Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ مقدمة التحقيق ابن خزيمة .. قال ابنُ حجر في ((النكت الظراف))(١): وفي ذلك نظرٌ، لأنهما (أي ابن خزيمة وابن حبان) ممن لا يرى التفرقةَ بين الصحيح والحسن، بل عندهما أنَّ الحسن قسمٌ من الصحيح لا قسيمه. وقال العراقي في ((شرح ألفيته))(٢): ويُؤخذ الصحيحُ أيضاً من المصنَّفات المختصة بجمع الصحيح فقط، كصحيح أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وصحيح أبي حاتم محمد بن حبان البُسْتِي المُسَمَّى بالتقاسيم والأنواع، وكتاب ((المستدرك على الصحيحين)) لأبي عبدالله الحاكم على تساهل في ((المستدرك)). وقال السيوطي في مقدمة ((جمع الجوامع)): ورمزتُ للبخاري (خ)، ولمسلم (م)، ولابن حبان (حب)، والحاكم في ((المستدرك)) (ك)، وللضياء المقدسي في ((المختارة)) (ض)، وجميع ما في هذه الكتب صحيح، فالعزو إليها معلم بالصحة، سوى ما في ((المستدرك)) من المُتَعَقَّب، فأُنبه عليه، وكذا ما في (موطأ)) مالك، و((صحيح)) ابن خزيمة، وأبي عوانة ... فالعزو إليها معلم بالصحة . فإن عُدَّ كتابُ ابنٍ حبان من كُتُب الصحاح، فما هي منزلتُه بينها، وما هو موقعُه منها؟ إنَّ من الواضح أولاً والمُتفق عليه أنه أعلى من ((مستدرك)) الحاكم، وخيرٌ منه، نصَّ على ذلك غيرُ واحد من الأئمة، قال العمادُ بنُ كثير في ((اختصار علوم الحديث)) ص ٢٦: قد التزم ابنُ خُزيمة وابنُ حِبّان الصحة، وهما خيرٌ من (المستدرك) بكثير، وأنظفُ أسانيد ومتوناً. وقال السيوطي في ((تدريب الراوي)): فالحاصلُ أنَّ ابنَ حِبّان وفَّى بالتزام شُروطه ولم يُوَفِّ الحاكم. وقال (١) ٢٩٠/١. (٢) ٥٤/١. ٤٢ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان الحازمي في ((شروط الأئمة الخمسة)) ص ٤٤: ابن حبان أمكنُ في الحديث من الحاكم. والحافظُ العراقي علَّق تحت قول ابنِ الصلاح في الحاكم: ((وهو واسعُ الخطو في شرط الصحيح متساهلٌ في القضاء به ... ویقارِبُه في حکمه صحيح ابن حبان البُسْتي)»، فقال العراقي: وقد فهم بعضُ المتأخرين من كلامه ترجيحَ كتاب الحاكم على كتاب ابن حِبّان، فاعترضَ على كلامه هذا بأن قال: أما صحيحُ ابن حبان فمن عرف شرطه، واعتبر كلامه؛ عَرَفَ سُمُوَّه على كتاب الحاكم، وما فهمه هذا المُعترضُ من كلام المصنف ليس بصحيح، وإنما أراد أنه يُقَارِبُه في التساهل، فالحاكمُ أشدُّ تساهُلاً منه)) ونقل رَدَّ دعوى التساهل عند ابن حبان ابنُ حجر في «النكت)» كما في «كشف الظنون)» ١٠٧٥/٢، ففيه: هذا غير مُسَلَّم، وليس عند البُسْتي تساهل، وإنما غايتُه أنه يُسمي الحسن صحيحاً، فإنه وفّى بالتزام شروطه، ولم يُوَفِّ الحاكم. ذكره البقاعي. وقد تقدم بسط ذلك في بحث شروط ابن حبان في ((صحيحه)). وقال ابنُ حجر في ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) ٢٩١/١: حكمُ الأحاديث التي في كتاب ابن خُزيمة وابن حبّان صلاحيةُ الاحتجاج بها لكونها دائرةً بين الصحيح والحسن، ما لم يظهر في بعضها علةٌ قادحة. أما في المُوازنة والمُفاضلة بين صحيحي ابن حبان وابنٍ خُزيمة، فلم يُنقل نصِّ في ذلك عن أحدٍ من الأئمة سوى ما ذكره السيوطي في ((تدريب الراوي» ١٠٩/١، قال: ((صحيحُ ابنِ خزيمة)» أعلى مرتبةً من «صحيح ابنِ حِبّان» لشدة تحريه، حتى إنه يتوقّفُ في التصحيح لأدنى كلامٍ في الإِسناد، فيقول: إنْ صح الخبر، أو إنْ ثبت كذا، ونحو ذلك. وأقول: إنَّ ما ذهب إليه السيوطي لا يُسَلَّمُ له، إذ إنَّ صنيع ابنٍ خُزيمة هذا يدلُّ على أنه أدرج في ((صحيحه)) أحاديثَ لا تصح عنده، وبَبَّه على بعضها، ولم يُنَبِّه على بعضها الآخر، ويتبيَّن ذلك بجلاء من مراجعة القسم المطبوع من ((صحيحه)) ففيه عدد غير قليل من الأسانيد الضعيفة، بالإضافة إلى ٤٣ مقدمة التحقيق أن عدداً لا بأس به من أحاديثه لا يرتقي عن رتبة الحسن، فأين هو من ((صحيح)) ابن حبان الذي غالبُ أحاديثه على شرط الصحيح، كما سيتبين لك في الكتاب. ويظهر هنا فسادُ قولِ من قال: غالبُ ((صحيح)) ابنِ حِبّان منتزعٌ من (صحيح)) شيخه ابن خزيمة(١). فكيف يأخذه منه وهو أضبطُ وأدقُّ منه في شرط الصحيح، بل إن ابن حبان رُبَّما فاق شيخَه - إن لم نَقُلْ قد فاقَه فعلاً - في علم الحديث، وقد ألَّف كُتُباً في التراجم للثقات والضعفاء تشهد أنه أَخْبَرُ منه في هذا الباب، وابنُ خُزيمة لا يعدو أن يكون واحداً من أساتذته الذين أخذ عنهم، وانتفع بعلمهم، فهو لا شك یعد ممن أسهموا في إنضاج ابن حبان، ولکنه لیس كل شيء فيه. ثم هذا (صحيح)) ابن حبان؛ فيه ٧٤٩٥ حديثاً، لم يرو فيه عن شيخه ابنٍ خُزيمة سوى ٣٠١ حديثاً، فكيف يكونُ غالبُ كتابهِ منتزعاً من كتاب شيخه؟! إن ((صحيح)) ابن حبان أعلى مرتبة من ((صحيح)) شيخه ابن خزيمة، بل إنه ليزاحم بعضَ الكُتُب الستة، ويُنافس بعضها في درجته، قال السخاوي في (فتح المغيث)) ٣٦/١: وكم في كتاب ابنٍ خُزيمة أيضاً من حديث محكوم منه بصحته، وهو لا يرتقي عن رتبة الحسن، بل وفيما صححه الترمذيُّ من ذلك جملةٌ، مع أنه ممن يُفَرق بين الصحيح والحسن. وقال ابنُ العماد في ((الشذرات)) ١٦/٣: وأكثر نُقّاد الحديث على أن (((صحيحه)) أصحُّ من ((سنن)) ابن ماجة. فإذا عرفنا بعد ذلك أنَّ غالب ((صحيح)) ابن حبان على شرط الشيخين، (١) نقل هذا القولَ الإِمامُ محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني في كتاب ((توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار)) عن ابن الملقن. ٤٤ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان أو على شرط أحدهما، أمكن أن نتبيَّن الموقع الذي يُنافس عليه هذا الصحيح بين كتب الصحاح، وأن نُفَسِّر سببَ عناية العلماء به . عناية العلماء بصحيح ابن حبان : لم يكن عجيباً أن يكون كتابُ ابن حبان - وهو على الدرجة التي عرفتَ من الشمول والصحة - مستقطباً اهتمامَ العديد من العلماء، إذ كانوا شديدي الحرصِ على الإِفادة منه والأخذ عنه، على الرغم من وُعورة مسالكه، وتشابُه دروبه، بسبب هندسته العجيبة التي بناه عليها مؤلفه، وتجلَّت عنايتُهم الفائقةُ به في أنهم لم يَدَّخروا جُهداً في الاستفادة منه من جميع جوانبه، ووجوهه كافةً، إذ هو زاخرٌ بفرائد الفوائد، وجواهر النوادر، غنيٌّ بما أودعه فيه مؤلفُه من عُصارةٍ فكره وفقهه، وبديعِ استنباطه وفهمه، وقد شملت عنايتهم الجوانب التالية : ١ - مدارسته وقراءته على الشيوخ: وهذا أولُ وجه من وجوه العناية به والاستفادة منه، فقد رواه عن مؤلفه ابنٍ حبان تلميذُه أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن هارون الزَّوْزني . ورواه عن الزوزني أبو الحسن عليُّ بن محمد بن علي البَحّاثي(١). وعن البَحّاثي رواه الشيخ المحدث المعمر مسند خراسان أبو القاسم زاهرُ بنُ طاهر الشحّامي المتوفى سنة ٥٣٣هـ(٢)، والشيخ الفاضل المؤدب مسند هراة تميمُ بن أبي سعيد الجرجاني، أبو القاسم، المتوفى ٥٣١هـ(٣). (١) كما في المشتبه ٥١/١٠، والورقة الأولى من قطعة الظاهرية، وقطعة نسخة حيدرأباد الدكن من ((التقاسيم والأنواع)). (٢) كما في ترجمته من ((سير أعلام النبلاء)) ٩/٢٠. (٣) كما في ترجمته من ((السير)) ٢١/٢٠، والورقة الأولى من قطعة الظاهرية، وقطعة حيدر أباد الدكن من ((التقاسيم والأنواع)). ٤٥ مقدمة التحقيق وعن الشحّامي رواه الحافظ أبو القاسم ابنُ عساكر، كما في لوحة العنوان المجلد الأول من الكتاب الموجود بدار الكتب المصرية، والإِمامُ تاج الإِسلام الحافظ أبو سعد السمعاني، كما ذكر ياقوت في ((معجم البلدان)» في ترجمة ابن حبان . وعن تميم الجرجاني رواه مسند خراسان الشيخ الجليل الصدوق المعمر الحافظ الدين أبوروح عبدُالمعزّ بن محمد الهروي البزاز، المتوفى سنة ٦١٨هـ (١). وعن عبدالمعز الهروي رواه الإِمام العلامةُ البارع القدوة ذو الفنون شرف الدين أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن أبي الفضل السلمي المرسي، المتوفى سنة ٦٥٥هـ (٢)، كما في الورقة الأولى من قطعة حيدرأباد الدكن. وعن الهروي أيضاً رواه الشيخُ الإِمام المحدث جمالُ المشايخ صدرُالدين أبو علي الحسنُ بن محمد بن محمد البكري النيسابوري ثم الدمشقي، المتوفى سنة ٦٥٦هـ(٣)، كما في الورقة الأولى من قطعة ((التقاسيم والأنواع)) في الظاهرية. وعن البكري رواه الحافظ المسند أبو عبدالله محمدُ بن أحمد بن أبي الهيجاء ابن الزراد، المتوفى سنة ٧٢٦هـ(٤)، كما في قطعة الظاهرية، وأشار إلى روايته عن البكري الذهبي في ((السير)) ٣٢٦/٢٣. وتناقله العلماء من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب بعد مئات السنين (١) كما في ترجمته من ((السير)» ١١٤/٢٢. (٢) مترجم في ((السير» ٣١٢/٢٣ - ٣١٨. (٣) مترجم في ((السير)) ٣٢٦/٢٣. (٤) مترجم في ((معجم الذهبي)) ورقة ١٢٨، و(الوافي بالوفيات)) ١٤٧/٢، و((الدرر الكامنة)) ٠١١٠/٥ ٤٦ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان من وفاة مؤلفه، فهذا ابنُ جابر الوادي آشي التونسي المُتوفى سنة ٧٤٩هـ يذكر في ((برنامجه)) ص ٢٠١، ٢٠٢ أنه قرأ جميع حديثه بسنده بحَرَم الله تعالى تجاه الكعبة المُعَظّمة على إمام المقام الشريف رضي