Indexed OCR Text

Pages 41-60

41
وأخذَ عن العلاَّمةِ الفقيهِ أحمدَ بنِ حَسَنِ الشَّطَّيِّ الحنبليِّ (ت:
١٣٠٦ هـ) الفقهَ والفَرائِضِ، وأشارَ عليهِ بوضع حاشيةٍ على ((الرَّوضِ
المربع))، فابتدأَ بها، ووصَلَ فيها إلى بابِ السَّلَمِ سنة (١٣٠٤ هـ)، ثمَّ
انصرف عنها .
كما تلقَّى على يدِ العلاَّمةِ المحدِّثِ سليمٍ بنِ ياسينَ العَطَّارِ
الدِّمشقيِّ - مُسْنِدِ الشَّام - (ت: ١٣٠٧ هـ)، فقرأَ عليهِ الحديثَ، وأجازَهُ
إجازةً عامَّةً .
واشتغلَ على جماعةٍ من شُيوخٍ دمشقَ، كالشَّيخِ عَلاءِ الدِّينِ عابدينَ
الدِّمشقيِّ الحَنَفِيِّ (ت: ١٣٠٦هـ)، والشَّيخ محمَّدٍ بنِ ياسينَ العطَّارِ
الدِّمشقيِّ الشَّافعيِّ (ت: ١٣٠٧هـ)، والشَّيخِ عمرَ بنِ طَ بنِ أحمدَ
العَطَّارِ الدِّمشقيِّ الشَّافعيِّ (ت: ١٣٠٨هـ)، والشَّيخ محمَّدٍ بن محمَّدٍ
الأَنْبابِيِّ المِصْرِيِّ (ت: ١٣١٣ هـ).
وقدِ استمرَّ طلبُهُ للعلمِ في دمشقَ قُرابةَ سِتِّ سنواتٍ، حَصَّلَ خلالَها
بجدِّهِ واجتهادِهِ ما لم يحصِّلْهُ غيرُه في السّنواتِ الطِّوالِ، وكانَ ذلكَ من
آثارِ المَنْهَجِيَّةِ العلميَّةِ الَّتِي لَقَّنَهُ إِيَّاها شيخُه العلاَّمةُ محمَّدُ بنُ عثمانَ
الخطیب -رحمه الله تعالى -.
لكنَّهُ لم يقتصرْ على ما أخذ، وإنَّما أَكَبَّ بعدَ ذلكَ على المُطالعةِ
بنفسِه، حتَّى برعَ في الكتاب والسُّنَّةِ، والأَصْلَيْنِ، والمذهبِ، ومعرفةِ
الخِلافِ، وسائرِ العُلوم العقليّةِ والأدبيَّةِ والرياضيَّةِ.

42
وعادَ إلى دومةَ، وبدأ يُلقي دروساً منتظمَةً في جامِعها الكبيرِ،
يشرحُ فيها الفقه الحنبليَّ في كتابِ ((شرحٍ مُنْتهى الإرادات)) للبهوتيِّ.
إلى أنْ حصلَتْ له فتنةٌ كبيرةٌ، ومِحْنَةٌ عظيمةٌ؛ حيثُ سَعَى به حُسّادُهُ
ومناهِضوهُ إلى قرينِهِ الشَّاعرِ صالحٍ بنِ أحمدَ طَ الدُّومِيِّ (ت:
١٣٢٥ هـ)، وكانَ آنذاكَ رئيسَ بلديَّةِ دومةَ، فاستصدَرَ أمراً بإبعادِ ابنِ
بدرانَ عن دومةَ .
وتمَّ لشانِئِيهِ ما يُريدونَ، فهاجرَ إلى دمشقَ، وعانى فيها من الغُربةِ
والبُعدِ، والعُزلةِ والفقرِ، لكِنْ ممَّا خفَّفَ ذلكَ عنهُ ما لَقِيَهُ من الوجيهِ
التَّاجرِ محمودٍ الباروديِّ من تَرحابٍ وحُسْنٍ ضيافةٍ، نزلَ عندَه مدَّةً
سنتينٍ ونصفٍ، قامَ خلالها بمساعدةِ ابنهِ ((فخري)) في بعضِ العُلومِ
والفنون .
ثُمَّ استقرَّ بهِ الأمرُ في مدرسةِ عبدِ اللهِ باشا العَظْمِ، جنوبَ المسجدِ
الأُمَوِيِّ، وسكنَ فيها بغرفةٍ عُلْويَّةٍ، كانَ فيها مُقَامُهُ وطعامُهُ ومَنامهُ
وتدريسُهُ، وبقي فيها قُرابةَ نصفٍ قَرْنٍ .
0

