Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ ٦٠ - كتاب التاريخ: ١٠ - باب إخباره # عما يكون في أمته من الفتن والحوادث وهو آخِرُ الخلفاء الاثنيْ عَشَرَ الذين خاطب النبي ◌َّ أمته بهم. ذِكْرُ البيان بأنَّ الملوكَ يُطلقُ عليهم اسمُ الخلفاء في الضَّرورة أيضاً على ما ذكرناه ٦٦٥٨ - أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد بنِ سَلْم، قال: حَدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ إبراهيم، قال: حدثنا الوليد، قال: حدثنا الأوزاعي، عن الزُّهْري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((سَيكونُ مِنْ بعدي خُلفَاءُ، يَعْمَلُونَ بما يَعلَمُونَ، ويَفعَلُونَ ما يُؤْمَرونَ، وسيكونُ مِنْ بعدِهمْ خُلَفاءُ، يَعْمَلُونَ ما لا يَعلَمُون، ويَفْعَلُونَ ما لا يُؤْمِرونَ، فَمَنْ أَنْكَرَ بَرِىءَ، ومَنْ أَمْسَكَ سَلِمَ، ولكنْ مَنْ رَضِيّ وَتَابَعَ))(١). (١) إسناده صحيح، الوليد لم يُقيده المؤلف، ويحتمل أن يكون ابن مسلم وأن يكون ابن مزيد، وكلاهما يروي عن الأوزاعي، وهما ثقتان الأول روى له الشيخان، والثاني روى له أبو داود والنسائي، وباقي السند رجاله ثقات رجال الشيخين غير عن أبيه، عبد الرحمن بن إبراهيم، فمن رجال البخاري . وأخرجه البيهقي في ((السنن)) ١٥٧/٨ - ١٥٨ من طريق العباس بن الوليد بن مزيد، عن أبيه، عن الأوزاعي، بهذا الإِسناد. وأخرجه أبو يعلى (٥٩٠٢) عن أبي بكر ابن زنجويه، والبيهقي في ((السنن)) ١٥٨/٨، وفي ((الدلائل)) ٥٢١/٦ من طريق محمد بن عوف، كلاهما عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن الأوزاعي، به. وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٧/ ٢٧٠ وقال: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير أبي بكر محمد بن عبد الملك بن زنجويه وهو ثقة. = ٤٢ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٦٦٥٩°- أخبرناه ابنُ سلم في عَقِبهِ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنُ بنُ إبراهيم، قال: حدثنا عُمَرُ بنُ عبدِ الواحد، عن الأوزاعي، عن إبراهيمَ بنِ مُرَّةَ، عن الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة، عن النبيِّي ◌َِّ مثلَه(١). [٦٩:٣] قال أبو حاتِم رَضِيَ الله عنه: سَمِعَ هذا الخبرَ الأوزاعيُّ عن الزهري، وسَمِعَهُ عن إبراهيم بن مرة عن الزهري، فالطريقان جميعاً محفوظان . ذِكْرُ الخبرِ المصرِّح بأنَّ الأوزاعي سَمِعَ هذا الخبر عن الزهري على ما ذكرناه ٦٦٦٠ - أخبرنا عبد الله بن محمد الأزديُّ، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا الوليد، قال: حدثني الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة، عن رسول الله وَّ قال: ((سَيكونُ بَعْدي خُلَفاءُ يَعمِلونَ بما يَعلَمُونَ، ويفعلونَ ما يَّؤْمَرونَ، ثُمَّ يكونُ من = قلت : وصحح هذا الحديث ابنُ القيم في ((تهذيب مختصر سنن أبي داود)) ١٥٨/٦، وله شاهد من حديث أم سلمة عند أحمد ٢٩٥/٦ و ٣٠٢ و ٣٠٥ و٣٢١، ومسلم (١٨٥٤)، وأبي داود (٤٧٦٠)، والترمذي (٢٢٦٥)، والبيهقي ١٥٨/٨، قالت: قال رسولُ اللهِ وَله: «ستكون أمراءُ، فَتَعرِفون وتُنكِرون، فمن عرف بَرِىء، ومن أنكر سَلِم، ولكن من رضي وتابع))، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: ((لا، ما صَلَّا))، هذا لفظ مسلم. وانظر (١٧٧) و(٦١٩٣). (١) إسناده حسن، إبراهيم بن مرة روى عنه جمع، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره المؤلف في ((الثقات))، وباقي السند رجاله ثقات. وهو مكرر ما قبله. ٤٣ ٦٠ - كتاب التاريخ: ١٠ - باب إخباره # عما يكون في أمته من الفتن والحوادث بعدِهمْ خُلفاءُ يَعملونَ بما لا يَعلَمونَ، ويَفعَلونَ ما لا يُؤْمَرونَ، فمنْ أنّكِرَ عليهمْ، فقد بَرِىءَ، ولَكِنْ مَنْ رَضِي وَتَابَعَ))(١). [٦٩:٣] ذِكْرُ خبرٍ أوهم مَنْ لَمْ يُحكم صناعة الحديث أن الخلفاء لا يكونون(٢) بعد المصطفى ◌َّ إلا اثْنَيْ عشرَ ٦٦٦١ - أخبرنا أحمدُ بنُ علي بنِ المثنى، قال: حدثنا عليُّ بنُ الجعدِ الجوهري، قال: أخبرنا زهير بن معاوية، عن زياد بن خَيْثَمة، عن الأسود بن(٣) سعيد الهَمْداني قال: سمعتُ جابرَ بنِ سَمُرَةً يقول: سمعتُ رسول اللهِلََّ يقولُ: (يَكُونُ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً، كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ))، فلمَّا رَجَعَ إلى منزلهِ، أتتهُ قُرَيش(٤) قالوا: ثُمَّ يكونُ ماذا؟ قالَ: ((ثُمَّ يكونُ الهَرْجُ))(٥) . [٦٩:٣] (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. الوليد: هو ابن مسلم القرشي، وقد صرح بالتحديث. إسحاق بن إبراهيم: هو ابن راهويه، وهو مكرر ما قبله . (٢) في الأصل و ((التقاسيم)) ٣/ لوحة ٣٥٦: لا يكونوا، والجادة ما أثبت. (٣) تحرفت في الأصل إلى: عن. (٤) ((قريش)) سقطت من الأصل، واستدرك من ((التقاسيم)). (٥) حديث صحيح، الأسود بن سعيد الهمداني روى عنه جمع، وذكره المؤلف في «الثقات))، وروى له أبو داود، وقد توبع، وباقي السند ثقات من رجال الصحيح، وهو في ((مسند علي بن الجعد)) (٢٧٥٦)، ومن طريقه أخرجه أبو محمد البغوي في ((شرح السنّة)) (٤٢٣٦)، وقال: هذا حديث صحيح، وفي المصدرين ((ثم رجعتُ إلى منزلي، فقالوا ... )) !. وأخرجه أحمد ٩٢/٥، وأبو داود (٤٢٨١) في أول كتاب المهدي، والبيهقي = ٤٤ الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان ذِكْرُ البيانِ بأنَّ المصطفى ◌َ أراد بقوله: («يكونُ بعدي اثنا عشر خليفة)) أنَّ الإِسلامَ يكونُ عزيزاً في أيَّامهم، لا أنه أراد به نفي ما وراءَ هذا العدد مِنَ الخُلفاءِ ٦٦٦٢ - أخبرنا عِمران بنُ موسى بن مُجَاشع، قال: حدثنا هُدیةُ بن خالد، قال: حدثنا حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن سِماك بنِ حربٍ، قال: سَمِعْتُ جابرَ بنَ سَمُرَةَ يقول: سَمِعْتُ رسولَ الله وَّهِ يقول: (لَا يَزالُ الإِسلامُ عَزِيزاً إلى اثْنَيْ عَشَرَ خليفةً)). قالَ: فقالَ كلمةً لَمْ أفْهَمْهَا، قلتُ لأبي: ما قالَ؟ قال: ((كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ))(١). [٦٩:٣] في ((الدلائل)) ٥٢٠/٦، والطبراني في ((الكبير)» (٢٠٥٩) من طرق عن زهير بن = معاوية، بهذا الإِسناد، ولفظ الطبراني والبيهقي ((لا تزال هذه الأمة مستقيماً أمرها، ظاهرة على عدوها حتى يمضي منهم اثنا عشر خليفة ... )). وانظر الحديثين الآتيين بعد هذا. والهرج: القتال والاختلاط، وأصل الهرج: الكثرة في الشيء والأتِّساعِ. (١) إسناده حسن على شرط مسلم، سماك بن حرب لا يرقى حديثُه إلى الصحة. وأخرجه مسلم (١٨٢١) (٧) في الإمارة: باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش، والطبراني (١٩٦٤) عن هدّاب (ويقال أيضاً: هدبة) بن خالد، بهذا الإِسناد. وأخرجه الطيالسي (١٢٧٨)، وأحمد ٩٠/٥ و١٠٠ و ١٠٦، والطبراني (١٩٦٤) من طرق عن حماد بن سلمة، به. وأخرجه أحمد ٩٠/٥ و ٩٢ و٩٤ و ٩٥ و١٠٨، وابنه عبد الله في زياداته ٩٩/٥، وأبو القاسم البغوي في ((الجعديات)) (٢٧٥٤)، ومسلم (١٨٢١) (٦)، والترمذي (٢٢٢٣) في الفتن: باب ما جاء في الخلفاء، والطبراني = ٤٥ ٦٠ - كتاب التاريخ: ١٠ - بأب إخباره ◌َّر عما يكون في أمته من الفتن والحوادث ذِكْرُ وصف عِزَّةِ الإِسلام التي ذكرناها في أيام الاثني عشر ٦٦٦٣ - أخبرنا بكر بن أحمد بن سعيد الطَّاحي، قال: حدثنا نصرُ بن علي بن نصر، قال: أخبرنا يزيدُ بن زُرَيْعٍ ، عن ابن عَوْن، عن الشَّعْبي عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﴿ ﴿: ((لا يَزَالُ هذا الدِّينُ عَزِيزاً منيعاً، يُنْصَرُونُ على مَنْ ناوَأَهُمْ عليهِ إلى اثْنَيْ عَشَرَ خليفةً)) قالَ: ثُمَّ تكلّم بِكَلِمَةٍ أَصْمَتَنِيها(١) النَّاسُ، فقلتُ لأبي: ما قال؟ (١٨٩٦) و (١٩٢٣) و (١٩٣٦) و (٢٠٠٧) و (٢٠٤٤) و (٢٠٦٣) = و (٢٠٧٠) من طرق عن سماك بن حرب، به. ولفظه عندهم في أوله: ((يكونُ بعدي اثنا عشر ... ))، وعند بعضهم: ((فسألت أبي))، وعند آخرينَ: ((فسألت القوم)). وأخرجه بنحوه من طرق عن جابر بن سمرة أحمد ٨٦/٥ و ٨٧ - ٨٨ و ٨٩ و ٩٧ و ٩٧ - ٩٨ و٩٨ و١٠١ و١٠٧، والبخاري ( ٧٢٢٢) و (٧٢٢٣) في الأحكام: باب الاستخلاف، ومسلم (١٨٢١) (٥) و(٦) وأبو داود (٤٢٧٩)، وأبو القاسم البغوي في ((الجعديات)) (٢٧٥٤)، والطبراني (١٨٠٨) و(١٨٠٩) و(١٨٤١) و(١٨٤٩) و(١٨٥٠) و(١٨٥١) و(١٨٥٢) و(١٨٧٥) و(١٨٧٦) و(١٨٨٣) و(٢٠٦٠) و (٢٠٦١) و (٢٠٦٢) و(٢٠٦٣) و(٢٠٦٧) و(٢٠٦٨) و(٢٠٦٩) و(٢٠٧١)، والبيهقي في ((الدلائل)) ٥١٩/٦ و٥١٩ - ٥٢٠، والبغوي في ((شرح السنّة)) (٤٢٣٧). (١) أي: أسكتوني عن السؤال عنها، ولفظ أحمد ١٠١/٥: ((أصمنيها))، قال ابن الأثير: أي شغلوني عن سماعها، فكأنَّهم جعلوني أصم، وفي ((صحيح مسلم)): صمنيها، قال النووي في ((شرحه)) ٢٠٣/١٢: هو بفتح الصاد وتشديد الميم المفتوحة، أي: أُصَمّوني عنها، فلم أسمعها لكثرة الكلام، ووقع في بعض النسخ: ((صمتنيها الناس)) أي: سكتوني عن السؤال عنها. ٤٦ الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان [٦٩:٣] قالَ: ((كلُّهُمْ مِنْ قُرِيشٍ))(١). ذِكْرُ خبرٍ شَنَّعَ به بعضُ المُعَطَِّةِ وأهل البدع على أصحابِ الحديثِ حيث حُرِّمُوا توفيقَ الإِصابةِ لمعناه ٦٦٦٤ - أخبرنا الفَضْلُ بنُ الحُباب، قال: حَدَّثنا مسدَّد بنُ مُسَرْهَدٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا العوَّامُ بن حوشب، عن سليمانَ بنِ أبي سُليمان، عن القاسم بنِ عبد الرحمن، عن أبيه عن عبدِ الله بن مسعودٍ، عن النبيَِّ﴿ قال: ((تَدُورُ رَحَى الإِسْلامِ على خَمْسٍ وثَلاثينَ، أَوستّ وَثَلاثِينَ، فإنْ هَلَكُوا، فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ، وإِنْ بَقُوا بَقِي لهمْ دِينُهمْ سَبْعينَ سنةً))(٢). [٦٩:٣] (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ابن عون: هو عبد الله بن عون بن أَرْطَبَانَ أبو عون البصري . وأخرجه مسلم (١٨٢١) (٩) عن نصر بن علي الجهضمي، بهذا الإِسناد. وأخرجه أحمد ١٠١/٥ عن إسماعيل بن إبراهيم، ومسلم (١٨٢١) (٩) من طريق أزهر بن سعيد، كلاهما عن ابن عون، به. وأخرجه أحمد ٨٧/٥ و ٨٨ و٩٠ و ٩٣ ٩٦ و ٩٨ و٩٩، ومسلم (١٨٢١) (٨)، وأبو داود (٤٢٨٠)، والحاكم ٦١٧/٣ من طرق عن عامر الشعبي، به. وانظر ما قبله. (٢) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح. سليمان بن أبي سليمان: هو أبو إسحاق الشيباني، والقاسم بن عبد الرحمن: هو القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي . وأخرجه الطبراني (١٠٣٥٦) عن معاذ بن المثنى، عن مسدد بن = ٤٧ ٦٠ - كتاب التاريخ: ١٠ - باب إخباره والز عما يكون في أمته من الفتن والحوادث قال أبو حاتِم رَضِيَ الله عنه: هذا خبر شنَّع به أهلُ البدعِ على أئمتنا، وزعموا أن أصحابَ الحديث حشويةٌ، يروون ما يدفعه العيانُ والحِسُّ، ويُصحِّحُونه، فإن سُئِلُوا عن وصف ذلك، قالوا: نُؤمِنُ به، ولا نفسِّرهُ. مسرهد، بهذا الإِسناد. = وأخرجه أحمد ٣٩٠/١ و ٤٥١، وأبو يعلى (٥٠٠٩) و(٥٢٩٨)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ٢٣٥/٢ - ٢٣٦، والخطابي في ((غريب الحديث)) ٥٤٩/١ من طرق عن يزيد بن هارون، به. ووقع في إسناد الطحاوي: سليمان بن بلال، بدل ((سليمان بن أبي سليمان))، ولعله خطأ من أحد الرواة. وأخرجه أحمد ٣٩٣/١ و ٣٩٣ - ٣٩٤ و ٣٩٥، وأبو داود (٤٢٥٤) في الفتن: باب ذكر الفتن ودلائلها، وأبو يعلى (٥٢٨١)، والطحاوي ٢٣٦/٢، والبغوي (٤٢٢٥) من طرق عن سفيان، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن البراء بن ناجية، عن ابن مسعود. وزادوا فيه: ((أو سبع وثلاثين))، وفي آخر الحديث عند بعضهم أن ابن مسعود قال: مما مضى أو مما بقي؟ فقال: ((مما بقي))، وعند بعضهم الآخر أن السائل هو عمر بن الخطاب، وانفرد أبو داود - وعنه البغوي - في روايته فقال: ((مما مضی)). وأخرجه الطيالسي (٣٨٣)، والطحاوي ٢٣٥/٢، ويعقوب بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ)) ٣٥٥/٣، والخطابي ٥٤٩/١، والحاكم ٥٢١/٤، والبيهقي في ((الدلائل)» ٣٩٣/٦ من طرق عن منصور، به. والسائل عندهم في هذه الرواية عمر، وصحح الحاكم إسناده، ووافقه الذهبي. وأخرجه الطبراني (١٠٣١١)، والطحاوي ٢٣٦/٢ من طريقين عن أبي نعيم، عن شريك، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود . ٤٨ الإحسان في تقریب صحيح ابن حبان ولسنا بحمد الله ومَنَّه مما رُمينا به في شيء، بل نقول: إن المصطفى ◌َل* ما خاطب أمته قطَّ بشيءٍ لم يُعقَلْ عنه، ولا في سننه شيء لا يُعلم معناه، ومن زعم أن السننَ إِذا صحَّت يجب أن تُروى، ويُؤْمَنُ بها من غير أن تُفَسَّرَ ويُعقلَ معناها، فقد قدح في الرسالة، اللهم إلا أن تكونَ السُّنَنُ مِن الأخبارِ التي فيها صِفَاتُ الله جل وعلا التي لا يَقَعُ فيها التَّكييفُ، بل على الناسِ الإِيمانُ بها. ومعنى هذا الخبرِ عندنا مما نَقُولُ في كتبنا: إن العربَ تُطْلِقُ اسمَ الشيء بالكُلِّيَّةِ على بعض أجزائه، وتُطلق العربُ في لغتها اسمَ النهاية على بِدَايتها، واسمَ البدايةِ على نهايتها، أراد ◌َله بقوله: ((تَدُور رَحَى الإِسلام على خمس وثلاثين، أو ستُّ وثلاثين، زوالَ الأمرِ عن بني هاشمٍ إلى بني أمية، لأن الحكمينِ كان في آخر سنة ستُّ وثلاثين، فلما تلعثمَ الأمرُ على بني هاشمٍ، وشاركهم فيه بنو أُميَّة، أُطلقَ وَّرِ اسمَ نهاية أمرهم على بدايته، وقد ذكرنا استخلافَهُم واحداً واحداً إلى أن مات عُمَرُ بنُ عبد العزيز سنةً إحدى ومئة، وبايعَ الناسُ في ذلك يزيدَ بنَ عبد الملك ، وتُوفي يزيد بن عبد الملك ببلقاءَ (١) مِن أرضِ الشام يَوْمَ الجمعةِ لخمس لَيَالٍ بَقِينَ من شعبان (١) هي عند المتقدمين تنتظم أكثر مدن المملكة الأردنية الهاشمية من إربد إلى معان، وهي اليوم إحدى محافظات المملكة، قاعدتها السلط، وقال الإِمام