Indexed OCR Text
Pages 1-20
صُحْيُ ابن حبان بْترتيب ابْنْ بِلتَكَانٌ تتأليف الأمير علاء الدّين عَلى بْبَانُ الفَارِسيّ المتولاسنة ٧٢٩هـ حَقَّقَهُ وَ خَرَّج أحاديثه وَعَلَقَ عَلَيْه شُعَيَبُ الأَرَبَوُوظ مؤسسة الرسالة C جَع الحقوق محفوظة الطَبَعَة الثَّانِيَة ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣م طِبَعَة جَديدَة مَيدَة وَمُنقّحَة مؤسسة الرسالة للجف شاعة ب والششر والتوزيع مؤسّسَة الرسَالة بَيروت - شَارع سُوريًا - بنَاية صَمَدِي وَصَالحَة هَاتف: ٨١٥١١٢٠٦٠٣٢٤٣-ص.ب، ٧٤٦٠ بَرَفِيًّا، بيُوشَرَان صَحِيحُ ابْنْحَبّانْ بترتيب ابْنْ بِلتَان تتأليف الأميرِ عَلَاءِ الدّين عليّبْبَارِ الْفَارِسِيّ المتوفرسَنة ٧٣٩هـ المجلد الأول حَقَّقَهُ وَخَرَج أحاديثه وَعَلّقَ عَلَيْه شُعَيَبُ الأَرْتَفُوظ مؤسسة الرسالة أخرَجٌ مِنْ عُلُمُ الحَدِيثِ مَا عَجَزَ عَنْهُ غَيْرُه يا قوت الحموي شِـ " أنه الرّحم الرّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإِنَّ اللّه تعالى وفَّق للسُّنَّة المُطهرة حُفّاظاً عارفين، وجهابذةً عالمين، وصيارفةً ناقدين، ينفُون عنها تحريفَ الغالين، وانتحالَ المُبطلين، وتأويلَ الجاهلين، فتنوَّعوا في تصنيفها، وتفتَّنوا في تدوينها، على أنحاء كثيرة، وضروب عديدة، حرصاً على حفظها، وخوفاً من إضاعتها. وكان من أحسنها تصنيفاً، وأجْوَدِها تأليفاً، وأكثرِها صواباً، وأقلِّها خطأ، وأَعَمِّها نفعاً، وأعْوَدِها فائدة، وأعظمِها بركة، وأيسرها مؤونة، وأحسنِها قبولاً عند الموافق والمخالف، وأجلُّها موقعاً عند الخاصة والعامة؛ ((صحيحُ)) أبي عبدالله محمدٍ بن إسماعيل البخاري، ثم ((صحيح)) أبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري(١). وما هذه المنزلةُ الرفيعة التي تبوّأها هذان الكتابان إلا لاقتصارهما على الصحيح دون سواه، غير أنّهما لم يستوعبا الصحيحَ من الآثار، ولا التزما ذلك أصلاً، فابنُ الصلاح يروي عن البخاري أنه قال: ما أدخلتُ في كتابي ((الجامع)) إلا ماصحَّ، وتركتُ من الصحاح لحال الطول (٢). وقال: أحفظُ مئة ألف حديث صحيح. وجملةُما (١) هذا النص مأخوذ من خطبة المزي في ((تهذيب الكمال)) ١٤٧/١ (طبعة مؤسسة الرسالة). (٢) وروى عنه ذلك أيضاً الحازمي في ((شروط الأئمة الخمسة)) ص ٦٣. وروايته: ((لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحاً، وما تركت من الصحيح أكثر)). ٦ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان في كتابه ((الصحيح)) سبعة آلاف واثنان وخمسةٌ وسبعون حديثاً بالأحاديث المتكررة. كما نقل ابنُ الصلاح أيضاً عن مسلم قوله: ليس كُلُّ شيءٍ عندي صحيح وضعتُه هنا - يعني في كتابه ((الصحيح)) - إنما وضعتُ ها هنا ما أجمعوا عليه. ونقل الحازمي عن البخاري قوله: كنتُ عند إسحاق بن راهويه، فقال لي بعضُ أصحابنا: لو جمعتُم كتاباً مختصراً لسُنن النبي صلى الله عليه وسلم، فوقع ذلك في قلبي، فأخذتُ في جمع هذا الكتاب. قال الحازمي: فقد ظهر بهذا أنَّ قصد البخاري كان وضع مُختصر في الحديث، وأنه لم يقصد الاستيعاب لا في الرجال ولا في الحديث. وبقاءُ عددٍ كبير من الأحاديث الصحيحة خارجَ ((الصحيحين)) حرَّكَ همة الحفاظ إلى جمعها واستيعابها والتصنيفِ فيها، فكان أن ألَّف ابنُ خُزيمة (صحيحه)(١)، وتبعه تلميذه ابنُ حبان، فألّف صحيحه المسمى بـ ((التقاسيم والأنواع))، ثم ألّف تلميذُه الحاكم ((مستدركه على الصحيحين))(٢). وشرطُ هؤلاء كما هو ظاهرٌ روايةُ الصحيح من الحديث، على تفاوتٍ بينهم في التزام الصحيحِ المُجَرّد، فما هو مدى التزام كل واحد منهم برواية الصحيح، وما هي منزلةً ((صحيح)) ابن حبان بين الصحاح؟ الجوابُ عن ذلك يستلزم التعريف بشخصية ابن حبان، وسيرته، وحياته العلمية، ومدى تمكّنه من علوم الحديث، ثم سبر صحيحه من خلال شروطه ومناقشتها وأقوال الأئمة فيها، إلى آخر ما يتعلق به، فلنمضِ في ترجمته والتعرُّف إليه. (١) طبع القسم الموجود منه بتحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، في أربعة أجزاء، تبدأ بكتاب الطهارة، وتنتهي بكتاب الحج: باب إباحة العمرة قبل الحج. والقسم المتبقي من الكتاب لا يزال مفقوداً. (٢) وهو المعروف المتداول. ٧ مقدمة التحقيق ابن حِبّان(*) هو الإِمامُ العالم الفاضل المُتقن المُحقِّق الحافظُ العلامةُ محمدُ بن حِبّان بن أحمد بن حِبّان أبو حاتم التميمي البُسْتِي السِّجِسْتاني، ونسبتُه التميمي نسبةٌ إلى تميم جَدِّ القبيلة العربية المشهورة، الذي يرتفع نسبُه إلى عدنان(١)، فهو عربي الأرومة، إلا أنَّه أفغاني المولد. فقد وُلد في مدينةٍ قديمة كانت تُعَدُّ من أعمال سجستان، وموقعُها اليوم ضمن أفغانستان الحديثة، يقال لها: بُسْت، من أجلِّ مدن البلاد الجبلية في (*) مترجم في المصادر التالية: الأنساب ٢٠٩/٢، معجم البلدان ٤١٥/١ - ٤١٩، إنباه الرواة ١٢٢/٣، الكامل في التاريخ ٥٦٦/٨، اللباب ١٥١/١، المختصر لأبي الفداء ١٠٥/٢، طبقات ابن الصلاح ترجمة (١٤)، مختصر طبقات علماء الحديث لابن عبدالهادي ترجمة (٨٤٩)، سير أعلام النبلاء ٩٢/١٦ -١٠٤، تذكرة الحفاظ ٩٢٠/٣، تاريخ الإسلام وفيات ٣٥٤، ميزان الاعتدال ٥٠٦/٣، العبر ٣٠٠/٢، دول الإسلام ٢٢٠/١، الوافي بالوفيات ٣١٧/٢، مرآة الجنان ٣٥٧/٢، طبقات الشافعية للسبكي ١٣١/٣، طبقات الشافعية للإسنوي ٤١٨/١، البداية ٢٥٩/١١، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١٠٥/١، لسان الميزان ١١٢/٥، النجوم الزاهرة ٣٤٢/٣، تدريب الراوي ١٠٨/١، طبقات الحفاظ للسيوطي ص ٣٧٤، فيض القدير للمناوي ٢٧/١، شذرات الذهب ١٦/٣، هدية العارفين ٤٤/٢، الرسالة المستطرفة ٢٠، ٢١، دائرة المعارف الإسلامية ١٢٨/١، دائرة المعارف للبستاني ٤٣٩/١، الفهرس التمهيدي ص ٣٧٧، و٤٣٣، التاج المكلل الترجمة (٣٢٦). (١) ساق نسبَ ابن حبان بتمامه مرفوعاً إلى عدنان ياقوتُ في ((معجم البلدان)، وسيورده الأمير علاء الدين الفارسي في مقدمته لهذا الكتاب. ٨ الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان شرق سجستان، تقع على الضُّفَّة اليسرى للنهر الكبير هِيْلْمند، إلى الجنوبِ من الموقعِ الذي يتصِلُ بنهر أَرْغَنْداب، فهي ذاتُ موقع حسن جداً، لكونها في الزاوية التي بين هذين النهرين في البُقعة التي يُصبح فيها النهر صالحاً للملاحة، وحيث تلتقي الطرقُ الآتية من زَرَنْج وهراة لتعبر نهر هِيْلمند على جسرٍ من السفن، ثم تُتابعُ سيرها إلى بلوخستان والهند، مما جعلها مركزاً تجارياً إلى بلاد الهند(١). وكانت تمتازُّ بكثرةِ الزروعِ والنخيل والأعناب والفواكه، نظراً لوفرة مياهها، وخِصْب أرضها(٢)، إلا أنَّ حوادثَ الزمان امتدّت إليها، لتغتال بهاءها، فأجالت فيها يد الخراب، وأحالت بساتينها الغنّاء إلى صحراءَ مُجدِبة، وكان بدءُ ذلك حين اكتسح علاءُ الدين حسن جَهَان سُوز (أي محرق العالم) الغُوري مملكة الغَزْنويين، وكانت إحدى مُدُنها، فلحقها ما لحق بمُدن الغزنويين من الخراب، وذلك حوالي سنة ٥٤٥هـ(٣). ويَصِفُها ياقوتُ في أوائل القرن السابع الهجري، فيقولُ: ((والخرابُ فيها ظاهر))، وكان من الممكن لهذه المدينة أن تلتقِطَ أنفاسَها، فتُرِّمَ ما تهدَّمَ منها، لولا أنَّ تيمور أجهز عليها في أواخر القرن الثامن، فأوقعَ بها وبما جاورها الدمار، حين زَحَف إليها من زَرَنِج (٤)، ولم يَبْقَ من بُست إلا حصنُها الذي ظَلَّ يُقاوم الأحداثَ بفضلِ موقعهِ الحربي، إلى أن خَرِّبه نادر شاه في القرن الثاني عشر الهجري عام ١١١٧ هـ = ١٧٣٨م، ولا تزال أسوارُه قائمةً على شاطىء الهيلمند، كما أنَّ الأطلال التي تشغَلُ مساحةً كبيرة من الأرض تشهد على ما كان لهذه المدينة من عظمة وبهاء(٥). (١) انظر ((بلدان الخلافة الشرقية)) ص ٣٧٧ و٣٨٣، ٣٨٤. (٢) ولعل هذا سبب تسميتها بُسْت، إذ معناها في الفارسية: مكان تعبق منه رائحة الفواكه، أو روضة الورد. (٣) انظر: ((البداية