Indexed OCR Text

Pages 281-300

- ٢٨١-
= عنه، وهو مختلف فى سماعه منه. وأما حديث ابن عمر: فمن رواية الليث وغيره
عن نافع عنه . ولا ريب فى صحته .
قالوا: والفرق بينه وبين الثمرة. أن اللبن مخزون فى الضرع ، كخزن الأموال
فى خزانتها ولهذا شبهها النبى صلى الله عليه وسلم بذلك ، وأخبر أن استخراجها من
الضروع كاستخراج الأموال من الخزائن بكسرها . وهذا بخلاف الثمرة، فإنها
ظاهرة بادية فى الشجرة غير مخزونة . فإذا صارت إلى الخزانة حرم الأكل منها إلا
بإذن المالك .
قالوا : وأيضاً فالشهوة تشتد إلى الثمار عند طيبها . لأن العيون تراها ، والنفوس
شديدة الميل إليها . ولهذا جوز النبى صلى الله عليه وسلم فيها المزابنة فى خمسة أوسق أو
دونها فى العرايا لما شكوا إليه شهوتهم إليها ، وأنه لا من بأيديهم، بخلاف اللبن
فإنه لا يرى ولا تشتد الشهوة إليه، كاشتدادها إلى الثمار.
قالوا . وأيضاً ، فالثمار لا صنع فيها للا دمى بحال ، بل هى خلق الله سبحانه ، لم
تتولد من كسب آدمى ولا فعله ، بخلاف اللبن فإنه يتولد من عين مال المالك ، وهو
العلف . وإن كانت سائمة ، فلابد من قيامه عليها ورعيه إياها ، ولا بد من إحالته لها
كل وقت . وهذا - وإن كان فى الثمار - إلا أنه بالنسبة إلى الماشية قليل جداً فإنه
لا يحتاج أن يقوم على الشجر كل يوم ، فمؤنتها أقل من مؤنة الماشية بكثير . فعى
بالمباحات أشبه من ألبان المواشى ، إلا إن اختصاص أربابها بأرضها وشجرها أخرجها
عن حكم المباحات المشتركة التى يسوغ أكلها ونقلها ، فعمل الشبه فى الأكل الذى
لا يجحف المالك دون النقل المضر له .
فهذه الفروق - إن صحت - بطل إلحاق الثمار بها فى المنع. وكان المصير إلى
حديث المنع فى اللبن اولى ، وإن كانت غير مؤثرة ، ولا فرق بين البابين ، كانت
الإباحة شاملة لهما . وحينئذفيكون حديث النهى متناولاً للمحتلب غير الشارب . بل
مختلبه كالمتخذ خبنة من الثمار . وحديث الإباحة متناول للمجتلب الشارب فقط ،
دون غيره .
ويدل على هذا التفريق قوله صلى الله عليه وسلم فى حديث سمرة: (( فليحتلب =

- ٢٨٢ -
= وليشرب ولا يحمل)) فلو احتلب للحمل كان حراماً عليه. فهذا هو الاحتلاب المنهى
عنه فى حديث ابن عمر . والله أعلم .
ويدل عليه أيضاً : أن فى حديث المنع ما يشعر بأن النهى إنما هو عن نقل اللبن ،
دون شربه. فإنه قال: (( أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فيكسر باب خزانته فينتثل
طعامه ؟ )) .
ومما يدل على الجواز: حديث عمرو بن شعب عن أبيه عن جده (( أن النبي
صلى الله عليه وسلم سئل عن التمر المعلق ؟ فقال : من أصاب منه من ذى حاجة
غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه)) وهو من رواية محمد بن عجلان عن عمرو ومحمد
ابن عجلان احتج به مسلم . والحديث حسن ، أخرجة أهل السنن .
فإن قيل . فهذا دليل على جواز أكل المحتاج، ونحن نقول : له أن يأكل عند
الضرورة وعليه القيمة، وقوله. ((لاشىء عليه)) هو نفى للعقوبة لا للغرم.
فالجواب أن هذا الحديث روى بوجهين: أحدهما: ((وإن أ كل بفيه، ولم
يأخذ فيتخذ خبنة ، فليس عليه شىء )) .
وهذا صريح فى أن الأكل لا شىء عليه ، وإنما يجب الضمان على من اتخذ خبنة.
ولهذا جعلهما قسمين ،
واللفط الثانى قوله: (( ومن أصاب بفيه من ذى حاجة غير متخذ خبنة فلا شىء
عليه، ومن خرج بشىء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة )).
وهذا صريح فى أن الأ كل منه لحاجة لا شىء عليه ، وأن الضمان إنما يجب
على المخرج منه غير ما أكله . والمنازعون لا يفرقون ، بل يوجبون الضمان على الأكل
والمخرج معاً ، ولا يفرقون فيه بين المحتاج وغيره .
وهذا جمع بين ما فرق الرسول بينه ، والنص صريح فى إبطاله . فالحديث حجة
على اللفظين معاً .
فإن قيل : فالجوزون لا يخصون الإباحة بحال الحاجة ، بل يجوزون الأكل
للمحتاج وغيرها فقد جمعوا بين ما فرق الشارع بينه ؟
قيل : الحاجة المسوغة للأكل أعم من الضرورة، والحكم معلق بها، ولا ذكر
للضرورة فيه وإنما الجواز دائر مع الحاجة، وهو نظير تعليق بيع العرايا بالحاجة،=

