Indexed OCR Text
Pages 41-60
أَربعُ مِئَةِ نَوْعٍ عَلَىْ حَسبِ مَا ذَكَرْنَاهَا)(١). فَهذِهِ إِذاً تَقاسيمُهُ الخَمْسَةُ التي يتألفُ منها الصحيحُ، والتي تشتمل عَلَىْ أربع مِئَةٍ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ وَقَدْ وَضَعَ لِكُلِّ نَوْعِ مِنْهَا عُنْواناً يَدُلُّ عَلَىْ فِقْهٍ سَلِيمٍ ، وَفَهْمٍ مُسْتَقِيمٍ، وقد كشفَ عنْ غَايَتِهِ مِنْ هَذَا التَّنْويعِ، وَأَوْضَحَ مَا يُرِيدُ بِقَوْلِه - فِي الْمُقَدِّمَةِ ١٣٧/١ - ((قَصْدُنَا فِي تَنْوِيعِ السُّنَّنِ الكَشْفُ عَنْ شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا: خَبْرٌ تَنَازَعَ الأَئِمَّةُ فِيهِ وَفِي تَأْوِيلِهِ، وَالْآخَرُ: عُمُومُ خِطَابٍ صَعُبَ عَلَى أَكْثِرِ النَّاسِ الْوُقُوقُ عَلَىْ مَعْنَاهُ)) .. فهو إذاً - والحقَّ نَقولُ - العالمُ الذكيُّ، والأستاذُ الكُفْءُ الَّذي يُدرِكُ مَواطِنَ الصُّعوبَةِ فَيُذَلِّلُهَا، وَيَدْرِي الأَسْبَابَ في تَشَعُّب الآراءِ، فَيُحَاوِلُ جَمْعَهَا وتَسْلِيطَ الأَضْوَاءِ عَلَيْهَا لِئَلّ يَضِلَّ الفَهْمُ، وتَتَشَعَّبَ الْآَرَاءُ. وَإِذَا سألنا: ما المثالُ الَّذي احتذاهُ فِي ترتيبٍ صَحِيحِهِ؟ وَجَدْنا إجابتَهُ مَشْفُوعَةً بالتَّعْلِيلِ ((لَإِنَّ قَصْدَنَا فِي نَظْمِ السُّنَّنِ حَذْوُ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ، لِإِنَّ الْقُرْآنَ أُلِّفَ أَجْزَاءً فَجَعَلَّنَا السُّنَّنَ أَقْسَاماً بِإِزَاءِ القُرْآنِ. وَلَمَّا كَانَتِ الأَجْزَاءُ مِنَ الْقُرْآنِ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَىْ سُوَرٍ، جَعَلْنَا كُلَّ قِسْمٍ مِنَ السُّنَّنِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعٍ، فَأنْوَاعُ السُّنَّنِ بِإِزَاءِ سُوَرِ الْقُرْآنِ. وَلَمَّا كَانَتْ كُلُّ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ تَشْتَمِلُ عَلَىْ آَيٍ ، جَعَلْنَا كُلَّ نَوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ السُّنَن يَشْتَمِلُ عَلَى أَحَاديثَ. وَالْأَحَادِيثُ مِنَ السُّنَنِ بِإِزَاءِ الْآي مِنْ القُرْآنِ))(٢). (١) مقدمة ابن حبان لصحيحه ١٣٧/١ بتحقيقنا. (٢) مقدمة ابن حبان لصحيحه ١٣٨/١ بتحقيقنا. ٤١ هُذَا هُوَ التَّرْتِيبُ الَّذِي ابْتَدَعَتْهُ عَقْلِيَّةٌ جَبَّارَةٌ، عميقَةُ الغَوْرِ، دقيقَةُ التنظيمِ ، قَد اجْتَمَعَ لِصَاحِبِهَا مِنَ الصِّفَاتِ، مَا لَا يَجْتَمِعُ إِلَّ فِي القَلِيلِ النَّادِرِ مِنَ النَّاسِ ، فَهُوَ الذُّكِيُّ الأَلَّمَعِيُّ، وَهُوَ الْبَاحِثُ الْمُنَقِّبُ، وَهُوَ الْعَالِمُ الْمُطَّلِعُ، وَهُوَ النَّقِدُ العَبْقَرِيُّ. اطَّلَعَ عَلَى كُلِّ مَا تَرَكَهُ السَّابِقونَ - وَقَدْ أَنْضَجَهُ الزَّمَانُ، وَصَقَلَتْهُ التَّجْربَةُ، وَمَخَّصَتْهُ الاخْتِبَارَاتُ، فَنَفَذْ بِبَصِيرَتِهِ إِلَىْ لُبِّهِ، وَتَغَلْغَلَ فِي أَعْمَاقِهِ، وَتَعرَّفَ أَسْرَارَهُ، مُرَاعِياً القَانُونَ الجَامِعَ، لِيَرْبِطَ بِهِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَيَجْمَعَ حَوْلَهُ الأَشْتَاتَ الَّتِي تَرْبِطُهَا بِهِ رَابِطَةٌ مِنْ مَعْنَّى، فَيَرْصُفُ ذُلِكَ فِي تَقْسِيمٍ وَاحِدٍ مُتَفَرِّعِ إِلَى أَنْوَاعٍ . . هُذَا هُوَ التَّرْتِيبُ الَّذِي وَصَفَهُ السُّيُوطِي في ((التَّدْرِيب)) بِقَوْلِهِ: (صَحِيحُ ابْنِ حِبَّانَ تَرْتِبُهُ مُخْتَرَعُ، لَيْسَ عَلَى الأَبْوَابِ، وَلَيْسَ عَلَىَ الْمَسَانِيدِ، وَلِهذا سَمَّهُ ((التَّقَاسِيمَ وَالْأَنْوَاع)) ... )(١). فكيف استقبل هذا الترتيب، وماذا قال العلماء فيه؟ أَوَّلُ عِبَارَةٍ نُطَالِعُهَا فِي الْحُكْمِ عَلَىْ أُسْلُوبِ ابْنِ حِبَّانَ وَتَرْتِبِهِ لِصَحِيحِهِ - فِيما اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ - عِبَارَةٌ قَالَهَا الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ فِي ((َسِيَرِ أَعْلَامِ النَّبَلَاءِ)) (٢): (وَقَدِ اعْتَرَفَ - يَعْنِي ابْنَ حِبَّنَ - أَنَّ صَحِيحَهُ لَا يَقْدِرُ عَلَىَ الْكَشْفَ مِنْهُ إِلَّ مَنْ حَفِظَهُ، كَمَنْ عِنْدَهُ مُصْحَفٌ لَا يَقْدِرُ عَلَىْ مَوْضِعِ آيَةٍ يُرِيدُهَا مِنْهُ إِلَّ مَنْ حَفِظَهُ). وَهِيَ عِبَارَةٌ مَبْتُورَةٌ، تَنَاوَلَهَا الذَّهَبِيُّ بِحَذَرٍ لِيَجْعَلَهَاَ دَليلًا عَلَى صِحَّةٍ حُكْمِهِ. وَلِعَظِيمٍ مَكَانَةِ الْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ فِي النُّفُوسِ - وَهُوَ بِهَا جَدِيرٌ - وَهُوَ (١) تدريب الراوي ١٠٩/١. (٢) سير أعلام النبلاء ١٦ /٩٧. ٤٢ الْمَعْرُوفُ بِالإِسْتِقْصَاءِ التَّامِّ المشهودُ له بالإِمامة في هذا الفن - تَلَقَّفَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ هُذَا الحُكْمَ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِأُسْلُوبِهِ الْخَاصِّ دُونَ سَبْرٍ لِإِبْعَادِهِ وَامْتِحَانٍ لِمُسَوِّغَاتِهِ. فَالأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ الفَارِسيّ - وَهُوَ الَّذي أعادَ ترتيبَ صَحيح ابن حبَّان عَلَىْ أَبْوابِ الفِقْه - يَقُولُ: ((لَكِنَّهُ أَيْ صَحِيح ابن حِبَّان - لِبَدیعِ صُنْعِهِ، وَمَنِيعِ وَضْعِهِ قَدْ عَزَّ جَانِبُهُ، فَكَثُرَ مُجَانِبُهُ))(١). وَعِبَارَتُهُ - كَمَا تَرَىْ ـ لَا تَصِفُ الصَّحِيحَ بِعُسْرِ التَّرْتِيب بِمِقْدَارِ مَا تَصِفُ النَّاسَ بِفْتُورِ الْهِمَمِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَضَعْفِ الْعَزَائِمِ أَمَامَ مَنَاعَةِ الصُّنْعِ وَعِزَّةِ الْجَانِبِ. وَأَمَّا الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ فَقَدْ قَالَ: ((وَالْكَشْفُ مِنْ كِتَابِهِ - يَعْنِي صَحِيحَ ابْنِ حِبَّان - عَسِرٌ جدا)(٢). وَلكِنَّ الشَّيْخَ أحمد شاكر قَدْ أَطَال فِي التَّعْبِيرِ فَقَالَ: ((وَقَدْ قَصَدَ بِهذَا التَّرْتِيب الَّذِي اخْتَرَعَهُ وَتَفَنَّنَ فِيهِ إِلَى مَقْصدٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ، وَصَارَ الْكَشْفُ مِنْ كِتَابِهِ عَسِراً جداً)). وقَالَ أَيْضاً: ((وَلَكِنَّ حِيلَتَهُ لِلْحِفْظِ لَمْ تُفْلِحْ، ثُمَّ نَجَحَ أَيَّ نَجَاحٍِ فِي تَصْعِيبِ الْكَشْفِ مِنْ كِتَابِهِ))(٣). وَهُنَا نَسْأَلُ: هَل العسرُ الَّذِي وصفَتْ بِهِ طريقَةُ ابْنِ حِبَّن مَنْفِيٌّ عَنِ الطُّرُقِ الَّتِي أَلِفَهَا النَّاسَ وَاعْتَادُوهَا؟ (١) مقدمة علاء الدين الفارسي لصحيح ابن حبان ٧٩/١ بتحقيقنا. (٢) تدريب الراوي ١٠٩/١. (٣) مقدمة أحمد شاكر لصحيح ابن حبان ١١/١. ٤٣ إِنَّ كُلَّ مَنْ مَارَسَ هذَا الفنّ يُدركُ الصُّعوبَةَ الْجَسِيمَةَ الَّتِي يَلْقَاهَا الْبَاحِثُ عَنْ حَدِيثٍ في المسنَدِ، وَبخاصَّةٍ إِذَا كانَ هذا الحديثُ فِي مُسْنِدٍ أَبِي هُرَيْرَةً مَثَلاً، أَوْ مُسْنِدٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَوْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، دُونَ اسْتِخْدَامٍ الْفَهَارِسِ ، ومن البديهي أَنَّ هُذِهِ الفَهَارِسَ لم تكن معروفة في عصر ابن حبان . وَلِكَيْ نَتَصَوَّرَ الأمْرَ عَلَى شَكْلٍ قَرِيبٍ منَ الواقع، بالنِّسْبَةِ إِلَى أُسْلُوبٍ الْكُتُبِ وَالأَبْوَابِ، لَ بُدَّ لَنَا مِنْ إِجْرَاءِ الْمُؤَّازَنَةِ التَّالِيَةِ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ صحيحَ البخاريِّ يتألفُ مِنْ سَبْعَةٍ وَتِسْعِينَ كِتَاباً مَجْمُوعُ أَبْوابِهَا (٣٧٣١) بَاباً . أُمَّا صَحِيحُ ابْنِ حِبَّانِ فَبْتَنِي عَلَى خَمْسَةِ تَقَاسِيمَ، تَنْطَوِي عَلَىْ أَرْبَعِ مِئَةٍ نَّوْعٍ . فَهَلْ يُتَصَوَّرُ عَقْلًا أَنَّ الْبَحْثَ عَنْ حَدِيثٍ فِي الأَوَّلِ أَيْسَرُ وَأُسْهَلُ مِنْهُ فِي الثَّنِي لِمَنْ لَمْ يَتَمَرَّسْ أَيَّ الأُسْلُوبَيْنِ سَابِقاً؟ الْجَوَابُ النَّظَرِيُّ لَيْسَ لِصَالِحِ الأُسْلُوبِ الأَوَّلِ: أُسْلُوب الْكُتُب وَالأَبْوَابِ، فَلِمَاذَا إِذاً وُصِفَتْ طَرِيقَةُ ابْنِ حِبَّن بِالْعُسْرِ؟ وَلَوْ عُدْنَا إِلَى عبارةِ الحافظِ الذَّهبِيّ وَأَمْعَنَّا النَّظَرَ فِيهَا لَوَجَدْنَا أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي أَطْلَقَهُ عَلَىْ هَذَا الْأُسْلُوبِ حُكْمٌ مُسْتَنْبَطْ مِنْ مُقَدِّمَةِ الصَّحِيحِ ، وَلَيْسَ حُكْماً قَائِماً عَلَى التجربة والاختبار. فَالْخَطِيبُ البغداديُّ الْمُتَوَفَّى (٤٦٣) هـ - وَالزَّمَنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ حِبَّنَ قَرِيبٌ نِسْبِيّاً - لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى كُتِبِ ابْنِ حِبَّانَ، وَإِنَّمَا تَحَدَّثَ عَنْهَا بِأَنَفٍ لِضَيَاعِهَا، فَفِي أَيِّ مَيْدَان جُرِّبَتْ بَعْد ذَلِكَ طريقة ابن حبان، وَمَنْ مَارَسَهَا وَطَبَّقَهَا فَظَهَرَ لَهُ نَجَاحُها أَوْ عَدَمُهُ؟ ٤٤ وَفِي رَأْيِنَا أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَسْويغٌ لِمَوْقِفٍ غَيْرِ عَمَلِيٍّ مِنْ جَديدٍ قَدْ يَكُونُ مُفِيداً، دَفَعَهُمْ إِلَيْهِ الْحِرْصُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَىْ أُسْلُوبٍ أَلِفُوهُ وَتَمَرَّسُوا بِهِ وَعَايَشُوهُ، حَتَّى أَصْبَحَ جُزْءاً مِنْ شَخْصِيَّتِهِمُ الْعِلْمِيَّةِ وَهُوَ الْمُتِبَعُ فِي تَصْنِفِ أَقْدَسِ مَا يَكُونُ بَعْدَ كِتَابِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. لَقَدْ حَكَمُوا عَلَى هذِهِ الطَّرِيقَةِ دُونَ أَيَّةٍ مُمَارَسَةٍ، وَوَصَفُوهَا بِالْعُسْرِ دُونَ اخْتِبَارٍ وَتَجْرِيبٍ، وَلَمْ يَتَبِعْهَا أَحَدٌ بَعْدَ ابْنِ حِبَّن فَمَاتَتْ بَعْدَهُ. أقوال العلماء في ابن حبان ومصنفاته: مما لا يختلف فيه اثنان، أنَّ مِنْ أَكْثَرِ الناسِ معرفةً بالرجلِ تلاميذُهُ الذين تَطُولُ مُلازَمَتُهُمْ لَهُ، لأنْهُمْ يَطَلِعونَ عَلَىْ كلِّ أحوالِهِ: في الرِّضَىْ، وَالْغَضَبِ، وَالْعُسْرِ، وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ، وَالْمَكْرَهِ لِذْلِكَ نَبْدَأْ بِأقوالِ الحاكِمِ في شیخه الإِمَامِ مُحمد بن حبان. قال الحاكمُ: ((أبو حاتِمِ البُسْتِيُّ القاضي كَانَ مِنْ أوعيَةِ العِلْم في اللُّغَةِ، والفِقْهِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْوَعْظِ، وَمِنْ عُقَلاءِ الرِّجَالِ صَنَّفَ فَخَرَجَ لَهُ مِنَ التَّصْنِيفِ فِي الْحَدِيثِ مَا لَا يُسْبَقُ إِلَيْهِ)(١). - وَقَالَ أيضاً: ((سمعت أبا علي الحسين بن علي الحافظ - وذكر كتاب . المجروحين لأبي حاتم البستي - فقال: كان لعمر بن سعيد بن سنان ابنٌ رحلَ في طلبِ الحديثِ، وأدركَ هؤلاءِ الشيوخَ، وَهذا تَصنيفُهُ، وأَسَاءَ القولَ في أبي حاتمٍ . قَالَ الحاكمُ: أبو حَاتِم كبيرٌ في العلومِ، وَكَانَ يُحْسَدُ لِفَضْلِهِ وَتَقَدُّمِهِ))(٢). (١) معجم البلدان ١ /٤١٧ . (٢) معجم البلدان ٤١٩/١. ٤٥ ووصفَهُ الخطيبُ البغداديُّ بقولِهِ: ((وَكَانَ ابْنُ حِبَّان ثقةً نَبِيلًا فَاضِلاً))(١). وَقَالَ الخطيبُ - بعد أن ذكر عدداً من مصنفات ابن حبان -: ((وَمثلُ هذِهِ الكتب الجَليلةِ ، كانَ يَجِبُ أَنْ يَكْثُرَ بِهَا النَّسْخُ فَيَتْنَافَسَ فِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ ، ويَكْتُبُوَهَا وَيُجَلِّدُوهَا إِحْرَازَاً لَهَا، وَلَا أَحْسَبُ الْمَانِعَ مِنْ ذَلِكَ إلَّ قِلَّةً مَعْرِفَةٍ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ بِمَحَلِّ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ، وَزُهْدَهُمْ فِيهِ وَرَغْبَتَهُمْ عَنْهُ، وَعَدَمَ بَصِيرَتِهِمْ بِهِ))(٢). وَقَالَ عبدُ اللهِ بن محمد الأستراباذي: ((وَكَانَ - ابنُ حبان - مِنْ فُقَهَاءٍ الدِّين، وَحُفَّاظِ الآثارِ، وَالْمَشْهُورِينَ فِي الْأَمْصَارِ وَالأَقْطَارِ، عَالماً بالطّبِّ والنُّجَّومِ، وَقُونِ الْعِلَّمِ)(٣). وَقَالَ أبو سَعْدٍ الإِدريسي: ((كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الدِّين، وَحُفَّاظِ الْآثَارِ، عَالِماً بالطَّبِّ، والنُّجُومِ ، وَقُنُونِ الْعِلْمِ))(٤). وَقَالَ يَاقوت الحموي: ((كَانَ - ابنُ حبان - مُكْثراً مِنَ الْحَدِيثِ، وَالرِّحْلَةِ، وَالشُّيُوخِ ، عَالِماً بالْمُتُونِ وَالأَسَانِيدِ، أَخْرَجَ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ مَا عَجَزَ عَنْهُ غَيْرُهُ، وَمَنْ تَأْمَّلَ تَصَانِيفَهُ تَأْمُّلَ مُنْصِفٍ، عَلِمَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ بَحْراً فِي الْعُلُومِ))(٥). وقال أحمد بن علي بن ثابت البغدادي: ((مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي تَكْثِرُ مَنَافِعُهَا (١) سير أعلام النبلاء ٩٤/١٦. (٢) معجم البلدان ٤١٨/١. (٣) معجم البلدان ٤١٨/١ . (٤) سير أعلام النبلاء ٩٤/١٦. (٥) معجم البلدان ٤١٥/١ . ٤٦ - إن كانت على قدر ما ترجمها به واضعها - مُصَنَّفَاتٌ أَبِي حَاتِمٍ البستي ... وَلَمْ يُقَدَّرْ لِي الوُصُولُ إِلى النَّظَرِ فِيهَا، لِأَنَّهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ بَيْنَنَ))(١). وقال الإِمام الذهبي: ((وَكَانَ عَارِفاً بالطِّبِّ، وَالنُّجُومِ، وَالْفِقْهِ، رَأْساً فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ))(٢). وَقَالَ السمعاني: ((كَانَ أبو حاتمٍ إمامَ عَصْرِهِ صنّف تصانيف لم يسبق إلى مثلها))(٣). وقال ابن الأثير: ((إِمَامُ عَصْرِهِ، لَهُ تَصَانِيفُ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا))(٤). وقال الحافظ ابن حجر: ((كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ زَمَانِهِ، وَطَلَبَ الحديثَ عَلَى رَأْسِ سَنَةٍ ثَلاَثِ مِئَةٍ». وقال أيضاً: ((وَكَانَ عَارِفاً بالطِّبِّ، وَالنُّجُومِ، وَالكَلامِ، وَالْفِقْهِ، رَأْساً فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ)). وقال أيضاً: ((وَابْنُ حِبَّانَ كَانَ صَاحِبَ فُنُونٍ، وَذَكَاءٍ مُفْرِطٍ، وَحِفْظٍ وَاسِعٍ إِلَى الْغَايَةِ)) (٥). وقال علاء الدين الفارسي: ((فَإِنَّ مِنْ أَجْمَعِ الْمُصَنَّفَاتِ فِي الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَةِ، وَأَنْفَعِ الْمُؤْلَّفَاتِ فِي الآثارِ المُحَمَّدِيَّةِ كِتَابَ: النَّقَاسِيمِ وَالْأَنْوَاعِ))(٦). وقال ابن العماد: ((العَالِمُ الحَبْرُ، وَالعَلَّمَةُ الْبَحْرُ، كَانَ حَافِظاً ثَبتاً إِماماً (١) معجم البلدان ١ / ٤١٧ . (٢) ميزان الاعتدال ٥٠٦/٣. (٣) الأنساب ٢٠٩/٢، وانظر طبقات الشافعية الكبرى ١٣٢/٣. (٤) اللباب ١ /١٥١ . (٥) لسان الميزان ١١٢/٥، ١١٤. (٦) مقدمة الصحيح ٧٩/١ بتحقيقنا. ٤٧ حُجَّةً، أَحَدَ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ ... وَكَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ فِي الحَديثِ، وَالْفِقْهِ، وَاللُّغَةِ، وَالوَعْظِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى الطّبِّ، وَالنُّجُومَ، وَالْكَلَامِ))(١). وقال الأسنوي: ((كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ، لُغَةً، وَحَدِيثاً، وَفِقْهاً، وَوَعْظاً، وَمِنْ عُقَلَاءِ الرِّجَالِ)) (٢). وقال الصفدي: ((كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الدِّينِ، وَحُفَّاظِ الْآثَارِ، عَالِماً بِالطَّبِّ، وَالنُّجُومِ وَفَنُونِ الْعِلْمِ)) (٣). وقال الحافظ ابن كثير: «مُحمدُ بن حبان صَاحِبُ ((الأنْوَاع والتقاسيم)) وَأَحَدُ الحُفَّاظِ الْكِبَارِ الْمُصَنِّفِينَ، الْمُجْتَهِدِينَ)) (٤). فهذه شهاداتٌ - دون الحصول على واحدة منها خرطُ القَتَادِ - صدرت عن علماء ثقات - متخصصين في الحديث النبوي الشريف رواية ودراية، وفي غيره من العلوم وفنون المعرفة، تدل كلها على أن ابن حبان بلغ مرتبة الإِمامة في علم الحديث، وفي غيره من العلوم، وتدل أيضاً على أن مصنفاته غاية في النفاسة، والدقة، والجدّة، والجودة، والاتقان. آراء العلماء في هذا الصحيح ومناقشتها: إنه لمن المؤسف جداً أن مصنفاً عظيماً في الحديث النبوي الشريف، يحاول جامعه أن يستوعب فيه ما صحّ عن رسول الله - مَ ل ـ يكون نصيبه الترك والإِهمال، حتى الضياع، إذ لم نجد عالماً تعقب ابن حبان في صحيحه، ولا شارحاً له، ولا دارساً منصفاً استقصاه. (١) شذرات الذهب ١٦/٣. (٢) شذرات الذهب ١٦/٣. (٣) الوافي بالوفيات ٣١٨/٢، وانظر طبقات الحفاظ للسيوطي ص (٣٧٤). (٤) البداية والنهاية ٢٥٩/١١. ٤٨ نعم لقد أعاد الأمير علاء الدين الفارسي (٦٧٥ - ٧٣٩) ترتيبه على. أبواب الفقه، وسمّاه ((الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان)). وقد خطا الحافظ مغلطاي خطوة أوسع من هذه ولكنها لم تتكامل. قال الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان)) ٧٤/٦: (ومن تخريجاته - يعني: مغلطاي - ترتيب بيان ((الوهم والإِيهام)) لابن القطان، وزوائد ابن حبّان على الصحيحين، وترتيب صحيح ابن حبان على أبواب الفقه رأيتهما بخطّه ولم يكملا ... )). كما جرّد الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي زوائده على الصحيحين وسمّاه ((موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبّان)). كما قام عمر بن علي المعروف بابن الملقن، والمتوفى سنة (٨٠٤) باختصاره وترتيبه على أبواب الفقه أيضاً. وجميع هذه الخدمات ظاهر أنها تتعلق بالشكل، ولم تمسّ المضمون بشرح أو تعليق، أو تقويم يعتمد على النقد الصحيح للإِسناد والمتن وفق القواعد التي أرسى قواعدها أساطين هذا الفن. وقد بدأ فعلاً بخدمة هذا المصنّف الجليل الخدمة الفعلية الشيخ الأستاذ أحمد شاكر، فحقّق في جزء واحداً وثلاثين ومئة حديث نشرها مع مقدمات كتبها الحافظ ابن حبان مقدِّماً بها أنواعه وتقاسيمه، وقد جمعها الأمير علاء الدين في ((الإِحسان)) في مكان واحد. وأما ما عدا ذلك فأحكام يطلقها قائلها على عجالة من أمره، ثم يتناولها مَنْ بَعْده إمَّا مسلماً بها لحُسْن ظنه وثقته بقائلها، وإما راداً لها ردّاً لا يعتمد أيضاً على الدراسة الشاملة، والنقد البصير، والاستقصاء التام، وإليك ما اطّلعنا عليه من أقوال، وقد جعلناها في قسمين ليسهل أمر مناقشتها والرد عليها: ٤٩ ١ - القسم الأول: إن أول عبارة نقدية نقرؤها - فيما اطّلعنا عليه - هي قول الحازمي في ((شروط الأئمة الخمسة)) ص: (٣١ - ٣٢): ((ابنُ حِبَّان أُمْكَنُ فِي الْحديثِ مِنَ الْحَاكِمِ)). وبين وفاتيهما ثلاث ومئة سنة. ثم نقرأ في مقدمة أبي عمروبن الصلاح المتوفى (٦٤٣ هـ) ص: (١١) بعد وصفه للحاكم بأنه واسع الخطو في شرط الحديث قوله: ((وَيُقَارِبُهُ فِي حُكْمِهِ صَحیحُ ابْنِ حِبَّان)». وَيَشْرِحُ العِرَاقِي مُرادَ ابن الصَّلاحِ بِقَوْلِهِ: ((أرادَ أنَّهُ يُقَارِبُهُ فِي التَّسَاهُلِ، فَالْحَاكِمُ أَشَدُّ تَسَاهُلَا مِنْهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ)). ثُمّ اسْتَشْهَدَ بِقَولِ الحَازِمِيّ السَّابِقِ. ويقول السخاوي في شرح ((ألفية الحديث)) ٣٥/١: ((وابن حبان يداني الحاكم في التساهل وذلك يقتضي النظر في أحاديثه أيضاً، لأنه غير متقيد بالمعدلين، بل ربما يخرج للمجهولين(١) ولا سيما ومذهبه إدراج الحسن في (١) قال النووي في مقدمة شرحه صحيح مسلم ٢٢/١: ((المجهول أقسام: مجهول العدالة ظاهراً وباطناً، ومجهولها باطناً مع وجودها ظاهراً وهو المستور، ومجهول العین فأما الأول فالجمهور على أنه لا يحتج به، وأما الآخران فاحتج بهما كثيرون من المحققين)). ولكن ما أكثر ما تصافح أعيننا عبارة ((ووثقه ابن حبان على عادته في توثيق المجاهيل))، وأقوال أخرى مثل قول الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان)) ٦٥/٧: «أبو سلمة الجهني، حدث عنه فضیل بن مرزوق، لا يدرى من هو. وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج حديثه في صحيحه، وأحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، وتعقبه المؤلف - يعني الذهبي في الميزان - بما ذكره هنا فقط ...... والحق أنه مجهول الحال، وابن حبان يذكر أمثاله في الثقات، ويحتج به في الصحيح إذا كان ما رواه ليس بمنكر)). ٥٠ وبعد التتبع والدرس والتمحيص وجدنا أن المجاهيل الذين يوثقهم ابن حبان - كما = يزعم الكثير - فريقان : الفريق الأول: وهم الذين لا يروي عنهم غير واحد، وهو الأهم. والفريق الثاني: وهم الذين روی عنهم أكثر من واحد. نقول: أما بالنسبة للفريق الأول، فإن عبد الرحمن بن نمر قد تفرد بالرواية عنه الوليد بن مسلم، وقد غمز جانبه بعض أئمة الجرح، ومع ذلك فهو من رجال الشیخین. وقد انفرد البخاري في الرواية عن : ١ - زيد بن رباح المدني . ٢ - وعمر بن محمد بن جبير بن مطعم. ٣ - ومحمد بن الحكم المروذي. ٤ - والوليد بن عبد الرحمن بن حبيب الجارودي . ولم يرو عن كل واحد منهم إلا راو واحد. كما تفرد مسلم بالرواية عن جابر بن إسماعيل الحضرمي، ولم يرو عنه غير راو واحد أيضاً. وقال شيخ الإسلام ابن حجر: (( ... وأما زيد بن رباح فقال فيه أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأساً، وقال الدارقطني، وغيره: ثقة. وقال ابن عبد البر: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان فى الثقات فانتفت عنه الجهالة بتوثيق هؤلاء. وأما الوليد فوثقه أيضاً الدارقطني، وابن حبان. وأما جابر فوثقه ابن حبان، وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه وقال: إنه ممن يحتج به)). وقال ابن الصلاح في المقدمة ص: (٥٤): ((قد خرج البخاري في صحيحه حديث جماعة ليس لهم غير راوٍ واحدٍ، منهم: مرداس الأسلمي، لم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم. وكذلك خرج مسلم حديث قوم لا راوي لهم غير واحد، منهم: ربيعة بن كعب الأسلمي، لم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن، وذلك منهما مصير إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولاً مردوداً برواية واحد عنه. ٥١ = والخلاف في ذلك متجه في التعديل نحو اتجاه الخلاف المعروف في الاكتفاء = بواحد في التعديل على ما قدمناه والله أعلم)). وقال ابن حزم في ((المحلَّى)) ٥٣/٤: (( ... وعبدالله بن بدر ثقة مشهور، وما نعلم أحداً عاب عبد الرحمن - يعني : ابن علي بن شيبان - بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا عبدالله بن بدر، وهذا ليس بجرحة)). وقد زعم الحاكم في ((المدخل)» أن الشيخين لم يخزجا في الصحيحين عن أحد من الصحابة الوحدان، وتعقبه النووي في مقدمته لشرح صحيح مسلم ٢٢/١ بقوله: ((وأما قول الحاكم: إن من لم يرو عنه إلا راو واحد فليس هو من شرط البخاري ومسلم، فمردود، غلطه الأئمة فيه بإخراجهما حديث المسيب بن حزن والد سعيد بن المسيب في وفاة أبي طالب، لم يرو عنه غير ابنه سعيد، وبإخراج البخاري حديث عمرو بن تغلب (إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إليّ)، لم يرو عنه غير الحسن. وحديث قيس بن أبي حازم، عن مرداس الأسلمي (يذهب الصالحون)، لم يرو عنه غیر قیس . وبإخراج مسلم حديث رافع بن عمرو الغفاري، لم يرو عنه غير عبدالله بن الصامت . وحديث ربيعة بن كعب الأسلمي، لم يرو عنه غير أبي سلمة، ونظائر - في الصحيحين - لهذا كثيرة. والله أعلم. وتبع البيهقي الحاكم، وتعقبه ابن التركماني بمثل ما تعقب به النووي الحاكم. انظر سنن البيهقي ١٠٥/٤. وقال محمد بن إبراهيم الوزير في ((تنقيح الأنظار)): ((بل الذي تقتضيه