43
المبحث الثاني
وظائفه وأعماله ورحلاته وصلاته
* وَظَائِفُهُ وأَعْمالُهُ:
تنقّلَ ابنُ بدرانَ بينَ عدَّةِ وظائفَ في حياتِهِ، وهي لا تَعْدُو مَجالَ
العلمِ والتَّعليمِ، ومنها:
١ - التَّدريسُ:
تصدَّرَ ابنُ بدرانَ للَّدريسِ منذُ إقامتِهِ في دومةَ، فأقرأَ الفقهَ في
الجامع الكبيرِ، مُقَرِّراً كتابَ ((شرح مُنْتَهى الإراداتِ)) للبُهوتي، وفي
أثناءِ ذلكَ وضع عليهِ حاشيةً مفيدةً.
وبعدَ انتقاله إلى دمشقَ بمدَّةٍ، عُيِّنَ مُدَرِّساً تحتَ قُبَّةِ النَّسْرِ في
الجامع الأمويِّ، وكانَ يدرِّسُ الفقهَ والتفسيرَ والحديثَ، ويميلُ في
دروسِه إلى الإصلاح والتجديدِ، وممَّا درَّسَهُ تحتَ قُبَّةِ النَّسْرِ كتابُ
((عُمْدَةِ الأحكام)) للحافظِ عبدِ الغنيِّ المقدسيِّ.
ودرَّسَ - أيضاً - في المدرسةِ السُّميساطِيَّةِ، إضافةً إلى الدُّروسِ

44
الخاصَّةِ لطلبةِ العلمِ، والّتي كانَ يقومُ بها في مدرسةِ عبدِ اللهِ باشا
العظم مقرِّ إقامتِهِ.
وكانَ - معَ ذلكَ - كثيرَ التنقُّلِ بينَ قُرى غوطةِ دمشقَ لتعليمِ العامَّةِ
وإرشادِهم، وتلقينِ الطلَّبَةِ الَّذينَ لا يقدرون على الرِّحلةِ.
٢ - عُضْوِيَّةُ شُعبةِ المعارفِ بدومةَ:
تشكَّلَتْ في دومةَ سنة (١٣٠٩ هـ) شُعبةٌ للمعارفِ، مَهَمَّتُها نشرُ
العلمِ والثّقافةِ والتَّربيةِ، وشَخْذُ هِمَمِ النَّاسِ على تعليم أطفالِهم
وإرسالهم إلى الكتاتيبِ والمدارسِ.
وكانَ ابنُ بدرانَ أحدَ أعضاءِ هذهِ الشُّعبةِ.
٣ - تَوَلِّي إفتاءِ الدِّيارِ الحجازيَّةِ بسوريَّةَ:
عَيَّنَ الملكُ عبدُ العزيزِ آلِ سُعودٍ - رحمه الله - ابنَ بدرانَ، مُفْتِياً
للدِّيارِ الحجازيَّةِ في سوريّةَ، وذلكَ لشدَّةِ وُثوقِهِ بهِ واعتمادهِ علیهِ.
وقدْ أشارَ الزِّرِكْلِيُّ في ((الأَعلام)) إلى أنَّ ابنَ بدرانَ تولَّى إفتاءً
الحنابلةِ، ولعلَّ مقصودَهُ تَوَلِّيهِ لهذا المنصبِ تبرُّعاً منه، وإقبالاً من
النَّاسِ عليهٍ، لا كوظيفةٍ رسميّةٍ، إذْ أنَّ منصبَ إفتاءِ الحنابلة بدمشقَ
كانَ بالتَّناوب بين آل السُّيوطي، وآل الشَّطَّيِّ منذ مطلع القرن الثالث
عشر الهجري، وكانَ آخرَهم الشيخُ محمَّدٌ جميلِ الشَّطُِّّ - رحمه الله
تعالی ۔۔

45
٤ - التَّصحيحُ في المطابعِ وإدارةُ تحريرِ الجرائدِ :
عملَ ابنُ بدرانَ مُصَحِّحاً ومُحَرِّراً بمطبعةِ الولايةِ وجريدتِها في
دمشقَ، كما شاركَ بتحريرِ جريدةِ ((المُقْتَبَسِ)) الدِّمشقيَّةِ.
وأنشأَ مجلَّةَ ((مواردِ الحِكمةِ)) سنةَ (١٣٩٢ هـ).
وكتبَ في الصُّحفِ الدِّمشقيَّةِ؛ كـ ((المشكاةِ))، و((الشَّام))،
و((الكائناتِ)) و((الرَّأي العامّ)).
٥ - التَّنَّقيبُ عنْ آثارِ دمشقَ:
انصرفَ ابنُ بدرانَ مدَّةً من حياتِهِ للتَّنقيبِ عنْ آثارِ دمشقَ، وما بقيَ
من أطلالِها، حتَّى كانَ يستعيرُ سُلَّماً خشبيّاً، وينقُلُهُ بيديهِ ليقرأَ كتابةً
على جدارٍ، أو اسماً فوقَ بابٍ .
وكانَ السَّبَبُ في عملِه هذا، تكليفَ قاضي دمشقَ الشَّيخِ المُعَمَّرِ
عبدِ المُحْسِنِ بنِ عبدِ القادرِ الأَسْطوانِيِّ (ت: ١٣٨٣ هـ) لجنةً على
رأسِها ابنُ بدرانَ، للطَّوافِ على مدارسٍ دمشقَ، ووصفِ حالتِها،
وما فيها من الطُّلاَّبِ، وما قدْ تحتاجُ إليهِ منْ إصلاحٍ وترميمٍ، فقامَتِ
اللَّجنةُ بالعملِ المكلَّفَةِ بهِ، وقدَّمَتِ التَّقريرَ إلى القاضي في
(١٨/ صفر/ ١٣٢٨ هـ)، وقدْ نشرَ هذا التَّقريرَ الدُّكتورُ صلاحُ الدِّينِ
المنجِّدِ في ((مجلَّةِ المَجْمَعِ العِلْمِيِّ العربيِّ بدمشقَ)) بعنوان: ((وثيقةٌ
رسميَّةٌ عن مدارسٍ دمشقَ القديمةِ)).
ويظهرُ أنَّ ابنَ بدرانَ جمعَ ما عثرَ عليه خلالَ هذا التَّنقيبِ، فكانَ

46
ذلكَ نَواةَ كتابه «مُنادَمَةُ الأَطْلالِ ومسامَرَةُ الخَيالِ في الآثارِ الدِّمشقيَّةِ
والمدارس العلميَّةِ))، وقد أثارَ هذا الكتابُ مباحثَ مهمَّةً في تعدِّي کثیرٍ
من النَّاسِ على أوقافِ المسلمينَ، وإهمالِ مسؤولي الأوقافِ الإسلاميّة
المُطالَبَةَ بحقوقِ المساجدِ والمدارسِ الوقفَّيةِ الإسلاميَّةِ، وللهُ الأمرُ.
* رَحَلاتُهُ:
أُولَى رَحَلاتِ ابنِ بدرانَ هيَ رحلتُه في طلبِ العلمِ إلى دمشقَ،
واستقرارهُ بها مُدَّةً في دارِ الحديثِ الأشرفيَّةِ.
ثُمَّ اتَّصلَ ابنُ بدرانَ بالأميرِ عبدِ القادرِ الجزائريِّ، ورافقَهُ في رحلتِه إلى
المغربِ وأوربًّا، وزارَ الجزائرَ، وتونِسَ، وإيطاليا، وفَرَنسا، ودامتْ رحلتُه
ستَّةَ أشهُرٍ، صاغَ مذكِّراتِهِ فيها شِعْراً أودَعَهُ ديوانَه: (تَسْليةُ اللَّبيب)).
وكانتْ رحلتُه الثّانيةُ إلى دمشقَ مُهاجِراً إليها بعدَ مِحْنَتِهِ في دومةَ.
وفي خلالِ إقامتِهِ في دمشقَ زارَ لُبنانَ ضيفاً على الأميرِ السَّيِّدِ عبدِ
الرَّحمنِ باشا اليوسُفِ صَدْرِ سوريَّةَ وأميرِ الحَجِّ.
ويُحتمل أنَّه رحلَ إلى مصرَ، فأخذَ فيها عن شيخ الأزهرِ محمَّدٍ
الأَنْبابِيِّ (ت: ١٣١٣ هـ)، أو أنَّه التقاهُ في دمشقَ، إذ أنَّ شيوخَ الأزهرِ
کانوا یتردّدونَ إلى دمشقَ.
لكنْ ممَّا يقوِّي أمرَ رحلته إلى مصرَ ذكرُه في كتابِهِ ((المدخل)) أنَّهُ
الطَّلَعَ على بعضٍ كتبِ الحنابلةِ في خزانةِ الكتبِ الخديويَّةِ بمصرَ، واللهُ
أعلمُ.

47
* صلاتُهُ:
عُرِفَ ابنُ بدرانَ بحبِّ العُزلةِ والانفرادِ، وذلكَ بعدَ تَواصُلِ المِحَنِ
علیهِ، وحَسَدِ کثیرٍ من مُعاصریهِ لهُ.
ومعَ هذِهِ العُزلةِ فقدْ كانتْ لهُ صِلاتٌ جيِّدةٌ بجماعةٍ من العلماءِ
والأدباءِ، والحُكَّام والسِّياسِيِّينَ، ومنهم:
١ - الأميرُ عبدُ القادر الجزائريُّ: الَّذي اصطحبُهُ معهُ في رحلته إلى
المغرب وأوربًّا .
٢- والوجيه محمودٌ الباروديُّ - أحدُ رجالِ السِّياسةِ والتِّجارةِ في
سوريّةَ - حيثُ نزلَ ابنُ بدرانَ في ضِيافتِهِ سنتينٍ ونِصْفَ السَّنَةِ بعدَ
هجرته إلى دمشقَ .
٣- والعَلاَّمَةُ المُصلِحُ المُفَسِّرِ المُحَدَّثِ محمَّدُ جمالِ الدِّينِ
القاسِمِيُّ - رحمه الله تعالى-، والتقى الرَّجلانِ على العَقيدةِ السَّلَفِيَّةِ،
والمنهج الإصلاحيِّ، وكانَ لهما أملٌ كبيرٌ، وسعيٌ عظيمٌ في تجديدِ
النَّهضةِ الدِّينِيَّةِ العلميَّةِ في بلادِ الشَّام .
٤- والعَلَّمَةُ الرُّحَلَةُ الأستاذُ خليلُ بنُ بدرِ الخالديُّ المقدسيُّ (ت:
١٣٦٠ هـ) الَّذي كانَ أُعجوبةً في معرفةِ المخطوطاتِ وأماكنٍ وجودِها.
وقدِ استضافَهما في مجلسٍ واحدٍ العَلَّمَةُ الشَّيخُ محمَّدُ بَهْجَةَ
البيطارُ.
٥- وأميرُ الحَجِّ وصَدْرُ سوريَّةَ الأميرُ عبدُ الرحمنِ باشا

