Indexed OCR Text
Pages 121-140
- ١٢١-
قال رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم: اجْعَلُوهَاَ فى رُكُوعِكَمْ، فَلَمَا نَزَلَتْ (سَبِّح
اْمَ رَبِّكَ اْأَعْلَى) قال: اجْعَلُوهَا فِى سُجُودِكم)).
٨٥٦ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا الَّيْثُ - يَعْنى ابنَ سَمْدٍ - عن
أَثُّوبَ بنِ مُوسَى أَوْ مُوسَى بنِ أَيُّوبَ عن رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ عن عُقْبَةَ بنِ
عَمِرٍ بِمَعْنَاهُ. زَادَ قال: ((فَكَانَ رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم إذَا رَكَعَ
قال: سُبْحَانَ رَبِّىَ الْعَظِيمِ وَ بَحَمْدِهِ ثَلاَثًا. وَإِذَا سَجَدَ قال: سُبْحَانَ رَبِّىَ
الْأَعْلَى وَ بِحَمْدِهِ ثَلاَثً)) .
- (موسى بن أيوب) أى نسبه إلى أبيه (جعلوها) أى مضمونها ومحصولها
( فى ركوعكم) يعنى قولوا سبحان ربى العظيم. قال الفخر الرازى: معنى العظيم
الكامل فى ذاته وصفاته ، ومعنى الجليل الكامل فى صفاته ، ومعنى الكبير
الكامل فى ذاته ( اجعلوها فى سجود كم) يعنى قولوا سبحان ربي الأعلى .
والحكمة فى تخصيص الركوع بالعظيم والسجود بالأعلى أن السجود لما كان فيه
غاية التواضع لما فيه من وضع الجبهة التى هى أشرف الأعضاء على مواطىء
الأقدام كان أفضل من الركوع حسن تخصيصه بما فيه صيغة أفعل التفضيل وهو
الأعلى بخلاف العظيم، جعلا للأبلغ مع الأبلغ والمطلق مع المطلق .
قال الخطائى: فى الحديث دلالة على وجوب التسبيح فى الركوع والسجود
لأنه قد اجتمع فى ذلك أمر الله سبحانه وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم وترتيبه
فى موضعه من الصلاة فتركه غير جائز . وإلى إيجابه ذهب إسحاق بن راهويه
ومذهب أحمد بن حنبل قريب منه ، وقد روى عن الحسن البصرى نحو من هذا
فأما عامة الفقهاء مالك وأصحاب الرأى والشافعى فإنهم لم يروا تركه مفسداً
الصلاة . انتهى .
(عن أيوب بن موسى أو موسى بن أيوب) شك من الراوى والصواب -
- ١٢٢-
قال أَبُو دَاوُدَ : وَهَذِهِ الزِّيَدَةُ فَخَفُ [ يُخَفُ] أَنْ لا تَكُونَ مَحْفُوظَةً.
قال أَبُودَاوُدَ: انْقَرَدَ أَهْلُ مِصْرَ بِإِسْنَادِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ: حَدِيثٍ
الرَّبِيعِ وَحَدِيثِ أَحْمَدَ بنِ يُونُسَ .
- أنه موسى بن أيوب كما فى الرواية المتقدمة (قال أبو داود وهذه الزيادة) أى
وبحمده ( نخاف أن لا تكون محفوظة) أى نخف أن تكون غير محفوظة .
واعلم أن ما رواه المقبول مخالفاً من هو أولى منه فهو الشاذ ومقابله يقال له المحفوظ
وما رواه الضعيف مخالفاً لمن هو أولى منه يقال له المنسكر ومقابله يقال له
المعروف . والفرق بين الشاذ والمنكر بحسب غالب الاستعمال وقد يطلق أحدهما
مكان الآخر. قال فى التلخيص : وهذه الزيادة للدار قطنى من حديث ابن مسعود
أيضاً قال من السنة أن يقول الرجل فى ركوعه: سبحان ربى العظيم وبحمده وفى
سجوده سبحان ربي الأعلى وبحمده. وفيه السرى بن إسماعيل عن الشعبى عن
مسروق عنه والسرى ضعيف . وقد اختلف فيه على الشعبى فرواه الدارقطنى
أيضاً من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن الشعبى عن صلة عن حذيفة
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول فى ركوعه سبحان ربي العظيم
وبحمده ثلاثاً وفى سجوده سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثاً. ومحمد بن عبدالرحمن
ابن أبى ليلى ضعيف. وقد رواه النسائى من طريق المستورد بن الأحنف عن صلة
عن حذيفة وليس فيه وبحمده. ورواه الطبرانى وأحمد من حديث أبى مالك
الأشعرى وهى فيه وأحمد من حديث ابن السعدى وليس فيه وبحمده وإسناده
حسن. ورواه الحاكم من حديث أبى جحيفة فى تاريخ نيسابوروهى فيه وإسناده
ضعيف . وفى هذا جمهعه رد لإنكار ابن الصلاح وغيره هذه الزيادة . وقد سئل
أحمد بن حنبل عنه فيما حكاه ابن المنذر فقال أما أنا فلا أقول بحمده.
قلت: وأصل هذه فى الصحيح عن عائشة قالت ((كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يكثر أن يقول فى ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك)) -
-- ١٢٣ -
٨٥٧ - حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ أخبرنا شُعْبَةُ قال ((قُلْتُ لِسُلَمانَ: أَدْعُو
فى الصَّلاَةِ إِذَا مَرَرْتُ بَآيَةٍ تَؤُّفٍ؟ فَحَدَثَنَّى عن سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عن مُنْتَوْرِدٍ
عن صِلَةَ بنِ زُفَرَ عن حُذَيْفَةَ «أَنَّهُ صَلَّى مع النَّبِىِّ صلى اللهُ عليه وسلم،
فَكَنَ يقولُ فى رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ. وفى سُجُودِهِ: سُبْحَنَ رَبِّىَ
الْأَعْلَى، وَمَاَ مَرَّ بِآيَةِ رَْحَةٍ إِلاَّ وَقَفَ عِنْدَهَا فَسَأَلَ، ولا بِآيَةِ عَذَابٍ
إِلاَّ وَقَفَتَ عِنْدَهَاَ فَتَعَوَّذَ)).
- الحديث . انتهى. قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه بدون الزيادة .