- ٢٨٣-
= فإنها الحاجة إلى أكل الرطب . ولا تعتبر الضرورة اتفاقا، فكذلك هنا.
وعلى هذا : فاللفظ قد خرج مخرج الغالب، وما كان كذلك فلا مفهوم له اتفاقاً.
ومما يدل على الجواز أيضاً : حديث رافع بن عمرو الذى ذكره أبو داود فى
الكتاب ، وقد صححه الترمذى . ولا يصح حمله على المضطر لثلاثة أوجه .
أحدها : أن النبى صلى الله عليه وسلم أطلق له الأكل ، ولم يقل : كل إذا
اضطررت، واترك عند زويل الضرورة، كما قال تعالى فى الميتة، وكما قال النبى صلى
الله عليه وسلم للذى سأله عن ركوب هديه: ((اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها
حتى تجد ظهراً ))
الثانى: أنه لو كانت الإباحة إنما هى لأجل الضرورة فقط لثبت البدل فى ذمته ،
كسائر الأموال، والنبى صلى الله عليه وسلم لم يأمره ببدل ، وتأخير البيان عن وقت
الحاجة ممتنع.
الثالث: أن لفظ الحديث فى كتاب أبى داود ليس فيه للضرورة ذكر ، فإنه
قال: ((ياغلام لم ترمى النخل؟ قال: آ كل. فقال: لا ترم النخل ، وكل ماسقط))
فأخبره أنه يرميها للا كل لا للحمل ، فأباح له الساقط ، ومنعه من الرمى ، لما فيه من
كثرة الأذى، ورواه الترمذى، ولفظه قال: ((يارافع لم ترمى نخلهم؟ قال قلت:
يارسول الله الجوع. قال: لا ترم ، وكل ما وقع، أشبعك الله)) فهذا اللفظ ليس
معارضاً للأول ، وكلاهما يدل على إباحة الأكل ، وأن الإباحة عند الجوع أولى .
ومما يدل على الجواز أيضاً : حديث عباد بن شرحبيل ، وقد ذكره أبو داود
فى الباب ، وهو صحيح الإسناد، والاستدلال به فى غاية الظهور . وقد تكلف بعض
الناس رده بأنه لم يحدث به عن أبى بشر إلا جعفر بن إياس ، وهذا تكلف بارد .
فإن أبا بشر هذا من الحفاظ الثقات الذين لم تغمز قناتهم .
وتكلف آخرون ما هو أبعد من هذا . فقالوا : الحديث رواه ابن ماجه
والنسائى، ولفظه: ((فأقره النبى صلى الله عليه وسلم ، فرد إليه ثوبه ، وأمر له
بوسق من طعام )) .
قالوا: فالمأمور له بالوسق هو الأنصارى صاحب الحائط وكان هذا تعويضاً ==

- ٢٨٤ -
= من النبى صلى الله عليه وسلم له عن سنبله وهذا خطأ بين . فإن المأمور له بالوسق
إنما هو آكل السنبل عباد بن شرحبيل، والسياق لا يدل إلا عليه. والنبى صلى الله
عليه وسلم رد إليه ثوبه ، وأطعمه وسقاً . ولفظ أبى داود صريح فى ذلك ، فإنه قال :
((فرد على ثوبى وأعطانى وسقاً))
ومما يدل على الجواز أيضاً : ما رواه الترمذى . حدثنا ابن أبى الشوارب حدثنا
يحي بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم
قال: (( من دخل حائطاً فليأ كل ، ولا يتخذ خبنة)) وهذا الحديث - وإن كان
معلولا - قال الترمذى فى كتاب العلل الكبير له: سألت محمداً عن هذا الحديث ؟
فقال يحي بن سليم يروى أحاديث عن عبيد الله يهم فيها . تم كلامه . وقال يحي بن
معين : هذا الحديث غلط. وقال أبو حاتم الرازى: يحي ين سليم هذا محله الصدق
وليس بالحافظ ولا يحتج به. وقال النسائى: ليس به بأس وهو منكر الحديث عن
عبيد الله بن عمرو - ولكن لو حاكمنا منازعينا من الفقهاء إلى أصولهم ، لكان
هذا الحديث حجة على قولهم . لأن يحي بن سليم من رجال الصحيحين ، وهو لو انفرد
بلفظة أو رفع أو اتصال وخالفة غيره فيه لحكموا له ، ولم يلتفتوا إلى من خالفه ،
ولو كان أوثق وأكثر ، فكيف إذا روى ما لم يخالف فيه ؟ بل له أصول ونظائر.
ولكنا لانرضى بهذه الطريقة، فالحديث عندنا معلول، وإنما سقناه اعتباراً لا اعتماداً.
والله أعلم .
فإن قيل : فما تصنعون بالحديث الذى رواه أبو عبيد القاسم بن سلام فى الغريب
عن ابن جريج عن عطاء قال: ((رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للجائع
المضطر إذامر بالحائط أن يأكل منه، ولا يتخذ خبنة)) وهذا التقييد يبين المراد من
سائر الأحاديث .
قيل: هذا من المراسيل التى لا يحتج بها ، فضلاً عن أن يعارض بها المسندات
الصحيحة ، ثم ولو كان حجة فهو لا يخالف ما ذكرنا من الأحاديث ، بل منطوقه
يوافقنا ، ومفهومه يدل على أن غير المضطر يخالف المضطر فى ذلك ، وهذا حق ،
والمفهوم لا عموم له ، بل فيه تفصيل .
ومما يدل على الجواز أيضاً : حديث أبى سعيد وقد تقدم وإسناده على شرط =

