وتوجيهه ظاهر جداً، فإن النبى صلى الله
عليه وسلم نهاه عن الوفاء بالمعصية، وعين عليه الكفارة عيناً ، فلا يخرج من عهدة
الأمر إلا بأدائها . وبالله التوفيق .

- ١٢٠-
٣٢٦٨ - حدثنا ابنُ السَّرْحِ قالَ أنيأنا ابنُ وَهْبٍ عن يُونُسَ من
ابنِ شِهَبٍ بِمَعْنَاهُ وَإِسْنَادِهِ.
قال أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بِنَ شَبُويَةَ قال [يَقُولُ] قال ابنُ المُبَارَكِ
- يَعنى فى هُذَا الحديثِ - حَدَّثَ أَبُو سَلَمَةَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الزُّهْرِىَّ لَمْ
يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِى سَلَمَةَ، وَقَالَ أَحَدُ بنُ مُمَّدٍ: وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ مَاحدَّثنا أُيُوبُ
يَعَنِى ابْنَ سُلِيمَانَ .
قال أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ أَحَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: أَفْسِدُوا عَلَيْنَاَ هُذَا
الحديثَ. قِيلَ لَهُ: وَصَحَّ إِفْسَادُهُ عِنْدَكَ ، وَهَلْ رَوَاهُ غَيْرُ ابنِ أَبِى أُوَيْسٍ
- من أبى سلمة وإنما سمعه من سليمان بن أرقم ، وسليمان بن أرقم متروك .
( حدثنا ابن السرح) قال الحافظ المزى: حديث ابن السرح فى رواية ابن
العبد وابن داسة عنه ولم يذكره أبو القاسم انتهى (فى هذا الحديث) أى حديث
يونس عن الزهرى أنه قال ( حدث أبو سلمة) ولم يقل الزهرى حدثنى أبو سلمة
بل إنماروى خبره على سبيل الحكاية من غير سماع منه لهذا الحديث (فدل ذلك)
القول المشعر بالتدليس ( لم يسمعه من أبى سلمة) لكن فى رواية النسائى من
طريق هارون بن موسى الفروى حدثنا أبو ضمرة عن يونس عن ابن شهاب
قال حدثنا أبوسلمة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لا نذر فى
معصية وكفارتها كفارة اليمين)) ( وقال أحمد بن محمد) المروزى شيخ المؤلف
( وتصديق ذلك ) أى تدليس الزهرى فى هذا الحديث (ما حدثنا أيوب يعنى
ابن سليمان) وسيأتى حديثه بتمامه (أفسدوا علينا هذا الحديث) أى حديث
الزهرى عن أبى سلمة من جهة إسناده (قيل له) أى لأحمد (و) هل ( صح -