( أخبرنا شعبة قال ) أى شعبة ( بآية تخوف ) مصدر من التفعل أى بآية
مخوفة ( عن صلة) بكسر أوله وفتح اللام الخفيفة (بن زفر) بضم الزاء وفتح الفاء
العبسى بالموحدة كنيته أبو العلاء أو أبو بكر الكوفى تابعى كبير من الثانية
ثقة جليل ( إلا وقف عندها ) أى عند تلك الآية (فسأل) أى الرحمة (فتعوذ)
أى من العذاب وشر العقاب . قال ابن رسلان: ولا بآية تسبيح إلا سبح وكبر
ولا بآية دعاء واستغفار إلا دعا واستغفر، وإن مرّ بمرجو سأل يفعل ذلك
بلسانه أو بقلبه. والحديث يدل على مشروعية هذا التسبيح فى الركوع والسجود
وقد ذهب الشافعى ومالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء إلى أنهسنة وليس بواجب
وقال إسحاق بن راهويه التسبيح واجب ، فإن تركه عمداً بطلت صلاته وإن
نسهه لم تبطل . وقال الظاهرى واجب مطلقاً، وأشار الخطابى إلى اختياره كما مر
وقال أحمد: التسبيح فى الركوع والسجود وقول سمع الله لمن حمده ، وربنا لك
الحمد والذكر بين السجدتين وجميع التكبيرات واجب فإن ترك منه شيئاً عمداً ،
بطلت صلاته وإن نسيه لم تبطل ويسجد للسهو هذا هو الصحيح عنه. وعنه
رواية أنه سنة كقول الجمهور. واحتج الموجبون بحديث عقبة بن عامر المذكور
وبقوله صلى الله عليه وسلم (( صلوا كما رأيتمونى أصلى)) وبقول الله تعالى: ـ
- ١٢٤ -
٨٥٨ - حدثنا مُسْلِمُ بنُ إِبْراهِيمَ أخبرنا هِشَامٌ حدثنا قَتَادَةُ عن مُطَرِّفٍ
عن عائشةَ ((أَنَّ النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ يقولُ فى سُجُودِهِ وَرُ كُوعِهِ:
سَبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَائِكَةِ وَالرُّوحِ)) .
- {وسبحوه) ولا وجوب فى غير الصلاة فتعين أن يكون فيها . وبالقياس على
القراءة. واحتج الجمهور بحديث المسىء صلاته فإن النبى صلى الله عليه وسلم علمه
واجبات الصلاة ولم يعلمه هذه الأذكار مع أنه علمه تكبيرات الإحرام والقراءة،
فلو كانت هذه الأذكار واجبة لملمه إياها ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة
لا يجوز، فيكون تركه لتعليمه دالا على أن الأوامر الواردة بما زاد على ما علمه
للاستحباب لا الوجوب . والحديث يدل على أن التسبيح فى الركوع والسجود
يكون بهذا اللفظ فيكون مفسراً لقوله صلى الله عليه وسلم فى حديث عقبة :
اجعلوها فى ركوعكم اجعلوها فى سجودكم. قال المنذرى: وأخرجه مسلم
والترمذى والنسائى وابن ماجه بنحوه مختصراً ومطولا .
( يقول فى سجوده وركوعه سبوح قدوس) بضم أولهما وفتحهما والضم
أكثر وأفصح. قال ثعلب: كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا السبوح
والقدوس فإن الغم فيهما أكثر. قال الجوهرى: سبوح من صفات الله، وقال
ابن فارس والزبيدى وغيرهما : سبوح هو الله عز وجل، والمراد المسبح والمقدس
فكأنه يقول مسبح مقدس. ومعنى سبوح المبرأ من النقائص والشريك وكل
مالا يليق بالإلهية ، وقدوس المطهر من كل ما لا يليق بالخالق ، وهما خبران
مبتدوَهما محذوف تقديره ركوعى وسجودى لمن هو سبوح قدوس. وقال الهروى
قيل القدوس المبارك .
قال القاضى عياض : وقيل فيه سبوحاً قدوساً على تقدير أسبح سبوحاً أو
أذكر أو أعظم أو أعبد (رب الملائكة والروح) هو من عطف الخاص على -
- ١٢٥~
٨٥٩ - حدثنا أحْمَدُ بنُ صَالحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أخبرنا مُعَاوِيَةُ بنُ
صَحٍ عن عَمْرِو بنِ فَيْسٍ عن ◌َصِمٍ بِنِ ◌ُعَيْدٍ عن عَوْفٍ بِنِ مَلِكِ الْأَشْجَمِىِّ
قال: ((قُمْتُ مَعَ رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم لَيْلَةٌ فَقَمَ فَقَرَأْ سُورَةَ الْبَقَرَةِ
لا يُّ بِآيَةٍ رَْمَةٍ إِلاَّ وَقَتَ فَسَأَلَ ، ولا يُمُّ بِآيَةِ عَذَابٍ إِلاَّ وَقَتَ فَتَعَوَّذَ .
قال ثُمَ رَكَعَ بِقَدْرِ قِيَمِ يقولُ فى رُكُوعِهِ: سُبْحَنَ ذِى الْبَرُوتِ وَالَلَكُوتِ
وَالْكِبْرِ يَاءِ وَالْعَظَمَةِ، ثُمَّ سَجَدَ بِقَدْرِ قِيَمِهِ ثُمَّ قال فى سُجُودِهِ مِثْلَ ذَلِكَ،
ثُمَّ قَمَ فَقَرَأْ بِآلِ عِْرَانَ، ثُمَّ قَرَأْ سُورَةً سُورَةً )).
٨٦٠ - حدثنا أَبُو الْوَلِدِ الطَّيَالِسِىُّ وَعَلَىُّ بنُ الْجَمْدِ فالا أخبرنا شُعْبَةُ
عن ◌َمْرٍوِ بنِ مُرَّ عن أَبِى حَزَةَ مَوْلَى الْأَنْصَارِ عن رَجُلٍ من بَنِى عَبْسٍ
- العام ، لأن الروح من الملائكة وهو ملك عظيم يكون إذا وقف جميع الملائكة
وقيل يحتمل أن يكون جبريل، وقيل خلق لا تراهم الملائكة كنسبة الملائكة
إلينا. كذا فى النيل قال المنذرى: وأخرجه مسلم والنسائى .
