Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١
مقدمة ابن حبان: القسم الرابع من السنن وأنواعه
النوع الثامن: إباحةُ تأخير بعض الشيء المأمور به لعلَّةٍ معلومةٍ .
النوع التاسع: إباحةُ استعمال الشيء المزجورِ عنه الرجالُ دونَ النساء
لعلةٍ معلومةٍ .
النوع العاشر: إباحةُ الشيء لأقوامٍ بأعيانهم، من أجل علةٍ معلومةٍ
لا يجوز لغيرهم استعمالُ مثله .
النوع الحادي عشر: الأشياءُ التي فعلها وَِّ مباحٌ للأئمة استعمالُ مثلها.
النوع الثاني عشر: الشيءُ الذي أُبيح لبعض النساء استعمالُه في بعض
الأحوال، وحُظِرَ ذلك على سائر النساء والرجال جميعاً.
النوع الثالثَ عشرَ: لفظةُ زجرٍ عن فعلٍ ، مرادُها إباحةُ استعمالٍ ضد ذلك
الفعل المزجور عنه .
النوع الرابعَ عشرَ: الإِباحاتُ التي أُبيح استعمالُها وتركها معاً، خُيِّر المرءُ
بين إتيانِها واجتنابِها جميعاً.
النوع الخامس عشرَ: إباحةُ تخيير المرء بين الشيء الذي يُباح له استعمالُه
بعدَ شرائطَ تقدَّمَته .
النوع السادسَ عشرَ: الإِخبارُ عن الأشياءِ التي مرادُها الإِباحة والإِطلاق.
النوع السابعَ عشرَ: الأشياءُ التي أُبيحت ناسخةً لُأَشْياءِ خُظِرَت قبل ذلك.
النوع الثامن عشرَ: الشيءُ الذي نُهي عنه لصفةٍ معلومة، ثم أُبِيحَ استعمالُ
ذلك الفعلِ بعينه بغير تلك الصفة .
النوع التاسعَ عشرَ: تَرُْكُ الْنبِيِوَهَ الأفعالَ التي تُؤدي إلى إباحة تركها.
النوع العشرون: إباحةٌ الشيء الذي هو محظورٌ قليلهُ وكثيرُه، وقد أُبيح
استعمالُه بعينه في بعض الأحوال، إذا قَصَدَ مرتكبُه فيه بنيته الخيرَ دون الشر،
وإن كان ذلك الشيءُ محظوراً في كل الأحوال.
١٤٢
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
النوع الحادي والعشرون: الشيءُ الذي هو مباحٌ لهذه الأمة، وهو محرمٌ
على النبي وَّرُ وعلى آله.
النوع الثاني والعشرون: الأفعال(١) التي تُؤدي إلى إباحة استعمالٍ مثلها.
النوع الثالث والعشرون: ألفاظُ إعلامٍ، مرادُها الإِباحةُ لأشياءَ سُئِلَ عنها.
النوع الرابع والعشرون: الشيءُ المفروضُ الذي أُبيح تركُهُ لقومٍ من أجل
العذرِ الواقع في الحال.
النوع الخامس والعشرون: إباحةُ الشيء الذي أُبيح بلفظِ السؤال عن
شيءٍ ثان.
النوع السادس والعشرون: الأمرُ بالشيء الذي مرادُه إباحةُ فعلٍ متقدم،
من أجله أمر بهذا الأمر.
النوع السابع والعشرون: الإخبارُ عن أشياءَ أنزلَ الله جلّ وعلا في الكتاب
إباحتها .
النوع الثامن والعشرون: الإِخبار عن أشياءَ سُئِلَ عنها، فأجاب فيها
بأجوبةٍ، مرادُها إباحةُ استعمال تلك الأشياء المسؤول عنها.
النوع التاسع والعشرون: إباحةُ الشيء الذي حُظِرَ من أجلِ علة معلومة،
يَلْزم في استعماله إحدى ثلاث خصال معلومة.
النوع الثلاثون: الشيء الذي سُئِلَ عن استعماله، فأباح تَرْكَهُ بلفظة
تعریض .
النوع الحادي والثلاثون: إباحةُ فعلٍ عند وجود شرط معلوم، مع
حظره(٢) عند شرط ثان قد حُظر مرةً أُخرى عند الشرط الأول الذي أُبيح ذلك عند
(١) في نسخة دار الكتب: ((الأقوال)). وهو خطأ.
(٢) في الأصل ((مع خطر)).
١٤٣
مقدمة ابن حبان: القسم الرابع من السنن وأنواعه
وجوده فأبيح مرةً أخرى عند وجود الشرط الذي حُظر من أجله المرة الأولى.
النوع الثاني والثلاثون: الشيء الذي كان مباحاً في أول الإِسلام، ثم
نُسخَ بعد ذلك بحکم ثان.
النوع الثالث والثلاثون: ألفاظُ استخبارٍ عن أشياء، مرادُها إباحةٌ
استعمالها .
النوع الرابع والثلاثون: الأمرُ بالشيء الذي هو مقرون بشرطٍ مرادُه
الإِباحةُ، فمتى كان ذلك الشرط موجوداً، كان الأمرُ الذي أمر به مباحاً، ومتى
عُدِم ذلك الشرط، لم يكن استعمالُ ذلك الشيء مباحاً.
النوع الخامس والثلاثون: الشيءُ الذي فعله ◌ََّ مرادُه الإِباحةُ عند عدم
ظهور شيء معلوم لم يجز استعمالُ مثله عند ظهوره، كما جاز ذلك عند عدم
الظهور.
النوع السادس والثلاثون: ألفاظُ إعلامٍ عند أشياءَ سُئِلَ عنها، مرادُها
إباحةُ استعمال تلك الأشياء المسؤول عنها .
النوع السابع والثلاثون: إباحة الشيء بإطلاق اسم الواحد على الشيئين
المختلفين إذا قُرِنَ بينهما في الذكر.
النوع الثامن والثلاثون: استصوابُهُ وَّرَ الأشياءَ التي سُئِلَ عنها واستحسانُه
إياها، يُؤدي ذلك إلى إباحة استعمالها.
النوع التاسع والثلاثون: إباحةُ الشيء بلفظ العموم، وتخصيصهُ في أخبار
أُخَر.
النوع الأربعون: الأمر بالشيء الذي أُبيح استعمالُه على سبيل العموم
لعلَّةٍ معلومة، قد يجوزُ استعمال ذلك الفعل عند عدم تلك العلةِ التي من أجلها
اُبیح ما أُبيح.
النوع الحادي والأربعون: إباحةُ بعض الشيء الذي حُظِرَ على بعض
١٤٤
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
المخاطبين عند عدم سبب معلوم، فمتى كان ذلك السبب موجوداً، كان الزجرُ
عن استعماله واجباً، ومتى عُدِم ذلك السبب، كان استعمالُ ذلك الفعل مباحاً.
النوع الثاني والأربعون: الأشياءُ التي أُبيحت من أشياءً محظورةٍ رُخِّصَ
إتيانُها، أو شيء منها على شرائط معلومة للسَّعةِ والترخيصٍ .
النوع الثالث والأربعون: الإِباحة للشيء الذي أُبيح استعمالُه لبعض
النساء دون الرجال، لعلَّةٍ معلومةٍ .
النوع الرابع والأربعون: الأمرُ بالشيء الذي كان محظوراً على بعض
المخاطبین، ثم أُبیح استعماله لهم.
النوع الخامس والأربعون: إباحةُ أداء الشيء على غير النعت الذي أمر
به قبل ذلك، لعلة تحدث.
النوع السادس والأربعون: إباحةُ الشيء المحظورِ بلفظِ العموم عند
سببٍ یحدث.
النوع السابع والأربعون: إباحةٌ تقديم الشيء المحصور وقته قبل مجيئه،
أو تأخيره(١)، عن وقته، لعلة تحدث.
النوع الثامن والأربعون: إباحةُ ترك الشيء المأمور به عند القيام بأشياءَ
مفروضةٍ غير ذلك الشيء الواحدِ المأمور به .
النوع التاسع والأربعون: لفظةُ زجرٍ عن شيء، مرادُها تعقيبُ إباحة شيء
ثانٍ بعده .
النوع الخمسون: الأشياء التي شاهدها رسولُ اللهِ وََّ، أو فُعِلَتْ فِي
حياته، فلم يُنْكِرْ على فاعليها(٢)؛ تلك مباحٌ للمسلمين استعمالُ مثلها.
(١) في نسخة دار الكتب: ((تأخره)).
(٢) في الأصل ((فاعلها)) بالإِفراد. والمثبت من نسخة دار الكتب.
١٤٥
مقدمة ابن حبان: القسم الخامس من السنن وأنواعه
القسم الخامس مِن أقسام السّنَن
وَهُو أفعال النبيّ ◌َّ التي انفردَ بِهَا
قال أبو حاتم رضي الله عنه: وأما أفعال النبي وجَّهَ، فإني تأملتُ تفصيل
أنواعها، وتَدَبَّرتُ تقسيمَ أحوالها، لِئلَّ يتعذَّرَ على الفقهاء حفظُها، ولا يَصْعُب
على الحفاظ وعيُّها، فرأيتُها تدور على خمسين نوعاً:
النوع الأول: الفعلُ الذي فُرِضَ عليه و﴿ مدةً، ثم جُعل له ذلك نفلاً.
النوع الثاني: الأفعالُ التي فُرِضت عليه وعلى أُمتِهِوَه.
النوع الثالث: الأفعال التي فعلها وٍَّ يُسْتَحَبُّ للأئمة الاقتداءُ به فيها.
النوع الرابع: أفعالٌ فعلها وَّهِ يُسْتَحَبُّ لأمته الاقتداء به فيها.
النوع الخامس: أفعالٌ فعلها وَّهِ فعاتبه الله جلَّ وعلا عليها.
النوع السادس: فعلٌ فعله ◌ََّ، لم تقم الدلالةُ على أنه خُصَّ باستعماله
دون أُمته، مباحٌ لهم استعمالُ مثل ذلك الفعل لعدم وجودِ تخصيصه فيه.
النوع السابع: فعلٌ فعله وَّرَ مرةً واحدة للتعليم، ثم لم يَعُدْ فيه إلى أن
قُبِضَ ێ .
النوع الثامن: أفعالُ النبي ◌َّه التي أراد بها تعليمَ أُمته.
النوع التاسع: أفعالُهُ وَّرَ التي فعلها لأسبابٍ موجودةٍ وعللٍ معلومةٍ.
١٤٦
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
النوع العاشر: أفعالٌ فعلها ◌َّ تُؤدي إلى إباحة استعمال مثلها.
النوع الحادي عشر: الأفعالُ التي اختلفت الصحابةُ في كيفيتها، وتباينُوا
عنه في تفصيلها.
النوع الثاني عشر: الأدعيةُ التي كان يدعو بها وَلَهِ يُسْتَحَبُّ لأمته الاقتداءُ
به فیھا .
النوع الثالثَ عشرَ: أفعالٌ فعلها وَِّ قَصَدَ بها مخالَفَةً المشركين وأهلِ
الكتاب .
النوع الرابعَ عشرَ: الفعلُ الذي فعله وَ ◌ّر، ولا يعلم لذلك الفعل إلا علتان
اثنتان، كان مرادُه إحداهما دون الأخرى.
النوع الخامسَ عشرَ: نفيُ الصحابة بعضَ أفعال النبي ◌َّ التي أثبتها
بعضُهم.
النوع السادس عشر: فعلٌ فعله وَ لَ لحدوثِ سبب، فلما زال السبب،
ترك ذلك الفعل.
النوع السابعَ عشرَ: أفعالٌ فعلها ﴿ والوحيُّ ينزلُ فلما انقطع الوحيُّ،
بطل جواز استعمالٍ مثلها .
النوع الثامنَ عشرَ: أفعالُهُ وَّهِ التي تفسر عن أوامره المُجْمَلَة.
النوعِ التاسعَ عشرَ: فعلٌ فعلهِ وَ﴿ مدةً، ثم حُرِّمَ بالنسخ عليه وعلى أمته
ذلك الفعلُ.
النوع العشرون: فعلُهُ وَّ الشيء الذي ينسخُ الأمر الذي أمر به، مع
إباحته تركَ ذلك الشيء المأمور به.
النوع الحادي والعشرون: فعله ◌َّر الشيء الذي نهى عنه، مع إباحته
ذلك الفعلَ المَنْهِيَّ عنه في خيرٍ آخَرَ.