الأدلة أنه لو وثقه واحد، ولم يرو عنه أحد، أو روى عنه واحد، ووثقه هو بنفسه، لخرج عن حد الجهالة، فقد نصَّ أهل الحديث أن التعديل يثبت بخبر الواحد)). انظر ((توضيح الأفكار)) ١٨٧/٢. وقال ابو الحسن بن القطان - ووافقه ابن حجر -: ((إن زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه، قُبل، وإلَّ فلا)). ٥٢ = وأما بالنسبة للفريق الثاني، فإن إسحاق بن إبراهيم بن محمد الصواف روى عنه = جماعة، ولم يوثقه غير ابن حبان، ومن وثقه بعده فقد تابعه، وهو من رجال البخاري . وقد روى مسلم للوليد بن سريع، وعبد الله بن سلمان الأغر، وقد روى عن كل منهما أكثر من واحد ولكن لم يوثقهما غير ابن حبان. وهناك كثير ممن هذه حالهم، وقد أخرج لهم أصحاب السنن كأبي الأحوص، وأبي أرطاة، وأبي إبراهيم الأشهلي، وأبي راشد، ويزيد بن الحوتكية، ومحمد بن غير أننى اكتفيت في إيراد عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث ... بعض من هذا وصفه، وله رواية في الصحيح ليكون دفع ما وصف فيه ابن حبان أبلغ، ونفيه عنه أحكم. ٠ وقال الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) ٤٢٦/٣: ((وفي رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحداً نص على توثيقهم. والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأت بما ینکر علیه، أن حديثه صحیح)). = وقال أيضاً في الميزان ٥٥٦/١ ترجمة حفص بن بُغَيْل: (( ... فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل - أو أخذ عمّن عاصره - ما يدل على عدالته، وهذا شيء كثير، ففي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون، ما ضعفهم أحد، ولا هم بمجاهيل)). وقال أيضاً في الميزان ٦٦/٢ ترجمة الزبير بن جنادة الهجري: (( .. ذكره ابن حبان في الثقات وأخطأ من قال: فيه جهالة ...... )). وقال الحافظ ابن حجر في ((شرح نخبة الفكر)) ص (٩٩ - ١٠٠): ((فإن سمي الراوي، وانفرد راو واحد بالرواية عنه فهو مجهول العين، كالمبهم فلا يقبل حديثه إلّ أن يوثقه غير من ينفرد عنه على الأصح، وكذا من ينفرد عنه إذا كان متأهلاً لذلك)). وهل فعل ابن حبان أكثر من هذا؟. وأما ما وقع فيه من خطأ، أو سهو، أو اضطراب، فهذه صفات بشرية لا يمكن لبشر تجاوزها لذا قال العزيز الحكيم في وصف كتابه الكريم: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ؟ وَلَوْ كَانَ مَنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهَ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً) [النساء: ٨٢]. ومن المسلم أيضاً أن هذه الأمور تزداد نسبتها بازدياد عطاء الرجل وكثرة إنتاجه، = ٥٣ الصحيح مع أن شيخنا - يعني الحافظ ابن حجر - قد نازع في نسبته إلى التساهل إلا من هذه الحيثية. وعبارته - يعني عبارة ابن حجر -: إن كانت باعتبار وجدان الحسن في كتابه فهي مشاحّة في الاصطلاح لأنه يسمّيه صحيحاً، وإن كانت باعتبار خفّة شروطه، فإنه يخرج في الصحيح ما كان راويه ثقة غير مدلس سمع ممّن فوقه وسمع منه الآخذ عنه، ولا یکون هنا إرسال ولا انقطاع، وإذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل، وكان كلٍّ من شيخه والراوي عنه ثقة، ولم يأتِ بحديث منكر، فهو عنده ثقة. وفي كتاب ((الثقات)) له كثير ممّن هذه حاله، ولأجل هذا ربما اعْتَرَضَ عليه في جعلهم من الثقات مَنْ لم يعرف اصطلاحَه، وَلا اعْتِرَاضَ عليه فإنه لا يُشّاح في ذلك)) قلت - القائل هو السخاوي -: ويتأيد بقول الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم، وكذا قال العماد ابن كثير: ((قد التزم ابن خزيمة وابن حبان الصحة وهما خير من المستدرك، وأنظف أسانيد ومتونً)). وجاء في كشف الظنون ٧٧/٢: ((قال ابن حجر في ((النكت)): وفيه - يعني صحيح ابن حبّان ــ تَسَاهُلٌ، لكنهُ أقلُّ من تَساهُلِ الحاكم في المستدرك . = وابن حبان واحد من المكثرين، بل والمكثرين جداً، ولو وازنا نسبة أخطائه إلى إنتاجه لوجدناها عنده أقل منها عند غيره بكثير. وانظر تدريب الراوي ٣١٦/١ - ٣٢٤، سنن البيهقي ١٠٥/٤، توضيح الأفكار ١٧٣/٢ - ١٩٨، قواعد في علوم الحديث ص (٢٠٢ - ٢٠٩)، وألفية السيوطي في علم الحديث تحقيق أحمد شاكر ص (٢٥١ - ٢٥٢). ومقدمة ابن الصلاح ص (٥٤)، والباعث الحثيث ص: (٢٠٦ - ٢٠٨)، وهدي الساري ص: ٩ - ١٢، وشروط الأئمة الخمسة للحازمي ص (٤٠ - ٤٧)، وشروط الأئمة الخمسة لابن طاهر المقدسي ص (١١ - ١٣). وانظر أيضاً الفصل الآتي بعنوان: آراء العلماء في هذا الصحيح ومناقشتها. وشرح نخبة الفكر ص (١٠٠). وإحكام الأحكام ٢٦٢/١ نشر مكتبة عاطف. ٥٤ قيل: هذا غير مسلم، وليس عند البستي تساهل وإنما غايته أن يسمى الحسن صحيحاً، فإنه