(قمت) أى مصلياً (فسأل) أى الرحمة ( فتعوذ) أى بالله من عذابه
( سبحان ذى الجبروت) فعلوت من الجبر بمعنى القهر والغلبة كذا فى النهاية
قال الطيبي : وفى الحديث يكون ملك وجبروت أى عتو وقهر (والملكوت)
فعلوت من الملك أى الملك ظاهراً وباطناً (والكبرياء) الكبرياء العظمة والملك
أو كال الذات وكمال الوجود قولان ولا يوصف بها إلا الله من الكبر بالكسر
وهو العظمة (ثم سجد بقدر قيامه) أى للقراءة ( ثم قام فقرأ بآل عمران ثم قرأ
سورة سورة) قال ابن رسلان: يحتمل أن المراد ثم قرأ سورة النساء ثم
سورة المائدة .
(عن رجل من بني عبس) قال الحافظ فى التقريب : كأنه صلة بن زفر -
-١٢٦-
عَنْ حُذَيْفَةَ ((أَنَّهُ رَأَى رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم يُصَلّى مِنَ الََّبْلِ فَكَانَ
يقولُ: اللهُ أَكْبِرُ ثَلاَثًا ذُو الْمَلَكُوتِ وَالْبَرُوتِ وَالِكِبْرِيَءِ وَالْعَظَمَةِ. ثُمَّ
اسْتَفْتَحَ فَقَرَأُ الْبَقَرَةَ، ثُمَّ رَكَعَ فَكَنَ رُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ ، وَكَانَ
يقولُ فى رُكُوعِهِ: سُبْحَنَ رَبَّ الْعَظِيمِ، سُبْحَنَ رَبِّىَ الْعَظِيمِ. ثُمَ رَفَعَ
- (يصلى من الليل فكان) الفاء للتفصيل قاله الطيبى (يقول) أى بعد النية القلبية
( الله أكبر) أى من كل شىء أى أعظم، وتفسيرهم إياه بالكبير ضعيف.
كذا قاله صاحب المغرب، وقيل معناه أكبر من أن يعرف كنه كبريائه وعظمته
وإنما قدر له ذلك وأول لأن أفعل فعلى يلزمه الألف واللام أو الإضافة كالأكبر
وأكبر القوم. كذا فى النهايه (ذو الملكوت) أى صاحب الملك ظاهراً وباطناً
والصيغة للمبالغة (والجبروت ) قال الطيبي : فعلوت من الجبر القهر والجبار الذى
يقهر العباد على ما أراد ، وقيل هو العالى فوق خلقه ( والكبرياء والعظمة ) أى
غاية الكبرياء ونهاية العظمة والبهاء ، ولذا قيل لا يوصف بهما إلا الله تعالى،
ومعناها الترفع عن جميع الخلق مع انقيادهم له ، وقيل عبارة عن كمال الذات
والصفات ، وقيل الكبرياء الترفع والتنزه عن كل نقص ، والعظمة تجاوز القدر
عن الإحاطة. والتحقيق الفرق بينهما للحديث القدسى فى الصحيح (( الكبرياء
ردائى والعظمة إزارى، فمن نازعنى فيهما قصمته)) أى كسرته وأهلكته
( ثم استفتح) أى قرأ الثناء فإنه يسمى دعاء الاستفتاح، أو استفتح بالقراءة،
أى بدأ بها من غير الإتيان بالثناء لبيان الجواز أو بعد الثناء، جمعاً بين الروايات
وحملا على أكمل الحالات ( فقرأ البقرة) أى كلها كما هو الظاهر ( فكان
ركوعه) أى طوله ( نحواً) أى قريبا ( من قيامه) قال ميرك: والمراد أن ركوعه
متجاوز عن المعهود كالقيام (وكان يقول) حكاية للحال الماضية استحضاراً . قاله -
-١٢٧-
رَأْسَهُ مِنَ الرِّكُوعِ فَكَنَ فِيَمُهُ نَحْواً ،ِنْ قِيَامِهِ [رُ كُوعِهِ] يقولُ لِرَبِّىَ الْحَدُ
ثُمَّ يَسْجُدُ [سَجَدَ] فَكَنَ سُجُودُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ ، فَكَنَ يقولُ فى سُجُودِهِ
سُبْحَنَ رَبَِّ الْأَعْلَى، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ ، وَكَانَ يَقْعُدُ فِيمَا بَيْنَ
السَّجْدَتَيْنِ نَحْواً مِنْ سُجُودِهِ، وكَنَ يقولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِ رَبِّ اغْفِرْ لِ،
فَعَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقَرَأْ فِيهِنَّ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِْرَانَ وَالنِّسَاءَ وَالْتَائِدَةَ
أَوْ الْأَنْعَمَ )) شَكَّ شُعْبَةُ.
- ابن حجر (سبحان ربى العظيم) بفتح الياء ويسكن (فكان قيامه) أى بعد
الركوع يعنى اعتداله ( نحواً من قيامه ) أى للقراءة ، وفى بعض النسخ نحواً من
ركوعه . قال ابن حجر: وفيه تطويل الاعتدال مع أنه ركن قصير ، ومن ثم
اختار النووى أنه طويل بل جزم به جزم المذهب فى بعض كتبه انتهى . ويدل
عليه ما تقدم فى الحديث المتفق عليه: إذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء .
كذا فى المرقاة (فكان سجوده نحواً من قيامه) أى للقراءة . قاله عصام الدين،
وكأنه أراد أن لا يكون سجوده أقل من ركوعه ، والأظهر الأقرب من قيامه
من الركوع للاعتدال ، ثم رأيت ابن حجر قال أى من اعتداله . قاله القارى .