الذهبي في ((السير)) ١٥٣/٥: قيل: مات بسواد الأردن، وقال أبو مسهر: مات بإربد . ٤٩ ٦٠ - كتاب التاريخ: ١٠ - باب إخباره # عما يكون في أمته من الفتن والحوادث سنةَ خمس ومئة، وبايع الناسُ هشامَ بنَ عبد الملك أخاه في ذلك اليوم، فولَّى هشامُ خالدَ بنَ عبد الله القَسْريَّ العراقَ، وعزل عُمَرَ بنَ هُبَيْرَةً في أوَّلِ سنة ستُّ ومئة، وظهرتِ الدُّعَاةُ بخراسان لبني العباس، وبايعوا سليمانَ بنَ كثير الخُزاعيَّ الداعيَ إلى بني هاشم، فخرج في سنة ستُّ ومئة إلى مكة، وبايعه الناسُ لبني هاشم، فكان ذلك تلعثمَ أمورٍ بني أمية حيث شاركهم فيه بنو هاشم، فأطلق ◌ََّ اسمَ نهاية أمرهم على بدايته، وقال: ((وإن بَقُوا بَقِي لهم دينُهم سبعينَ سنة)) يريدُ على ما كانوا عليه(١). [٦٩:٣] (١) قال الحافظ في ((الفتح)) ٢١٥/١٣: وقد تكلم ابن حبان على معنى حديث (تدور رحى الإِسلام)) فقال: المراد بقوله: ((تدور رحى الإِسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين)) انتقال أمر الخلافة إلى بني أمية، وذلك أن قيام معاوية عن علي بصِفِّين حتى وقع التحكيم هو مبدأ مشاركة بني أمية، ثم استمر الأمر في بني أمية من يومئذ سبعين سنة، فكان أول ما ظهرت دعاة بني العباس بخراسان سنة ست ومئة، وساق ذلك بعبارة طويلة عليه فيها مؤاخذات كثيرة أولها: دعواه أن قصة الحكمين كانت في أواخر سنة ست وثلاثين وهو خلاف ما اتفق عليه أصحاب الأخبار، فإنها كانت بعد وقعة صفين بعدة أشهر وكانت سنة سبع وثلاثين، والذي قدمته أولى بأن يحمل الحديث عليه. قلت: كلام الحافظ الذي قدمه: والذي يظهر أن المراد بقوله: ((تدور رحى الإِسلام)» أن تدوم على الاستقامة، وأن ابتداء ذلك من أول البعثة النبوية، فيكون انتهاء المدة بقتل عمر في ذي الحجة سنة أربع وعشرين من الهجرة، فإذا انضم إلى ذلك اثنتا عشرة سنة وستة أشهر من المبعث في رمضان كانت المدة خمساً وثلاثين سنة وستة أشهر، فيكون ذلك جميع المدة النبوية ومدة الخليفتين بعده خاصة، ويؤيده حديث حذيفة الماضي قريباً الذي يشير إلى = ٥٠ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ذِكْرُ الإِخبار عَن أوَّل نسائه لُحوقاً به بعدَه وَلّ ٦٦٦٥ - أخبرنا الحسنُ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا محمودُ بنُ غَيْلان، قال: حَدَّثنا الفَضْلُ بنُ موسى، قال: حدثنا طلحةُ بنُ يحيى بن طلحة، عن عائشة بنتٍ طلحةً عن عائشةَ قالت: قالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقً بي أَطولُكنَّ يَدَ)). قالتْ: فكنَّ يَتطاولنَ أيّهنَّ أَطولُ، قالتْ: فكانَ أطولَنا يدأ زينبُ، لأنها كانتْ تَعْمَلُ بيدِها وتتصدَّقُ(١). [٦٩:٣] ذِكْرُ الإِخبارِ عَنْ فتح الله جَلَّ وَعَلا على المسلمين عِند كونِ الصحابة فيهم أو التابعين ٦٦٦٦ - أخبرنا أبو خليفة، قال: حدثنا إبراهيم بن بشار، قال: حدثنا أن باب الأمن من الفتنة يُكسر بقتل عمر، فيفتح باب الفتن، وكان الأمر على ما ذكر، وأما قوله في بقية الحديث: ((فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم سبعين سنة))، فيكون المراد بذلك انقضاء أعمارهم، وتكون المدة سبعين سنة إذا جعل ابتداؤها من أول سنة ثلاثين عند انقضاء ست سنين من خلافة عثمان، فإن ابتداء الطعن فيه إلى أن آل الأمر إلى قتله كان بعد ست سنين مضت من خلافته، وعند انقضاء السبعين لم يبق من الصحابة أحد، فهذا الذي يظهر لي في معنى الحديث، ولا تعرض فيه لما يتعلق باثني عشر خليفة . قلت: وانظر اختلاف أهل العلم في بيان معنى هذا الحديث في ((شرح مشكل الآثار)) ٢٣٦/٢ - ٢٣٧، و((غريب الحديث)) ٥٤٩/١ - ٥٥١، و((الفقيه والمتفقه)) ١٠٦/١، و((جامع الأصول)) ٧٨٢/١١، و((مرقاة المفاتيح)) ١٥٢/٥ - ١٥٣. (١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير طلحة بن يحيى، فمن رجال مسلم. وهو مكرر الحديث رقم (٣٣١٤). ٥١ ٦٠ - كتاب التاريخ: ١٠ - باب إخباره # عما يكون في أمته من الفتن والحوادث سفيان، قال: حدثنا عمرو بن دينار، سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت أبا سعيد الخُذْري يقول: سمعتُ رسول الله وَال يقول: ((يَأْتي على النَّاسِ زَمانٌ يَغْزُو فيهِ فِئامٌ مِنَ الناسِ فِيقُالُ: هَلْ فِيَكمْ مَنْ صَحِبَ رسولَ اللَّهِ بِهَ؟ فَيُقالُ: نَعمْ، فَيُفْتَحُ لهمْ، ثُمَّ يَأْتِي على النَّاسِ زَمانٌ يَغْزُو فيه فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فيُقالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ أَصحابَ رسولِ اللَّهِ؟ فِيُقالُ: نَعَمْ، فَيُفتَحُ لهُمْ، ثُمَّ يأتي على الناسِ زَمانٌ يَغْزُو فِيهِ فِئَامٌ مِنَ الناسِ ، فيُقالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ مَنْ صاحَبَهِمْ؟ فيُقالُ: نعم، فيُفْتَحُ لهمْ))(١) . [٦٩:٣] ذِكْرُ الإِخبارِ عَنْ وَصْف موتِ أمِّ حرام بنتِ ملحان ٦٦٦٧ - أخبرنا عمر بن سعيد بن سنان الطائي، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ أبي بكر، عن مالك، عن إسحاق بنِ عبدِ الله بنِ أبي طلحةً عن أنس بنِ مالك أنَّه سمعه يقولُ: كانَ رسولُ اللَّهِ وَهِ يَدْخُلُ على أمِّ حرامٍ بنتِ مِلحانَ، فَتُطْعِمُهُ، وكانتْ أمُّ حرام تحتَ عُبادةَ بنِ الصامتِ، فدخلَ عليها رَسُولُ اللّهِ وَّه يوماً، فَأَطعَمَتْهُ، ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رأسَهُ، فنامَ رسولُ اللَّهِ وَهِ، ثُمَّ استيقظَ وهُوَ يَضْحَكُ، قالتْ: فَقُلْتُ: ما يُضْحِكُكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: ((نَاسٌ مِنْ أَمَّتِي عُرِضُوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللَّهِ، يَركَبُونَ ثَبَجَ هذا البحرِ، ملوكاً على الأسِرَّةِ، أو مثلَ المُلوكِ على الأسرَّةِ - يَشكُّ أيُّهما -)» قالت: (١) إسناده صحيح، إبراهيم بن بشار: هو الرمادي، حافظ روى له أبو داود والترمذي، ومن فوقه من رجال الشيخين. وهو مكرر (٤٧٦٨). ٥٢ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَني منهمْ، فدعا لها، ثُمَّ وضعَ رأسَهُ فنامَ، ثُمَّ استيقظَ وهو يَضحَكُ، قالتْ: فقلتُ: ما يُضحِكُكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: ((ناسٌ مِنْ أُمَّتي عُرِضوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللَّهِ) كما قالَ في الأولِ. قالتْ: فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ادعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَني منهمْ. قَالَ: ((أَنْتِ مِنَ الْأُوَّلِينَ)). فَرِكَبَتْ أمُّ حرامٍ البحرَ في زمانٍ معاوية بنِ أبي سفيانٍ، فَصُرِعَتْ عن دابّتها حينَ خَرَجَتْ مِنْ البحرِ، فَهَلَكتْ(١). [٦٩:٣] ذِكْرُ الإِخبار عَنْ إخراج الناس أبا ذرٍّ الغِفاريَّ من المدينة ٦٦٦٨ - أخبرنا أبو يعلى، قال: حدثنا عبد الأعلى بن حماد، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود الدِّيِلي، عن عمه عن أبي ذر قال: أتاني نبيُّ اللهِوََّ وأَنا نائِمٌ في مسجدٍ المدينة، فَضَرَبَنِي برِجْلِهِ، وقالَ: ((ألا أَراكَ نائِماً فيه))؟ قلتُ: بلى يا رسولَ اللَّهِ، غَلَبْنِي عَيني، قال: ((فَكَيْفَ تَصْنَعُ إذا أُخْرِجْتَ مِنْهُ))؟ قلتُ: ما أَصنَعُ يا نبيَّ اللهَ، أَضرِبُ بسَيْفي؟ فقالَ النبيُّ ◌َ﴿: ((أَلَا أَدُلُّكَ على ما هُوَ خيرٌ لكَ مِنْ ذلكَ وأقربُ رشداً، (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وهو في ((الموطأ)) ٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥ في الجهاد: باب الترغيب في الجهاد. وقد تقدم تخريجه عند الحديث رقم (٤٦٠٨)، فانظره هناك. ٥٣ ٦٠ - كتاب التاريخ: ١٠ - باب إخباره قر عما يكون في أمته من الفتن والحوادث تَسْمَعُ وتُطِيعُ، وتنساقُ لَهُمْ حيثُ سَاقُوكَ))(١). [٦٩:٣] ذِكْرُ خبرٍ ثانٍ يُصرِّح بِصِحَّة ما ذكرناه ٦٦٦٩ - أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد الأزديُّ، قال: حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا النَّضْرُ بنُ شُميل، قال: حدثنا كَهْمَسُ بنُ الحسن القَيْسيُّ، عن أبي السَّليلِ ضُرَيب بن نُقَير القَيْسي، قال: قال أبو ذَرٍّ: جعلَ رسولُ اللَّهِ وَهَ يَتْلُو هذهِ الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرجاً وَيَرْزُقْهُ مِن حَيثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣ - ٤] قالَ: فجعلَ يُردِّدُها عليَّ حتى نَعَسْتُ، فقالَ: ((يَا أبا ذرٍّ، لو أنَّ الناسَ كُلَّهِمْ أَخَذُوا بها لَكَفَتْهُمْ))، ثُمَّ قالَ: ((يَا أَبا ذَرِّ كيفَ تَصنَعُ إِذا أُخْرِجْتَ مِنَ المدينةِ))؟ قلتُ: إلى السَّعَةِ والدَّعةِ، أكونُ حَمَاماً مِنْ حَمَامٍ مكة، قالَ: ((كَيفَ تَصنَعُ إِذا أُخرِجْتَ مِنْ مكَّةَ))؟ قلتُ: إلى السَّعةِ والدَّعةِ، إلى أرضِ الشامِ والأرضِ المقدَّسةِ، قالَ: ((فَكيفَ تَصنَعُ إِذا أُخرِجْتَ مِنها))؟ قلتُ: إِذاًّ والذي بَعَتكَ بالحقِّ آخُذُ سَيْفِي، (١) إسناده ضعيف، عم أبي حرب بن أبي الأسود لا يُعرف، ولم يرو عنه غيره، وباقي رجال السند ثقات رجال الصحيح . وأخرجه أحمد ١٥٦/٥ عن علي بن عبد الله، عن معتمر بن سليمان، بهذا الإِسناد. وأخرجه مختصراً إلى قوله ((غلبتني عيني)): الدارمي ٣٢٥/١ عن سعيد بن المغيرة، عن معتمر، به. وأخرجه بأطول مما هنا أحمد ١٤٤/٥ و٤٥٧/٦ من طريقين عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم وأسماء بنت يزيد، عن أبي ذر ... وشهر ضعيف. ٥٤ الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان فَأَضعُهُ على عاتِقي، فقالَ رَّهِ: ((أَوَ خَيْرٌ مِنْ ذلِكَ، تسمَعُ وتُطِيعُ لعبدٍ حَبَشيٍّ مُجدَّعٍ ))(١). [٦٩:٣] (١) إسناده ضعيف لانقطاعه، فإن ضُريب بن نقير لم يدرك أبا ذر ولا سمع منه. إسحاق بن إبراهيم : هو ابن راهويه . وأخرجه أحمد ١٧٨/٥ - ١٧٩، وأحمد بن منيع في ((مسنده)) - كما في ((مصباح الزجاجة)) ورقة ١/٢٦٨ - عن يزيد بن هارون، عن كهمس بن الحسن، بهذا الإِسناد. وأورده الهيثمي بطوله في ((المجمع)) ٢٢٣/٥ وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا سليل ضُريب بن نقير لم يدرك أبا ذر. وأخرجه مختصراً إلى قولهم: ((لكفتهم)) الحاكم ٤٩٢/٢ من طريق محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن إبراهيم، به. وقال: هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي! وأخرجه مختصراً كذلك النسائي في التفسير كما في ((التحفة)) ١٦٥/٩، وابن ماجة (٤٢٢٠) في الزهد: باب الورع والتقوى، من طرق عن المعتمر بن سليمان، عن كهمس بن الحسن، به. قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)): هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع، أبو السليل لم يدرك أبا ذر، قاله في ((التهذيب)). قلت: الثابت أن أبا ذر إنما نزل الربذة باختياره، وعثمان رضي الله عنه إنما أمره بالتنخِّي عن المدينة لدفع المفسدة التي خافها على غيره من مذهبه الذي انفرد به في حرمة ادخار المال ولو أُديت زكاته، فاختار الربذة، فقد روى البخاري في ((صحيحه)) (١٤٠٦) عن زيد بن وهب، قال: مررت بالربذة، فإذا أنا بأبي ذر رضي الله عنه، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في ﴿والذين يكنزون الذهبَ والفِضَّة ولا يُنْفِقُونها في سبيل الله﴾، قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي = ٥٥ ٦٠ - كتاب التاريخ: ١٠ - باب إخباره * عما يكون في أمته من الفتن والحوادث = عثمانُ: أَنِ اقْدَمِ المدينة، فَقَدِمْتها، فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يَرَوني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنخَّيت، فكنتَ قريباً. فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمَّروا علي حبشيّاً لسمعتُ وأطعت. وأخرج ابن سعد في ((الطبقات)) ٢٣٢/٤ بإسناد صحيح عن عبد الله بن الصامت قال: دخلت مع أبي ذر في رهط من غِفار على عثمان بن عفان من الباب الذي لا يُدخل عليه منه، قال: وتخوَّفَنا عثمان عليه، فانتهى إليه، فسلم عليه، ثم ما بدأه بشيء إلا أن قال: أحسبتني منهم يا أميرَ المؤمنين - يريد الخوارج - والله ما أنا منهم ولا أدركهم ... ثم استأذنه إلى الربذة، فقال عثمان: نعم، نأذن لك، ونأمر لك بنَعَم من نَعَم الصدقة، فَتُصيب من رِسْلِها ... قلت: كان مذهب أبي ذر رضي الله عنه أن الزهد واجب، وأن ما أمسكه الإِنسان فاضلاً عن حاجته من النَّقْدَين، فهو كنز يُكوى به في النار، وكان يحتجُّ على ذلك بما لا حجة فيه من الكتاب والسنّة، فقد احتج بقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾، فجعل الكنز ما يفضل عن الحاجة، واحتج بما سمعه من النبي صَلّ وهو أنه قال: ((يا أبا ذر، ما أحب أن لي مثلَ أُحد ذهباً يمضي عليه ثالثة وعندي منه دينار، إلا ديناراً أرصده لدَيْن))، وأنه قال: ((الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة، إلا مَن قال بالمال هكذا وهكذا)». وجماهير الصحابة والتابعين على خلاف هذا القول، فإنه قد ثبت في ((الصحيح)) (١٤٠٥)، عن النبي أنه قال: ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة))، وقال البخاري في ((صحيحه)) في كتاب الزكاة : باب ما أُدي زكاته فليس بكنز، لقول النبي الى: ((ليس فيما دون خمس أواق صدقة)). قال ابن بطال وغيره: وجه استدلال البخاري بهذا الحديث للترجمة أن الكنز المنفي هو المتوعد عليه، الموجب لصاحبه النار، لا مطلق الكنز الذي هو أعم من ذلك، وإذا تقرر ذلك، فحديث ((لا صدقة فيما دون خمس أواق)» مفهومه أن ما زاد على الخمس ففيه الصدقة، ومقتضاه أن كل مال أخرجت = ٥٦ الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان = منه الصدقة، فلا وعيد على صاحبه، فلا يسمى ما يفضل بعد إخراجه الصدقة كنزاً . وقال ابن رشيد: وجه التمسك به أن ما دون الخمس - وهو