١٤٧
مقدمة ابن حبان: القسم الخامس من السنن وأنواعه
النوع الثاني والعشرون: فعله ◌َّر الشيء الذي نهى عنه مع تركهِ الإِنكار
علی مُرْتکبه.
النوع الثالث والعشرون: الأفعالُ التي خُصَّ بها (١) وَ ◌ِّ دون أمته.
النوع الرابع والعشرون: تركه ◌َّهِ الفعلَ الذي نَسَخه استعمالُه ذلك الفعل
نَفْسَهُ لعلَّةٍ معلومة.
النوع الخامس والعشرون: الأفعالُ التي تُخالف الأوامر التي أمر بها في
الظاهر.
النوع السادس والعشرون: الأفعال التي تخالف النواهي (٢) في الظاهر
دون أن يكون في الحقيقة بينهما(٣) خلاف.
النوع السابع والعشرون: الأفعال التي فعلها وَ * أراد بها الاستِنانَ به
فيها.
النوع الثامن والعشرون: تَرْكُهُ وَّ الأفعالَ التي أراد بها تأديبَ أمته .
النوع التاسع والعشرون: تركه {وَ ﴿ الأفعالَ مخافةً أن تُفرض على أمته،
أو يَشُقَّ عليهم إتيانُها.
النوع الثلاثون: تركُه وَّر الأفعال التي أراد بها التعليم.
النوع الحادي والثلاثون: تركه وَُّ الأفعال التي يُضَادُّها استعمالُه مِثْلَها.
النوع الثاني والثلاثون: تركُهُ نَ﴿ الأفعالَ التي تدلُّ على الزجر عن
ضدها.
(١) في الأصل ((فيها)). والمثبت من نسخة دار الكتب.
(٢) في نسخة دار الكتب ((المناهي)).
(٣) في نسخة دار الكتب ((بينها)).
١٤٨
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
النوع الثالث والثلاثون: الأفعال المعجزةُ التي كان يفعلها وَّهَ، أو فُعِلَت
بعده، التي هي من دلائل النُّبُوَّة.
النوع الرابع والثلاثون: الأفعال التي فيها تضادٍّ وتَهاتُرٌ في الظاهر، وهي
من اختلاف المباح من غير أن يكون بينهما تضاد أو تهاتر.
النوع الخامس والثلاثون: الفعل الذي فعله ◌َّ وَ لعلةٍ معلومةٍ، فارتفعت
العلةُ المعلومة، وبقي (١) ذلك الفعل فرضاً على أمته إلى يوم القيامة.
النوع السادس والثلاثون: قضاياه وَّه التي قضى بها في أشياءَ رُفِعَتْ إليه
من أمور المسلمين.
النوع السابع والثلاثون: كِتْبَتُه ◌َّ الكتبَ إلى المواضع بما فيها من
الأحكام والأوامر، وهي ضربٌ من الأفعال.
النوع الثامن والثلاثون: فعلٌ فعله وَلِّ بأمته يجب على الأئمة الاقتداءُ به
فيه إذا كانت العلةُ التي هي من أجلها فَعَل ◌ََّ موجودةً.
النوع التاسع والثلاثون: أفعالٌ فعلها ◌َ﴿ لم تُذكر كيفيتُها في نفس
الخطاب، لا يجوزُ استعمالُ مثلها إلا بتلك الكيفية التي هي مُضْمَرَةٌ في نفس
الخطاب .
النوع الأربعون: أفعالٌ فعلها وَّ أراد بها المعاقبةَ على أفعال مَضَت
متقدِّمةً.
النوع الحادي والأربعون: فعلٌ فعله وَّ من أجل علةٍ موجودةٍ خفي على
أكثر الناس كيفيةُ تلك العلة.
النوع الثاني والأربعون: الأشياء التي سُئل عنها بَّرَ، فأجاب عنها
بالأفعال.
(١) في نسخة دار الكتب ((ثم بقي).
٠٫٠٠
١٤٩
مقدمة ابن حبان: القسم الخامس من السنن وأنواعه
النوع الثالث والأربعون: الأفعالُ التي رُويت عنه مجملةً، تفسيرُ تلك
الجمل في أخبارٍ أُخَّر.
النوعِ الرابع والأربعون: الأفعالُ التي رُويت عنه مختصرةً، ذِكْرُ تَقَصِّيها
في أخبارٍ أُخَرَ.
النوع الخامس والأربعون: أفعاله ◌َ لّ في إظهاره الإِسلام وتبليغ الرسالة.
النوع السادس والأربعون: هجرتُه ◌َ﴿ إلى المدينة وكيفيةُ أَحوالِهِ فيها.
النوع السابع والأربعون: أخلاقُ رسول اللَّهِ وََّ وشمائلُهُ في أيامه
ولياليه .
النوع الثامن والأربعون: علةُ رسول اللَّهِ وَّه التي قُبِضَ فيها، وكيفيةُ
أحواله في تلك العلة.
النوع التاسع والأربعون: وفاةُ رسول اللَّهِ بِّهَ وتكفينُهُ، ودفْنَهُ.
النوع الخمسون: وصفُ رسول اللَّهِ وَهَ، وسِنُّه.
قال أبو حاتم رضي اللَّه عنه: فجميعُ أنواع السنن أربع مئة نوعٍ على
حسب ما ذكرناها. ولو أردنا أن نزيدَ على هذه الأنواع التي نوَّعناها للسنن أنواعاً
كثيرة، لفعلنا، وإنما اقتصرنا على هذه الأنواع دون ما وراءها - وإن تهيَّ ذلك
لو تكلَّفناه - لأنَّ قَصْدَنا في تنويع السنن الكشفُ عن شيئين:
أحدهما: خبرٌ تنازع الأئمةُ فيه وفي تأويله، والآخرُ: عمومُ خطابٍ صَعُبَ
على أكثر الناس الوقوفُ على معناه، وأشكل عليهم بغيةُ القصد منه، فقصدنا
إلى تقسيم السنن وأنواعها، لنكشفَ عن هذه الأخبار التي وصفناها على حسب
ما يسهل اللَّه جلَّ وعلا، ويوفق القول فيه فيما بعد إن شاء اللّه.