( وكان يقعد فيما بين السجدتين نحواً من سجوده) أى سجوده الأول (وكان
يقول) أى فى جلوسه بين السجدتين (فقرأ فيهن) أى فى الركعات الأربع
(شك شعبة) أى راوى الحديث، والأظهر الأول مراعاة للترتيب المقرر ، مع
أن الصحيح أن الترتيب فى جميع السور وهو ما عليه الآن مصاحف الزمان ليس
بتوقيفى كما بوب لذلك الإمام البخارى فى صحيحه : باب الجمع بين السورتين فى
ركعة والقراءة بالخواتيم وبسورة قبل سورة . وذكر السيوطى فى الإتقان
فى علوم القرآن أنه توقيفى والأول هو الصحيح والله أعلم. قال المنذرى: وأخرجه
الترمذى والنسائى ، وقال الترمذى: أبو حمزة اسمه طلحة بن يزيد وقال النسائى -
- ١٢٨ -
١٤٩ - باب الدعاء فى الركوع والسجود
٨٦١ - حدثنا أَْمَدُ بنُ صَالحٍ وَأْمَدُ بنُ عَمْرِوِ بنِ السَّرْحِ وَ مُمَّدُ
ابنُ سَلَمَةَ قَالُوا أنبأنا [حدثنا] ابنُ وَهْبٍ أنبأنا [أخبرنى] عَمْرٌو - يَعْفى ابنَ
الْخَارِثِ - عن مُمَرَةَ بنِ غَزِيَّةً عن مُجَىِّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَ صَالحٍ
ذَكْوانَ يُحَدِّثُ عن أَبِى هُرَيْرةَ أَنَّ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم قال ((أَقْرَبُ
مَيَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبٍِّ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَءِ)) .
٨٦٢ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا سُفْيَانُ عن سُليمانَ بنِ سُحَيٍْ عن إِبراهِيمَ
ابنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَعَبَدٍ عن أَبِيهِ عن ابنِ عَبَأْسٍ ((أَنَّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
- أبو حمزة عندنا طلحة بن يزيد ، وهذا الرجل يشبه أن يكون صلة . هذا آخر
كلامه . وطلحة بن يزيد أبو حمزة الأنصارى مولاهم الكوفى احتج به البخارى
فى صحيحه، وصلة هو ابن زفر العبسى الكوفى كنيته أبو بكر ويقال أبو العلاء
احتج به البخارى ومسلم رضى الله عنهم . انتهى .
( باب الدعاء فى الركوع والسجود)
( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) أسند القرب إلى الوقت وهو
للعبد مجازاً ، أى هو فى السجود أقرب من ربه منه فى غيره، والمعنى أقرب
أكوان العبد وأحواله من رضا ربه وعطائه وهو ساجد، وقيل أقرب مبتدأ
محذوف الخبر لسد الحال مسده وهى وهو ساجد، أى أقرب ما يكون العبد
من ربه حاصل فى حال كونه ساجداً ( فأكثروا الدعاء ) قال ابن الملك : وهذا
لأن حالة السجود تدل على غاية تذلل واعتراف بعبودية نفسه وربوبية ربه ،
فكان مظنة الإجابة ، فأمرهم بإكثار الدعاء فى السجود . قال واستدل به على
أفضلية كثرة السجود على طول القيام . قال المنذرى: وأخرجه مسلم والنسائى -
- ١٢٩ -
كَشَفََ السَِّرَةَ وَالنَّاسُ صُغُوفٌ خَلْفَ أَبِى بَكْرٍ فقال: يَا أَيُّهَ النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ
يَبْقَ مِنْ مَبَشِّرَاتِ النَّبْرَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَ الصَّالِحَةُ يَرَاهَا لُهْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ، وَإِى
نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأْ رَاكِمَا أَوْ سَاحِداً، فَأَمَّا الرّكُوعُ فَعَظِّمُوا الرَّبِّ فِيِهِ، وَأُمَّا
- (سليمان بن سحيم) بمهملتين مصغر وثقه ابن معين (كشف الستارة)
بكسر السين المهملة وهى الستر الذى يكون على باب البيت والدار ( لم يبق من
مبشرات النبوة ) أى من أول ما يبدو منها مأخوذ من تباشير الصبح وهو أول
ما يبدو منه، وهو كقول عائشة (( أول ما بدى. به رسول الله صلى الله عليه وسلم
من الوحى)) الحديث، وفيه أن الرؤيا من المبشرات سواء رآها المسلم أو رآها
غيره ( أو ترى له ) على صيغة المجهول، أى رآها غيره له ( وإنى نهيت أن أقر
راكعاً أو ساجداً) أى إنى نهيت عن قراءة القرآن فى هذين الحالتين ، والنهى
له صلى الله عليه وسلم نهى لأمته كما يشعر بذلك قوله فى الحديث أما الركوع إلخ
ويشعر به أيضاً ما فى صحيح مسلم وغيره أن علياً قال (( نهافى رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن أقرأ القرآن راكما أو ساجداً)) وهذا النهى يدل على تحريم قراءة
القرآن فى الركوع والسجود ، وفى بطلان الصلاة بالقراءة حال الركوع والسجود
خلاف . قال الخطابي: لما كان الركوع والسجود وهما غاية الذل والخضوع
مخصوصين بالذكر والتسبيح نهى عليه السلام عن القراءة فيهما كأنه كره أن
يجمع بين كلام الله تعالى وكلام الخاق فى موضع واحد فيكونان سواء. ذكره
الليبى، وفيه أنه ينتقض بالجمع بينهما فى حال القيام . وقال ابن الملك : وكأن
حكمته أن أفضل أركان الصلاة القيام وأفضل الأذكار القرآن ، فجعل الأفضل
للأفضل ونهى عن جعله فى غيره لئلا يوهم استوائه مع بقية الأذكار . وقيل
خصت القراءة بالقيام أو القعود عند العجز عنه ، لأنهما من الأفعال العادية -
(٩ - عون المعبود ٣)
- ١٣٠ -
السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِى الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَبَ لَكُمُ» .
٨٦٣ - حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن أبى
الضُّحَى عن مَسْرُوقٍ عن عائشةَ قالت: ((كَانَ رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم
يُكْتِرُ أَنْ يَقولَ فى رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَتَكَ الَّهُمْ رَبَّنَ وَبِحَمْدِكَ الَّهُمّ
ويتمحضان للعبادة ، بخلاف الركوع والسجود، لأنهما بذواتهما يخالفان العادة
ويدلان على الخضوع والعبادة، ويمكن أن يقال إن الركوع والسجود حالان
دالان على الذل ويناسبهما الدعاء والتسبيح، فنهى عن القراءة فيهما تعظيماً
للقرآن الكريم وتكريماً لقارئه القائم مقام الكليم والله بكل شىء عليم (فأما
الركوع فعظموا الرب فيه) أى قولوا سبحان ربى العظيم (وأما السجود فاجتهدوا
فى الدعاء) فيه الحث على الدعاء فى السجود ( فقمن) قال النووى: هو بفتح
القاف وفتح الميم وكسرها لغتان مشهورتان ، فمن فتح فهو عنده مصدر لا يثنى
ولا يجمع، ومن كسر فهو وصف يثنى ويجمع ، قال وفيه لغة ثالثة قمين بزيادة
الياء وفتح القاف وكسر الميم ومعناه حقيق وجدير، ويستحب الجمع بين الدعاء
والتسبيح المتقدم ليكون المصلى عاملا بجميع ما ورد، والأمر بتعظيم الرب فى
الركوع والاجتهاد فى الدعاء فى السجود محمول على الندب عند الجمهور ، وقد
نقد. ذكر من قال بوجوب تسبيح الركوع والسجود . قال المنذرى : وأخرجه
مسلم والنسائى وابن ماجه .