48
اليوسفُ (ت: ١٣٣٩ هـ)، وتَوَجَ ابنُ بدرانَ صِلتَهُ بهِ بأنْ أَلَّفَ كتاباً في
سيرتِه سمَّاهُ: ((الكواكب الدُّرِّيَّة في تاريخ عبدِ الرَّحمنِ باشا الْيُوسُفِ
صَدْرِ سوريَّةَ))، وطُبع في مطبعةِ الفيحاءِ بدمشقَ سنة (١٣٣٩ هـ).
٦ - والملكُ عبدُ العزيزِ آل سعود - رحمه الله -، وأهداهُ كتابَه:
((نُزْهَة الخاطِرِ العاطِر شرح رَوْضَةِ النَّاظِرِ))، فأمرَ الملكُ عبدُ العزيزِ
بطبعِ الكتابِ على نفقتِهِ.
وكانَ الملكُ عبدُ العزيزِ يرسلُ لابنِ بدرانَ جماعاتٍ من أهلِ نجدٍ ،
يستفيدونَ منه، وينهَلُونَ من علمِهِ.
ولذا كانَ ابنَ بدرانَ يذكرُ أنَّ سببَ تنشيطِ همَّتِهِ لعددٍ منْ تآليفِه هو
زيارةُ بعضٍ طلبةِ العلمِ من نجدٍ له، وسؤالُهم إِيَّاه وضعَ بعضٍ الحواشي
والشُّروحِ على كتبِ الفقهِ خاصَّةً.
ومن ذلكَ: ((حاشيةُ أَخْصِرِ المُخْتَصراتِ))، و((البدرانيَّة شرحُ
المنظومةِ الفارضيَّة))، و((حاشية روضةِ النَّاظر))- المارُّ ذكرُها -.
٧- ولعلَّ أبرزَ علماءِ نجدٍ ممَّنْ كانتْ لهُ صلةٌ بابن بدرانَ هو علامةُ
الكُويتِ الشَّيخُ عبدُ اللهِ بنُ خَلَفِ بنِ دحيانَ، فقد كانَ ابنُ بدرانَ يَوَدُّهُ
ويُحِبُّهُ، وكانَتْ بينَهما مُراسلاتٌ علميَّةٌ، ومُذَاكراتٌ فقهِيَّةٌ، حتَّى كانَ
ابنُ بدرانَ يتألَّمُ أحياناً - كما ذكر عن نفسه في كتابه ((العقود الياقوتية)) -
منِ انقطاع رسائلٍ ابنٍ دحيانَ، - رحمهما الله تعالى -.
٠

49
المبحث الثاليث
إجازات
* إجازاته :
تقدّمَ أنَّ ابنَ بدرانَ حصلَ على الإجازةِ العامَّةِ في الحدیثِ وسائرِ
العلوم الشرعيَّةِ من محدّثِ الشَّامِ الشَّبِخِ سليمٍ بِنِ ياسينَ العَطَّارِ -
رحمه الله تعالی ۔.
ويظهرُ أنَّه أخذَ إجازاتٍ من شيوخِ عِدَّةٍ، يدلُّ على ذلكَ قولُه في
((نزهةِ الخاطرِ العاطرِ)) (٢٠٦/١): (( ... وقد ضَّفَ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ
ثابتٍ الخطيبُ البغداديُّ جزءاً في الإجازةِ للمَعْدوم، وحكى حُجَجَهُ
وأقوالَ النَّاسِ فيه، فالموجودُ أولى.
أقولُ - أي: ابنُ بدرانَ -: هذا إنمَّا هو باعتبارِ المحدِّثينَ، وأما في
زمننا فإنَّهُ يكونُ المُجيزُ أشبهَ بالعامِّيِّ، وقد يُجيزُ بكتابٍ لا يعرفُ منهُ
إلَّ اسمَهُ، وقدْ حصلَتْ لنا إجازاتٌ بمسنَدِ الإمام أحمدَ، ومسنَدِ عبدِ
الرَّزَّاقِ، وابنِ أبِي شَيْبَةَ، وغيرهم من أناسٍ ما رأوا هذهِ الكتبَ،
ولا اطّلعوا عليها، فما فائدةُ هذه الإجازةِ؟! فَلْيَبَصَّرِ المُجَازُ، ولْيعلَمْ
عمَّنْ يَستجیزُ)).
٠٠ ٠٫