وإنما بدأنا بتراجم أنواعِ السنن في أول الكتاب، قصدَ التسهيلِ منَّا على
١٥٠
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
من رامَ الوقوف على كل حديثٍ من كلِّ نوعٍ منها، ولئلا يصعبَ حفظُ كل فصلٍ
من كل قسمٍ عند البِغْية، ولأنَّ قَصْدَنا في نظمِ السنن حذوُ تأليف القرآن،
لأنَّ القرآن أُلُّف أجزاءٌ، فجعلنا السننَ أقساماً بإزاءِ أجزاءِ القرآن(١).
ولما كانت الأجزاءُ من القرآن، كلُّ جزءٍ منها يشتملُ على سورٍ، جعلنا
كلَّ قسمٍ من أقسام السنن يشتملُ على أنواعٍ ، فأنواعُ السنن بإزاء سور القرآن.
ولما كان كلُّ سورةٍ من القرآن تشتملُ على آيَّ، جعلنا كلَّ نوعٍ من أنواع السنن
يشتملُ على أحاديث، والأحاديثُ من السنن بإزاءِ الآي من القرآن.
فإذا وقف المرءُ على تفصيل ما ذكرنا، وقَصَد قَصْد الحفظِ لها، سَهُلَ عليه
ما يُريد من ذلك، كما يَصْعُبُ عليه الوقوفُ على كل حديثٍ منها، إذا لم يقصد
قصد الحفظِ له، ألا ترى أنَّ المرءَ إذا كان عنده مصحفٌ، وهو غيرُ حافظٍ لكتاب
(١) قال العلامة أحمد شاكر: يريد ابن حبان بأجزاء القرآن، تحزيبه القديم الثابت في
السنة فيما روى أحمد في المسند (١٦٢٣٥)، عن عبدالرحمن بن مهدي، عن
عبدالله بن عبدالرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبدالله بن أوس الثقفي، عن
جده أوس بن حذيفة في حديث، قال أوس في آخره: ((فسألنا أصحاب رسول
اللَّهِ وَ﴿ حين أصبحنا، قال: قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نُحَزِّبُهُ: ثلاث
سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وحزب
المفصل من قاف، حتى يختم)). وبعد تخريج هذا الحديث قال العلامة أحمد
شاكر: وهذا التحزيب لا يعد فيه سورة الفاتحة في أوله. بل أوله سورة البقرة
بداهة حتى يستقيم العد إلى البدء بسورة (قَ) في الحزب السابع، إلى أن قال:
أما التجزئة الحديثة المشهورة الآن بين الناس، المثبتة في المصاحف إلى ثلاثين
جزءاً فإنها غير مرادة لابن حبان يقيناً. لأنه يقول هنا بالقول الصريح الواضح:
((ولما كانت الأجزاء في القرآن، كل جزء منها يشتمل على سور)). ومن البديهي،
أن الأجزاء الثلاثين، ليس كل جزء منها يشتمل على سور، بل إن بعض السور
الطوال يشتمل على أجزاء، بل إن الأجزاء التي فيها ثلاث سور كاملة فأكثر هي
الأجزاء العشرة الأخيرة أي: الثلث الثالث من القرآن فقط.
١٥١
مقدمة ابن حبان: شرطه في جمع هذا ((الصحيح))
اللَّه جل وعلا، فإذا أحبَّ أَنْ يعلمَ آيَةً مِن القرآن في أي موضع هي، صَعُبَ
عليه ذلك، فإذا حفظَه، صارت الآيُّ كُلُّها نُصْبَ عينيه.
وإذا كان عنده هذا الكتاب وهو لا يحفظه، ولا يتدبَّرُ تقاسيمه وأنواعه،
وأحبَّ إخراج حديثٍ منه، صَعُبَ عليه ذلك، فإذا رامَ حِفْظَه، أحاط علمُه
بالكل، حتى لا ينخرم منه حديثٌ أصلاً، وهذا هو الحيلةُ التي احتلنا ليحفظً
الناسُ السنن، ولئِلَّ يعرجوا على الكِتْبَةِ والجمع(١) إلا عند الحاجة، دونَ الحفظ
له أو العلم به .
وأما شرطنا في نقله ما أودعناه كتابنا هذا من السنن، فإنَّا لم نحتجَّ فيه
إلا بحديثٍ اجتمعَ في كلِّ شيخ من رواتِهِ خمسةُ أشياء:
الأول: العدالةُ في الدين بالسِّتْر الجميل.
والثاني : الصدقُ في الحديث بالشهرة فيه.
والثالث: العقلُ بما يحدث من الحديث.
والرابع: العلمُ بما يُحيل من معاني ما يروي.
والخامس: المُتَعرِّي خبرُه عن التدليس، فكلُّ من اجتمع فيه هذه
الخصالُ الخمس، احتججنا بحديثه، وبنينا الكتابَ على روايته، وكلَّ مَنْ تعرَّى
عن خَصْلة من هذه الخصال الخمس، لم نحتجَّ به.
والعدالةُ في الإِنسان: هو أَن يكون أكثرُ أحواله طاعة اللَّه، لأنّا متى
ما لم نجعلِ العَدْل إلا من لم يوجد منه مَعْصية بحال؛ أدَّانا ذلك إلى أَنْ ليس
في الدنيا عدلٌ، إذ الناسُ لا تخلو أحوالُهم من ورود خلل الشيطان فيها، بل
العدلُ من كان ظاهرُ أحواله طاعةَ اللَّه، والذي يُخالِفُ العدلَ من كان أكثرُ
أحوالِه معصيةَ اللَّه.
(١) في نسخة دار الكتب ((والوضع)).
١٥٢
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
وقد يكون العدلُ الذي يشهدُ له جيرانُه وعدولُ بلده به وهو غيرُ صادق فيما
يروي من الحديث، لأنَّ هذا شيء ليس يعرفُه إلا مَنْ صناعتُه الحديثُ. وليس
كلُّ معدِّل يعرفُ صناعة الحديث حتى يُعدِّلَ العدلَ على الحقيقة في الرواية
والدين معاً.
والعقلُ بما يُحدِّثُ من الحديث: هو أَنْ يَعقِلَ من اللغة بمقدارٍ ما لا يُزيل
معانيَ الأخبار عن سَننها، ويعقلَ من صناعةِ الحديث ما لا يُسْنِدُ موقوفاً، أو يَرْفِعُ
مرسلاً، أو يُصَحِّفُ اسماً.
والعلمُ بما يُحيل من معاني ما يروي: هو أَنْ يعلمَ من الفقه بمقدار ما إذا
أدَّى خبراً، أو رواهُ من حفظه، أو اختصره، لم يُحِلهُ عن معناهُ الذي أطلقه
رسولُ اللَّهِوَ﴿ إلى معنىِّ آخر.