(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر) من الإكثار (أن يقول) قال
الحافظ فى الفتح : قد بين الأعمش فى روايته عن أبى الضحى فى التفسير ابتداء
هذا الفعل وأنه واظب عليه صلى الله عليه وسلم، ولفظه ((ما صلى النبى صلى الله
عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه إذا جاء نصر الله والفتح إلا يقول فيها))
الحديث (سبحانك) هو منصوب على المصدرية (وبحمدك) متعلق بمحذوف دل -
- ١٣١-
اغْفِرْ لِ يَتَأْوِّلُ الْقُرْآنَ )) .
٨٦٤ - حدثنا أَحْتَدُ بنُ صَالحِ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ح. وأخبرنا أَحْمَدُ
ابنُ السَّرْحِ أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أخبر نى يَحَْى بنُ أَيُّوبَ عن ◌ُمَرَةَ بنِ غَزِيَّةٌ
عن ثُمَىِّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ عن أبى صالحٍ عن أَبي هُرِيْرةَ أَنَّ النِّيِّ صلى اللهُ
عليه وسلم كَانَ يقولُ فى سُجُودِهِ: الَّهُمَّ اغْفِرْ لِ ذَنْسِى كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجُلَّهُ،
وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ. زَادَ ابنُ السَّرْحِ: عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ )) .
- عليه التسبيح ، أى وبحمدك سبحتك ومعناه بتوفيقك لى وهدايتك وفضلك
على سبحتك لا بحولى وقوتى . قال القرطبى: ويظهر وجه آخر وهو إبقاء معنى
الحمد على أصله وتكون الباء باء السبية ويكون معناه بسبب أنك موصوف
بصفات الكمال والجلال سبحك المسبحون وعظمك المعظمون ، وقد روى بحذف
الواو من قوله وبحمدك وبإثباتها ( يتأول القرآن ) قال الحافظ: أى يفعل ٠! أمر
به، وقد تبين من رواية الأعمش أن المراد بالقرآن بعضه وهو السورة المذكورة
انتهى. قال القاضى: جملة وقعت حالا عن ضمير يقول أى يقول متأولا للقرآن
أى مبيناً ماهو المراد من قوله (فسبح بحمد ربك واستغفره) آتياً بمقتضاه. ذكره
الطيبى . قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه .
( اللهم اغفر لى ذنبى كله) للتأكيد وما بعده تفصيل لأنواعه أو بيانه ويمكن
نصهه بتقدير أعنى ( دقه) بكسر الدال أى دقيقه وصغيره (وجله) بكسر الجيم
وقد تضم أى جليله وكبيره ، قيل إنما قدم الدق على الجل لأن السائل يتصاعد
فى مسألته أى يترقى ولأن الكبائر تنشأ غالباً من الإصرار على الصغائر وعدم
المبالاة بها ، فكأنها وسائل إلى الكبائر، ومن حق الوسيلة أن تقدم إثباتاً
ورفعاً (وأولة وآخره) المقصود الإحاطة (زاد ابن السرح) أى فى روايته (علانيته -
-١٣٢-
٨٦٥ - حدثنا مُمَّدُ بنُ سُلَمَانَ الْأَنْبَرِىُّ أخبرنا عَبْدَةُ عن عُبَيْدِ اللهِ
عن مُمَّدِ بنِ يَحْسَى بِنِ حَبَّنَ عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عن أَبِى هُريْرةَ عن
عائشةَ قالت ((فَقَدْتُّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَسْتُ المَسْجِدَ
فإِذَا هُوَ سَاحِدٌ وَقَدَمَهُ مَنْهُوبَتَانِ وَهُوَ يقولُ: أَعُوذُ بِرِ ضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ،
وَأَعُوذُ بِمُعَفَتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِى ثَنَاءَ عَلَمْكَ
أَنْتَ كما أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ».
- وسره) أى عند غيره تعالى وإلا فهما سواء عنده تعالى يعلم السر وأخفى. قال
المنذرى : وأخرجه مسلم .
( عن محمد بن يحيى بن حبان ) بفتح الحاء المهملة وبالباء الموحدة (فقدت)
ضد صادفت ، أى طلبت فما وجدت ( فلست المسجد ) أى مسست بيدى
الموضع الذى كان يصلى فيه ( وقدماه منصوبتان ) أى قائمتان، وفى صحيح مسلم
((فالتمسته فوقعت يدى على بطن قدمه وهو فى المسجد وهما منصوبتان)) وقال
فى المرقاة : المسجد بفتح الجيم أى فى السجود فهو مصدر مينى أو فى الموضع
الذى كان يصلى فيه فى حجرته، وفى نسخة بكسر الجيم وهو يحتمل مسجد البيت
بمعنى معبده والمسجد النبوى. انتهى (أعوذ برضاك من سخطك) أى من فعل
يوجب سخطك على أو على أمتى ( وبمعافاتك ) أى بعفوك وأتى بالمغالبة للمبالغة
أى بعفوك الكثير ( من عقوبتك) وهى أثر من آثار السخط، وإنما استعاذ
بصفات الرحمة لسبقها وظهورها من صفات الغضب (وأعوذ بك منك) إذ لا يملك
أحد معك شيئاً فلا يعيذه منك إلا أنت ( لا أحصى ثناء عليك ) قال الطيبي:
الأصل فى الإحصاء العد بالحصى ، أى لا أطيق أن أثنى عليك كما تستحقه (أنت
كما أثنيت) ما موصولة أو موصوفة والكاف بمعنى مثل. قاله الطبى ( على -
- ١٣٣-
١٥٠ - باب الدعاء فى الصلاة
٨٦٦ - حدثنا عَمْرُوُ بنُ عُثمانَ أخبرنا بَقَيَّةُ أخبرنا شُعَيْبٌ عن
الزُّهْرِىِّ من عُرْوَةَ أَنَّ عَائشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم
كَانَ يَدْعُو فى صَلاَتِهِ: ((الَّهُمَّ إِنِى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ
- نفسك) أى على ذاتك . سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام كيف شبه
ذاته بثنائه وهما فى غاية التباين ، فأجاب بأن فى الكلام حذفاً تقديره ثناؤك
المستحق كثنائك على نفسك ، حذف المضاف من المبتدأ ، فصار الضمير
المجرور مرفوعاً .