وفى بالتزامه، ولم يوف الحاكم. ذكره البقاعي)). وقد رَدَّ الإِمام اللكنوي في ((الرفع والتكميل)) صفحة ١٣٩ دعوى التساهل هذه فقال: ((وقد نسب بعضهم التساهل إلى ابن حبان وقال: هو واسع الخطو في باب التوثيق، يوثق كثيراً ممّن يستحق الجرح وهو قول ضعيف. فإنك قد عرفت سابقاً - يعني في الصفحة (١١٧ - ١٢٠) حيث ذكر وصف الذهبي له بالتقعقع، ووصفه بالخساف، وذكر وصف الحافظ ابن حجر له بالتشدد واعتبره من المتعنتين المتشددين، - أن ابن حبان معدود ممّن له تعنت وإسراف في جرح الرجال، ومَن هذا حاله لا يمكن أن يكون متساهلاً في تعديل الرجال، وإنما يقع التعارض بين توثيقه وبين جرح غيره لكفاية ما لا يكفي في التوثيق عند غيره، عنده)). ويقول ابن العماد الحنبلي في ((شذرات الذهب)) ١٦/٣: ((وأكثر نقاد الحدیث علی أن صحیح ابن حبان أصحّ من سنن ابن ماجه)). ويقول الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) ٩٧/١٦: ((وإن كان في تقاسيمه من الأقوال، والتأويلات البعيدة، والأحاديث المنكرة عجائب)). وردنا على كل تعميم سابق أن نضع بين يدي القارىء الكريم ما انتهينا إليه نتيجة دراستنا لأسانيد هذا الكتاب دراسة فاحصة متأنية ماثلة للعيان في تخريجاتنا وتعليقاتنا. لقد ضم الجزء الأول الذي نقدم له (٣٠٤) أربعة وثلاث مئة حديث بالمكرر، وقد قمنا بتصنيفها فكانت ثلاث مجموعات: الأولى: ما شاركه فيها البخاري ومسلم أو أحدهما، أو البخاري في ٥٥ غير صحيحه، وأصحاب السنن، وأحمد وغيره، وبلغت (١٨٨) ثمانية وثمانین ومئة حدیث. والثانية: ما شاركه فيها أصحاب السنن الأربعة أو بعضهم، أو الإِمام أحمد، أو مالك، أو الدارقطني، ومنها ما هو صحيح لذاته أو لغيره، ومنها ما هو حسن لذاته أو لغيره، وكلها صالحة للاحتجاج. وقد بلغت (١١٠) عشرة ومئة حدیث. والثالثة: وقد حكمنا بضعفها بمقتضى القواعد التي اتفق عليها جمهور المحدثين وقد يشاركه غيره من أصحاب السنن بتخريجها أو ينفرد بها. وعددها (٦) ستة أحاديث. وهذه الإِحصائية القائمة على الاستقراء، والدراسة الجادّة، تبيّن لنا أن نسبة الضعيف في صحيح ابن حبان أقل من ٢٪، وهذه نسبة قلّما يخلو منها كتاب من كتب السنّة التي تحرى أصحابها الصحة في مروياتهم. وصدق الإِمام الشافعي في قوله: ((أبى الله أن تكون العصمة لغير كتابه)). وفي رأينا أن الرد على كل ما سبق من تعميمات، كامن في هذه الدراسة والحمد لله أولاً وآخراً. ٢ - القسم الثاني: لقد جاء في كتاب ((توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار)) ٦٤/١ قول ابْن النَّحْوي - المعروف بابن الملقن -: ((غالبُ صحيحِ ابنِ حبان مُنْتَزَعُ مِنْ صَحِيحٍ شَيْخِهِ إِمامِ الأئمةِ محمد بن خزيمة)). ولسَبْر ما في هذا القول من الحق أو المجانبة له، قمنا بإحصاء ما جاء في المجلد الأول من صحيح ابن حبان فبلغ مجموع ما فيه (٥٩٥) خمسة ٥٦ وتسعين وخمس مئة حديث، ثم رتبناها بحسب شيوخه الذين أكثر الرواية عنهم، فكانت: ١ - من طريق الحسن بن سفيان (٦٤) حديثاً. ٢ - من طريق أبي يعلى الموصلي (٤٨) حديثاً. ٣ - من طريق عبد الله بن محمد الأزدي (٤١) حديثاً. ٤ - من طريق الفضل بن الحباب (٣٦) حديثاً. ٥ - من طريق الحسن بن قتيبة اللخمي (٣٤) حديثاً. ٦ - من طريق محمد بن خزيمة (١٣) حديثاً. ٧ - ومن طريق .... ثم أحصينا كتاب الطهارة عند كلٍّ من ابن خزيمة، وتلميذه ابن حبان فوجدناه (٣٠٠) ثلاث مئة حديث عند الشيخ. وثمانيةً وأربعَ مئةٍ حديث (٤٠٨) عند التلميذ، منها (٢٨) ثمانية وعشرون حديثاً من طريق شيخه ابن خزيمة، فأين إذاً هذا الانتزاع المدَّعى؟ وهَبْ أن كلام ابن الملقن صحيح - وهو غير صحيح كما رأيت - فإن نشر هذا الكتاب القيم يكون العوض عن صحيح ابن خزيمة الذي ضاع ثلاثة أرباعه مع ما ضاع من تراثنا العظيم. قيمة هذا الصحيح: لقد أسلفنا القول: إن هذا الصحيح لقي من الإهمال والترك ما لا يستحقه كتاب لا يتمتع بمعشار ما يتمتع به هذا المصنف العظيم، ولم يلق من الدراسة والعناية والاهتمام ما لقيه غيره من كتب السنّة المطهرة حتى قام علاء الدين الفارسي (٦٧٥ - ٧٣٥ هـ) بإعادة ترتيبه على أبواب الفقه، فتضلّع به، وسبر ما فيه وهو عالم ذو شأن في هذا المضمار فقال بحق: ((فَإِنَّ مِنْ أَجْمَعِ المُصَنَّفَاتِ فِي الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ، وَأَنْفَعِ المُؤَلَّفَاتِ فِي الآثَّارِ المُحَمَّدِيَّةِ كِتَابُ ((النَّقَاسِيمِ وَالأَنْوَاعِ)). ٥٧ وقال العلامة أحمد شاكر في مقدمة الجزء الذي حقّقه ص (١١): ((صَحِيحُ ابْنِ حِبَّان كِتَابٌ نَفِيسٌ، حَلِيلُ القَدْرِ، عَظِيمُ الْفَائِدَةِ، حَرَّرَهُ مُؤَلَّفُهُ أَدَقَّ تَحْرِيرٍ،َ وَجَوَّدَهُ أَحْسَنَ تَجْوِيدٍ، وَحَقَّقَ أَسَانِيدَهُ وَرِجَالَهُ، وَعَلَّلَ مَا احْتَاجَ إِلَى تَعْلِيلٍ مِنْ نُصُوصِ الأَحَادِيثِ وَأَسَانِيدِهَا، وَتَوَثَّقَ مِنْ صِحَّةٍ كُلِّ حَديثٍ اخْتَارَهُ عَلَى شَرْطِهِ، وَمَا أَظُنُّهُ أُخَلَّ بِشَيْءٍ مِمَّا الْتَزَمَ إِلَّ مَا يُخْطِىءُ فِيهِ الْبَشَرُ، وَمَا لَا يَخْلُو مِنْهُ عَالِمٌ مُحَقِّقٌ)). ونحن - بعد الدرس - نقول: إن هذا الصحيح الذي نقدمه الآن للقرّاء، فيه من المزايا ما يجعله بالفعل محطّ أنظار الدارسين الغيورين على السنّة المطهرة، الساعين لجمعها ونشرها، فهو يجمع كل خصائص الكتب التي أُلَّفت في بابه، ويزيد عليها: ١ - فهو المحاولة الثانية الجادة في تاريخنا العلمي لاستيعاب الأحاديث الصحيحة كلها في مصنّف واحد، واطّراح ما سواها. لذلك فهو - برأينا - أكثر من نواة لمعلمة الحديث الصحيح التي آن وقت جمعها لتكون منار الهدى في يد كل مسلم، تجمع شعث الآراء، وتوحِّد منهج الحياة، وتطرح أسباب الفرقة والخلاف، إذ ليس لأحد قول مع رسول الله وَّر . وإننا لنرجو الله تعالى أن يلهم الغيورين على ذلك العمل، وأن يهبهم القدرة على جمعها إنه خير مسؤول وأسرع من يجيب. ٢ - لقد توّج الإِمام ابن حبان كل حديث بعنوان فقهي، استنبطه من نص الحدیث - صنیع البخاري رحمه الله في صحيحه - ولکنه زاد علیه کثیراً، لأنه درس كل حديث أولاً، ولأن عدد الأحاديث في صحيح ابن حبّان تزيد على ما عند البخاري ثانياً. ومنْ تَصَفَّح العناوين يدرك القارىء مقدرة خارقة على النفاذ إلى النص واستشفاف مؤداه، وذكاءً مدهشاً في صياغة العنوان الذي يدل على المحتوى ويوضّح المقصود. ٥٨ ٣ - إنه يذيِّل بعض الأحاديث التي يعتقد أن تأويلها مثار اختلاف بتعليقات يكشف المراد منها - حسب رأيه - وهي في كثير من الأحيان لا تعدو الحق، وفي كل الأحيان تدل على سعة علم، ودقة فهم، وتعمّق مذهل في كل معارف العصر، ومعطيات الحياة. ٤ - إنه - وهو الإِمام المجتهد في الجرح والتعديل - يعرف ببعض الأشخاص الذين تتشابه أسماؤهم وينص على كلٌّ منهم، ويبيِّن درجة كلّ منهم، حسب الأصول التي أصلها في كتابيه: ((الثقات)) و((المجروحين)). ٥ - وهو لتضلعه بالسنّة، ولعلمه الغزير، ولملاحظته النافذة، وذكائه المتوقد، يدرك بثاقب نظره أين يمكن أن يكون التعارض بين حديثين أو أكثر، فيحاول الجمع بينهما، ويبيّن المراد منهما، ويكشف عن الحالات التي ينبغي العمل بكل منهما، فيها. إننا نقول ذلك لا لننصف الرجل، لأن إنصاف هذا الإِمام العظيم يكمن فيما ترك من آثار، وبخاصة في هذا السفر الجليل الذي شرّفنا الله بخدمته وإخراجه للناس، وهم واجدون فيه تصديقاً لما قاله ياقوت في ((معجم البلدان)) ٤١٥/١: ((ومَن تأمَّل تصانيفه تأمل مُنصِف، علم أن الرجل كان بحراً في العلوم)). نهاية المطاف : لا شك أن ابن حبان قد تعب من السفر الطويل - والسفر قطعة من العذاب - وقد آن لهذا الإِمام العظيم أن يعود إلى وطنه - وفي الإِنسان ميل أصيل إلى مدارج الصبا، وملاعب الطفولة - ليضع عصا الترحال، وليمسح عن جبينه المكدود غبار السفر، وشقاوة البعاد، وليريح جسمه من الضنى وألم الفرقة للأهل والأصحاب، ثم ليوزع بعد ذلك ما في جعبته من خير على طالبیه . ٥٩ لقد تجول في المدرسة الواسعة - العالم الإِسلامي - ليجمع خير ما فيه، وليضع خير ما جمع في مدرسة صغيرة - في بيته - ليوفر على طلاب العلم سنوات العمر ومشاق الرحلات. قال الحاكم: ((أبو حاتم ابن حبان، دارُه التي هي اليوم مدرسة لأصحابه، ومسكن للغرباء الذين يقيمون بها من أهل الحديث والمتفقهة، ولهم جرايات يستنفقونها، وفيها خزانة كتبه في يَدَيْ وصي سلمها إليه ليبذلها لمن يريد نسخ شيء منها في الصفة، من غير أن يخرجها منها، شكر الله عنايته في تصنيفها، وأحسن مثوبته على جميل نيّته في أمرها، بفضله ومنّته)). رحمك الله أيّها الإِمام العظيم، وأسكنَك فسيح جنانه، ما أشدّ غيرتك على الإِسلام! وما أكبر حرصك على المسلمين! تجوب العالم الإِسلامي كله، متحملاً المصاعب والمتاعب والمشاق، لتجمع ما يتشوق كل طالب علم إلى جمعه - وليسوا عليه بقادرين، ثم تخضّه لتستخرج ما فيه من زبدة، ولا تكتفي بتيسير الوصول إليه، وإنما ترصد نفقة لكل طالب دخل مدرستك العظيمة، حتى لا يشعر بذل الحاجة، وحتى لا تدفعه عن غايته كآبة لأیام !! لقد تعبت فيما جمعت فكنت الحريص عليه من الضياع ((من غير أن يخرجها منها)). وعاينت من الغربة، وشظف العيش وقساوة الحياة فكنت الأب البار لروّاد مدرستك، بيتك الكريم! فماذا فعل الطاعن الحاسد، والمفتري الحاقد؟! كانت هذه المأثرة العظيمة خاتمة عمله، فأين ومتى كانت وفاة هذا الإِمام الكريم؟ ٦٠