الدين أبي إسحاق إبراهيم الطبري، ثم ساق إسناده إلى مؤلفه . وابن غازي المكناسي المغربي المُتوفى سنة ٩١٠هـ يذكر في ((فهرسه)) ص ٥٣ أنه قرأه بإسناده عن شيوخه إلى مؤلفه. وينقل عن شيخه الشمني قوله: والمسموع من هذا الكتاب لنا ولشيوخنا إنما هو الحديث المسند دون الكلام عليه . ويكفي لنتعرف على مدى حرص الأئمة على مدارسته ومطالعته واستجلاء كل حديث فيه للاحتجاج به قولٌ لابن حجر أميرٍ حُفّاظ الحديث في كتابه ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) ٤١٠/١ قال: وأما حديثُ أبي أمامة رضي الله عنه، فقد أشار إليه شيخُنا، وقوله: إن ابنَ حِبّان أخرجه في «صحيحه)) من رواية شهر عن أبي أمامة رضي الله عنه فيه نظر، بل ليس هو في ((صحيح)) ابن حبان البتة لا من طريق أبي أمامة، ولا من طريق غيره، بل لم يُخرج ابنُ حِبّان في (صحيحه)) لشهر شيئاً. إن هذا الاستقراء الدقيق لصحيح ابن حبان، يقوم به إمامٌ جليل مثل ابن حجر، ليظهرنا على تلك العناية الكبرى التي حفي بها من هؤلاء الأعلام. ٢ - تراجم رجاله: وقد وُجهت عنايةُ العلماء إلى هذا الجانب لما عُرف به المؤلِّفُ من مذهب متميز في نقد الرجال، أغرى بعضَ الأئمة بترجمةِ رجال ((صحيحه))، كما فعل الحافظُ العراقي المُتوفى سنة ٨٠٦هـ، فَأَلَّف كتاب ((رجال ابن حبان)» ذكره ابنُ فهد في ((لحظ الألحاظ)» ص ٢٣٢. وصنعِ مثلَ ذلك أيضاً ابنُ الملقن سراج الدين عُمر بن علي، المتوفى سنة ٨٠٤هـ، فألَّف ((مختصر تهذيب الكمال)) مع التذييل عليه من رجال ستة كتب، ٤٧ مقدمة التحقيق منها ((صحيح)) ابن حبان، ذكره ابنُ فهد في ((لحظ الألحاظ)) ص ١٩٩، ٢٠٠، وذكر السخاويُّ من هذه الكتب أحمد، وابن خزيمة، والدارقطني، والحاكم، ثم قال كما في ((الضوء اللامع)) ١٠٢/٦: قد رأيتُ مجلداً، وأمرُه فيه سهل. ٣ - تخريج زوائده: وعُنُوا أيضاً بتخريج زوائده على ((صحيحي)) البخاري ومسلم، لما تحقَّق فيها من شروط الصحة، وممن عمل ذلك الإِمام الحافظُ مُغُلطاي بن قليج الحنفي المتوفى سنة ٧٦٢هـ، فذكر السيوطيُّ في ترجمته في ((ذيل تذكرة الحفاظ)) ص ٣٦٦، أنه ((خرج زوائد ابن حبان على الصحيحين))، ولم يصلنا كتأبُه هذا، وإنما وصلنا كتابٌ آخر ألَّفه الحافظ نورُ الدين عليُّ بن أبي بكر الهيثمي المُتوفى سنة ٨٠٧هـ، سماه ((موارد الظمآن إلى زوائد ابنِ حِبّان)» وقد حقَّقه ونشره محمد بن عبدالرزاق حمزة، وطبع في المطبعة السلفية بمصر. ٤ - النقل عنه والعزو إليه : وهذا بابٌ واسعٌ من أبواب الإِفادة منه، إذ إن كثيراً ممن جاء بعده من المُحدِّثين نقلُوا عنه في مدوناتهم، فالحافظُ المُنذري المتوفى سنة ٦٥٦هـ نقل عنه في كتابه ((الترغيب والترهيب))، والإِمامُ تقي الدين ابنُ دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢هـ عزا إليه في كتاب ((الإلمام بأحاديث الأحكام)) وغيره، والحافظُ الزيلعي المُتوفى سنة ٧٦٢هـ عزا إليه في كتابه «نصب الراية)»، وكان يذكر في عزوه إليه النوع والقسم، فيقول في الحديث: أخرجه ابنُ حِبّان في النوع الأول من القسم الرابع، مثلاً، والحافظُ العراقي المتوفى سنة ٨٠٦هـ عزا إليه في تخريجه لكتاب «إحياء علوم الدين))، وانتخب منه أربعين حديثاً في كتابٍ سماه (أربعون بلدانية)) ذكره ابنُ فهد في ((لحظ الألحاظ)) ص ٢٣٢، واعتنى بالعزو إليه الحافظُ ابنُ حجر المتوفى سنة ٨٥٢هـ في ((فتح الباري)) و ((تلخيص الحبير)) و((تخريج أحاديث الكشاف)) و((الدراية في تخريج أحاديث الهداية)) وغيرها، والحافظُ العيني المُتوفى سنة ٨٥٥هـ في كتابه ((عمدة القاري))، والحافظُ السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢هـ في كتابه ((المقاصد الحسنة))، ونثره الحافظُ ١٠٠٠. ...... ٤٨ الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ في كتابه ((الجامع الكبير))، وعزا إليه في تفسيره (الدر المنثور))، وعزا إليه غيرُ هؤلاء من الحُفّاظ مما يمكن من القول: إِنَّ معظم (صحيح) ابن حبان منثورٌ في مؤلَّفات المحدثين الذين أتوا بعده. ٥ - الإفادة من فقهه للنصوص وتعليقاته عليها: ومما زاد في إغراءِ العلماء بالنظر في ((صحيح)) ابنٍ حبان والأخذِ عنه ما حفَلَ به هذا الصحيحُ من استنباطاتٍ فقهية دقيقة عنونَ بها المؤلِّفُ كلَّ حديثٍ أورده، فكتابُه من هذه الناحية يُعَدُّ كتاباً في الفقه ذا أهمية خاصة، لأنَّ استنباطاتِه مبنية على أدلتها، مستندةٌ إلى نُصوصها، يُضاف إلى ذلك تعليقاتُه الهامةُ على كثيرٍ من الأحاديث، يُفَسِّر فيها لفظاً غريباً، أو يُوضح معنى مستغلقاً، أو يرفع