والمتعرِّي خبرُه عن التدليس: هو أَن كَونَ الخبر عن مثل مَنْ وصفنا نَعْتَه
بهذه الخصال الخمس، فيرويَهُ عن مثله سماعاً حتى ينتهي ذلك إلى رسول
اللَّه مَّد .
ولعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ من إسبيجاب(١) إلى الإِسكندرية،
ولم نروٍ في كتابنا هذا إلا عن مئة وخمسين شيخاً أَقَلَّ أو أكثر. ولعلَّ مُعَوَّلَ كتابنا
هذا يكونُ على نحو من عشرين شيخاً ممن أدرنا السنن عليهم، واقتنعنا
برواياتهم عن رواية غيرهم، على الشرائط التي وصفناها. وربما أَروي في هذا
الكتاب، وأحتجُّ بمشايخ قد قدح فيهم بعضُ أئمتنا مثل سِماكٍ بن حرب،
وداودَ بن أبي هند، ومحمدٍ بن إسحاق بن يسار، وحَمَّاد بن سلمة،
(١) ويقال لها أيضاً: إسفيجاب، بالفاء، ضبطها السمعاني وابن الأثير بكسر الهمزة،
وضبطها ياقوت بفتحها، وتقع إلى الشمال من طشقند شرق نهر سيحون
(سيرداريا)، وهي اليوم ضمن جمهورية كازخستان كبرى جمهوريات الاتحاد
السوفييتي .
- -----
٠١٠٠٠٠-
١٥٣
مقدمة ابن حبان: شرطه في جمع هذا ((الصحيح))
وأبي بكر بن عياش، وأضرابهم ممن تَنَكَّب عن رواياتهم بعضُ أئمتنا، واحتجَّ
بهم البعضُ، فمن صح عندي منهم بالبراهين الواضحة، وصحة الاعتبار(١)
على سبيل الدين أنه ثقة، احتججتُ به، ولم أُعرِّج على قول مَنْ قدح فيه، ومن
صح عندي بالدلائل النِيِّرة، والاعتبار الواضح على سبيل الدين أنه غيرُ عدل،
لم أحتجَّ به، وإن وثقه بعضُ أئمتنا.
وإني سأُمثِّلُ واحداً منهم، وأتكلّم عليه، ليستدركَ به المرءُ من هو مثلُه،
كأَنَّ (٢) جئنا إلى حماد بن سلمة، فمثلناه، وقُلنا لمن ذبَّ عَمِّن ترك حديثه؛
لِمَ (٣) استحقَّ حمادُ بنُ سلمة تركَ حديثه، وكان رحمةُ اللَّه عليه ممَّن رحل
وكتب، وجمع وصنَّفَ، وحفظ وذاكر، ولزم الدين والورع الخفي، والعبادة
الدائمة، والصلابة في السنة، والطبق على أهل البدع؟ ولم يَشُكَّ عوامُ البصرة
أَنَّه كان مستجابَ الدعوة، ولم يكن بالبصرة في زمانه أحدٌ ممن نُسب إلى العلم
يُعَدُّ من البدلاء غيره. فمن اجتمعَ فيه هذه الخصال، لِمَ استحقَّ مجانبة روايته؟
فإن قال: لمخالفتِهِ الأقرانَ فيما روى في الأحايين، يُقال له: وهل في الدنيا
محدثٌ ثقةٌ لم يخالف الأقرانَ في بعضِ ما روى؟ فإن استحقَّ إنسانٌ مجانبةً
جميعِ ما روى بمخالفتِه الأقرانَ في بعضِ ما يروي، لاستحقَّ (٤) كُلُّ مُحدِّثٍ
من الأئمة المَرضيين أَن يُترَكَ حديثُه لمخالفتهم أقرانهم في بعض ما رووا.
فإن قال: كان حمادٌ يخطىء، يقال له: وفي الدنيا أحدٌ بعدَ رسول
اللَّهِوَ﴿ يعرَى عن الخطأ، ولو جاز ترك حديثٍ من أخطأ، لجاز تركُ حديثٍ
الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المحدثين، لأنّهم لم يكونوا بمعصومين.
فإن قال: حمادٌ قد كثُر خطؤه يقال له: إنَّ الكثرةَ اسمُ يشتمل على معانٍ
(١) على هامش الأصل ((الاختبار)).
(٢) في نسخة دار الكتب ((لأنا))، وكذلك في هامش الأصل.
(٣) في نسخة دار الكتب ((لمن)) وهو خطأ.
(٤) في نسخة دار الكتب ((لا يستحق)) وهو خطأ.
١٥٤
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
شتى، ولا يستحقُّ الإِنسانُ ترك روايته حتى يكون منه من الخطأ ما يغلبُ صوابه،
فإذا فَحُشَ ذلك منه، وغلب على صوابه، استحقَّ مجانبةً روايتِه، وأما من كَثُرَ
خطُؤُه، ولم يغلِب على صوابه، فهو مقبولُ الرواية فيما لم يُخطىء فيه،
واستحقَّ مجانبةَ ما أخطأ فيه فقط، مثلُ شَريك، وهُشيم، وأبي بكر بن عياش
وأضرابهم كانوا يُخطِئون، فيكثرون، فروى(١) عنهم، واحتج بهم في كتابه،
وحماد واحدٌ من هؤلاء.
فإن قال: كان حمادٌ يُدلِّس. يقال له: فإنَّ قتادةَ، وأبا إسحاق السَّبيعي،
وعبدَ الملك بن عُمَيْر، وابن جريج، والأعمش، والثوريِّ، وهُشَيْماً، كانوا
◌ُدِّسون، واحتججت بروایتهم، فإن أوجب تدلیسُ حمادٍ في روايته ترك حديثه،
أوجبَ تدليسُ هؤلاء الأئمةِ ترك حديثهم .