الذي لا تجب فيه الزكاة - قد عفي عن الحق فيه، فليس بكنز قطعاً، والله قد أثنى على فاعل الزكاة، ومن أثني عليه في واجب حق المال، لم يلحقه ذم من جهة ما أثني عليه فيه وهو المال. وقال جمهور الصحابة: الكنز هو المال الذي لم تُود حقوقه، فقد روى البخاري (١٤٠٤) عن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فقال أعرابي: أخبرني عن قول الله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾، قال ابن عمر رضي الله عنهما: مَن كَنَزَها فلم يُؤد زكاتها، فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهراً للأموال. وقال ابن عمر: الكنز هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاه. رواه مالك في ((الموطأ)) ٢٥٦/١ وإسناده صحيح، ورواه البيهقي في ((سننه)) ٨٢/٤ عن ابن عمر موقوفاً عليه بلفظ: ((كلُّ ما أُديت زكاته، وإن كان تحت سبع أرضين، فليس بكنز)) . وعن أبي هريرة أن النبي وسلم قال: ((إذا أَديت زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك)). رواه الترمذي (٦١٨)، وابن ماجة (١٧٨٨)، وسنده حسن كما قال الترمذي، وصححه ابن حبان (٣٢١٦). وقد صح عن النبي ◌ّ﴾ أنه ذكر الزكاة، فقال رجل: هل علي غيرها؟ قال: ((لا، إلا أن تَطَّوَّع)). متفق عليه من حديث طلحة بن عبيد الله . وفي المتفق عليه أن سعد بن أبي وقاص وَجع عام حجة الوداع، فعاده رسول اللّه ◌َلا، فقال سعد: إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال ولا يَرِثُني إلا ابنة لي، أفأتصدَّق بتُلُثي مالي؟ قال: ((لا))، قلت: فالشطرُ يا رسول الله؟ فقال: ((لا))، قلت: فالثلث يا رسول الله؟ قال: ((الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون = ٥٧ ٦٠ - كتاب التاريخ: ١٠ - باب إخباره # عما يكون في أمته من الفتن والحوادث ذِكْرُ الإِخبارِ عَنْ وَصْف موتِ أبي ذرِّ الغِفَاري رحمةُ الله علیه ٦٦٧٠ - أخبرنا محمدُ بنُ إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، قال: حَدَّثنا الحسنُ بن محمد بن الصَّبَّح، قال: حَدَّثنا يحيى بنُ سُلَيْمٍ، قال: حدثني عَبْدُ الله بنُ عثمان بنِ خُثَيِم، عن مجاهدٍ، عن إبراهيمَ بنِ الأشتر، عن أبيه عن أُمِّ ذَرٍّ قالت: لَمَّا حضرتْ أبا ذرِّ الوفاةُ، بَكَيْتُ، فقالَ: ما يُبْكِيكِ؟ فقلتُ: ما لِي لا أبكي وأنت تَمُوتُ بِفَلَاةٍ مِنَ الأرضِ ، وليسَ عِندِي ثَوْبٌ يَسَعُكَ كفناً، قالَ: فلا تَبْكي وأبْشِرِي، فإِنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللّهِ وَ﴿ يقولُ لنفرِ أنا فيهمْ: ((لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ منْكُمْ بِفَلاةٍ مِنَ الأرضِ ، يشهدُهُ عِصابةٌ مِنَ المُؤْمِنِين))، وليس مِنْ أولئكَ النَّفْرِ أحدٌ إلا وقَدْ هَلَكَ في قرية جَمَاعةٍ، وأنا الذي أموتُ بفلاةٍ، واللَّهِ الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرْت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك)). وقد قَسَّمَ الله المواريث في القرآن، ولا يكون الميراث إلا لمن خلف مالاً، وقد كان غير واحد من الصحابة له مال على عهد النبي 9َّ من الأنصار، بل ومن المهاجرين، وكذلك كان غير واحد من الأنبياء له مال. وقول النبي وَلّ ليس فيه إيجاب، إنما قال: ((ما أحب أن يمضي علي ثالثة وعندي منه شيء))، فهذا يدل على استحباب إخراح ذلك قبل الثالثة، لا علی وجوبه . وكذلك قوله: ((المكثرون هم المقلون)» دليل على أن من كثر ماله، قلَّت حسناته يوم القيامة إذا لم يخرج منه، وذلك لا يوجب أن يكون الرجل القليل الحسنات من أهل النار إذا لم يأت كبيرة، ولم يترك فريضة من فرائض الله. ٥٨ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ، فَأَبْصِري الطريقَ، قالَتْ: وأَنَّى وَقَدْ ذهبَ الحاجُّ وانقَطَعتِ الطرقُ، قالَ: اذْهَبِي فَتَبَصَّرِي. قالت: فكنتُ أجِيء إلى كَثيبٍ، فأتبصَّرُ، ثُمَّ أرجعُ إليهِ، فأُمرِّضهُ، فبينما أنا كذلك إذا أنا برجالٍ على رِحَالِهِمْ كأنَّهم الرَّخَمُ (١)، فأقبلوا حتَّى وقفوا عليَّ، وقالوا: ما لَكِ أَمةَ اللَّهِ؟ قلتُ لهمْ: امرؤٌ مِنَ المسلمينَ يموتُ، تُكَفِّنُونَهُ؟ قالوا: مَنْ هُوَ؟ فقلتُ: أبو ذرِّ، قالوا: صَاحِبُ رسولِ اللهِ وَ﴿؟ قلتُ: نعم، قالت: فَفَدَّوْهُ بآبائهم وأُمَّهَاتِهِمْ، وأَسَرعوا إليه، فدَخَلُوا عليهِ، فرحَّب بهمْ، وقالَ: إِني سَمِعْتُ رسولَ اللّهِ وَ ﴿ه يقولُ لِنفرِ أنا فيهمْ: ((لَيَمُوتَنَّ(٢) مِنكُمْ رجلٌ بفلاةٍ مِنَ الأَرضِ ، يَشهدُهُ عِصابةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ))، وليسَ مِن أولئكَ النَّفَرِ أحدٌ إلا هلكَ في قريةٍ وجماعةٍ، وأنا الذي أموتُ بفلاةٍ، أنتمُ تسمعونَ إنهُ لَوْ كانَ عندي ثوبٌ يَسَعُني كفناً لي أولامرأتي، لَمْ أُكفَّن إلا في ثوبٍ لي أولها، أنْتُمْ تَسمعونَ إني أُشْهِدُكُمْ أن لا يُكفِّنَني رجلٌ منكُمْ كانَ أميراً أو عريفاً أو بريداً أو نقيباً، فليسَ أحدٌ مِنَ القومِ إلا قَارَفَ بَعْضَ ذلكَ إلا فتى مِنَ الأنصار، فقالَ: يا عمّ، أنا أُكفِّنُكَ، لَمْ أُصِبْ مما ذكرت شيئاً، (١) الرَّخَم بالتحريك، واحد الرحمة؛ وهو طائر أبقع من الجوارح، يشبه النسر في الخلقة . (٢) في الأصل و((التقاسيم)) ٣/ لوحة ٣٦٥: ليموت، وما أثبته من المصادر التي خرجت الحديث. .-----....-.... ٥٩ ٦٠ - كتاب التاريخ: ١٠ - باب إخباره ◌ّل عما يكون في أمته من الفتن والحوادث أُكفِّنُكَ في ردائي هذا وفي ثوبينٍ(١) فِي عَيْبَتِي مِنْ غَزْلِ أمي حاكَتْهُما لي، فَكَفَّنَه الأنصاريُّ، في النفرِ الذينَ شَهِدوهُ، منهمْ [٣ :٦٩] حُجْر بن الأدبر، ومالكُ بن الأشتر في نفرٍ كُلُّهُمْ يَمَانٍ(٢) . (١) في الأصل و((التقاسيم)): في ثوب، والمثبت من مصادر التخريج. (٢) حديث قوي، إبراهيم بن الأشتر: هو إبراهيم بن مالك بن الحارث، روى عن أبيه وعمر، وروى عنه جمع، وذكره المؤلف في ((ثقاته)» ١٢/٤، وكان من أعيان الأمراء بالكوفة، وأبوه مالك بن الحارث المعروف بالأشتر روى عنه جمع، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: كان من أصحاب علي، وشهد معه الجمل وصفين ومشاهده كلها، وولاه على مصر، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وذكره المؤلف في ((الثقات))، وهو من المخضرمين وروى له النسائي، وأم ذر ذكرها المؤلف في ثقات التابعين ٥٩٣/٥، ويقال: لها صحبة، وترجمها الحافظ في ((الإِصابة)) ٤٣٠/٤، وباقي رجاله من رجال الشيخين غير عبد الله بن عثمان فمن رجال مسلم. يحيى بن سليم: هو الطائفي، ومجاهد: هو ابن جَبْر. وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) ١٦٩/١ - ١٧٠ عن أحمد بن محمد بن سنان، عن محمد بن إسحاق الثقفي، بهذ الإِسناد. وأخرجه أحمد ١٥٥/٥ عن إسحاق بن عيسى، وابن سعد في ((الطبقات)) ٢٣٣/٤ - ٢٣٤ عن إسحاق بن أبي إسرائيل، والبزار (٢٧١٦) عن يوسف بن موسى، ثلاثتهم عن يحيى بن سليم، به. ورواية أحمد مختصرة. وأخرجه ابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٣٥٨/١ من طريق محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا عفان بن مسلم، عن وهيب بن خالد، عن عبد الله بن عثمان بن خثیم، به . وأخرجه أحمد ١٦٦/٥، وابن سعد ٢٣٢/٤ -٢٣٣ عن عفان بن مسلم، عن وهيب بن خالد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن إبراهيم بن الأشتر أن أبا ذر حضره الموت ... فذكره. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٣٢/٩، ونسبه إلى أحمد: رجاله رجال الصحيح! = ٦٠ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ذِكْرُ إِخبار المصطفى ◌ََّ عَنْ مَوْت أبي ذر ٦٦٧١ - أخبرنا أبو خليفة، حدثنا علي ابن المديني، حدثنا يحيى بن سُلَيم، حدثني عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن مجاهد، عن إبراهيم بن الأشتر، عن أبيه عن أم ذر قالت: لما حضرتْ أبا(١) ذَرِّ الوفاة بكيتُ، فقالَ: ما يُبكيكِ؟ فقلتُ: وما لي لا أبكي وأنتَ تموتُ بفلاةٍ مِنَ الأرضِ ، وليسَ عندي ثوبٌ يسعك كفناً، ولا يدانٍ لي في تغييبكَ، قال: أبشري ولا تَبْكي، فإني سمعتُ رسول الله وََّ يقولَ: ((لا يَمُوتُ بينَ امْرَأَيْنِ مُسلِمَينٍ وَلَدانٍ أو ثلاثٌ، فيصبرانٍ ويَحْتَسِبَان، فيريانٍ(٢) النارَ أبدا))، وإني سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَ يقولُ لنفرِ أنا فيهمْ: ((لَيُمُوتَنَّ رجلٌ منكُمْ بفَلاةٍ مِنَ الأرضِ ، يَشْهَدُهُ عصابةٌ مِنَ المؤمنينَ))، وليسَ مِنْ أولئكَ النَّفَرِ أحدٌ إلا وقَدْ ماتَ في قريةٍ وجماعةٍ، فأنا ذلكَ الرجلُ، واللَّهِ ما كَذبتُ ولا كُذِبت، فأبصري الطريقَ، فقلت: أنَّى وقَدْ ذهبتٍ الحاجُ (٣)، وتقطّعَتِ الطُّرُقُ، فقالَ: اذْهَبِي فَتَبَصَّرِي، قالتْ: فَكُنْتُ وأخرجه مختصراً بالقسم الأخير منه الحاكم ٣٣٧/٣ - ٣٣٨ من طريق زائدة، عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن مجاهد قال: قال أبو ذر لنفر عنده: إنه قد حضرني فيما ترون من الموت ... (١) في الأصل: أبو، والجادة ما أثبت، وهي كذلك عند غير المؤلف. (٢) في الأصل: فيران، والتصويب من ((التقاسيم)) ٢ / لوحة ٤١٩. (٣) تحرفت في الأصل و((التقاسيم)) إلى: الحياة، والتصحيح من مصادر التخريج .