50
ويشتكي ابنُ بدرانَ من طَلَبةِ العلمِ الَّذِينَ وُلِعوا بالإكثارِ منَ
الإجازاتِ، والتَّفاخرِ بعددِ الشُّيوخ، والاستجازةِ عمَّنْ دَبَّ ودَرَجَ،
فيقولُ - أيضاً - في ((النُّزْهَةِ)) (٢٠٢/١): (( .. قالَ الجُوَينيُّ: وشرطُ
صحَّةِ هذه الطَّريقةِ - يعني: طريقةَ العرضِ على الشَّيخِ - أن يكونَ الشَّيخُ
عالِماً بما يقرأُ عليهِ التِّلميذُ، ولو فُرِضَ منهُ تَصْحِيفٌ أو تَحْرِيفٌ لَرَدَّهُ
عليهِ، وإلاَّ لم تصحَّ الرَّوايةُ عنهُ، قالَ: وأيُّ فرقٍ بينَ شيخ يسمعُ
أصواتاً وأجراساً، ولا يأمَنُ تدليساً وإلباساً، وبينَ شيخ لا يسمعُ
ما تَقْرَأُ عليه؟.
قلتُ - أي: ابنُ بدرانَ -: وهذا هو الصَّوابُ، وبهذا تعلَمُ أنَّ أكثرَ
الإجازاتِ في زمنِنا، لاثقةَ بها، فَلِمَ يتلَقَّى الطَّالبُ على شيخِ كتابَ
حديثٍ، والشَّيخُ لا علمَ لهُ بضبطِ ألفاظِهِ، ويجيزُ بكتابٍ لم يرَهُ ولمْ
يسمعْ بهِ إلاّ في بُطونِ الأثباتِ والتَّراجِمِ؟! فاللهُ يُلهِمُنا الرُّشد
والصَّوابَ)).

51
المبحث الرابع
عقيدته ومذهبه واختيارات الفقيّة
عقيدتُهُ :
كانَ ابنُ بدرانَ سَلَفِيَّ العقيدةِ، حكى ذلكَ عن نفسِه في مواضعَ
كثيرةٍ من كتبه، وقد صَرَّحَ في كتابِه («المدخل» (ص: ٤٢-٤٣) بأنَّهُ كانَ
في بَدْءِ أمرِهِ لاهثاً وراءَ منهج المُتَكَلِّمينَ، فكانَ تارةً يُطَوِّحُ نفسَهُ فيما
سلكَهُ ابنُ سينا في ((الشِّفا)، و((الإشاراتِ))، وتارةً يَتَلَقَّفُ ما سبكَهُ
الفارابيُّ من صناعةِ المَنْطِقِ وتلكَ العباراتِ، وتارةً يجولُ في مواقفٍ
((المقاصدِ)) و((المواقفِ))، وأحياناً يطلبُ ((الهدايةَ)) لابن رُشْدٍ ظَنّاً منه
أنَّها تَهْدي إلى رُشْدٍ .. فلا يَحْصُلُ من معرفةِ اللهِ - تعالى - إلاَّ على
أوهام وخَطراتٍ، ووَساوسَ وإشكالاتٍ، ويرتدُّ إليهِ الطَّرفُ خاسِئاً وهو
حَسيرٌ، إلى أنْ ناداهُ مُنادي الهُدَى الحقيقيُّ أَنْ هَلُمَّ إلَى الشَّرفِ
والكَمالِ، ودَعْ نجاةَ ابنِ سينا الموهومةَ إلى النَّجاةِ الحقيقيّةِ، وما ذاكَ
إِلَّ بأنْ يكونَ على ما كانَ عليهِ السَّلَفُ الكِرامُ منَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ،
والتَّابعينَ لهمْ بإحسانٍ، فهُنالكَ هَدَأَ رُوعُهُ، وجعلَ عقيدتَه كتابَ اللهِ،
يَكِلُ علمَ صفاتِهِ لهُ بِلا تَجْسيمٍ ولا تأويلٍ، ولا تَشبيهٍ ولا تعطيلٍ.

52
هكذا كانَ ابنُ بدرانَ في عقيدتِهِ، ولذا فإنَّهُ يُكْثِرُ من الثَّاءِ على أَئِمَّةِ
السَّلَفِ الصَّالِحِ، وينقلُ عنهمْ في كتبه؛ كالإمامِ ابنِ تَيْمِيَّةً، والإمامِ ابنِ
القَيِّمِ، وغيرهما - رحمَ اللهُ الجميع -.
* مَذْهَبُهُ :
نشأَ ابنُ بدرانَ في بيئةٍ حنبليّةٍ، وأَوَّلُ ما ابتدأَ بهِ دراسةُ الفقهِ
الحنبليِّ، كما حكى ذلكَ عن نفسِه، وقد مرَّ آنِفاً.
ولأجلِ ذلكَ تَوَجَّهَتْ عنايتُهُ لخدمةِ هذا المذهبِ، والذَّبِّ عنهُ،
وتوضيح مقاصدِهِ، وزادَ من همَّتِهِ في ذلك اتِّصالُ أهلِ نَجْدٍ بهِ،
وتشجيعُهم إيَّهُ على وضع الحواشي والتُّكَتِ على الكتبِ المعتمَدَةِ،
وكانَ من أشهرِ كتبه في خدمةِ المذهبِ كتابُه («المَدْخَل إلى مذهبٍ
الإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَل)) الَّذي لم يؤلَّفْ في موضوعِه قبلَه مِثْلُه، وقد
تحدَّثَ فيه عن تاريخِ نشأةِ المذهبِ، وعنِ الأُصولِ الَّتِي بُنِيَ عليها،
وعنْ مصطَلَحاتِ المصنِّفِينَ في المذهبِ؛ وأشهرِ الكتبِ المدوَّنَةِ فيه،
ولذا كَثُرَ الانتفاعُ به، وتوجَّهَتِ العنايةُ إليهِ، فطُبعَ عِدَّةَ طَبَعاتٍ،
واستفادَ منهُ خَلْقٌ كثيرٌ منَ الحنابلةِ وغيرِهم، وكانَ أحدَ الكتبِ المقرَّرَةِ
لَدَى مُتَفَقِّهَةِ الحنابلةِ في بلادِ الشَّامِ.
ووضعَ ابنُ بدرانَ حواشِيَ الحنابلةِ؛ كـ ((أَخْصَرِ المُخْتَصَراتِ»،
و (شَرْحِ مُنْتَهى الإرادات))، و((الرَّوْضِ المُرْبِعِ))، و((مُخْتَصَرِ
الإفادات)).