والنهاية: ٢٢٩/١٢، و((نزهة الخواطر)) ٧٩/١، و((تاريخ الدول الإِسلامية)) ٦٢٥/٢ و٦٣٠، و((معجم الأسرات الحاكمة)) ص ٤١٩. (٤) انظر ((بلدان الخلافة الشرقية، ص ٣٨٤. (٥) انظر (دائرة المعارف الإِسلامية)) (بُسْت). ٩ مقدمة التحقيق وكانت بُسْت قد دخلت في حَوْزة المسلمين سنةً ثلاث وأربعين للهجرة، إذ افتتحها عبدُالرحمن بن سَمُرة، ثم تقدم منها حتى بلغ كأبُل، ففتحها، وأسر الشاه(١). وتوالى على سجستان - ومنها بُسْت ـ ولاةُ بني أمية، ثم ولاةُ بني العباس، إلا أنهم كانوا في نزاعٍ مُستمر مع الأمراء المستقلين للبلاد المجاورة، والذي كانوا يُلقَّبون برتبيل، إلى أن استطاع رجلٌ من أهل سجستان، ذو جرأة نادرة، وشجاعةٍ فائقة، كان في أول أمره نحاساً، هو يعقوب بن الليث الصَّفَّار، استطاع أن يَغْلب على إقليم سجستان سنة ٢٥٤هـ، ثم سار ليبسُطَ سيطرتَه على هَراة ويُوشنج وكرمان والسِّند وفارس وبلخ، مُبتدئاً عهد الدَّولة الصّفّارية(٢)، ويموتُ يعقوب سنة ٢٦٥هـ ليخلُّفَه أخوه عمرو الذي أظهر الطاعةً الخليفة العباسي، فولاه على ولايات سجستان وخُراسان وفارس وأصفهان وكرمان والسند، غير أنَّ تزايد سطوته أثارت قَلَقَ الخليفة وتوجُسَه، فوجَّه إليه جيشاً بقيادة إسماعيل بن أحمد الساماني، فيقع عمرو أسيراً في بلخ سنة ٢٨٧هـ، ثم يموتُ سنة ٢٨٩هـ، وتتقلَّصُ بذلك سيطرةُ الصفاريين عن تلك الولايات الواسعة، لتَقَعَ في قبضة السامانيين الذين أبقَوا لبني الصَّفّار حُكْم إقليم سجستان في ظل سيادتهم وتحت سيطرتهم، ويستمِرُّ حُكْمُ الدولة السامانية حتى سنة ٣٨٩هـ، حيث وافاها ما تُلاَقيه الدول، حين دَهِمَت خيولُ الغَزْنوبين بلاد السامانيين، فأسقطت حكمهم، وأنهت سيطرتهم، لتبدأ أيام الدولة الغزنوية (٣). (١) أنظر ((الكامل)) ٤٣٦/٣. وكانت سجستان وكابل قد فتحتا أيام الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إلا أن أهلها نقضوا بعده، فأعيد فتحهما زمن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه بقيادة عبدالله بن عامر بن كريز. انظر (الكامل)) ٤٤/٣ و ١٢٨ و٤٣٦. (٢) انظر «الكامل)» ١٨٤/٧ وما بعدها. (٣) انظر ((الكامل)) ٧٩/٨ و١٤٨/٩ وما بعدها، و((وفيات الأعيان)) ٤٠٢/٦ -٤٣٢، و((الدول الإسلامية)) ٢٦٣/١ -٢٧١، و(«معجم الأسرات الحاكمة)) ص ٣٠٢، و((دائرة المعارف الإِسلامية)) (أفغانستان) و (سجستان) و(الصفارية). ١٠ الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان في هذه الحقبة من الزمن (أعني عهدي الصفاريين والسامانيين) عاش ابنُ حبان، فقد وُلد في عشر الثمانين ومئتين للهجرة، ولم يذكر أحدٌ سنةً ولادته تحديداً، لكنهم اتفقوا على أنه تُوفي سنة ٣٥٤هـ في عشر الثمانين. سيرته العلمية : ليس لدينا في المصادر المتيسرة لنا نصِّ يكشِف عن أول أمره، وكيفية توجُّهه إلى طلب العلم، وهل كان ذلك باعتناءِ والدهِ، أو أحدٍ أقاربه، أو أحدٍ أصحاب أسرته، أم لا، بيد أنَّ قولَ الإِمام الذهبي: ((طلبَ العلم على رأس الثلاث مئة))(١)، يُشير إلى أنه طلب بنفسه، وأنَّ عمره آنذاك يُنْيِّفُ على العشرين عاماً، فلئن تأخّر قليلاً في الطلب، إلا أنه قد شمِّر عن ساقِ الجد ما أطاق، عُدَّتُه في ذلك هِمَّةٌ عالية قرَّبت إليه المسافات البعيدة، وأَدْنَتْ إليه البلاد النائية، فرحلَ إلى شيوخٍ وقته في بلادهم، وقَصد أجِلَّة عُلماء زمانه في مُدُنهم وقُراهم، لُيُدرِك الأسانيد العالية، فتطلّب ذلك أن يرحل إلى أكثر من أربعين بلداً من بلدان العالم الإِسلامي، في رُقْعةٍ واسعةٍ مُترامية الأطراف، وشَمِلت رحلتُه سجستان وهراة ومرو وسنج والصُّغْد والشاش (طشقند) وبُخارى ونَسَا ونيسابور وأَرْغيان وجُرجان وطهران والكرج وعسكر مُكرَم والأهواز والبصرة وبغداد والكوفة والموصل ونصيبين والرقة وأنطاكية وطرسوس وحمص ودمشق وبيروت وصيدا والرملة وبيت المقدس ومصر وغيرها، وبلغ مجموعُ شيوخه في هذه الرحلة أكثر من ألْفَي شيخ، كما صرَّح