-- ٢٨٥ -
....
٢٦٠٣ - حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرَىُّ أخبرنا أَبِى أُخبرنا شُعْبَةُ
عن أبى بِشْرٍ من عَبَّادِ بنِ شُرَحْيِيلَ قال: ((أَصَابَنِ سَنَةٌ فَدَخَلْتُ حَائِطًاً
مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ فَفَرِ كْتُ سُفْبُلَا فَأَكَلْتُ وَحَلْتُ فى تَوْبِى، فَجَاءَ صَاحِبُهُ
فَضَرَ بِى وَأَخَذَ تَوْبِى، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فقالَ لَهُ:
•اعَلَمْتَ إِذْ كَان جَاهِلاً، وَلا أَطْعَمْتَ إِذْ كَان جَائِمًا، أَوْ قال سَاغِباً، وَأُمَرَ
[وَأُمَرَّهُ ] فَرَدَّ ◌َلَىَّ تَوْبِى وَأَعْطَانِى وَسْقَاً أَوْ نِصْفَ وَسْقٍ مِنْ طَعَامٍ)).
- ( أصابنى سنة) أى مجاعة وقحط ( حائطاً) أى بستاناً (ففركت ) قال فى
القاموس: فرك السنبل دلسه انتهى وهو من باب نصر ( فجاء صاحهه ) أى
مالك الحائط ( فقال) أى النبى صلى الله عليه وسلم ( له ) أى لصاحب الحائط
( ما علمت) من التعليم ( إذكان جاهلا) أى فكان اللائق بك تعليمه أولا
(أو قال ساغباً) أى جائعاً والشك من الراوى، قال الخطابي: وفيه أنه صلى الله
عليه وسلم عذره بالجهل حين حمل الطعام ولام صاحب الحائظ إذ لم يطعمه -
= مسلم. ورواه ابن حبان فى صحيحه وأما تعليل البيهقى له بأن سعيداً الجريرى تفرد
به، وكان قد اختلط فى آخر عمؤه ، والذى رواه عنه يزيد بن هرون ، وإنما روی
عنه بعد الاختلاط - جوابه من وجهين .
أحدهما : أن حماد بن سلمة قد تابع يزيد بن هرون على روايته . ذكره البيهقى
أيضاً ، وسماع حماد منه قديم .
الثانى: أن هذا إنما يكون علة إذا كان الراوى ممن لا يميز حديث الشيخ
صحيحه من سقيمه. وأما يزيد بن هرون وأمثاله إذا رووا عن رجل قد وقع فى
حديثه بعض الاختلاط فإنهم يميزون حديثه وينتقونه . هذا مع أن حديثه موافق
لأحاديث الباب ، كأحاديث سمرة ورافع بن عمرو وعبد الله بن عمرو وعباد بن
شرحبيل وهذا يدل على أنه محفوظ وأن له أصلاً . ولهذا صححه ابن حبان وغيره .

- ٢٨٦ -
٢٦٠٤ - حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشَّارٍ أخبرنا محمّدُ بنُ جَعْفَرٍ عن شُعْبَةَ عن
أَبِى بِشْرٍ قَال ◌َمِعْتُ عَمَّادَ بنَ شُرَحْيِيلَ رَجُلاً مِنَّا مِنْ بِى غُبُرَ بِمَعْنَهُ.
٩٤ - باب من قال إنه يأكل مما سقط
٢٦٠٥ - حدثنا عُثْنُ وَأَبُو بَكْرِ ابْنَا أَبِى شَيْبَةَ وَهَذَا لَفْظُ أَبِى بَكْرِ
من مُفْتَرٍ بِنِ سُلَيْفَنَ قَال ◌َمِعْتُ ابنَ أَبِى حَكِّمِ الْغِغَارِىِّ يَقُولُ حدَّثَنْى
جَدَّنى عن عَمِّ أَبِى رَّافِعِ بنِ عَمْ وَ الْغِفَرِيِّ قال: ((كُنْتُ غُلاَماً أَزْمِى نَزْلَ
الْأَنْصَارِ فَأُنِيَ بِ النَِّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم فقال: يَغُلاَمُ لِمَ تَرْيِى النَّخْلَ؟
قال: آكُلُ، قال: فَلاَ تَرْبِىِ النَّخْلَ وَكُلْ مَ [يِمَّا ] يَسْقُطُ فِى أَسْفَلِمَا، ثُمَّ
مَسَعَ رَأْسَهُ فقال: الّهُمَّ أَشْمِعْ بَطْنَهُ ».
- إذا كان جائعاً . قال المنذرى: وأخرجه النسائى وابن ماجه.
وقد قيل إنه ليس لعباد بن شر حبيل اليشكرى العنبرى سوى هذا الحديث
وذكر أبو القاسم البغوى أنه سكن البصرة وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم
حديثاً لم يحدث به غير أبى بشر جعفر بن إياس ، وذكر له هذا الحديث.
(رجلامنا) بدل من عباد ( من بنى غبر) على وزن زفر قبيلة من يشكر
كذا فى التاج ( بمعناه ) أى بمعنى الحديث السابق .
( باب من قال إنه بأ كل مما سقط )
لم يوجد هذا الباب إلا فى بعض النسخ .
(أرمى نخل الأنصار) أى أرمى الحجارة عليها ليسقط ثمرها فآ كلها (وكل
ما يسقط فى أسفلها) فيه دليل لما ترجم به المصنف رحمه الله . قال المنذرى:
وأخرجه الترمذى وابن ماجه . وقال الترمذى : حديث حسن غريب محيح.

-٢٨٧-
٩٥ - باب فيمن قال لا يحلب
٢٦٠٦ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَةَ من مَالِكٍ عن نَافِع من ابنٍ
مُمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((لا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَشِيَةً أَحَدٍ
بِغَيْرٍ إِذْنِيٍ، أَيُحِبُ أَحَدُ كُمُ أَنْ تُؤْنَى مَشْرَبَتُهُ فَتُكْسَرَ خَزَانَتُهُ فَيُنْتَثَلَ
[ فَيُنْتَقَّلَ ] طَعَامُهُ فَإِنَّمَ تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوِعُ مَوَاشِيهم أَطْعِمَتَهُمْ ، فَلَا يَحْلُبَنَّ
أَحَدٌ مَاشِيَةٌ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ)) .
( باب فيمن قال لا يحلب )
أى ماشهة الغير بلا إذنه .
(أيحب أحدكم أن تؤتى ) بصيغة المجهول والاستفهام للافكار (مشربته)
بفتح الميم وسكون الشين وضم الراء وفتحها. قال النووى: هى كالغرفة يخزن
فيها الطعام وغيره انتهى ( خزانته) بكسر الحاء هى مثل المخزن (فينتثل) بصيغة
المجهول وبالنون والثاء المثلثة من باب الافتعال أى ينثر ويستخرج ، وفى بعض
النسخ ينتقل من الانتقال ( فإِنما تخزن لهم) من باب نصر، يقال خزن المال
أى أحرزه (ضروع مواشيهم) فاعل تخزن (أطعمتهم) جمع طعام مفعول
(فلا يحلبن الخ) كرر النهى للتأكيد.
قال القارى: والمعنى أن ضروع مواشيهم فى حفظ اللبن بمنزلة خزائنكم
التى تحفظ طعامكم ، فمن حلب مواشيهم فكأنه كسر خزائنهم وسرق منهاشيئاً.
فى شرح السنة: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم ، أنه لا يجوز أن يحلب
ماشية الغير بغير إذنه إلا إذا اضطر فى مخمصة . وذهب أحمد وإسحاق وغيرهما
إلى إباحته لغير المضطر أيضاً إذا لم يكن المالك حاضراً، فإن أبا بكر رضى الله عنه
حلب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لبناً من غنم رجل من قريش يرعاها عبد له -