قار الخطابى: فى هذا الكلام معنى لطيف وهو أنه قد استعاذ بالله وسأله أن
يجيره برضاء من سخطه وبمعافاته من عقوبته ، والرضى والسخط ضدان متقابلان
وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة، فلما ضار إلى ذكر مالا ضد له وهو الله
سبحانه وتعالى استعاذ به منه لا غير، ومعنى ذلك الاستغفار من التقصير
من بلوغ الواجب من حق عبادته ، والثناء عليه . وقوله لا أحصى ثناء
عليك أى لا أطيقه ولا أبلغه انتهى . قال النووى فى هذا الحديث دليل
لأهل السنة فى جواز إضافة الشر إلى الله تعالى كما يضاف إليه الخير ، لقوله
أعوذ بك من سخطك وعن عقوبتك والله أعلم . قال المنذرى : وأخرجه
مسلم وابن ماجه .
( باب الدعاء فى الصلاة )
(اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر) ومنه شدة الضغطة ووحشة الوحدة.
قال ابن حجر المكى : وفيه أبلغ الرد على المعتزلة فى إنكاره فه ومبالغتهم
فى الحط على أهل السنة فى إثباتهم له حتى وقع لسنى أنه صلى على معنزلى فقال -
- ١٣٤ -
مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدِّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَ وَاتِ . الَّهُمَّ إِنِّى
- فى دعائه اللهم أذقه عذاب القبر فإنه كان لا يؤمن به ويبالغ فى نفيه ويخطىء
مثبته انتهى. ( وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ) قال أهل اللغة : الفتنة
الامتحان والاختبار قال عياض : واستعمالها فى العرف لكشف ما يكره إنتهى .
وتطلق على القتل والإحراق والنميمة وغير ذلك. والمسيح بفتح الميم وتخفيف
المهملة المكسورة وآخره حاء مهملة يطلق على الدجال وعلى عيسى بن مريم عليه
السلام، لكن إذا أريد الدجال قيد به . وقال أبو داود فى السنن: المسيح على
وزن سكين مثقل الدجال ومخفف عيسى والمشهور الأول ، وأما ما نقل الفربرى
فى رواية المستعلى وحده عنه عن خلف بن عامر وهو الهمدانى أحد الحفاظ أن
المسيح بالتشديد والتخفيف واحد ، يقال للدجال ويقال لعيسى وأنه لا فرق
بينهما تعنى لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين فهو رأى ثالث . وقال
الجوهرى من قاله بالتخفيف فلمسحه الأرض ومن قاله بالتشديد فلكونه
مسوح المين .
وحكى بعضهم أنه قال بالخاء المعجمة فى الدجال ونسب قائله إلى التصحيف .
واختلف فى تأقيب الدجال بذلك فقيل لأنه ممسوح العين ، وقيل لأن أحد شقى
وجهه خلق ممسوحاً لا عين فيه ولا حاجب ، وقيل لأنه يمسح الأرض إذا خرج .
وأما عيسى فقيل سمى بذلك لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن ، وقيل
لأن زكريا مسحه وقيل لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برى. ، وقيل لأنه كان
يمسح الأرض بسياحته ، وقيل لأن رجله كانت لا إخمص لها قاله الحافظ فى الفتح
وقال الشيخ مجد الدين الفيروز آبادى فى القاموس : المسيح عيسى عليه
السلام لبركته وذكرت فى اشتقاقه خمسين قولا فى شرحى لمشارق الأنوار
وغيره ، والدجال لشؤمه انتهى ( وأعوذ بك من فتنة المحيا والمات ) مفعل
من الحياة والموت .
جـ
- ١٣٥ -
أَعُوذُ بِكَ مِنَ الَمِأْثَِ وَلَغْرَمِ، فقال قَائِلٌ: ما أَكْثَرَ مَا تَسْتَمِيِذُ مِنَ لَغْرَمِ،
فقال: إِنَّ الرَّجُلَ إذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ )).
- قال ابن دقيق العيد : فتنة المحيا ما يعرض للانسان مدة حياته من
الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند
الموت ، وفتنة المات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه
ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ماقبل ذلك ، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر .
وقد صح فى حديث أسماء ((إنكم تفتنون فى قبوركم مثل أو قريباً من فتنة
الدجال)) ولا يكون مع هذا الوجه متكراً مع قوله عذاب القبر، لأن العذاب
مرتب عن الفتنة والسبب غير المسبب .
وقيل : أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر، وبفتة المات السؤال فى
القبر مع الحيرة ، وهذا من العام بعد الخاص لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة
المات ، وفتنة الدجال داخلة تحت فتنة المحيا: وأخرج الحكيم الترمذى فى نوادر
الأصول عن سفيان الثورى إن الميت إذا سئل من ربك تراآى له الشيطان ،
فيشير إلى نفسه أنى أنا ربك فلهذا ورد سؤال الثبت له حين يسأل. ثم أخرج
بسند جيد إلى عمرو بن مرة كانوا يستحبون إذا وضع الميت فى القبر أن يقولوا
اللهم أعذه من الشيطان كذا فى الفتح (من المأثم) إما مصدر أثم الرجل أو مافيه
الإثم أو ما يوجب الإثم (أو المغرم) أى الدين ، يقال غرم بكسر الراء أى ادان
قيل والمراد به ما يستدان فيما لا يجوز أو فيما يجوز ثم يعجز عن أدائه ، ويحتمل
أن يراد به ما هو أعم من ذلك ، وقد استعاذ صلى الله عليه وسلم من غلبة الدين.