هو في مقدمته لهذا الكتاب، فقال: ((لعلَّنا قد كتبْنا عن أكثر من أَلْفي شيخ من الشاش إلى الإِسكندرية))، ويُريد ابنُ حبان من قوله هذا أن يُبين لنا أنه رحل إلى أقصى ما تُمكن الرحلةُ إليه لطلب العلم في عصره، فالشاشُ في جهة المشرق هي أقصى بلاد الإِسلام آنذاك، وبعدها تبدأ بلادُ (١) انظر («ميزان الاعتدال)) ٥٠٦/٣. ١١ مقدمة التحقيق الترك، ولذا يقول ياقوتُ في الشاش: وهي أكبرُ ثغر في وجه الترك(١). وأما الإِسكندرية فآخر بلدةٍ يمكن لمحدثٍ يطلب السُّنن أن يصل إليها آنذاك، لأنّ ما بعدها كانت دولة الفاطميين، ولم يكن ثمت تبادل علميّ معها، فلو أمكنه أن يرحل إلى شيخٍ في بلدة أبعد من ذلك لما قصَّرت به همتهُ، ولا يسعنا إزاء هذا العدد الضخم من الشيوخ في تلك الرقعة الواسعة من الأرض إلا أن نُردِّد مع الذهبي قوله: كذا فلتكُن الهمم(٢). ومع أن ياقوت قد بَسَطَّ في ((معجمه للبلدان)) عدداً كبيراً من هؤلاء الشيوخ وبلدانهم، إلا أنه لم يُمكنه استقصاؤهم، فاختصر، وقال: وجماعة كثيرة من أهل هذه الطبقة سوى من ذكرناهم. وأنَّى له أن يَسْتقصي ألفي شيخ! على أن الذي يهمُّنا من شيوخه هنا إنما هم الذين روی عنهم هذا ((الصحيح))، فقد انتقى من هؤلاء الألفين أكثر من مئة وخمسين شيخاً(٣)، ثم حوَّل على نحوٍ من عشرين منهم هم أوثقُ شيوخه وأضبطُهم وأعلاهم إسناداً، فقال في مقدمة الكتاب: ولم نروٍ في كتابنا هذا إلا عن مئةٍ وخمسين شيخاً أقل أو أكثر، ولعل مُعَوَّل كتابنا هذا يكون على نحوٍ من عشرين شيخاً ممن أَدَرْنا السُّنَن عليهم، واقتنعنا برواياتهم عن روايةٍ غيرهم. وقد قمتُ باستقصاء شيوخه في هذا الكتاب، وأحصيتُ عددَ الأحاديث التي رواها لكل منهم، فتبيّن أنَّ الشيوخ الذين عوَّل عليهم - وعِدَّتُهم واحدٌ وعشرون شيخاً - كُلُّ واحد منهم حافظٌ ثقةً ثبت إمامٌ، مشهودٌ له بالتقدُّم والإِتقان، وسأوردهم لبيان منزلةٍ كل منهم، مُراعياً في ترتيبِهم عددَ (١) علاوة على أن ما بعد الشاش تقع صحراءُ جوبي، والتي لا يمكن عبورها من أضيق أجزائها إلا في شهر كامل من الزمن، أما قطعها في اتجاه طولها فمحاولة فاشلة لا جدوى منها، وذلك لأن تلك المحاولة تستغرق قرابة سنة، ولا شك أن حمل مؤن لمثل تلك المدة شيء غير معقول، کما ذکر ماركو بولو في ((رحلاته)» ص ٨٥، ٨٦. (٢) انظر ((سير أعلام النبلاء)) ٩٤/١٦. (٣) يؤخذ من الفهرس الذي صنعناه لشيوخه أن عددهم ٢١٧ شيخاً. ١٢ الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان الأحاديث التي رواها عن كل منهم، مُبتدئاً بالأكثر فالذي يليه، لِتَتَّضِحَ درجةُ اعتماده على كل شيخ في رواية هذا الكتاب: ١ - الإِمامُ الحائُ، شيخ الإِسلام(١)، أبو يعلى الموصلي أحمدُ بنُ علي بن المثنى، محدثُ الموصل، أحدُ الثقات الأثبات، انتهى إليه علو الإِسناد، حتى إنه أعلى إسناداً من النسائي، ازدحم عليه أصحابُ الحديث، وأجمعوا على ثقتهٍ ودينه، نقل النهي عن أبي يعقوب إسحاق والد أبي عبدالله بن منده، أنه رحل إلى أبي يعلى، وقال له: إنما رحلتُ إليك الإجماع أهل العصر على ثقتك وإتقانك، وألّف ((معجم شيوخه))، و ((مسنده)) الذي قال فيه أبو سعد السمعاني: سمعتُ إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الحافظ يقول: قرأتُ المسانيد كمُسند العَدَني، ومُسند أحمد بن منيع، وهي كالأنهار، ومسندُ أبي يعلى كالبحر يكونُ مجتمع الأنهار. ومسندُه هذا هو الذي عند أهل أصبهان من طريق ابنٍ المقرىء عنه، بخلاف («المسند» الذي من طريق أبي عمرو بن حمدان عنه، فإنه مختصر، وهو الذي اعتمده الهيثمي في ((مجمع الزوائد))، مات أبو يعلى سنة سبع وثلاث مئة. مترجم في ((تذكرة الحفاظ)) ٧٠٧/٢، و((سير أعلام النبلاء)) ١٧٤/١٤. وعدةُ الأحاديث التي رواها ابنُ حبان عنه في «صحيحه)) (١١٧٤) حديثاً. ٢ - الإِمامُ الحافظُ الثبتُ الحسنُ بنُ سفيان بن عامر بن عبدالعزيز، أبو العباس الشيباني الخراساني النَّسَوي، صاحبُ («المسند»، قال فيه الحاكم: كان الحسنُ بنُ سفيان محدثَ خراسان في عصره، مقدماً في الثبت، والكثرة، والفهم، والفقه، والأدب. وقال الحافظ أبو بكر أحمدُ بنُ علي الرازي: ليس للحسن في الدنيا نظير. وقد سمع أكثر ((مُسنده)) من الإِمام إسحاق بن راهويه قال ابنُ حبان: حضرتُ دفنه في شهر رمضان سنة ثلاث وثلاث مئة. مترجم في (١) الألقاب التي أذكرها قبل اسم كل شيخ مما يأتي، هي التي أطلقها شيخُ الإِسلام الإِمامُ الذهبي في كتابه ((السير» . ١٣ مقدمة التحقيق (تذكرة الحفاظ)) ٧٠٣/٢، و(«سير أعلام النبلاء)) ١٥٧/١٤، وعِدَّةُ الأحاديث التي رواها ابنُ حبان عنه (٨١٥) حديثاً. ٣ - الإِمامُ العلامةُ المحدث الأديبُ الأخباري، شيخُ الوقت، أبو خليفة الفضلُ بنُ الحُباب الجُمَحي البصري، وصفه الذهبي فقال: كان ثقةً صادقاً مأموناً أديباً فصيحاً مفوهاً، رُحل إليه من الآفاق، وعاش مئة عام سوى أشهر، مات سنة ٣٠٥ بالبصرة، مترجم في ((تذكرة الحفاظ)) ٦٧٠/٢، و((سير أعلام النبلاء)) ٧/١٤، وعدةُ الأحاديث التي رواها ابن حبان عنه (٧٣٢) حديثاً. ٤ - الإِمامُ الحافظُ الفقيه أبو محمد عبدُ الله بن محمد الأزديُّ القُرشي المطلبي النيسابوري، صاحبُ التصانيف، عُرف بابن شيرويه، قال الحاكم: ابنُ شيرويه الفقيه أحدُ كبراء نيسابور، له مصنفاتٌ كثيرة تدلُّ على عدالته واستقامته، روى عنه حُفَّاظ بلدنا، واحتجوا به. مُتوفى سنة ٣٠٥هـ، مترجم في ((تذكرة الحفاظ)) ٧٠٥/٢، و((سير أعلام النبلاء)) ١٦٦/١٤، وعدة الأحاديث التي رواها ابن حبان عنه (٤٦٣) حديثاً. ٥ - الإِمامُ الثقةُ المحدثُ الكبير أبو العباس محمدُ بنُ الحسن بن قتيبة اللَّخْمي العَسْقَلاني، كان مُسْنِدَ أهل فلسطين، ذا معرفةٍ وصدق، متوفى قُرابة سنة ٣١٠ هـ، مترجم في ((تذكرة الحفاظ)) ٧٦٤/٢، و((سير أعلام النبلاء)). ٢٩٢/١٤، وعدةُ الأحاديث التي رواها ابنُ حبان عنه (٤٦٤) حديثاً. ٦ - الإِمامُ الحافظُ الثبت الجوال، أبو حفص عُمر بنُ محمد بن بُجَير الهمداني البُجَيري السمرقندي، محدثُ ما وراء النهر، مصنُّف ((المسند))، و((التفسير))، و((الصحيح))، وغيرها، وصفه الذهبي بأنه من أوعية العلم، وقال أبو سعد الإدريسي: كان فاضلاً خيراً ثبتاً في الحديث، له الغاية في طلب الآثار والرحلة، متوفى سنة ٣١١هـ، مترجم في ((تذكرة الحفاظ)) ٧١٩/٢، و((سير أعلام النبلاء)) ٤٠٢/١٤، و((معجم البلدان)) (خُشُوفَغَن)، وعدةُ الأحاديث التي رواها ابنُّ حبان عنه (٣٥٧) حديثاً. ١٤ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٧ - الإِمامُ المحدثُ العابد الثقة أبو محمد عبدُالله بنُ محمد بن سَلْم المَقْدسي الفريابي الأصل، متوفى سنة نيف عشرة وثلاث مئة، مترجم في (سير أعلام النبلاء)» ٣٠٦/١٤، وعدةُ الأحاديث التي رواها عنه (٣١٣) حديثاً. ٨ - إِمامُ الأئمة الحافظُ الحجة الفقيه شيخُ الإِسلام أبو بكر محمدُ بنُ إسحاق بن خُزيمة السُّلمي النيسابوري الشافعي، قال فيه ابنُ حبان: ما رأيتُ على وجه الأرضِ من يحفَظُ صناعة السُّنن، ويحفَظُ ألفاظَها الصحاح وزياداتها حتى كأنَّ السُّنَّن كلها بين عينيه إلا محمدَ بنَ إسحاق بن خزيمة فقط. وقال الدارقطني: كان ابنُ خزيمة إماماً ثبتاً معدوم النظير، وقال الذهبي: صار يُضرب به المثل في سعة العلم والإتقان. ومصنفاتُه تزيد على مئة وأربعين كتاباً سوى المسائل، منها ((صحيحه)) الذي كان السابقَ إلى تأليفه بعد البخاري ومسلم، ولعله هو الذي سنَّ هذه السُّنة الحسنة في جمع ما يُشترط فيه الصحيح، لعدم استيعاب البخاري ومسلم جميع الصحيح في كتابيهما، وقد لزمه ابنُ حبان، وتخرَّج به في الفقه، حتى إنه حذا حَذْوَه في طريقة استنباطه، ووضعٍ فقهِ الحديث عُنواناً له في ((الصحيح))، مُتوفى سنة (٣١١هـ)، مترجم في ((تذكرة الحفاظ)) ٧٢٠/٢، و((سير أعلام النبلاء)) ٣٦٥/١٤ - ٣٨٢، وعِدّةُ الأحاديث التي رواها ابنُ حبان عنه (٣٠١) حديثاً. ٩ - الإِمامُ المحدثُ القدوة العابد أبو بكر