إشكالاً، ويزيلُ إبهاماً، أو يجمعُ بين روايتين الظاهرُ أنَّ بينهما تضاداً وتهاتراً - على حد تعبيره - أو يذكر اسم رجل بتمامه إن ذُكر في الإِسناد كنيتُه أو العكس، إلى آخر ما ذكره من شوارد وفرائد، زادت في غنى كتابه، وجعلته مُنقطع النظير في بابه. ومع هذا فقد ظلَّت الإِفادةُ منه مقصورةً على الصفوة من الأئمة، الذين اقتحموا أسواره، واقتطفوا ثماره وأزهاره، وظلَّت أبوابُه موصدةً في وجه كثير ممن تشوَّف إليه، ورغب في الأخذ عنه، وذلك بسبب الطريقة العسرة التي بُني عليها ورُتِّب بها . طريقة ترتيبه : نحا ابنُ حِبّان في ترتيبٍ كتابه هذا طريقةً غريبة، أنتجتها عقليتُه المتميزة بالقُدرة على التصنيف والإِبداع، المُبرمجة بعلم الأصول والكلام، دعاهُ إلى ذلك ما ذكره في مُقدمته من أنه أراد أن يحمل الناسَ على حِفْظ السنن، فلم يَجِد حيلةً في ذلك إلا أن يقسم السُّنن إلى أقسام، كلٌّ قسم يشتمل على أنواع، وكلُّ نوع يشتملُ على أحاديث، قصدُه في ذلك أن يحذُوَ ترتيبَ القرآن، إذ القرآنُ ٤٩ مقدمة التحقيق مؤلَّفٌ من أجزاء، وكلُّ جزءٍ منها يشتمل على سُوَر، وكلُّ سورةٍ تشتمل على آيات، فكما أن الرجل يصعُبُ عليه معرفةُ موضعِ آيةٍ من القرآن إلا إذا حفظه بحيث صارت الآيُّ كُلُّها نصب عينيه، فكذلك يصعُبُ عليه الوقوفُ على حديثٍ في كتابه إذا لم يقصد قَصْد الحِفْظِ له، ثم قال ابنُ حِبّان: ((وإذا كان [المرء] عنده هذا الكتابُ، وهو لا يحفظُه، ولا يتدبَّر تقاسيمه وأنواعه، وأحبّ إخراج حديث منه، صعُبَ عليه ذلك، فإذا رام حفظَه أحاط علمُه بالكل، حتى لا ينخرم منه حديث أصلاً، وهذا هو الحيلة التي احتلْنا ليحفَظَ الناس السنن)). وأنتَ إذا قرأتَ هذه الأنواع المذكورة ضمن أقسامها، وجدتَ أنه قد تفنَّن فيها ما شاء، وأغربَ فيها ما شاء، فهي تصنيفاتٌ أصولية منطقية، لا يكاد يعرفُها إلا من وضعها، ولا يخطرُ على ذهنِ الباحثِ عن حدیثٍ ما في أيِّ نوع أثبته، وهو بعد أن سرَدَ هذه الأنواع قال: ((ولو أردنا أن نَزِيدَ على هذه الأنواع التي نوعناها للسنن أنواعاً كثيرة لفعلنا، وإنما اقتصرنا على هذه الأنواع دون ما وراءها، وإن تهيأ ذلك لو تكلفناه))، فَمَنْ ذاكَ الألمعيُّ الذي يُمكنه أن يلمح ما بَرَق في ذهن ابن حبان من معنى جعلَه نوعاً وأورد تحته حديثاً؟ ومن الذي يستطيع أن يتكلف ما تكلَفه؟ فلا هو أفلح في حَمْلِ الناس على حفظ السنن، ولا ترَكَ كتاباً سهل المتناول، قريبَ المأخذ، مُوطَّأ الأكتاف. ولم يُخْفِ الأئمةُ ما كانوا يعانونه في الكشف عن حديث فيه مع شِدَّةٍ احتياجهم إليه، فالسيوطي - وهو المتمرِّسُ في مطالعة الكتب وقراءتها والتأليف فيها والتصنيف - يتبرَّمُ من طريقة ترتيبه، ويذكر مُعاناته في البحثِ فيه، ويقولُ في ((تدريب الراوي)) ١٠٩/١: و((الكَشْفُ من كتابه عَسِرٌ جداً))، ومن قبله الأميرُ علاءُ الدين الفارسي الذي رتَّبِه يذكر سَبّب إحجام الناس عنه، فيقول: ولكنه لبديع صُنعه، ومنيع وضعه، قد عزَّ جانبه، فكَثُرَ مُجانِبُه. ولما كانت الحاجةُ ماسةً إلى هذا الصحيح، فقد احتال الأئمةُ في تقريبه، وتوطئة سبله، وفتح أبوابه، فسلكوا في ذلك مسلكين اثنين: ٥٠ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان الأول: فهرسته عن طريق ذكر أطرافِ أحاديثه، وهو ما فعله الحافظُ العراقي، فَأَلَّف كتاب ((أطراف صحيح ابن حبان)) بلغ فيه إلى أول النوع الستين من القسم الثالث، ذكره ابنُ فهد في ((لحظ الألحاظ)) ص ٢٣٢. وألّف الحافظُ ابنُ حجر كتاب («إتحاف المهرة بأطراف العشرة)) منها: ((صحيح ابن حبان)) ذكره ابن فهد في ((لحظ الألحاظ» ص ٣٣٣. الثاني: إعادة ترتيبه على الأبواب الفقهية، شأنُه شأن سائر كتب السنن، والتي يسهل فيها الكشف عن أيِّ حديث منها، وممن رتَبه: ١ - الحافظ مغلطاي بن قليج، المتوفى سنة ٧٦٢هـ، كما ذكر في ((لحظ الألحاظ)) ص ١٣٩. ٢ - الحافظ محمدُ بن عبد الرحمن بن محمد، المعروف بابن زُريق، المتوفى سنة ٨٠٣هـ، كما ذكر في ((لحظ الألحاظ)) ص ١٩٦. ٣ - ومنهم من نقومُ بطبع ترتيبه هذا، وهو الأمير علاءُ الدين الفارسي، وقد سمى كتابه ((الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان))، ذكر في مقدمته أنَّ صحیح ابنِ حِبّان لم يُنسج له على منوال، لكنه لبدیع صُنعه، ومنيع وضعه، قد عزَّ جانِبُه، فكثر مُجانِبُه، وتعسَّر اقتناصُ شوارده، فتعذّر الاقتباسُ من فوائده وموارده، إلى أن قال: فرأيتُ أن أتسبَّب لتقريبه، وأتقرَّبَ إلى الله بتهذيبه وترتيبه، وأُسهِّله على طلابه، بوضع كل حديث في يابه، الذي