وقال القرطبى: المغرم الغرم ، وقد نبه فى الحديث على الضرر اللاحق من المغرم،
والله أعلم ( فقال قائل) أى عائشة كما فى رواية النسائى ( ما أكثر) بالنصب،
وما تعجبية (ما تستعيذ) ما مصدرية أى استعاذتك (إن الرجل) المراد به -
-١٣٦-
٨٦٧ - حدثنا مُعَدَّدٌ أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ دَاوُدَ عن ابنِ أَبِى لَيْلَى
عن ثَابِتٍ الْبُغَنِيِّ عن عَبْدِ الرَّحَنِ بنِ أَبِى لَيْلَى عن أَبِيِهِ قال: ((صَلَّيْتُ إلَى
جَنْبِ رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم فى صَلَةِ تَطَوٍَّ فَسَمِعْتُهُ يقولُ: أَعُوذُ باللهِ
مِنَ النّارِ، وَيْلٌ لِأَهْلِ النّارِ » .
- الجفى (إذا غرم) بكسر الراء أى لزمه دين والمراد استدان واتخذ ذلك دأبه
وعادته كما يدل عليه السياق ( حدث ) أى أخبر عن ماضى الأحوال لتمهيد عذر
فى التقصير (فكذب) لأنه إذا تقاضاه رب الدين ولم يحضره ما يؤدى به دينه
يكذب ليتخلص من يده ويقول لى مال غائب إذا حضر أؤدى دينك . وقال
ابن حجر : أى حدث الناس عن حاله ومعاملته فكذب عليهم حتى يحملهم على
إدانته وإن كان معدماً أو الصبر عليه ليريح فيه شيئاً يبقى له قبل وفائه (ووعد)
أى فى المستقبل بأن يقول : أعطيك غداً أو فى المدة الفلانية (فأخلف ) أى فى
وعده : وقال ابن حجر: ووعد بالوفاء أو غيره مطلقاً أو فى وقت معلوم فأخلف
طمعاً فى بقاء المال فى يده أولسوء تدبيره أو تصرفه. وبما تقرر علم أن غرم شرط
وحدث جزاء وكذب مترتب على الجزاء، ووعد عطف على حدث لا على غرم ،
خلافاً لمن زعمه لفساد المعنى حينئذ كما هو ظاهر، وأخلف مترتباً عليه ، قاله فى
المرقاة. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى.
(فسمعته يقول : أعوذ بالله من النار ويل لأهل النار) ورواه أحمد بلفظ :
((سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ فى صلاة ليست بفريضة، فمر بذكر الجنة
والنار فقال أعوذ بالله )) الخ: والحديث يدل على استحباب التعوذ من النار عند
المرور بذكرها ، وقد قيده الراوى بصلاة غير فريضة ، وكذلك حديث حذيفة
مقيد بصلاة الليل ، وكذلك حديث عوف بن مالك الأشجعى . قال المنذرى :
وأخرجه ابن ماجه وأبو ليلى له صحبة واختلف فى اسمه فقيل يسار وقيل داود ، -
- ١٣٧ -
٨٦٨ - حدثنا أحَدُ بنُ صَالحِ أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ أخبرنى
يُؤنُسُ عن ابنِ شِهَبٍ عن أَبِى سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحَمَنِ أَنَّ أَبَ هُريْرةَ قال:
« قَامَ رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم إِلَى الصَّلاَةِ وَقُمْنَا مَعَهُ، فقال أَغْرِابِيٌّ فى
الصَّلاَةِ: الَّهُمَّ ارْتَعْنِى وَحَداً ولا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَداً، فَأْ سَلِمَ رسولُ الله
صلى اللهُ عليه وسلم قَالٍ لِلْأَغْرَابِيِّ: لَقَدْ تَجَّرْتَ وَاسِعاً، يُرِيدُ رَْحَةَ اللهِ
عَزَّ وَجَلَّ )).
٨٦٩ - حدثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أخبرنا وَكِيعٌ عن إِسْرَائِيلَ عن أبى
إِسْحَاقَ عن مُسْلِ الْبَطِينِ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ ((أَنَّ النَِّيَّ صلى
اللهُ عليه وسلم كَانَ إِذَا قَرَأْ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال سُبْحَنَ رَبَِّ الْأَعْلَى))
- وقيل أوس وقيل بلال وقيل بلال أخوه وفى إسناده محمد بن عبد الرحمن بن
أبى ليلى وهو ضعيف الحديث .
( لقد تحجرت واسعاً) أى ضيقت ما وسعه الله وخصصت به نفسك دون
إخوانك من المسلمين ، هلا سألت الله لك ولكل المؤمنين وأشركتهم فى رحمة
الله تعالى التى وسعت كل شىء. وفى هذا إشارة إلى ترك هذا الدعاء والنهى عنه
وأنه يستحب الدعاء لغيره من المسلمين بالرحمة والهداية ونحوهما. واستدل به على
أنه لا تبطل صلاة من دعا بما لا يجوز جاهلا لعدم أمر هذا الداعى بالإعادة
( يريد رحمة الله عز وجل) قال الحسن وقتادة، وسعت فى الدنيا البر والفاجر ،
وهى يوم القيامة للمتقين خاصة ، جعلنا الله ممن وسعته رحمته فى الدارين . قال
المنذرى : وأخرجه البخارى والنسائى .
(كان إذا قرأ ) إِلخ. قال المظهر: عند الشافعى يجوز مثل هذه الأشياء فى
الصلاة وغيرها وعند أبى حنيفة لا يجوز إلا فى غيرها قال التوربشتى: وكذا -
- ١٣٨ -
قال أَبُو دَاوُدَ: خُولِفَ وَكِيعٌ فى هذا الحديثِ، رَوَاهُ أَبُو وَكِيْعٍ وَشُعْبَةُ
عن أَبِى إِسْحَفَ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفً.
٨٧٠ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدثنى حُمَّدُ بنُ جَعْفَرِ أخبرنا شُعْبَةُ
عن مُوسَى بنٍ أَبِى عائشةَ قال: ((كَانَ رَجُلٌ يُصَلّى فَوْقَ بَيْتِهِ وَكَانَ إِذَا قَرَّأَ
﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْسِىَ المَوْنَى﴾ قال: سُبْحَنَكَ فَلَى. فَسَأْلُوهُ عن
ذَلِكَ، فقال: سَمِعْتُهُ مِنْ رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم)» .