عُمر بن سعيد بن أحمد بن سعد بن سنان الطائي المَنْبِجي، قال الذهبي: لم أظفر له بوفاة. مترجم في ((السير)) ٢٩٠/١٤. وعدةُ الأحاديث التي رواها ابنُ حبان عنه (٢٨١) حديثاً. ١٠ - الإِمامُ المحدثُ الحجةُ الحافظ أبو إسحاق عمران بنُ موسى بن مُجاشع الجرجاني السختياني، مصنِّف ((المسند))، مُتوفى سنة ٣٠٥هـ، مترجم في ((تذكرة الحفاظ)) ٧٦٢/٢، و ((السير)) ١٣٦/١٤، وعدّةُ الأحاديث التي رواها ابنُ حبان عنه (٢٣٢) حديثاً. ١٥ مقدمة التحقيق ١١ - الإِمامُ الحافظ الثقةُ محمدُ بنُ إسحاق بن إبراهيم بن مهران أبو العباس السّرّاج الثقفي مولاهم الخُراساني النيسابوري، شيخُ الإِسلام، محدثُ خراسان، صاحبُ ((المسند الكبير)) على الأبواب، والتاريخ، وغير ذلك، مُتوفى سنة ٣١٣هـ بنيسابور، مُترجم في ((التذكرة)) ٧٣١/٢، و((السير)) ٣٨٨/١٤ - ٣٩٨، وعدّةُ الأحاديث التي رواها عنه ابنُ حبان (١٧٣) حديثاً. ١٢ - الإِمامُ الحافظُ المعمر الصادقُ أبو عَرُوبة الحسينُ بن محمد بن أبي معشر مودود السلمي الحَرّاني الجزري، مُفتي أهل حَرّان، مصنِّف كتاب ((الطبقات)) وكتاب («تاريخ الجزيرة))، متوفى سنة ٣١٨هـ، مترجم في ((التذكرة)) ٧٧٤/٢، و((السير)) ٥١٠/١٤، وعدّةُ الأحاديث التي رواها ابنُ حبان عنه (١٦٧) حديثاً. ١٣ - الإِمامُ المحدثُ الثقةُ الرحَّال الحسينُ بنُ إدريس بن مبارك، أبو علي الأنصاري الهَرَوي، الحافظ، له تاريخ كبير وتصانيف، متوفى سنة ٣٠١هـ، مترجم في ((التذكرة)) ٦٩٥/٢، و((السير)» ١١٣/١٤، وعدّةُ الأحاديث التي رواها ابن حبان عنه (١٣٦) حديثاً. ١٤ - الإِمامُ المحدثُ الثقةُ الحافظُ أبو عبدالله محمدُ بنُ عبدالرحمن بن العباس السامي الهَرَوي، جمع وصنّف، متوفى سنة ٣٠١ أو ٣٠٢ هـ، مترجم في ((التذكرة)) ٦٩٧/٢، و((السير)) ١١٤/١٤، وعدة الأحاديث التي رواها ابن حبان عنه (١١٢) حديثاً. ١٥ - الحافظُ المحدثُ الثقة أبو جعفر محمدُ بنُ أحمد بن أبي عون النِّسَوي الرِّيَاني - بالتخفيف كما ضبطه الذهبي، وقيده ابنُ ماكولا بالتثقيل - متوفى سنة ٣١٣هـ، مترجم في ((السير)) ٤٣٣/١٤، وعدةُ الأحاديث التي رواها ابنُ حبان عنه (٩٩) حديثاً. ١٦ - الحافظ المسند الثقة أبو علي الحسينُ بنُ عبدالله بن يزيد القَطّان ١٦ الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان الرقِّي، رحَّال مُصنّف، توفي في حدود سنة ٣١٠هـ، مترجم في ((السير)) ٢٨٦/١٤، وعدةُ الأحاديث التي رواها ابنُ حبان عنه (٩٠) حديثاً. ١٧ - الإِمامُ المحدثُ الحافظ المفيد أبو الحسين محمدُ بنُ عبد الله بن جعفر بن عبدالله بن الجُنيد الرازي، قال الذهبي: جمع وصنَّف وأرخ، وأفاد الرفاق، وأفنى عمره في الطلب. متوفى سنة ٣٤٧هـ، مترجم في ((تذكرة الحفاظ)) ٨٩٧/٣، و((السير)» ٧/١٦، وعدة الأحاديث التي رواها ابنُ حبان عنه (٩١) حديثاً. ١٨ - الحافظُ الحجة العَلَّمة عَبْدان عبدُالله بنُ أحمد بن موسى بن زياد الجواليقي الأهوازي، صاحبُ التصانيف، قال فيه ابنُ حبان: أخبرنا عبدان بعسكر مكرم، وكان عَسِراً نكداً. ونقل الحاكم أنه كان يحفظ مئة ألف حديث، مُتوفى سنة ٣٠٦هـ، مترجم في ((التذكرة)) ٦٨٨/٢، و((السير)) ١٦٨/١٤ - ١٧٣، وعدةُ الأحاديث التي رواها ابنُ حبان عنه (٧٣) حديثاً. ١٩ - الإِمامُ الحجةُ المحدثُ البارعُ، عَلَمُ الحفاظ، شيخُ الإِسلام، أبو جعفر أحمدُ بنُ يحيى بن زهير النُّسْتري الزاهد، من صار يُضْرب به المثل في الحفظ، متوفى سنة ٣١٠هـ، مترجم في ((تذكرة الحفاظ)) ٧٥٧/٢، و «السير)» ٣٦٢/١٤، وعدةُ الأحاديث التي رواها ابنُ حبان عنه (٧٥) حديثاً. ٢٠ - الشيخُ المحدثُ الثقةُ المعمر أبو عبدالله أحمدُ بنُ الحسن بن عبدالجبار بن راشد البغدادي الصوفي الكبير، مُتوفى سنة ٣٠٦ ببغداد، مترجم في ((السير)) ١٥٢/١٤، وعدةُ الأحاديث التي رواها ابنُ حبان عنه (٧٠) حديثاً. ٢١ - المحدثُ إسحاقُ بنُ إبراهيم بن إسماعيل البُسْتي - بمهملة -، عاش إلى نحو الثلاث مئة، مترجم في ((التذكرة)) ٧٠٢/٢، ضمن