53
وأَلَّفَ في تاريخ المذهبِ ورجالِه ((ذيلاً)) على طَبقاتِ الحافظِ ابنِ
رَجَب.
وكتبَ في الفرائضِ كتابين هما: ((كِفايةُ المُرْتَقي إلى معرفةِ فَرائضٍ
الخِرَقي))، و((البَدْرانيَّة شرحُ المنظومةِ الفارِضِيَّة)».
وتولَّى الإجابةَ عنِ الأسئلةِ والفتاوى المُوَجَّهَةِ إليه، فخرجَتْ تلكَ
الإجاباتُ في مؤلّفاتٍ مستقلَّةٍ؛ كـ ((روضةِ الأرواح))، و((دُرَّةِ
الغَوَّاصِ))، و((العُقودِ الياقوتِيَّةِ))، و((الفَرِيدَةِ اللُّؤْلُنِيَّةِ))، و(«تَشْنِيفِ
الأسماعِ))، و(الأَجْوِيَّةِ عنِ الأسئلةِ البَيْرونِيَّةِ)، وغيرِها.
وقد أغربَ الأستاذُ محمَّدُ بنُ سعيدِ العُمَانِيُّ الحَنْبَلِيُّ في ترجمتِهِ
لابنِ بدرانَ؛ حيثُ ذكرَ أنَّهُ كانَ شافِعِيّاً فتحَوَّلَ، وهذا النَّقْلُ غريبٌ، إذْ
أنَّ المُتَتَبِّعَ لسيرةِ ابنِ بدران - فيما حكاهُ عنْ نفسِه - يرى أنَّهُ نشأً نشأةً
حنبليّةً، ودرسَ في بدءِ أمرِهِ ((دليلَ الطَّالبِ))، وتفقَّهَ على الشَّيخ
محمَّدٍ بنِ عثمانَ الخطيبِ مُفْتي الحنابلةِ، وقرأ عليهِ: ((مختصرَ
الإفاداتِ))، وكُلُّ ذلكَ قبلَ رحلتِهِ إلى دمشقَ، فمِنْ أينَ جاءَهُ المذهبُ
الشافعيُّ، ودومةَ لم تعرفْ مذهباً غيرَ المذهبِ الحنبليِّ؟ !.
ومعَ ذلكَ فيُمكِنُ توجيهُ كلام العُمانيِّ من أحدٍ وَجْهِينِ :
الأَوَّلُ: أَنَّ لابن بدرانَ تَحَوُّلَيْنِ: مرَّةً منَ المذهبِ الحنبليِّ إلى
المذهبِ الشَّافعيِّ، والأُخْرَى منَ الشافعيِّ إلى الحنبليِّ ! - وهذا بعيدٌ -.
الثاني: أنَّ مقصودَ ابنِ بدرانَ في كلامِه تَحَوَّلُهُ في الأُصولِ لا في

54
الفُروع، حكى ذلكَ عنْ نفسِه على طريقةِ المتقدِّمينَ الَّذينَ كانوا
يعبِّرُونَ عن الأشاعرةِ بالشافعيَّةِ، وعن أهل الحديثِ بالحنابلةِ، فظنَّ
السامعُ لهُ، أو النَّاقِلُ عنهُ، أنَّ مقصودَهُ في ذلكَ في الفروعِ .
وهذا التوجیهُ۔عندي۔ أرجحُ وأصُ.
ومن هنا تعلمُ خطأ إدخالِه في ((التحوُّلِ المذهبيِّ))، وكذا خَطَأْ مَنْ
تابعَ الأستاذَ العُمانيَّ على ما ذكرَهُ في ترجمتِهِ لابنِ بدرانَ مِنْ تحوُّلِهِ.
واللهُ أعلمُ.
* اخْتياراتُّهُ الفِقْهِيَّةُ:
تقدَّمَ أنَّ ابنَ بدرانَ حنبليُّ المذهبِ، إلاَّ أَنَّه إذا اتَّضَحَ لهُ دليلٌ
صحيحٌ صريحٌ خلافَ مذهبه، لم يلتفتْ إلَّ للدَّليلِ، ولذا فإنَّهُ وافقَ
مذهبَهُ في أشياءَ، وخالفَهُ في أشياءَ أُخرى، وسوفَ أُلَمِّحُ هنا إلى بعضٍ
اختياراتِه الفقهيّةِ، تاركاً اسْتِقْصاءَها إلى دراسةِ مُطَوَّلَةٍ مُوعِبَةٍ.
فمِنِ اختياراتِهِ :
- أنَّ المعتبرَ في تطهيرِ المُتَنَجِّسِ زوالُ عينِ النَّجاسةِ دونَ اشتراطِ
عددٍ معینٍ .
- وأنَّهُ يجوزُ المسحُ على الخُفِّ الممزَّقِ ما لمْ يظهرْ أكثرُهُ.
- وأنَّ لمسَ الأَمْرَدِ بشهوةٍ ناقضٌ للوضوءِ.
- وأنَّ خِتانَ الأُنثِى مُسْتَحَبٌّ لا واجِبٌ.