هو أولى به، ليؤمَّه من هجره، ويُقَدِّمَه من أهمله وأخّره. وقبل الكلامِ عن عمل الأمير في كتابه ((الإِحسان))، ووصفِ النسخة التي اعتمدتُها في طبع الكتاب، لا بد من إيراد ترجمة موجزةٍ لمؤلفه الأمير علاءالدین. * ٥١ مقدمة التحقيق ترجمة الأمير علاءالدين الفارسي(*) هو الأميرُ علاءُالدين أبو الحسن عليُّ بن بَلبان بن عبدالله الفارسي المصري، المحدثُ الفقيه الحنفي النحوي. ولد سنة ٦٧٥هـ، وأخذ العُلُوم عن كبار علماء عصره الحافل بفحول الأئمة والحفاظ، حتى صار من أوحد المتبحرين في الأصول والفروع. فسمع الحديثَ من الحافظ شرفِ الدين عبدالمؤمن بن خَلَف الدمياطي المتوفى سنة ٧٠٥هـ، والحافظ بهاء الدين القاسم ابنٍ عساكر المُتوفى سنة ٧٢٣هـ، والمحدثِ محمدٍ بن علي بن ساعد المحروسي الخالدي المتوفى سنة ٧١٤هـ، والمحدثِ علي بن نصرالله بن عمر بن عبد الواحد القُرشي المصري المتوفى سنة ٧١٢هـ، والحافظِ القُطْب الحلبي عبد الكريم بن عبدالنور الحنفي المُتوفى سنة ٧٣٥هـ. (*) مترجم في المصادر التالية: أعيان العصر الصفدي الورقة ٢/٧٧، الوافي بالوفيات ١٤/١٢، ١٥ (نسخة الظاهرية)، الجواهر المضية ٥٤٨/٢، السلوك للمقريزي ٢/ق/٤٧٠/٢، الدرر الكامنة ٣٨/٤، النجوم الزاهرة ٣٢١/٩، تاج التراجم ص ٣١، بغية الوعاة ١٥٢/٢، حسن المحاضرة ١ /٤٦٨، طبقات الحنفية لمحمد بن عمر حفيد آق شمس الدين الورقة ٣٣، طبقات الحنفية للحنائي الورقة ٣٥، طبقات الحنفية لطاش كبري زادة ١٢٣، طبقات الحنفية للقاري الورقة ٣٧، الفوائد البهية ١١٨، كشف الظنون ١٥٨ و٤٧٢ و١٠٠٣ و١٠٧٥ و١٧٣٧ و ١٨٣٢، إيضاح المكنون ٣٢، هدية العارفين ٧٨، إعلام كتائب الأخيار ٥٥٩، الطبقات السنية لتقي الدين الغزي (١٤٦٦)، الرسالة المستطرفة ٢٠. ٥٢ ١ الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان وأخذ الفقه عن شيخِ الحنفية فخرِالدينِ عثمانَ بنِ إبراهيم بن مصطفى المارديني، المعروف بابنٍ التركماني، المتوفى سنة ٧٣١هـ، وعن شمس الدين أبي العباس أحمد بن إبراهيم السروجي الحنفي، المتوفى سنة ٧١٠هـ. وأخذ الأصولَ عن العَلاَءِ القَونوي أبي الحسن عليٍّ بن إسماعيل التبريزي الشافعي، المتوفى سنة ٧٢٩هـ. ودرس النحو على لُغَويِّ زمانه أبي حيان الأندلسي الغرناطي صاحب ((البحر المحيط)) المتوفى سنة ٧٤٥هـ. قال الحافظُ الذهبي في ((معجمه المختص)»: سمع بقراءتي من البهاء ابنِ عساكر، وكان تركياً عالماً وقوراً. وقال أيضاً: كان جِيِّد الفهم، حسنَ المذاكرة، مليح الشكل، وافر الجلالة. وقال الحافظ ابنُ حجر في ((الدرر)): صحب أرغون النائب، وعظُمت منزلته في أيام المُظَفَّر بيبرس، وكان قد عُيِّن مرةً للقضاء لسكونه وعلمه وتصوُّنه . ووصفه معاصرُه ابنُ أبي الوفاء القُرشي وهو من طبقة تلاميذه بأنه الأميرُ الفقيهُ الإِمامُ، وأنَّه حصَّل من الكُتُب جُملة، وجمع وأفاد، وأفتى . مؤلفاته : يظهر أنه كانت لديه رغبةٌ شديدةٌ في تيسير الكُتُب وتقريبها إلى طلبة العلم، سواء بإعادة ترتيبها أو شرحها أو تلخيصها، ولذا قام بترتيب ((التقاسيم والأنواع)) لابن حبان، وبترتيب ((معجم)) الطبراني، على أبواب الفقه، وأشار عليه بذلك شيخُه القطبُ الحلبي، وشَرح ((تلخيص الجامع الكبير في الفروع)) لكمال الدين محمد بن عباد الخلاطي الحنفي المتوفى سنة ٦٥٢هـ قال فيه صاحب ((كشف الظنون)) ٤٧٢/١: وهو شرحٌ طويل أبدع فيه وأجاد، وسماه ٥٣ مقدمة التحقيق (((تحفة الحريص))، والجامع الكبير هو لمحمد بن الحسن الشيباني(١)، وألّف أيضاً سيرة لطيفة للنبي صلى الله عليه وسلم، وكتاباً في المناسك جامعاً لفروع كثيرة في المذهب الحنفي، ولخّص ((الإِلمام)) لابن دقيق العبد. وفاته : توفي بمنزله على شاطىء نيل مصر في التاسع من شوال سنة ٧٣٩هـ، ودُفن بتربته خارج باب النصر. كما قال ابن أبي الوفاء القرشي (٢). كتابه ((الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان)»: والذي فعلَه الأميرُ في كتابه هذا أنه عَمَدَ إلى ((صحيح)) ابن حبان المُرََّّب على التقاسيم والأنواع، فرتَّبه على الكتب والأبواب، وهو عملٌ جليل عظيم، أدنى به قطوفه، ويَسَّر ثماره، وقربه لطالبيه، بيد أنَّ له يداً طولى أمينةً في المحافظة على أصل الكتاب بما فيه من نفائس وفرائد، ومن أعظم ذلك أنه أثبتَ عناوين الأحاديث التي كتبها ابنُ حبان بنصِّها كاملة، وتشتملُ هذه العناوين على ما استنبطه ابنُ حبان من فقه الحديث، كما أثبتَ ما ذكره ابنُ حِبَّان من تعليقاتٍ نفيسة في مواضيع شتَّى، فأوردها الأمير بإثر الأحاديث، مصدرةً بقوله: قال أبو حاتم. يُضاف إلى هذا كله مأثرةٌ عظيمةٌ صنعها الأمير، وهي أنه وضع بإزاء كل حديث ذكره رقمّ النوع الذي رواه فيه ابنُ حبان، وَرَقَمَ القسم الذي فيه هذا النوع، كما نصَّ على ذلك في مقدمته للكتاب(٣)، وبذكر هذه الأرقام أشار إلى موضعِ كل حديث في الكتاب الأصل وهو ((التقاسيم والأنواع))، ويكونُ بذلك (١) وهم البغدادي في ((هدية العارفين)) فجعل ((الجامع الكبير)» للبخاري. (٢) أخطأ السيوطي في ((حسن المحاضرة)) فارَّخ وفاته سنة ٧٣١هـ. (٣) راجع المقدمة، وانظر طريقته في ذكر الأرقام. ٠٠,٠١٠٠٠٠٠ ٥٤ الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان قد صنع فهرساً حقيقياً كاملاً للكتاب(١)، ويمكن عن طريق هذه الأرقام إعادةٌ الكتاب إلى ترتيب مؤلفه الأصلي، إلا أن ذلك يعني إعادته إلى مخبئه بعد أن جدَّ العلماءُ في إخراجه منه. إنَّ هذه المأثرة التي صنعها الأمير علاءُ الدين، لتدلُّنا على عقله المنظّم، وفكره الواسع، ومنهجه الدقيق، وتشهدُ أيضاً أنه أدّى الأمانة كاملة غير منقوصة، ونَقَلَ ذخائر الكتاب من غير أن يُسقط منها شيئاً، فجزاه اللَّهُ عن المسلمين خيراً. وصف نسخة ((الإِحسان)) المعتمدة في إخراج الكتاب : كان من توفيق الله عز وجل أن وقفني على نُسخة من كتاب ((الإِحسان)) هذا، طالما اجتهدتُ في تحصيلها، وحرصتُ على اقتنائها، رغبةً في تحقيقها ونشرها، إلى أن يسَّر اللَّهُ المراد، وحقّق الآمال، فأرجوه تعالى إتمام نعمته، بإعانتي على إتمام نشر الكتاب، إنه ولي كل نعمة. والنسخةُ الكاملةُ لكتاب ((الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان)» التي اقتنيتُ صورة عنها، واتخذتُها أصلاً لإِخراج الكتاب، موجودة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٣٥) حديث، في تسعة مجلدات مِن الأول إلى السادس، ثم الثامن والتاسع، ثم مجلد من نسخة أخرى يُكَمِّلُ النقصَ الذي بَيْنَ السادس والثامن. وعلى هذه الأجزاءِ التسعةِ - عدا السابع - صيغةُ وقفٍ جاء فيها: أوقفها عبدُ الباسِط بنُ خليل الشافعي على طلبةِ العلم الشريف ينتفِعُون بها على الوجه الشرعي، وجعل مَقَرَّها الخزانة السعيدة بالخانقاه التي أنشأها المشارُ إليه ... بتاريخٍ ثامن عشر شهر شوال المبارك سنةً ثلاث وعشرين وثمان (١) أنظر ما ذكره المرحوم أحمد شاكر عن عمله هذا في الجزء الأول الذي أصدره من الكتاب ص ١٧. ٥٥ مقدمة التحقيق مئة (١)، وهي غُفْلٌ مِن اسمِ الكاتب، وتاريخِ الكتابة، ويَغْلِبُ على الظن أنها كتبت في النصف الأخير من القرن الثامن(٢). وهي نسخة نفيسة متقنة كتبت بخط نسخي واضح، يندر فيها الخطأ، وهاك وصف أجزائها: المجلدُ الأولُ: عددُ أوراقِه (٣٠١) ورقة، وأوله: ما جاء في الابتداء بحمدِ الله تعالى، وفيه كتابُ الاعتصام، والسنة، والوحي، والإِسراء، والعلم، والإِيمان، والإِحسان ، والإِخلاص، وأعمالِ البر، والعزلة. وآخره: ذكرُ البيانِ بأن الاعتزالَ لمن تفرَّد بغنمه مع عبادةِ الله إنما يستحق الثوابَ الذي ذكرنا إذا لم يكن يُؤذي الناسَ بلسانه ويده. المجلدُ الثاني: عددُ أوراقه (٣١٨) ورقة، وأوَّلُه كتاب الرقائق، وفيه فضائل القرآن، والأذكار، والدعوات، والاستعاذة، والطهارة، والمسح على الخفين، والحيض. وآخره: ذِكْرُ ما يُستحب للمرء إذا بال بالليل وأراد النوم. (١) وقد أخطأ العلامة أحمد شاكر رحمه الله خطأً مبيناً، فجعلها سنة (١١١٣)، وبنى على هذا الخطأ التقليل من أهمية هذه الوقفية، وأنها غير مجدية من الوجهة التاريخية والوجهة العلمية. وما ندري كيف وقع له هذا الخطأ، فإن التاريخ في نص الوقفية واضح لا تتعذر قراءته على مثله، والواقف للنسخة - وهو عبدالباسط بن خليل - مترجم في ((الضوء اللامع)) ٢١/٤، وفيه تاريخ وفاته ٨٥٤هـ. (٢) ويرى الشيخ شاكر رحمه الله - وهو الأرجح - أن المجلدات الثمانية هن من نسخة المؤلف نفسه، وأنهُنَّ لَسْنَ بخطه، بل بخط أحدِ الناسخين، ويُدلِّلُ لذلك بقوله: ذلك لأني أَجِدُ مواضع كثيرة مضروباً عليها فيها بخطٍ رفيع ضعيفٍ، وبعضُها أحاديثُ كاملة، وبعضُها أبواب كاملة تكونُ نحو صفحة في بعض الأحيان يكتب الكاتب هذا الشيء ثم يضرب عليه بعد تمامه أحياناً، وقبل تمامه أحياناً مما أظن معه أنه كان ينقل من مُسوَّدَةِ المؤلف، ولعلَّه بإشارته وإشرافه، ثم يُنبهه المؤلف إلى خطئه في النقل، أو يَعْدِلُ عن هذا الترتيب إلى خيرٍ وأحسن في رأيه ونظره، ولا أستطيع أن أقتنع بأن هذا التصرف مِن أغلاط الناسخين، فإن أغلاط الناسخين تكون من نوع غير هذا. ٥٦ الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان المجلَّدُ الثالثُ: عددُ أوراقه (٣٠٢) ورقة، وأوَّلُه كتابُ الصلاة، وفيه الصلاة، وآخِرُه: ذكرُ ما يجب على الرجال إذا سلَّم إمامُهم لانصراف النساء، ثم يقومون لحوائجهم. المجلَّدُ الرابعُ: وعددُ أوراقه (٢٨٨) ورقة، وأوَّلُه: باب الحدث في الصلاة، وفيه ما بقي من كتاب الصلاة، وكتاب الجنائز. وآخره: ذكرُ الأمرِ بسؤال الحياة أو الوفاة أيهما كان خيراً منهما للمرء إذا أراد الدعاء. المُجَلَّدُ الخامِسُ: وعددُ أوراقه (٢٥٠) ورقة: وأوَّلُه: فصل في المحتضر، وفيه بقية كتاب الجنائز، وكتاب الزكاة والصوم والاعتكاف. وآخرُه: ذكرُ البيان بأن ضوء الشمس في ذلك اليوم إنما يكون بلا شعاع إلى أن يرتفع النَّهَارُ كُلُّه . المجلد السادس: وعددُ أوراقه (٢٨٨) ورقة. وأوَّله: كتابُ الحج، ويتضمن كتاب الحج، والنكاح، والطلاق، والعتق والكتابة، والإِيمان، والنذور، والحدود. وآخِرُه: ذكرُ السبب الذي من أجله أنزل الله جل وعلا: ﴿كيف يهدي اللَّهُ قوماً كفروا بعدَ إيمانِهم﴾ . المجلد السابع: وعددُ أوراقه (٢٦٤) ورقة، وأوَّلُه: كتاب السير، وفيه الجهاد، واللقطة، والوقف والبيوع، والحجر والحوالة والكفالة، والقضاء، والشهادات، والدعوى، والصلح، والعارية، والهبة، والرقبى، والعمرى، والإِجارة، والغصب، والشفعة، والمزارعة، وإحياء الموات، والأطعمة والأشربة، واللباس والزينة، وآداب النوم، والحظر والإِباحة، والصيد والذبائح، والأضحية والرهن، والفتن، والجنايات، والديات، والوصية والفرائض، والرؤيا والطب، والرقى والتمائم، والعدوى، والطيرة، والنجوم والكهانة، والسحر. وهذا المجلدُ من نسخة أخرى كتب عليه الرابعُ، وهو بخط مغاير للأجزاء السابقة إلا أنه يكمل النقصَ الذي بين السادس والثامن، وقد جاء في آخره ما نصه: آخرُ الجزء الرابع من «الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان»، ويتلوه ٠٠١٠٠٠٠ ٥٧ مقدمة التحقيق في أول الخامس كتاب التاريخ، كتبه والأجزاء التي قبله العبد الفقير المعترف بالعجز والتقصير يوسف بن علي بن محمد المعروف بصلاح السعودي عفا الله عنه وعن والديه وعن جميع المسلمين بِمَنِّه وكرمه آمين. المجلدُ الثَّامِنُ: وعددُ أوراقه (٣٠٣) ورقات، وأَوَّلُه: كتاب التاريخ، فيه بدء الخلق، وصفة النبي صلى الله عليه وسلم، وهجرته إلى المدينة، والحوض، والشفاعة. وآخره: ذكرُ الإخبار عن وصف الريح التي تجيء تقبض أرواح الناس في آخر الزمان. المُجَلَّدُ التاسِعُ: وعددُ أوراقه (٢٧٥) ورقة. وأوَّلُه: بابُ إخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة رضي الله عنهم، وفيه خصائصُه صلى الله عليه وسلم وفضائله ومعجزاته، وتبليغه الرسالة، ومرضه ووفاته، وإخباره صلى الله عليه وسلم عما يكون في أمته من الفِتن والحوادث، ومناقب الصحابة والفضائل والبعث، وأحوال الناس فيه، وصفة الجنة وأهلها، وصفة النار وأهلها. وجاء في آخره: آخر المجلد التاسع ((الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان)) رحمه الله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ونص الوقفية التي جاءت فيه : وقف هذا الجزءَ وما قبلَه وهو تسعةُ أجزاء من ترتيب صحيحٍ ابن حبان على طلبةِ العلم الشريف ينتفعون بذلك على الوجهِ الشرعي العبدُ الفقيرُ إلى الله تعالى الراجي عفو ربه الجليل: عبد الباسط بن خليل الشافعي تقبل الله منه، وجعل مقره بالخزانة السعيدة بالخانقاه التي أنشأها المشار إليه، شرط أن لا يخرج ذلك، ولا شيءٌ منه من الخانقاه المذكورة برهن ولا بغيره ﴿فمن بدَّله بعدَ ما سَمِعَه فإِنما إِثْمُه على الذِينَ يَبْدِّلونه إن الله سميع عليم﴾ بتاريخ ثامن عشر شهر شوال سنة ثلاث وعشرين وثمان مئة. ٥٨ الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان ثم إني اعتمدتُ في إخراج الكتاب أيضاً على ماتيسّر لي من أجزاء الكتاب الأصلي، أي ((التقاسيم والأنواع))، وكنتُ أرجع إليها لتصويب ما وقع من خطأ أووهم في كتاب ((الإِحسان)) كما سأبين في منهج التحقيق، وهاك وصفَ الأجزاء التي بحوزتي من ((التقاسيم والأنواع)). وصف الأجزاء التي عِندَنا مِن التقاسيم والأنواع : ١ - قطعة مصورة من الجُزء الأول الموجودِ بدار الكتب المصرية ضِمنَ مجموعة برقم (٢١٧) مجاميع م، أي: إنها من كتب الأمير مصطفى فاضل، وعددُ أوراقها (٧٢) ورقة، وهي ناقصةٌ من آخرها، فليس فيها ختامُ الجزء، ولا تاريخُ كتابته، وفيها خَرْمٌ بين الورقتين ٦٩ - ٧٠، يتعذر تقديرُه. وهذه القطعةُ واضحة الخط، جيدةُ الضبط، يغلِبُ عليها الصحة، مما