فإن قال: يروي عن جماعةٍ حديثاً واحداً بلفظٍ واحدٍ من غير أن يُميِّز بين
ألفاظهم. يقال له: كان أصحابُ رسول الله وَلّهِ، والتابعون يُؤدون الأخبارَ على
المعاني بألفاظِ متباينة، وكذلك كان حمادٌ يفعل. كان يسمعُ الحديثَ عن
أيوب، وهشام، وابن عون، ويونس، وخالد، وقتادة، عن ابن سيرين فيتحرَّى
المعنى، ويجمع في اللفظ، فإن أوجب ذلك منه ترَكَ حديثه، أوجب ذلك تركَ
حديث سعيد بن المسيِّب، والحسن، وعطاء، وأمثالهم من التابعين لأنهم كانوا
يفعلون ذلك. بل الإِنصافُ في النقلة في الأخبار استعمالُ الاعتبار(٢) فيما رووا.
(١) لم يذكر ابن حبان فاعل ((روى)) و((احتج)) والظاهر أنه يعرض بالبخاري رحمه
الله، لأنه أضرب عن رواية حماد فيما يحتج به.
قال الحافظ في (التهذيب)) ١٣/٣، ١٤: وقد عرض ابن حبان بالبخاري
لمجانبته حديث حماد بن سلمة حيث يقول: لم ينصف من عدل عن الاحتجاج
به إلى الاحتجاج بفليح وعبدالرحمن بن عبدالله بن دينار.
(٢) الاعتبار: هو هيئة التوصل إلى الشاهد والمتابع، وسبر طرق الحديث لمعرفتهما،
وقد نقل ابن الصلاح في ((مقدمته)» مثال ابن حبان لتوضيحه وتجليته.
١٥٥
مقدمة ابن حبان: شرطه في جمع هذا ((الصحيح))
وإني أمثِّل للاعتبار مثالاً يستدرك به ما وراءه(١)، وكأنَّا جئنا إلى حماد بن
سلمة، فرأيناهُ روى خبراً عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن
النبي ◌َّر، لم نجد ذلك الخبر عند غيره من أصحاب أيوب، فالذي يلزمنا فيه
التوقُّفُ عن جرحه، والاعتبار بما روى غيرُه من أقرانه، فيجبُ أن نبدأ، فننظُرَ
هذا الخبر، هل رواه أصحابُ حماد عنه، أو رجلٌ واحدٌ منهم وحده؟ فإن وُجِد
أصحابُهُ قد رووه، عُلِم أنَّ هذا قد حدَّث به حمادٌ، وإن وُجد ذلك من رواية
ضعيفٍ عنه، أُلزقَ ذلك بذلك الراوي دونه، فمتى صحَّ أنَّه روى عن أيوب
ما لم يتابع عليه، يجبُ أن يُتَوَقَّفَ فيه، ولا يُلْزَقَّ به الوَهَنُ، بل يُنظر هل روى
أحدٌ هذا الخبرَ من الثقات عن ابن سيرين غيرُ أيوب، فإن وُجدَ ذلك، عُلم أنَّ
الخبرَ له أصلٌ يُرْجَعُ إليه، وإن لم يوجد ما وصفنا، نُظر حينئذ: هل روى أحدٌ
هذا الخبرَ عن أبي هريرة غيرُ ابن سيرين من الثقات، فإن وُجد ذلك، عُلم أنَّ
الخبر له أصل، وإن لم يوجد ما قلنا، نُظر: هل روى أحد هذا الخبر عن
النبي ◌َ﴿ غيرُ أبي هريرة؟ فإن وجد ذلك، صحَّ أنَّ الخبر له أصل، ومتى عُدم
ذلك، والخبرُ نفسُهُ يُخالفُ الأصول الثلاثة، عُلم أنَّ الخبر موضوعٌ لا شك فيه،
وأنَّ ناقله الذي تفرَّد به هو الذي وضعه.
هذا حكمُ الاعتبار بين النَّقَلَة في الروايات. وقد اعتبرنا حديث شيخٍ
شيخٍ ، على ما وصفنا من الاعتبار على سبيل الدين، فمن صحَّ عندنا منهم أنه
عدلٌ، احتجَجْنا به، وقبلنا ما رواه، وأدخلناهُ في كتابنا هذا، ومن صحَّ عندنا أنه
غيرُ عدل بالاعتبار الذي وصفناه، لم نحتجَّ به، وأدخلناه في كتاب
(المجروحين)) من المحدثين بأحدٍ أسبابِ الجرح، لأنَّ الجرح في
((المجروحين)) على عشرين نوعاً، ذكرناها بفصولها في أول كتاب ((المجروحين))
بما أرجو الغُنْيَة فيها للمتأمل إذا تأمَّلها، فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا
الكتاب .
(١) في الأصل ((ما رواه)) وهو خطأ، وما أثبتناه من نسخة دار الكتب.
٠٠١٠
١٥٦
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
فأما الأخبارُ، فإنَّها كُلُّها أخبارُ آحاد(١)، لأنه ليس يوجد عن النبي ◌َّ خبرٌ
من رواية عَدْلين، روى أحدهما عن عَدْلين، وكلُّ واحدٍ منهما عن عَدْلين، حتى
ينتهي ذلك إلى رسول الله وَّلَه، فلما استحال هذا، وبَطَلَ، ثبتَ أنَّ الأخبارَ كلَّها
أخبارُ الآحاد، وأنَّ من تنَكَّبَ عن قبول أخبار الآحاد، فقد عمدَ إلى تركِ السنن
كُلِّها، لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد(٢).
(١) هذه الدعوى من المؤلف لا تسلم له، فإن المتواتر من الحديث - وهو ما نقله
رواة كثيرون لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم من أول الإِسناد إلى
آخره - موجود في كتب الحديث المتداولة المقطوع بصحة نسبها إلى مؤلفيها.
وأوضح مثال له حديث: ((من كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار)) فقد
رواه أكثر من خمسة وسبعين صحابياً.
وللحافظ السيوطي رحمه الله - كتاب ((الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة)).
جمع فيه ما رواه الصحابة عشرة فأكثر، مستوعباً فيه كل حديث بأسانيده وطرقه
وألفاظه، ثم لخصه في جزء سماه ((الأزهار المتناثرة)) اقتصر فيه على ذكر الحديث
وعدة من رواه من الصحابة وعزوه إلى كل من أخرجه من الأئمة المشهورين.
وقد زاد عددها على المئة، منها حديث الحوض، وحديث المسح على الخفين،
وحديث رفع اليدين في الصلاة، وحديث ((المرء مع من أحب))، وحديث ((أنزل
القرآن على سبعة أحرف))، وحديث ((كل مسكر حرام))، وللمحدث محمد بن
جعفر الكتاني ((نظم المتناثر في الحديث المتواتر)» فيه ثلاث مئة حديث عدها من
المتواتر .