ترجمة سميِّه إسحاق بن إبراهيم بن نصر البشتي - بمعجمة -، وفي ((السير)» ١٤٠/١٤، وعدةُ الأحاديث التي رواها ابنُ حبان عنه (٦٩) حديثاً. ١٧ مقدمة التحقيق. هؤلاء هم الذين أكثر عنهم في رواية هذا الكتاب، وبقيةُ شيوخه فيه يتراوح عددُ أحاديثِ كل منهم ما بين الواحد إلى الستين، وسأورد تراجمهم وعدةَ أحاديثهم في نهاية الكتاب إن شاء الله. تحصيله العلمي: إنَّ مما يُثير الإِعجاب بابنِ حبان ما تميَّز به طوالَ رِحلته وطلبِهِ من همةٍ لا يعتريها فُتور، وحرصٍ على اقتناص الفوائد ليس له نظير، فلم يسترح قلمُهِ عن كتابة ما تسمعهُ أُذُناه من الشيوخ، حتى جاوزَ في ذلك الحدَّ أحياناً، روى أبو سعد الإِدريسي قال: سمعتُ أبا حامد أحمد بن محمد بن سعيد النيسابوري الرجل الصالح بِسَمَرقند يقولُ: كنّا مع أبي بكر محمدِ بنِ إسحاق بن خزيمة في بعض الطريق من نيسابور، وكان معنا أبو حاتم البُسْتي، وكان يسألُه ويُؤذيه، فقال له ابنُ خُزيمة: يا بارد تَنَعَّ عنِّي لا تُؤْذِني، أو كلمةً نحوها، فكتب أبو حاتم مقالَته، فقيل له: تكتُبُ هذا؟! فقال: نعم أكتُبُ كُلَّ شيءٍ يقولُه(١). ومثلُ هذه الهمة لم يكن ليُقنعها فنٌّ واحد من قُون العصر، فاتَّجه إلى تحصيل واستيعاب أكثر ما كان معروفاً في زمانه من العلوم والمعارف، على أنَّ أعظم ما رسخَ فيه، وبَرَعَ، وغدا من أعلامه، عِلْمُ الحديث، فقد صار الإِمامَ الحافظَ المُجَوِّدَ العلَّمَة الثّقَةَ الثَّبْتَ المُتقنَ المحقق، كما وصفه بذلك غيرُ واحد من الكبار(٢)، وإذا كانت مؤلَّاتُ الرجل مرآةَ علمه، فمؤلفاتُ ابنٍ حبان شاهدٌ له على رُسُوخِ قدمه، وطولِ باعه، مُترجمةٌ عن سموِّ قدره، وعلوِّ شأنه، وهذا ياقوتُ الحموي وهو الرجلُ المحقق يشهدُ بذلك، فيقول: ((ومن تأمّلَ تصانيفه تأمُّلَ مُنْصفٍ، علم أنَّ الرجلَ كان بحراً في العلوم)»، ويقولُ: (١) ((معجم البلدان)) (بست). (٢) انظر ((تذكرة الحفاظ)) ٩٢٠/٣، و((سير أعلام النبلاء)» ٩٢/١٦، ومقدمة الأمير علاء الدين الفارسي لهذا الكتاب. ١٨ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (أخرج من علومِ الحديث ما عَجَزَ عنه غيرهُ))(١) وقد عكست مُصنَّفَاتُه هذه عقليتَه المُبدعة، وثقافته الأصيلة الواسعة، فلم تكن ليُستغنى عنها بغيرها، بل صارت كما قال ياقوت: ((عدةً لأصحاب الحديث))، وسيرد وصفُ طبيعة تصنيفه عند الحديث عن مؤلفاته. وفي الفقه تَعِبَ عليه حتى صار من كبار فقهاء الشافعية(٢)، وأهّلَهُ تمُّنُه فيه أن يكون قاضياً، إذ لا يلي القضاءَ آنذاك إلا مُضطلعٌ في الفقه، متمكِّنٌ من نواحيه، عارفٌ بدقائقٍ مسائله، ومُشكلٍ وقائعه، فولي القضاءَ مدة طويلة في أكثر من بلدة، منها نَسَا وسَمَرقَنْد وغيرهما، ولعلَّ هذا - كما يقولُ بعضُهم - ما أثار حفيظةً فقهاء الحنفية الذين كانوا يعدُّون وظيفة القضاء وقْفاً عليهم، فجرت بينه وبينهم منازعاتٌ وخصومات، حملت ابنَّ حِبّان على مُجاوزة الحد، حين لم يجد أغيظ لهؤلاء من الطعن في إمامهم أبي حنيفة، فألّف كتاباً في ((علل مناقبه)) عشرة أجزاء، وكتاباً في ((مثالبه)) عشرة أجزاء، وكتاباً في ((علل ما استند إليه)) عشرة أجزاء، وكان الأولى به أن يَكْظِم غيظه، فلا يأخذ أحداً بذنبٍ غيره، وأبو حنيفة ذاك الإِمامُ الجليلُ القدر، العظيمُ الشأن، من طبّق علمُه الآفاق، وعرف فضلَه القاصي والداني، فكيف يُنال منه لذنبٍ اقترفه رجلٌ انتحلّ مذهبه بعد قرنين من وفاته؟! فسامح الله ابنَ حِبان، وغفر له هذه الهفوة. وقد تُلْمَذَ في الفقهِ على شيخِه محدثِ الوقت محمدِ بنِ إسحاق بن خزيمة، وأخذ عنه طريقَتَه في استنباط الأحكام والمسائل الفقهية، وهذا الكتاب يُظهر مدى تمسك ابن حبان بمنهج شيخه في الاستنباط، وتقليدَهُ الكامل له، لكن مع تصرُّفه الخاص الذي أملته عليه عقليتُه وأسلوبُه الذي سأتعرض له بعد هذا الفصل، وهذا ما دعا ابنَ الصَّلاح إلى أن يَغْمِز منه غمزاً شديداً حين (١) انظر ((معجم