يَدُلُّ على أن كاتبها من أهل العلم بالحديث. وجاء في عنوان الصفحة الأولى منها ما نصه: الجزء الأول من المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها، ولا ثبوتِ جرحٍ في ناقليها، مِن تصنيف شيخ الإِسلام، أوحد الحفاظ، سيِّدِ النقاد، أبي حاتم، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان التميمي، تغمده الله برحمته، رواية أبي الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن هارون الزوزني عنه، رواية أبي الحسن علي بن محمد بن علي البَحَّاثي عنه، رواية أبي القاسم زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي عنه، رواية الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر عنه. ٢ - الجزء الثاني: من نسخة أخرى نفيسة، وهي مصورة عن مكتبةٍ أحمد الثالث بإسلامبول، رقم (٣٤٧) وعددُ أوراقه ٢٢٢ ورقة، وهو جزءٌ صحيح متقن، جليلُ القدر، فرغ من كتابته، أحمدُ بن يحيى بن علي بن محمد بن عبدالرحمن بن عساكر، تجاه الكعبة المشرفة في ١٧ جمادى الأولى ٥٩ مقدمة التحقيق سنة ٧٣٩، ثم قرأه في العام نفسِه بالحرم الشريف، تجاهَ الكعبة المعظمة على شيخين أحدهما: قطب الدين أبوبكر محمد بن الإِمام جمال الدين محمد بن المكرم الأنصاري، والثاني: ناصرالدين محمد بن محمد بن أبي المنصور العسقلاني ثم المصري أحد خدام الحرم الشريف، كما وُصِفَ في ثَبَتِ السماع، وقد أثبت أحمدُ بن يحيى بن عساكر على هذا الجزء نصوصَ السماعات التي وجدها في الأصل الذي نقل منه. ٣ - الجزء الثالث: مصور عن الأصل الموجود في أحمد الثالث، وعدد أوراقه ٢٢٢ ورقة وهو بخط الكاتب نفسه أحمد بن يحيى بن علي بن محمد بن عبدالرحمن بن عساكر، أتم كتابته يوم الخميس ٢٣ رجب سنة ٧٣٩، تجاه الكعبة المعظمة . وفي آخره سماعٌ بخطٍّ كاتبه أحمد بن يحيى بقراءته على الشيخين قطب الدين بن المكرم، وناصرالدين محمد بن أبي المنصور، وبحضور الإِمام شمس الدين بن القيم، وكان الأصلُ بيده، ينُرُ فيه ويُعَارِضُ به، وبحضور عبدالله ولد ابن القيم، وكان ينسخ، والشيخ أحمد بن محمد بن مجاهد، وكان بيده نسخة يُعارض بها مسموعته على المُرسي، وكان هذا السماع في مجالس آخرها في ١٠ ذي القعدة سنة ٧٣٩. ويتضمن هذا الجزء والذي قبلَه نصفَ الكتاب باعتبار التجزئة، فإنَّ ناسخها أحمد بن يحيى بن عساكر، قال في آخر المجلد الثاني : آخرُ المجلد الثاني من التقاسيم والأنواع لأبي حاتم بن حبان من تجزئة أربعة أجزاء. وهما نصفُ الكتاب تقريباً باعتبار الأنواع، فإن ابنَ حِبان ذكر في مقدمة كتابه أنه قَسَّم الكتاب إلى خمسة أقسام، وفي هذه الأقسام أربع مئة نوع، وأول المجلد الثاني: النوع (٩٦) من القسم الأول، وهو الأوامر، وأنواعه: ١١٠، ٦٠ الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان ففي هذا المجلد منها ١٥ نوعاً، ثم فيه القسم الثاني كله، وهو النواهي: وأنواعه: ١١٠، وفيه ٨ أنواع من القسم الثالث، وهو الأخبار، فهذه ١٣٣ نوعاً. وأول المجلد الثالث النوع ٩ من القسم الثالث وهو ٨٠ نوعاً ففيه منها ٧٢ نوعاً، ثم فيه عشرة أنواع من القسم الرابع، وهو الإِباحات، فهذه ٨٢ نوعاً، ففي الجزئين معاً من عدد الأنواع ٢١٥ نوعاً، وهي أكثر من نصفها عدّاً. ٤ - الجزء الثالثُ: من نسخة أخرى، وهي مصورة عن الأصلِ الموجود في مكتبة فيض الله بإسلامبول، وعدد أوراقه ٢٢٥ ورقة وهي غاية في الإتقان والضبط، جاء في خاتمة هذا الجزء ما نصُّه: آخِرُ قسم الأخبار، والحمد الله عدد أنفاس أهل الجنة، يتلوه في الجزء الرابع - وهو آخر الكتاب - القسم الرابع - وهو الإِباحات - أنهاه لغيره الحسن بن علي بن الجوزي، ضاحي نهار الأربعاء، سلخ محرم سنة إحدى وست مئة (١). وعلى هذا الجزء سماعات كثيرة، منها سماعان على الحافظ أشرف الدين السلمي المرسي، أولهما: في مجالس آخرها يوم الاثنين ١٦ رجب سنة ٦٤٤، بالحرم الشريف تجاه الكعبة المعظمة. وثانيهما: في العشر الأول من شهر شعبان من سنة أربع وأربعين وست مئة بالحرم الشريف تجاه الكعبة المعظمة. وهذا المجلد مدرج في أثناء المجلدين السابقين اللذين بخط أحمد بن عساكر(٢). ٥ - نسخة حيدر أباد الدكن: قطعة تشتمل على (١٢٢) ورقة تتضمن (١) راجع ((فهرس المخطوطات المصورة)) قسم (التاريخ) للدكتور لطفي عبدالبديع، القسم الثالث، ص ١١٥. (٢) وقد وصف هذه النسخ العلامة المرحوم أحمد شاكر وصفاً دقيقاً مفصلاً، ودرس السماعات المثبتة فيها، وترجم لبعض من ورد ذكره فيها ممن وقف له على ترجمة، راجع مقدمة الجزء الأول الذي طبعه من الكتاب، ص ٢٢ - ٤٠. :