55
- وأنَّهُ يجوزُ ضبطَ وقتِ الصَّلاةِ بالسَّاعةِ العصرِيَّةِ إذا تكرَّرَتْ
إصابتُها .
- وأنَّهُ لا يجبُ على المرأةِ سترُ كَفَّيْها في الصَّلاةِ؛ لأنَّهما ليسا
بِعورَةٍ .
- وأنَّ النّيَّةَ المُعْتَبَرَةَ في الصَّلاةِ هي نِيَّةُ القلبِ .
ــ وأنَّ لفظَ ((السُّلطانِ)) يَعُمُّ كُلَّ ذي سُلطةٍ، حتَّى شيخُ القريةِ،
ورئيسُ البلديَّةِ ! .
- وأنَّهُ لا يُكْرَهُ السَّفَرُ قبلَ الزَّوالِ من يوم الجُمُعَةِ إذا خافَ فواتَ
السَّفَر.
- وأنَّ صلاةَ الجُمعةِ تنعقدُ بحضورِ ثلاثةِ أشخاصٍ ممَّنْ تجبُ
علیهم، وتحدیدُ العددِ لم یصحَّ فيه دليلٌ.
- وأنَّ استعمالَ الذَّواءِ أفضلُ من ترکِهِ .
- وأنَّ حكمَ زكاةِ العُمْلَةِ الوَرَقِيَّةِ كحكمٍ زكاةِ الدَّيْنِ .
ــ وأنَّهُ يجوزُ تركيبُ أسنانِ الذهبِ، وإنْ قامَ المَعْدِنُ والِفِضَّةُ
مَقامَها .
- وأنَّ صومَ رمضانَ يَثْبُتُ بالإخبارِ عنهُ بالتِّلِغْرافِ إذا كانَ المُخْبرُ
عَدْلاً .
- وأنَّهُ يجوزُ إخراجُ الكَفَّارَةِ عنِ الصَّومِ بعدَ الموتِ على نحوٍ
ما يفعلُه الحنفيَّةُ في إسقاطِ الصَّلاةِ وغيرِها كطوافٍ واعتكافٍ !!.

56
- وأنَّهُ يجوزُ بيعُ المُعاطاةِ في قليلِ المالِ وكثيرِه.
- وأنَّ المرجعَ في الكيلِ والوزنِ إلى العُرْفِ بالحجازِ .
وغیرُ ذلكَ کثیرٌ.

57
المبحث الخامس
شْره
* شعره :
كانَ ابنُ بدرانَ أديباً، شاعِراً، ناظماً، ناثِراً.
فقد تفوّقَ في مجالِ الشِّعرِ، فتركَ لنا ديواناً كامِلاً أَوْدَعَهُ مقاطِعَ من
شعرِهِ، سمَّاهُ: (تَسْلِيَة اللَّبيبِ عنْ ذِكْری حَبيب)).
كما تفوَّقَ في النَّثْرِ، فصاغَ كتبَهُ التاريخيَّةَ والفقهيَّةَ بأسلوبِ الأدباءِ
لا بأسلوب الفقهاءِ، فجاءَتْ كتبُه سهلَةً مُيَسَّرَةً، مُذَلَّلَةَ الصِّعابِ.
ولعلَّ القارئ لديباجةِ كتابهِ ((المُنادَمَة)) يتذَوَّقُ رِفْعَةَ أسلوبِ ابنِ
بدرانَ، وتحليقَه في سماءِ البلاغةِ الأدبيّةِ، وقدرتَهُ على صياغةِ ما يريدُ
في أساليبَ متنوِّعَةٍ .
ولأجلِ ذلكَ ذكرَ جميعُ من ترجَمَ لابنِ بدر انَذَأَّهُ شاعرٌ وأديبٌ.
فقالَ الجُنْدِيُّ: ((كانَ شاعِراً وأديباً وقُطْباً وعالِماً فَذَاَ بَليغاً، جَمَعَ
شعرَهُ في ديوانٍ .. وكانَ يهوَى المُطارحاتِ والمُساجَلاتِ الشعريَّةَ معَ
الشُّعراءِ والأُدباءِ».