البلدان)) (بست). (٢) لذا ترجم له السبكي في ((طبقات الشافعية)) ١٣١/٣. ١٩ مقدمة التحقيق قال: ((ربما غلط الغلط الفاحش في تصرفه))، ووافقه على غمزه الذهبيُّ، فقال: ((وصدق أبو عمرو)). وبرع أيضاً في علم العربية، حتى عرف أسرارها، وحقيقتها ومجازها، وتمثيلها واستعاراتِها، مما مَكَّنه أن يستنبط الأحكام الشرعية من نصوص القرآن والسنة، وكثيراً ما كان يُمَهِّد لاستنباطِه بذكر القاعدة اللغوية المُتعارف عليها عند العرب، كقوله: ((العرب تذكرُ الشيء في لُغتها بعددٍ معلوم ولا تُريد بذكرها ذلك العدد نفياً عما وراءه)) وقوله: ((العربُ في لغتها تطلق اسم البداءة على النهاية، واسم النهاية على البداءة))، وغير ذلك مما نثره وبَسَطه في كتابه هذا، مما يكشِفُ عن مدى تعمُّقه في فهم العربية، وسبره لغورها، وإدراكه لمقاصد ألفاظها، وأسرار تراكيبها . ونَضِج في علم الكلام حتى تأثَرت به عقليتُه، وتلوّن به فكره، واصطبغ بتقسيماتِه وفصوله أسلوبُه، فتراه يذهبُ إلى تقسيم الشيء إلى كُلِّي وجزئي، وتفريقِ الشيئين المتضادين والمتهاترين - على حد تعبيره -، إلى غير ذلك مما هو جَلِيٌّ في تعليقاته وتفسيراتِه واستنتاجاته في الكتاب، وما طريقةُ ترتيبٍ كتابه هذا حسب التقاسيم والأنواع إلا ثمرة من ثمار تأثّره بعلم الكلام، وقد ذكر ذلك السيوطي في ((تدريب الراوي)) ١٠٩/١، وما محتُه التي سنعرض لها قريباً إلا نتيجة لاستيلاء مصطلحات هذا الفن على ألفاظه وعباراته، مما يُشير إلى أنَّ نسيج فكره قد شُدَّ من خيوط هذا الفن، ولم يكن علمه به مجرد إلمام واطلاع. وبالإِضافة إلى هذا حصَّل علم الطِّب والفلك، ويظهر أنه بلغَ فيهما رتبةً أمكن معها القولُ فيه: ((كان عالماً بالطب والنجوم))(١). (١) انظر مقدمة الأمير علاء الدين لهذا الكتاب، ((ومعجم البلدان)) (بست)، و«سير أعلام النبلاء)) ٩٤/١٦. ٢٠ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان إنّ هذه الفنون الكثيرة التي تمكَّن منها جعلت الحافظ ابنّ حجر يقول: كان صاحبَ فنون، وذكاءٍ مفرط، وحفظٍ واسع إلى الغاية، رحمه الله. أسلوبُه وطريقة استنباطه : إذا كان استنباطُ الرجل للمسائل والأحكام من النصوص دالاً على نّمَط تفكيره، وكيفية تفهمه، فإنَّ ما لمحه ابن حبان في النصوص من معانٍ لَيُظهر بجلاء تلكَ العقلية المُبدعة التي وُهِبَها، فقد قال في قولٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان - لما أمرهُ بالردِّ على المشركين -: ((أَجِبْ عَنِّي)) قال: في هذا الخبر كالدليل على الأمرِ بجَرْح الضُّعَفاء، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال الحسان بنِ ثابت: (أَجِبْ عَنِّي))، وإنما أَمَر أن يَذُبَّ عنه ما كان يتقوَّلُ عليه المشركون، فإذا كان في تَقُوُّلِ المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أن يَذُبَّ عنه، وإن لم يَضُرَّ كذبُهم المسلمين، ولا أحلُّوا به الحرام، ولا حرموا به الحلال؛ كان مَنْ كَذَبَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين، الذي يُحِلُّ الحرام ويُحرم الحلال بروايتهم أحرى أن يُؤمر بِذَبِّ ذلك الكذب عنه صلى الله عليه وسلم. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ((يتقارب الزمان وينقص العلم))، قال: وقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أَنَّ العلم ينقُصُ في آخر الزمان، وأرى العُلُوم كلها تزدادُ إلا هذه الصناعة الواحدة، فإنها كل يوم في النقص، فكأن العلم الذي خاطب النبي صلى الله عليه وسلم أمته بنقْصِه في آخر الزمان هو معرفةُ السُّنَن، ولا سبيل إلى معرفتها إلا بمعرفة الضعفاء والمتروكين. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ((فإنه من يَعِشْ منكم فسيرى اختلافاً فعليكم بسنتي)) رأى ابنُ حبان دليلاً صحيحاً على أنه صلى الله عليه وسلم أَمَر أمته بمعرفة الضعفاء منهم من الثقات، لأنه كما قال: لا يتهيأُ لزومُ السُّنَّة مع