- ٢٨٨ -
٩٦ - باب فى الطاعة
٢٦٠٧ - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا حَجَّاجٌ قال ((قال ابنُ جُرَّيَحٍ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكَمْ﴾
عَبْدُ اللهِ [ فى عَبْدِ اللهِ] بنُ قَيْسِ بنِ عَدِيِّ بَعَثَهُ النَبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم
فى سَرِيَّةً أُخْبَرَلِيهُ يَعْلَى عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنٍ عَبَّاسٍ)) .
- وصاحبها غائب فى هجرته إلى المدينة ، ولحديث سمرة أن النبى صلى الله عليه
وسلم قال ((إذا أتى أحدكم على ماشهة فإن كان فيها صاحبها)) الحديث. وقد
رخص بعضهم لابن السبيل فى أ كل ثمار الغير لما روى عن ابن عمر رضى الله عنه
بإسناد غريب عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((من دخل حائطاً لها كل غير
متخذ خبنة فلاشىء عليه)) وعند أكثرهم لا يباح إلا بإذن المالك إلا لضرورة
مجاعة كما سبق انتهى. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم .
( باب فى الطاعة )
أى طاعة الأمراء.
(وأولى الأمر منكم) قال النووى: المراد بأولى الأمر من أوجب الله
طاعته من الولاة والأمراء . هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين
والفقهاء وغيرهم، وقيل هم العلماء ، وقمل الأمراء والعلماء . وأما من قال
الصحابة خاصة فقد أخطأ انتهى ( عبد الله بن قيس ) بالرفع على أنه مهتدا
وخبره قوله بعته. والمعنى نزلت تلك الآية فى شأنه، وفى بعض النسخ فى عبد الله
ابن قيس وهو ظاهر، وفى رواية مسلم نزل ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله
وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ فى عبد الله بن حذافة بن قيس إلخ .
قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى .
-

- ٢٨٩ -
٢٦٠٨ - حدثنا عَمْرُوُ بنُ مَرْزُوقٍ أنبأنا شُعْبَة عن زُبَيْدٍ عن سَعْدِ
ابنِ عُبَيْدَةً عن أَبِى عَبْدِ الرَّْمنِ السُِّىِّ من عَلىِّ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم بَعَثَ جَيْتًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً وَأَمَرَّهُمْ أَنْ يَسْتَمُوا لَهُ وَيُطِعُوا،
فَأَجَّجَ نَاراً وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقْتَحِمُوا فِيهَا، فَأَبَى قَوْمٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا وَقَالُوا: إِنَّا
فَرَرْنَا مِنَ النّارِ وَأَرادَ قَوْمٌ أنْ يَدْخُلُوهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّىُّ صلى اللهُ عليه
وسلم فقالَ: لَوْ دَخَلُوهَا أَوْ دَخَلُوا فِيهَا لَمْ يَزَالُوا فِيهَا، وَقال: لا طَاعَةَ فى
مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّ الطَّاعَةُ فِى لَعْرُوفِ ».
- (وأمر عليهم رجلا) قيل هو علقمة بن مجزز، وقيل إنه عبد الله بن حذافة
السهمى (فأجج) بجهمين أوليهما مشددة أى أوقد (أن يقتحموا) أى يدخلوا
(إنما فررنا من النار) أى بترك دين آبائنا ( أو دخلوا فيها) شك من الراوى
( لم يزالوا فيها) قال الحافظ: الاحتمال الظاهر أن الضمير للنار التى أوقدت لهم
أى ظنوا أنهم إذا دخلوا بسبب طاعة أميرهم لا تضرم، فأخبر النبي صلى الله عليه
وسلم أنهم لو دخلوا فيها لاحترقوا فماتوا فلم يخرجوا انتهى. وذكر له توجيهات
فى الفتح ( لاطاعة فى معصية الله ) قال الخطابي : هذا يدل على أن طاعة الولاة
لا تجب إلا فى المعروف كالخروج فى البعث إذا أمر به الولاة ، والنفوذ لهم
فى الأمور التى هى الطاعات ومصالح للمسلمين ، فأما ما كان منها معصية كقتل
النفس المحرمة وما أشبههه فلا طاعة لهم فى ذلك (إنما الطاعة فى المعروف) -
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
وقد استشكل قوله صلى الله عليه وسلم (( ما خرجوا منها أبداً ، ولم يزالوا فيها ))
مع كونهم لو فعلوا ذلك لم يفعلوه إلا ظناً منهم أنه من الطاعة الواجبة عليهم،
وكانوا متأولين .
=
(١٩ - عون المعبود ٧ )

- ٢٩٠ -
٢٦٠٩ - حدثنا مُسَدّدٌ أخبرنا يَحْبَى عن عُبَيْدِ اللهِ حَدَّقَتَى نَفِعٌ عن
عَبْدِ اللهِ عن رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ ((السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى
الَرْءِ الْمُعْلِ فِيَ أَحَبِّ وَّكْرِهَ مَ لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ تَمَعَ
وَلاَ طَاعَةً )) .
- لا فى المنكر والمراد بالمعروف ما كان من الأمور المعروفة فى الشرع، وهذا
تقييد لما أطلق فى الأحاديث المطلقة القاضية بطاعة أولى الأمر على العموم .
قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
(السمع والطاعة ) أى ثابتة أو واجبة للامام أو نائبه ( مالم يؤمر) أى
المرء المسلم ( فإذا أمى) بضم الهمزة. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم
والترمذى وابن ماجه .
-
= والجواب عن هذا : أن دخولهم إياها معصية فى نفس الأمر ، وكان الواجب
عليهم أن لا يبادروا وأن يتثبتوا حتى يعلموا : هل ذلك طاعة لله ورسوله أم لا ؟
فأقدموا على الهجوم والاقتحام من غير ثبت ولا نظر ، فكانت عقوبتهم أنهم لم
يزالوا فيها .
وقوله: (( أبداً)) لا يعطى خلودهم فى نار جهنم . فان الأخبار إنما هو عن نار
الدنيا . والأبد كثيراً ما يراد به أبد الدنيا. قال تعالى فى حق اليهود ﴿ولن يتمنوه
أبداً) وقد أخبر عن الكفار أنهم يتمنون الموت فى النار ويسألون ربهم أن يقضى
عليهم بالموت . وقد جاء فى بعض الروايات ((أن هذا الرجل كان مازحاً )) وكان
معروفاً بكثرة المزاح والمعروف أنهم أغضبوه ، حتى فعل ذلك .
وفى الحديث دليل أن على من أطاع ولاة الأمر فى معصية الله كان عاصياً ، وأن
ذلك لا يمهد له عذراً عند الله ، بل إنم المعصية لا حق له ، وإن كان لولا الأمر لم
يرتكبها . وعلى هذا يدل هذا الحديث ، وهو وجهه . وبالله التوفيق .