(٢) قال الحازمي في ((شروط الأئمة الخمسة)) ص: (٤١) بعد أن أورد هذا النص
بسنده عن ابن حبان: ومن سبر مطالع الأخبار عرف أن ما ذكره ابن حبان أقرب
إلى الصواب)). وقال العلامة الكوثري في تعليقه على ((شروط الأئمة الخمسة))
الحازمي ص (٤١): يوهم ظاهر كلام ابن حبان أنه ينفي وجود قسم العزيز من
أقسام الحديث، ومن ثمة لم يقل الحازمي: إن ما ذكره هو الصواب. ويمكن أن
يؤول كلام ابن حبان بأن مراده أن يكون لكل راو راويان فقط، من غير زيادة
ولا نقصان، والزيادة غير مضرة في العزيز، وأما رواية اثنين عن اثنين،
قمما لا يكاد يوجد .
-------- --
١٥٧
مقدمة ابن حبان: شرطه في جمع هذا ((الصحيح))
وأما قبولُ الرفع في الأخبار، فإنا نقْبلُ ذلك عن كلِّ شيخٍ اجتمع فيه
الخصالُ الخمسُ التي ذكرتُها، فإنْ أرسل عدلٌ خبراً، وأسنده عدلٌّ آخر، قبلنا
خبرَ مَنْ أسند، لأنَّه أتى بزيادةٍ حفظَها ما لم يحفظ غيرُه مِمَّن هو مثلهُ في
الإِتقان، فإنْ أرسلَه عدلان، وأسنده عدلان، قَبِلتُ روايةً العدلين اللذين أسنداهُ
على الشرط الأول، وهكذا الحكم فيه كَثُرَ العددُ فيه أو قلَّ، فإنْ أرسله خمسةٌ
من العدول، وأسنده عدلان، نظرتُ حينئذ إلى من فوقه بالاعتبار، وحكمتُ لمن
يجب. كأنا جئنا إلى خبرِ رواهُ نافعٌ، عن ابن عمر، عن النبي ◌ََّ، اتفق مالكٌ،
وعبيدُالله بن عمر، ويحيى بنُ سعيد، وعبدُ الله بنُ عون، وأيوبُ السَّخْتياني،
عن نافع، عن ابن عمر، ورفعوه، وأرسله أيوبُ بنُ موسى، وإسماعيل بنُ أمية،
وهؤلاء كلهم ثقات، أو (١) أسند هذان، وأرسل أولئك اعتبرتُ فوقَ نافع، هل
روى هذا الخبر عن ابنِ عمر أحدٌ من الثقات غيرُ نافع مرفوعاً، أو من فوقه على
حَسَبٍ ما وصفنا؟ فإذا وجد ما قلنا، قبلنا خبر من أتى بالزيادة في روايته، على
حَسَبِ ما وصفنا.
وفي الجملة يجبُ أن يُعتبر العدالةُ في نَقَلةِ الأخبار، فإذا صحَّت العدالةُ
في واحدٍ منهم، قبل منه ما روى من المُسند، وإن أوقفه غيره، والمرفوعُ وإنْ
أرسله غيرُه من الثقات، إذ العدالةُ لا توجبُ غيرَه، فيكونُ الإِرسالُ والرفعُ عن
ثقتين مقبولين، والمسندُ والموقوفُ عن عدلين يُقبلان على الشرط الذي
وصفناه(٢).
(١) في نسخة دار الكتب: ((وأسند)) وهو خطأ.
(٢) اختلف أهل العلم إذا وصل الحديث ثقة وأرسله آخر: هل الحكم لمن وصل
أو لمن أرسل، أو للأكثر، أو للأحفظ؟ على أربعة أقوال.
الأول: إن الحكم لمن وصل، وهذا هو المشهور، وهو الذي جرى عليه ابن
حبان هنا وصححه الخطيب في ((الكفاية)) ٥٨١، والعراقي، وقال ابن الصلاح:
وهو الصحيح في الفقه وأصوله، وحكى عن البخاري أنه قال: الزيادة من الثقة
مقبولة .
=
١٥٨
الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان
٠
= الثاني: إن الحكم لمن أرسل، حكاه الخطيب عن أكثر أصحاب الحديث.
الثالث: إن الحكم للأكثر، فإن كان من أرسله أكثر ممن وصله، فالحكم
للإرسال، والعكس.
الرابع: إن الحكم للأحفظ .
وقد تعقب القول الأول ابن دقيق العيد، فقال: من حكى عن أهل الحديث
أو أكثرهم أنه إذا تعارض رواية مسند ومرسل، أو رافع وواقف، أو ناقص وزائد
أن الحكم للزائد لم يصب في هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانوناً مطرداً،
وبمراجعة أحكامهم الجزئية تعرف صواب ما نقول ـــ وبهذا جزم الحافظ العلائي
في ((جامع التحصيل)) فقال: كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن
كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل،
والبخاري، وأمثالهم، أنه لا يحكم في هذه المسألة بحكم كلي، بل عملهم في
ذلك دائر على الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في حديث.
وقول البخاري ((الزيادة من الثقة مقبولة)) إنما قاله حين سئل عن حديث ((لا نكاح
إلا بولي)) وقد أرسله شعبة وسفيان ــ وهما جبلان في الحفظ، وأسنده
إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي في آخرين، فقال البخاري ((الزيادة
من الثقة مقبولة)) وحكم لمن وصله.
فالبخاري رحمه الله لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما
حكم للاتصال لمعان أخرى رجحت عنده حكم الموصول، منها أن يونس بن
أبي إسحاق وابنه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولاً، ولا شك أن
آل الرجل أخص به من غيرهم، وقد وافقهم على ذلك أبو عوانة، وشريك
النخعي، وزهير بن أمِيَّة، وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق مع اختلاف
مجالسهم في الأخذ عنه، وسماعهم إياه من لفظه. وأما رواية من أرسله - وهما
شعبة وسفيان - فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد ... ولا يخفى
رجحان ما أخذ من لفظ المحدث في مجالس متعددة على ما أخذ عنه عرضاً في
محل واحد. هذا إذا قلنا: حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين مع أن
الشافعي يقول: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد. فتبين أن ترجيح البخاري
وصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع
المرسل، بل بما ظهر من قرائن الترجيح .