- عند مالك يجوز فى النوافل إنتهى. وكذا الحكم فى حديث مسلم عن حذيفة أنه
صلى وراء النبى صلى الله عليه وسلم فكان إذا مر بآية فيها تسهيح سبح، وإذا مرّ
بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ. كذا قال ملا على القارى فى المرقاة . قلت:
ظاهر الحديث يوافق ما ذهب إليه الشافى ، لأن قوله كان إذا قرأ عام يشمل
الصلاة وغيرها ، وحديث حذيفة مقيد بصلاة الليل كما مر ، فهو حجة على من
لم يجوز التسبيح والسؤال والتعوذ عند المرور بآية فيها تسبيح أو سؤال أو تعوذ
فى الصلاة مطلقاً .
(عن موسى بن أبى عائشة) هو الهمدانى الكوفى مولى آل جمدة بن هبيرة
المخزومى . قال فى التقريب ثقة عابد من الخامسة وكان يرسل ومن دونه همرجال
الصحيح ( كان رجل) جهالة الصحابى مفتفرة عند الجمهور وهو الحق ( يصلى
فوق بيته ) فيه جواز الصلاة على ظهر البيت والمسجد ونحوهما فرضاً أو نفلا عند
من جعل فعل الصحابى حجة أخذاً بهذا. والأصل الجواز فى كل مكان من
الأمكنة ما لم يقم دليل على عدمه ( سبحانك ) أى تنزيهاً لك أن يقدر أحد
على إحياء الموتى غيرك وهو منصوب على المصدر. وقال الكسائى: منصوب
على أنه منادى مضاف ( فبلى ) باللام ، وفى نسخة من سنن أبى داود فبكى -
- ١٣٩ -
قال أَبُو دَاوُدَ: قَال أَحْمَدُ يُعْجِبُنِ فِى الْفَرِيضَةِ أَنْ يَدْعُوَ بِمَ فِى الْقُرْآنِ.
- بالكاف قال ابن رسلان: وأكثر النسخ المعتمدة باللام بدل الكاف وبلى
حرف لإيجاب النفى ، والمعنى أنت قادر على أن تحي الموتى . كذا فى النيل
( يعجبنى) من الإعجاب أى يفرحنى ويسرنى (أن يدعو بما فى القرآن) فى معنى
كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى وجهان، أحدهما أن يدعو فى الصلاة الفريضة بعد
التشهد قبل التسليم بالأدعية التى هى مذكورة فى القرآن نحو (ربنا آتنا في الدنيا
حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) ومثل ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى
للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا) وغير ذلك من الآيات الكريمة ، وثانيهما أن
يدعو فى الفريضة بمافى القرآن من آيات الرحمة وغيرها أى إذا بمر المصلى بآية فيها
تسبيح سبح، وإذا يمر بسؤال سأل وإذا يمر بآية يتعوذ فيها تعوذ. وهذا المعنى
هو الأقرب إلى الصواب . فالإمام أحمد لا يخص هذا فى النوافل بل يستحبه
فى الفرائض أيضاً وبه قال الشافعى. قال البيهقى فى المعرفة باب الوقوف عندآية
الرحمة وآية العذاب .
قال الشافعى فى القديم: أحب للامام إذا قرأ آية الرحمة أن يقف فيسأل الله
ويسأل الناس ، وإذا قرأ آية العذاب أن يقف فيستعيذ ويستعيذ الناس ، بلغنا
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك فى صلاته ، ثم ساق البيهقى بإسناده
حديث حذيفة الذى أخرجه مسلم ثم قال وروينا عن عائشة وعن عوف بن مالك
الأشجى عن النبى صلى الله عليه وسلم معناه فى آية الرحمة وفى آية العذاب ، ثم
روى من طريق عبد خير أن علياً قرأ فى الصبح بسبح اسم ربك الأعلى فقال
سبحان ربي الأعلى. قال الشافعى : وهم يكرهون هذا ونحن نستحب هذا .
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً يشبهه ، فكأنه أراد ما روينا
فى حديث حذيفة أو أراد ما روى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبى -
- ١٤٠ -
١٥١ - باب مقدار الركوع والسجود
٨٧١ - حدثنا مُسَلَّدٌ أخبرنا خَالِدُ بنُ عَبْدِ اللهِ أخبرنا سَعِيدٌ الْجْرَيْرِىُّ
عن السَّعْدِيِّ عن أَبِيهِ أو عن عَمَِّ قال: ((رَمَقْتُ النَّيَّ صلى اللهُ عليه وسلم
فى صَلاَتِهِ، فَكَانَ يَتَمَكَّنُ فِى رُّكُوعِهِ وَسُجُودِهِ قَدْرَ ما يقولُ سُبْحَانَ اللهُ
وَبِحَمْدِهِ ثَلاَثًا ».
٨٧٢٠ - حدثنا عَبْدُ الَلِكِ بنُ مَرْوَانَ الْأَهْوازِىُّ أخبر نا أَبُو عَامِرٍ
وَأَبُو دَاوُدَ عن ابنِ أَبِى ذِئْبٍ عن إِسْحَقَ بنِ يَزِيدَ الْهُذَلِيِّ عن عَوْنِ بنِ
- صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ سبح اسم ربك الأعلى قال سبحان ربى الأعلى
إلا أنه مختلف فى رفعه وفى إسناده .
وروينا فى حديث إسماعيل بن أمية عن الأعرابى مسلم عن أبى هريرة عن
النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((من قرأ منكم والتين والزيتون فانتهى إلى آخرها
أليس الله بأحكم الحاكمين فليقل : وأنا على ذلك من الشاهدين ، ومن قرأ
لا أقسم بيوم القيامة فانتهى إلى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ، فليقل:
بلى ، ومن قرأ والمرسلات فبلغ فبأى حديث بعده يؤمنون فليقل: آمنا به))
انتهی کلام البيهقى .
(باب مقدار الركوع والسجود)
( رمقت) أی نظرت ( فکان یتمکن فی ر کوعه وسجوده) أى يلبث
فيهما . قال المنذرى : السعدى مجهول .
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم
قال ابن القطان : السعدى وأبوه وعمه ما منهم من يعرف ، وقد ذكره ابن
السكن فى كتاب الصحابة فى الباب الذى ذكر فيه رجالا لا يعرفون .