-٢٩١ -.
٢٦١٠ - حدثنا يَحْتَى بنُ مَعِينْ أخبرنا عَبْدُ الصَّعَدِ بنُ عَبْدِ الوَارِثِ
أخبرنا ◌ُسلَمانُ بنُ المُغِيرَةِ أخبرنا ◌ُحَيْدُ بنُ مِلاَلٍ عن بشرٍ بِنِ عَاصِمٍ عن
عُقْبَةَ بِنِ مَالِكٍ مِنْ رَهْطِهٍ قَالَ ((بَعَثَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلم سَرِيَةٌ
فَلَّحْتُ رَجُلاً مِنْهُمْ سَيْفَاً فَلَّمَا رَجَعَ الَ لَوْ رَأَيْتَ مَا لَمَنَا رَسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليهِ وسلم. قالَ أَعَجَزْتُمْ لِذْ بَعَنْتُ رَجُلاً مِنْكُمْ فَلَمْ يَمْضٍ لِأُمْرِى
٤
أَنْ تَجْعَلُوا مَكَنَهُ مَنْ يَمْضِى لِأَمْرِى)).
- ( من رهطه) أى من قومه (فسلحت ) بتخفيف اللام وإن شددته
فلتكثير، والتكثير ههدا غير مناسب. كذا فى فتح الودود. والمعنى أعطيت ،
يقال سلحقه إذا أعطيته سلاحاً ( منهم ) أى من الغزاة (سيفاً) ليقتل المشركين
(فلما رجع) ذلك الرجل بعد ماقتل رجلا الذى أظهر إيمانه كما سيجىء (مالا مها)
من اللوم (قال) أى النبى صلى الله عليه وسلم وهذا بيان للومه صلى الله عليه وسلم
( فلم يمض لأمرى ) قال فى الجمع فى مادة مضى: وفيه إذا بعثت رجلا فلم
يمض أمرى أى إذا أمرت أحداً أن يذهب إلى أمر أو بعثته الأمر ولم يمض
وعصائى فاعزلوه ( أن تجعلوا) أى أعجزتم من أن تجعلوا . وأورد ابن الأثير
فى أسد الغابة وابن حجر فى الإصابة من رواية النسائى والبغوى وابن حبان
وغيرهم من طريق سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال : أتينا بشر بن
عاصم فقال حدثنا عقبة بن مالك وكان من رهطه قال (( بعث رسول الله
صلى الله عليه وسلم سرية فأغارت على قوم فشد من القوم رجل فأتبعه من
السرية رجل معه سيف شاهر فقال له الشاد إنى مسلم فلم ينظر إلى ماقال
فضربه فقتله ، فما الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولا
شديداً فبلغ القاتل ، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ قال القاتل -

-٢٩٢ خــ
٩٧ - باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته
٢٦١١ - حدثنا عَمْرُوُ بنُ عُثْاَنَ الْخِىُّ وَيَزِيدُ بنُ قُبَيْسٍ مِنْ أَهْلِ
جَبَةَ سَاحِلٍ ◌ِصَ وَهْذَا لَفْظُ يِزِيدَ قالاَ أخبرنا الوّلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عن
عَبْدِ الهِ بِنِ العَلاَءِ أَنَّهُ سَمِعَ مُفْلِمَ بنَ مِشْكَ ◌ٍ أبَا عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ حَدَّثَنَا
أبُو تَعْلَبَةَ الْخَشَبِيُّ قالَ ((كَأَنَ النَّاسُ إذَا نَزَّلُوا مَنْزِلاً قالَ هُمَ وَكانَ
النَّاسُ إِذَا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم مَنْزِلاَ تَفَرَّقُوا فِىِ الشُّعَابِ
وَالأَوْدِيَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم إِنَّ كَفَرَّقَكُمْ فِى هَذِهِ
الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ إِنَّا ذْلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ. فَلَمْ يَنْزِلْ [فَلَمْ يَنْزِلُوا]
- والله ما كان الذى قال إلا تعوذاً من القتل فأعرض عنه، فعل ذلك ثلاثاً
فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه تعرف المساءة فى وجهه فقال إن الله
عز وجل أبى على فيمن قتل مؤمناً ثلاث مرات)) انتهى. قال المنذرى:
ذكر أبو عمر المهرى وغيره أن عقبة هذا روى عن النبى صلى الله عليه وسلم
حديثاً واحداً .
( باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته)
(يزيد بن قبيس) بموحدة ومهملة مصغراً ثقة (ساحل حمص) بدل من
جبلة ( مسلم بن مشكم) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الكاف (أبا عبيد الله)
كفية مسلم بن مشكم ( قال عمرو) هو ابن عثمان (فى الشعاب) بكسر أوله جمع
الشعب وهو الطريق فى الجبل أو ما انفرج بين الجبلين (والأودية) جمع الوادى
وهو المسيل مما بين الجبلين ( إنما ذلكم) أى تفرقكم ( من الشيطان ) أى
ليخوف أولياء الله ويحرك أعداءه (فلمينزل) أى رسول الله صلى الله عليه وسلم -