58
وقالَ الحصْنِيُّ: ((سَبَقَ كثيراً من إخوانِه وأقرانِه في الأدب واللُّغةِ)).
وقال الزِّرِكْليُّ: (( ... عارفٌ بالأدبِ والتَّاريخ، له شِعْرٌ)).
وقد شَمِلَ شعرُ ابنِ بدرانَ فُنونَ الشِّعرِ كُلَّها؛ كالمديحِ والغَزَلِ
والوَصْفِ والرِّثاءِ والهِجاءِ والحِكْمَةِ والمُراسلاتِ، وغيرِها.
كما نَرى فيه جمالَ صنعةِ الشِّعرِ من تَوْرِيَةٍ وجِناسٍ وطِباقٍ وتَشْطيرٍ
وتَخْمِيسٍ وتَطْريٍ ومُوَشَّحاتٍ وَتَضْمينٍ وإجازاتٍ، وغيرِ ذلكَ.
وسيرى المطالِعُ لديوانِهِ هذا جملةً وافرةً من النَّماذج المشرِقَةِ لما
تقدَّمَ.

59
المبحث السّاوس
مكتبت
* مكتبته :
امتلكَ ابنُ بدرانَ مكتبةً علميَّةً جَيِّدَةً، تضمُّ نفائسَ المخطوطاتِ،
وخاصَّةً في المذهبِ الحنبليِّ، وَرِثَ بعضَها عن جَدَّهِ لأَمِّهِ الشَّيخ الفقيهِ
أحمدَ بنِ مصطفى بنِ حسينِ النَّعْسان (ت: ١٢٨١ هـ)، وبعضُها الآخَرُ
تَمَلَّكَهُ لنفسِهِ، أو وُهِبَ لهُ.
ثُمَّ إِنَّه لمَّا حَصَلَتْ لهُ تلكَ الفتنةُ المُظْلِمَةُ في بلدِه، وهاجَ عليهِ
جَهَلَةُ الخَلْقِ، واستَعْدَوْا على مكتبتِهِ، فأحرقوا ما وجدوهُ فيها - كما
حدَّثني بذلكَ بعضُ كبارِ السِّنِّ في دومةَ -، ولذلكِ حُقَّ لهُ أنْ يَصِمَهُم
بالحُمُر المستنِفِرَةِ، ويَصُبَّ جامَ غضبِهِ عليهمْ في ديباجةِ كتابهِ
((المُنادَمَةِ)) .
وما بقي معَه من مكتبتِه احتملَه إلى دمشقَ، وأَوْدَعَهُ غُرْفَتَهُ إلى آخرِ
حياتِهِ، ثمّ إنَّ مكتبتَهُ بعدَ وفاتِه قدْ صارتْ لعدَّةِ أشخاصٍ منهم :
١- الشَّيْخُ عبدُ الغَنِيِّ بنُ إبراهيمَ الدُّرَّة الدُّومِيُّ، وكانَ شابّاً مُحِبّاً
للعلمِ، عاشِقاً للكتبِ، حتَى اجتمعَتْ لديهِ مكتبةٌ غنِيَّةٌ بالنَّفائس،

60
اشتراها من عددٍ منَ الأُسرِ الَّتي ورثتِ الكتبَ ولمْ تعرفْ قدرَها، ثمّ إنَّه
تُؤُفِّيَ وهو شابٌّ، فقامَ وَرَثَّتُهُ ببيع مكتبتِهِ، وكانَ بعضُها منْ نصيبٍ
الأستاذِ شامِل الشاهين، منها خمسةٌ من مُؤَلَّفاتِ ابنِ بدرانَ بخطِّهِ، وقدْ
نُشِرَ تقريرٌ وَصْفِيٌّ لهذِهِ المخطوطاتِ في ((مجلّةِ معهدِ المخطوطاتِ
العربيَّةِ)) الصادرةِ في الكويتِ (مج ٣٢/ج٢/ص: ٢١٣-٢٣٩).
٢ - ومنهمُ الأستاذُ محمَّدُ بنُ سعيدِ العُمَانيُّ الحنبليُّ، حيثُ قالَ في
ترجمةِ ابنِ بدرانَ بعدَ ذكرٍ كتبِهِ: «هذا سوى ما لديَّ منَ الرَّسائلِ
والفَتاوى منْ أصنافِ العلومِ، مِمَّا لو جُمِعَ لَبَلَغَ مُجَلَّداتٍ، وما كانَ يقعُ
في كُرَّاسٍ أو كُرَّاسَيْنِ أضرَبْنا عنهُ خوفَ الإطالةِ).
قلتُ: وليتَهُ لمْ يَخَفْ منْ هذِهِ الإطالَةِ، فلقدْ حَرَمَنا هذا الخوفُ
كثيراً منَ النَّفائِس.
٣ - وصارَ جُزْءٌ آخَرُ بحَوْزَةِ الأستاذِ الشَّيْخ مُحَمَّد زُهَيْرِ الشَّاويش،
في مكتبتِهِ في بيروتَ.
أقولُ: ولا زِلْتُ أسمعُ بوجودِ كتبٍ أُخرى من مكتبةِ ابنِ بدرانَ لَدَی
بعضِ الأُسرِ في دومةَ، ولكنْ لمْ أستطعِ الوصولَ إلى شيءٍ ملموسٍ في
الواقع، فاللهُ يُيسره بفضلِهِ وَمَنِّهِ.