١-٠٫٠٠٠
...------
١٠٠٠
١٥٩
مقدمة ابن حبان: شرطه في جمع هذا ((الصحيح))
وأما زيادةُ الألفاظ في الروايات، فإنا لا نقبلُ شيئاً منها إلا عن مَنْ كان
الغالبَ عليه الفقهُ حتى يُعْلم أنَّه كان يروي الشيءَ ويعلمُه، حتى لا يُشَكَّ فيه أنَّه
أزاله عن سَننه، أو غيَّره عن معناه أم لا، لأنَّ أصحابَ الحديثِ الغالبُ عليهم
حفظُ الأسامي والأسانيد دون المتون، والفقهاءُ الغالبُ عليهم حفظُ المتونِ
وأحكامُها وأداؤها بالمعنى دون حفظِ الأسانيد وأسماء المحدثين، فإذا رفع
محدثٌ خبراً، وكان الغالبَ عليه الفقهُ، لم أقبل رفعه إلا من كتابه، لأنه لا يعلمُ
المسندَ من المرسل، ولا الموقوف من المنقطع، وإنما همتُهُ إحكامُ المتنِ فقط.
وكذلك لا أقبلُ عن صاحب حديثٍ حافظٍ متقنٍ أتى بزيادة لفظةٍ في الخبر، لأن
الغالبَ عليه إحكامُ الإِسناد، وحفظُ الأسامي، والإِغضاءُ عن المتون وما فيها من
الألفاظ إلا من كتابه، هذا هو الاحتياطُ في قبول الزيادات في الألفاظ(١).
= ويزيد ذلك ظهوراً تقديمه للإرسال في مواضع أخرى، مثاله: ما رواه الثوري،
عن محمد بن أبي بكر بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن
أبيه، عن أم سلمة، قالت: إن النبي ونَ ﴿ قال لها: ((إن شئت سبعت لك)) ورواه
مالك عن عبيدالله بن أبي بكر بن الحارث أن النبي بَّ قال لأم سلمة .. قال
البخاري في ((تاريخه)): الصواب قول مالك مع إرساله. فصوب الإِرسال هنا
لقرينة طهرت له، وصوب الوصل هناك لقرينة ظهرت له، فتبين أنه ليس له عمل
مطرد في ذلك. انظر ((شرح الألفية)) ١٦٥/١ وما بعدها للسخاوي، وشرح علل
الترمذي ٤٢٦/١ وما بعدها. وبهذا تعلم خطأ من قوى القول الأول على إطلاقه
ممن يتعاطى صناعة الحديث في عصرنا هذا، واتخذه قاعدة مطردة في كل
حديث اختلف ثقتان في وصله وإرساله.
(١) وهذا التقسيم مما انفرد به ابن حبان، ولم يسبق إليه، وقد جاء في ((شرح النخبة))
للمناوي ورقة ٢/٦٩: والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كابن مهدي
ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي ابن المديني،
والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني وغيرهم اعتبار
الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول
الزيادة. وانظر ((شرح العلل)) لابن رجب ٧١٨/٢، ٧١٩.
----
١٦٠
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان
وأما المُنتَحِلون المذاهبَ من الرواةِ مثل الإِرجاءِ والترفض وما أشبهُهما،
فإنا نحتجُ بأخبارهم إذا كانوا ثقاتٍ على الشرط الذي وصفناه، ونَكِلُ مذاهبهم
وما تقلّدوه فيما بينهم وبينَ خالقهم إلى الله جلَّ وعلا، إلا أن يكونوا دعاةً إلى
ما انتحلوا، فإنَّ الداعيَ إلى مذهبه والذابَّ عنه، حتى يصير إماماً فيه، وإن كان
ثقة، ثم رَوَينا عنه، جعلْنا للأتَِّاع لمذهبِهِ طريقاً، وسوَّغنا للمُتعلم الاعتمادَ عليه
وعلى قوله، فالاحتياطُ ترك روايةِ الأئمة الدعاةِ منهم، والاحتجاج بالرواةِ
الثقاتِ منهم على حسب ما وصفناه .
ولو عَمَدْنا إلى تركٍ حديثِ الأعمشِ ، وأبي إسحاق، وعبد الملك بن
عُمير، وأضرابِهم لما انتحلوا، وإلى قتادة، وسعيدِ بنِ أبي عَرُوبة، وابنٍ
أبي ذئب، وأسنانهم لِما تقلَّدوا، وإلى عُمر بنِ دَرّ، وإبراهيم التيمي،
ومِسْعَرِ بن كِدَام وأقرانهم لما اختاروا، فتركنا حديثَهم لمذاهبهم، لكان ذلك
ذَرِيعةً إلى ترك السننِ كُلِّها حتى لا يَحصُلَ في أيدينا من السنن إلا الشيءُ
اليسير. وإذا استعملنا ما وصفنا، أعنَّا على دَخْضِ السننِ وطَمْسِها، بل
الاحتياط في قبول رواياتهم الأصلُ الذي وصفناه دون رفض ما رووه جملةً(١).
(١) العبرة في الرواية بصدق الراوي وأمانته، والثقة بدينه وخلقه، والمتتبع الأحوال
الرواة يرى كثيراً من أهل البدع موضعاً للثقة والاطمئنان وإن رووا ما يوافق
رأيهم، ويرى كثيراً منهم لا يوثق بأي شيء يرويه، وقد نقل السيوطي في
((التدريب)) ٣٢٥/١ عن الحافظ العراقي أنه اعترض على اشتراط ((أن لا يكون
داعية)) بأن الشيخين احتجا بالدعاة مثل عمران بن حطان وغيره. ثم ذكر السيوطي
أسماء من رمي ببدعة ممن أخرج لهم البخاري ومسلم أو أحدهما، فبلغ عدد
الموسومين بالإِرجاء أربعة عشر، ومن رمي بالنصب سبعة، ومن رمي بالتشيع
خمسة وعشرين، ومن رمي بالقدر ثلاثين، ومن رمي برأي جهم واحداً، ومن
رمي برأي الحرورية - وهم الخوارج - اثنين، ومن رمي بالوقف واحداً، ومن
رمي بالحرورية من الخوارج القعدية واحداً. فبلغ مجموعهم واحداً وثمانين
رجلا .