-٢٩٣ -
بَعْدَ ذلِكَ مَنْزِلاً إلاّ انْفَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يُقَالُ لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ
ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ)).
٢٦١٢ - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَيَّاشٍ عن
أُسِهِدٍ بِنِ عَبْدِ الرَّْنِ الْعَمِىِّ عن فَرْوَةَ بنِ مُجَاهِدِ اللَخْمِىِّ عن سَهْلٍ
ابنِ مَعَذٍ بِنِ أَنَسِ الْهَِىُّ عن أَبِهِ قَالَ ((غَزَوْتُ مَعَ نِىِّ الهِ صلى اللهُ
عليهِ وسلم غَزْوَةَ كَذَا وَكَذَا فَضَيْقَ النَّاسُ الَغَازِلَ وَقَطَعُوا الطّرِيقَ، فَبَعَثَ
الَبِىُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ مُنَادِياً يُنَادِى فِ النَّاسِ أَنَّ مَنْ ضَيِّقَ مَنْزِلاً
أَوْ قَطَعَ طَرِقَاً فَلاَ جِهَادَ لَّهُ)).
٢٦١٣ - حدثنا عَمْرُوُ بنُ عُثْمانَ أخبرنا بَقِيَّةُ عن الأُوْزَاعِيِّ عن
أَسِيدٍ بِنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عن فَرْوَةَ بِنِ تَجَاهِدٍ عن سَهْلِ بنِ مُعَذٍ عن أَبيِهِ
قالَ ((غَزَوْنَا مَعَ نَبِيِّ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ بِمَعْنَاهُ )).
- وفى بعض النسخ فلم ينزلوا أى الناس (بعد ذلك) أى القول ( لو بسط )
بصيغة المجهول ( لعمهم ) أى اشمل جميعهم. قال المنذرى: وأخرجه النسائى.
( عن أسيد بن عبد الرحمن) بفتح الهمزة وكسر المهملة (فضيق الناس
المنازل) أى على غيرهم بأن أخذ كل منزلا لا حاجة له فيه أو فوق حاجته
( وقطعوا الطريق) أى بتضييقها على المارة ( فلا جهاد له) فيه أنه لا يجوز لأحد
تضييق الطريق التى يمر بها الناس ، ونفى جهاد من فعل ذلك على طريق المبالغة
فى الزجر والتنفير ، وكذلك لا يجوز تضييق المنازل التى ينزل فيها المجاهدون
لما فى ذلك من الإضرار بهم. قال المنذرى: سهل بن معاذ ضعيف، وفيه
أيضاً إسماعيل وفيه مقال .

- ٢٩٤ -٠
٩٨ - باب فى كراهية تعنى لقاء العدو
٢٦١٤ - حدثنا أَبُوُ صَالِحٍ يَخْبُوبُ بنُ مُوسَى أخبرنا أَبُو إسْحَاقَ
الفَزَّارِىُّ عن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عن سَالِمِ أَبِ النّضْرِ مَوْلَى مُمَرَ بِنِ عُبَيْدِ اللهِ
يَعْنِى ابنَ مَعْمَرٍ وَكَانَ كَتِباً لَهُ الَ ((كَتَبَ إِلَيْهِ مَبْدُ اللهِ بنُ أَبِى أَوْقَّى
حِينَ خَرَجَ إلى الْرُوْرِيَّةِ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسَلمَ فِى بَعْضِ أَبِّهِ
الَّتِى لَفِىَ فِيهَا العَدَوّ قالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَعَمَّنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ وَسَلُوا اللهَ
( باب فى كراهية تمنى لقاء العدو)
( وكان) أى سالم ( كاتباً له) أى لعمر بن عبيد الله (كتب إليه) أى إلى
عمر بن عبيد الله ( عبد الله بن أبى أوفى) فاعل كتب. ولفظ مسلم من طريق
ابن جريج أخبرنى موسى بن عقبة عن أبى النضر عن كتاب رجل من أساء
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له عبد الله ابن أبى أوفى فكتب
إلى محمر بن عبيد الله حين سار إلى الحرورية وعمر بن عبيد الله بن معمر هو
التيمى وكان أميراً على حرب الخوارج. ذكره ابن أبى حاتم وذكر له رواية عن
بعض التابعين ولم يذكر فيه جرحاً. كذا فى الفتح ( إلى الحرورية) بفتح الحاء
وضم الراء وهم طائفة من الخوارج نسبوا إلى حر وراء بالمد والقصر وهو موضع
قريب من الكوفة ( لا تتمنوا لقاء العدو) قال ابن بطال: حكمة النهى أن المرء
لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن . وقال غيره:
إنما نهى عن تمنى لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على
النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو ، وكل ذلك يبائن الاحتياط
والأخذ بالحزم . وقيل: يحمل النهى على ما إِذا وقع الشك فى المصلحة أو
حصول الضرر وإلا فالقتال فضيلة وطاعة. ويؤيد الأول تعقيب النهى بقوله -

-- ٢٩٥ -
العَفِيَةَ، فَإِذَا لَقِيْتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ الشُّيُوفِ.
ثُّ قَالَ: اللّهُمَّ مِنْزِلَ الكِتَبِ مُجْرِىَ السََّابِ وَهَزِمَ الأُخْزَابِ اهْزِمْهُمْ
وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ )) .
٩٩ - باب ما يدعي عند اللقاء
٢٦١٥ - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلَىّ أخبَرَنى أَبِ أخبرنا الْمَتَنَّى بنُ سَعِيدٍ
عن قَتَدَ من أُنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ ((كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
إذَا غَزَا الَ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِى وَنَصِيرِى، بِكَ أَحُولُ وَبِكَ أَصُولُ
وَبِكَ أَقَاتِلُ ».
- (وسلوا الله العافية) قال النووى: وهى من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جمع
المكروهات فى البدن والهاطن فى الدين والدنيا والآخرة فاصبروا أى اثبتوا
ولا تظهروا العلم من شىء يحصل لكم. فالصبر فى القتال هو كظم ما يؤلم من
غير إظهار شكوى ولاجزع، وهو الصبر الجميل (أن الجنة تحت ظلال السيوف)
قال الخطابي: معنى ظلال السيوف الدنو من القرن حتى يعلوه بظل سيفه لا يولى
عنه ولا يعفر معه، وكل ما دنا معك فقد أظلك . وقال فى النهاية: هو كناية
عن الدنو من الضراب فى الجهاد حتى يعلوه السيف ويصير ظله عليه . وقال
النووى: معناه أن الجهاد وحضور معركة الكفار طريق إلى الجنة وسبب
لدخولها (منزل الكتاب) جنسه أو القرآن ( وهازم الأحزاب) أى أصناف
الكفار السابقة من قوم نوح ومود وعاد وغيرهم (اهزمهم) أى هؤلاء الكفار
قال المنذرى : وأخرجه البخارى ومسلم .
(باب ما يدعى عند اللقاء)
أى لقاء العدو .
(اللهم أنت عضدى) بفتح مهملة وضم معجمة أى معتمدى فلا أعتمد على -
- -

- ٢٩٦ -
١٠٠ - باب فى دماء المشركين
٢٦١٦ - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورِ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ
أنبأنا ابنُ عَوْنٍ قَالَ «كَتَبْتُ إلى نَافِجٍ أَسْأَلُهُ من دُعَاءِ الْمُشْرِ كِينَ عِنْدَ
الفِقَلِ ، فَكْتَبَ إِلَىَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِى أَوَّلِ الإِسْلاَمِ وَقَدْ أَغَرَ نِىُّ اللهِ
صلى اللهُ عليهِ وسلَمَ [َلَى] ◌َفِ المُعْطَلِقِ وَمُ غَرُونَ وَأَنْعَامُهُمْ تَسْقَى عَلَى المَاءِ
فَقَعَلَ مُقَاتِلَهُمْ وَسَى سَبِيَهُمْ وَأَصَبَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَّةٌ بِذْتَ الْحَارِثِ)) حدِّثْنِى
بذْلِكَ عَبْدُ اللهِ وَكَانَ فِ ذُلِكَ الْشِ .
- غيرك. وقال القاموس: العضد بالفتح وبالضم وبالکسر و ککتف وندس
وعدق ما بين المرفق إلى الكتف . والعضد الناصر والمعين ، وهم عضدى
وأعضادى ( ونصيرى) أى معهنى عطف تفسيرى ( بك أحول) أى أصرف
كهد العدو وأحتال لدفع مكرهم ، من حال يحول حيلة وأصله حولة . قاله القارى
( وبك أصول) أى أحمل على العدو حتى أغلبه وأستأصله، ومعه الصولة بمعنى
الحملة ( وبك أقاتل ) أى أعداءك . قال المنذرى: وأخرجه الترمذى والنسائى.
وقال الترمذى : حديث حسن غريب والله أعلم .
( باب فى دماء المشركين)
أى إلى الإسلام عند القتال .
( إن ذلك) أى دعاء المشركين إلى الإسلام (بنى المصطلق) بضم الميم
وسكون المهملة وفتح الطاء وكسر اللام بعدها قاف بطن شهير من خزاعة
(وهم غارون) بالغين المعجمة وتشديد الراء جمع غار أى غافلون فأخذهم على
غرة، والجملة حال ( فقتل) أى النبى صلى الله عليه وسلم (مقاتلتهم) بكسر
التاء جمع مقاتل: والتاء باعتبار الجماعة والمراد بها ههنا من يصلح للقتال وهو -

- ٢٩٧-
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ نَبِيلٌ رَوَاهُ ابْنُ عَوْنٍ عن نَافِعٍ وَلَمْ
يُشْرِكُهُ فِيهِ أُحَدٌ .
٢٦١٧ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حمادٌ أنبأنانا ثابتٌ عن
أَنَسٍ ((أَنَّ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ كانَ يُغِيرُ عِنْدَ صَلَةِ الصُّهْحِ وَكَانَ
يَتَسَمِّعُ فَإِذَا سَمِعَ أَذَانَا أَمْسَكَ وَإِلاَّ أَغَارَ )).
٢٦١٨ - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورِ أخبرنا سُفْيَانُ عن عَبْدِ الملِكِ بِنِ
نَوْقَلٍ بنٍ مُسَحِقٍ عن ابنِ عِصَامِ المُزَِّيِّ عن أَبيِهِ قَلَ (بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ
- الرجل البالغ العاقل (وسبى سبيهم) أى نساءهم وصبيانهم . قال فى السبل:
الحديث دليل على جواز المقاتلة قبل الدعاء إلى الإسلام فى حق الكفار الذين
قد بلغتهم الدعوة من غير إنذار، وهذه أصح الأقوال الثلاثة فى المسألة، وهى
عدم وجوب الإنذار مطلقاً ، والثانى وجوبه مطلقاً ، والثالث يجب إن لم تبلغهم
الدعوة ولا يجب إن بلغتهم ولكن يستحب. قال ابن المنذر: وهو قول
أكثر أهل العلم، وعلى معناه تظافرت الأحاديث الصحيحة انتهى (هذا
حديث نبيل ) أى جيد يقال فلان نبيل الرأى أى جهده ( ولم يشركه فيه أحد
أى ابن عون تفرد بهذا الحديث . قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم
والنسائى .
( وكان يتسمع ) بشدة الميم من باب التفعل أى يضع أذنه ويتوجه بسمعه
إلى صوت الأذان (أمسك) أى امتنع من الإغارة (وإلا) أى وإن لم يسمع
الأذان (أغار ) لكونه علامة الكفر قال الخطابي: فيه بيان أن الأذان شعار
لدين الإسلام فلو أن أهل بلد أجمعوا على تركه كان السلطان قتالهم عليه. ذكره
القارى. قال المنذرى: وأخرجه مسلم والترمذى.
-

- ٢٩٨ -
صلى اللهُ عليهِ وسلَ فِي سَرِيَّةٍ فَقَالَ إِذَا رَأَيْتُمْ مَسْجِدًا أَوْ تَمِعْتُمْ مُؤَذِّناً
فَلاَ تَقْتُلُوا أَحَدًا ».
١٠١ - باب المكر فى الحرب
٢٦١٩ - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورِ أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرِ و أَنْهُ سَمِعَ
جَابِراً [يُحَدِّثُ] أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَمَ الَ ((الْخَرْبُ تَخُدْعَةٌ)).
٢٦٢٠ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ أخبرنا ابنُ ثَوْرٍ عن مَعْمَرٍ عن الزَّهْرِىِّ
عن عَبْدِ الرَّحْنِ بنِ كَغْبٍ بِنِ مَلِكٍ عن أَبيِ ((أنّ الفَّيَّ صلى اللهُ عليه وسلم
- (إذا رأيتم مسجدا) أى فى ديار العدو (أو سمعتم مؤذناً) أى أذانه.
قال فى الفيل: فيه دليل على أن مجرد وجود المسجد فى البلد كاف فى الاستدلال
به على إسلام أهله وإن لم يسمع منهم الأذان لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان
بأمر سراياه بالا كهفاء يأحد الأمرين إما وجود مسجد أو سماع الأذان . قال
المنذرى: وأخرجه الترمذى والنسائى وقال الترمذى: حسن غريب والله أعلم .
باب المكر فى الحرب
( الحرب خدعة) قال النووى: فيها ثلاث لغات مشهورات اتفقوا على أن
أفصحهن خدعة بفتح الخاء وإسكان الدال . قال ثعلب وغيره : وهى لغة النبى
صلى الله عليه وسلم ، والثانية بضم الخاء وإسكان الدال، والثالثة بضم الخاء وفتح
الدال واتفق العلماء على جواز خداع الكفار فى الحرب كيف أمكن الخداع
إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل . وقد صح فى الحديث جواز
الكذب فى ثلاثة أشياء أحدها فى الحرب انتهى. قال المنذرى : وأخرجه
البخارى ومسلم والترمذى والنسائى .
(أخبرنا ابن ثور) هو محمد بن ثور. قاله المزى . وفى بعض النسخ أبو ثور -

- ٢٩٩ -
كَانَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى غَيْرَهَا وَكَانَ يَقُولُ الحُرْبُ خُدْ عَةٌ)).
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَحِيَّ بِهِ إِلَّ مَعْرٌ يُرِيدُ قَوْلَهُ ((الحُرْبُ خُدْعَةٌ))
بِهِذَا الإِسْنَادِ إِنَّا يُرْوَى مِنْ حَدِيثٍ عَمْرِ و بنٍ وِيِدَارٍ عن جَابِرٍ، وَمِنْ حَدِيثٍ
مَعْرٍ عن عَّامِ بِنِ مُنَبِّهِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ .
١٠٢ - باب فی البیات
٢٦٢١ - حدثنا الْسَنُ بنُ عَلىّ أخبرنا عَبْدُ الصَّمَدِ وَأَبُو عَامِرٍ عن
مِكْرِمَةَ بنِ عَمَّارٍ أخبرنا إياسُ بنُ سَلَّمَةَ من أَبِيهِ قالَ ((أَمََّ رَسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلمَ عَلَيْنَا أَبَا بَكْرٍ فَغَزَوْنَا نَاساً مِنَ المُشْرِكِينَ فَبَيْنَهُمْ
نَفْتُلُهُمْ وَكَانَ شِعَارُنَا ◌ِلْكَ الَّيْلَةَ أَمِتْ أَمِتْ. قَالَ سَلَّةُ فَقَتَلْتُ بِهَدِى
◌ِلْكَ الَيْلَةَ سَبْعَةَ أَهْلٍ أَبْيَاتٍ مِنَ المُشْرِكِينَ ».
- وهو غلط (ورّى غيرها) من التورية وهى أن يريد الانسان شيئا فيظهر غيره
كذا فى مرقاة الصعود. قال ابن الملك : أى سترها بغيرها وأظهر أنه يريد غيرها
لما فيه من الحزم وإغفال العدو والأمن من جاسوس يطلع على ذلك فيخبر به
العدو انتهى. والحديث سكت عنه المنذرى (قال أبو داود إلخ) لم توجد هذه
العبارة فى أكثر النسخ .
( باب فى البيات )
معناه بالفارسية شبخون . وقال فى القاموس: بيت العدو أوقع بهم ليلا
( سبعة أهل أبهات ) أى سبعة عشائر، وتقدم شرح هذا الحديث فى باب
الرجل ينادى بالشعار . قال المنذرى: وأخرجه النسائي وابن ماجه .

- ٣٠٠ -
١٠٣ - باب لزوم الساقة
٢٦٢٢ - حدثنا الْحَسَنُ بنُ شَوْكَرِ حدَّثْنَا إِسْمَاعِلُ بنُ هُلَّةً أخبرنا
الْجَاجُ بنُ أَبِ عُثْمَانَ عن أَبِىِ الزُّبَبْرِ أَنَّ جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ حَدَّتَهُمْ قَالَ
((كانَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَمَ يَتَخَلْفُ فِىِ المَسِيرِ فَيُزْجِى الضَّعِيفَ
وَيُرْدِفُ وَ يَدْعُو لَهُمْ )).
١٠٤ - باب على ما يقاتل المشركون
٢٦٢٣ - حدثنا مُتَدَّدٌ أخبرنا أَبُو مُعَوِيَةً عن الأَعْمَشِ من أبى صالح
عن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ ((أَمِرْتُ أَنْ أَقَاتِلَ
النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا مَنَعُوا مِنِّ دِمَاءُهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ
إلَّّ بِحَقُّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ )).
( باب لزوم الساقة )
قال فى القاموس : ساقة الجيش مؤخرة .
(فيزجى) بضم الياء وسكون الزاى وكسر الجيم أى يسوق (الضعيف)
أى مركبه ليلحقه بالرفاق. قاله القارى ( ويردف) من الإرداف أى يركب
خلفه الضعيف من المشاة . والحديث سكت عنه المنذرى .
( باب على ما يقاتل المشركون )
(أست) أى أمرفى الله ( حتى يقولوا لا إله إلا الله) أى وأن محمداً
رسول الله وهو غاية لقتالهم (فإذا قالوها ) أى كلمة لا إله إلا الله ( إلا بحقها)
أى الدماء والأموال والباء بمعنى عن ، يعنى هى معصومة إلا عن حق الله فيها
كردة وحد وترك صلاة وزكاة ، أو حق آدمى كقود فنقنع منهم بقولها -