Indexed OCR Text
Pages 1-20
شَرْعُ كَاتِ الشَّهَائِ في الحِكَم ◌َوَاعِظِ وَلَدَابِ للإمام القضائي يَتَضَمُ شَرعَ قرابةٍ أَلفِ حَدِيثٍ نَبَوِيّ مَعَ تَخِيجَهَا وَان الحكم عليها تَأْلِيُفُ العلامة عبد القادر ين بدران الدُّومي الخيلى ( ١٢٦٥ - ١٣٤٦ هـ ) رحمه الله تعالى اِعتَنَبِهِ تَحَقِيْقًا وَضَبْطًا وَتَخْيُجَا تُورُ الدُّنْطَ الِبْ القسمُ الثَّانِي ،،٧ النَّصْرِ الحَقّوُ ترجمة القاضي القضائي صَاحِبُ الشَّهَاب قالَ الحافِظُ أَبو القاسِمٍ عَليُّ بْنُ عَساكِرَ في ((تاريخِ دِمَشْقَ))(١) في تَرْجَمَتِهِ : هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَكْمونَ بْنِ إِبراهيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَبو عَبْدِ اللهِ القُضاعِيُّ، الفَقيهُ الشَّافِعِيُّ، قاضي مِصْرَ، الَّذِي أَلَّفَ كِتابَ ((الشِّهابِ)). قَدِمَ دِمَشْقَ، وَسَمِعَ بِها مِنْ أَبِي الحَسَنِ بْنِ السِّمْسَارِ، وَأَبِي القاسِمِ بْنِ الطبيِزِ، وَرَوَى عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الكاتِبِ، وَعَذَّ جَماعَةً مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ وَرَوَوْا عَنْهُ حَسْبَ اصْطِلاح المُحَدِّثينَ، وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ: أَبو عَبْدِ اللهِ الحُمَيْدِيُّ صاحِبُ ((الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحيحَيْنِ)». ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَساكِرَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبي مُسْلِمِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي نَصْرِ بْنِ ماکولا قالَ : القاضي أبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمَةَ القُضاعِيُّ المِصْريُّ: كانَ (١) انظر: (تاريخ دمشق)) لابن عساكر (١٦٧/٥٣) وما بعدها. ٣ فَقيهاً عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، مُتَفِّاً في عِدَّةِ عُلُومٍ، وَصَنَّفَ، وَلَمْ أَرَ في مِصْرَ مَنْ يَجْري مَجْراهُ(١). وقالَ أَبو الفَرَج: إِنَّ القُضاعِيَّ كانَ يَخْلُفُ الحُكْمَ بِمِصْرَ، وَلَهُ تَصانيفُ مِنْها: ((تاريخٌ)) مُخْتَصَرٌ نَحْوَ خَمْسٍ كَراريسَ مِنِ ابْتداءِ الخَليقَةِ إِلَىْ زَمانِهِ، سَمَّاهُ كِتابَ: ((الأَنْبَاءِ عَنِ الأَنْبِياءِ وَتَواريخِ الخُلَفَاءِ))، وَ(كِتابُ الشِّهابِ))، وَكِتَابٌ جَمَعَ فيهِ «أَخْبَارَ الشَّافِعِيِّ وَمَناقِبَهُ)). وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَحْيَى بْنُ سَعْدونَ القُرْطُبِيُّ: إِنَّ القاضِيَ القُضاعِيَّ شُهْرَتُهُ تُغْنِي عَنِ الإِطْنابِ فِي ذِكْرِهِ، وَالإِسْهابِ فِي أَمْرِهِ، وَقَدْ خَرَّجَ ((مُعْجَمَ شُيوخِهِ)) الَّذينَ رَآهُمْ سَفْراً وَحَضَراً، وَلَهُ تَصانيفُ مُفيدَةٌ مِنْها: ((الشِّهابُ)) الَّذِي طَبَّقَ الأَرْضَ، وَصارَ في الشُّهْرَةِ كَاسْمِهِ مِنْ كَلامِ المُصْطَفَى سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَمِنْها: كتابُ «دُسْتورِ الحِكَمِّ وَمَأْتُورِ مَعاني الكَلِمْ)) مِنْ كَلامِ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَنِ الصَّحابَةِ أَجْمَعِين -، كَتَبَ عَنْهُ الحُفَّاظُ بِمِصْرَ وَمَكَّةَ وَغَيْرِهِما؛ كَأَبِي بَكْرِ الخَطِيبِ، وَأَبِي نَصْرِ بْنِ ماكولا البَغْدادِيَّيْنِ، وَنُظرائِهِما، وَكَانَ مِنَ الثِّقَاتِ الأَثْباتِ، كَثيرَ السَّماعاتِ، شافِعِيَّ المَذْهَبِ وَالاعْتِقادِ، مَرْضِيَّ الجُمْلَةِ عِنْدَ الانْتِقَادِ، كَتَبْتُ عَنْهُ بِخَطِّي، وَسَمِعَ مَعَنا عَلَى شُيوخِنا مَعَ عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وَمَنْزِلَتِهِ. وَقَالَ أَبو شُجاع فارِسُ بْنُ الحُسَيْنِ الدُّهْلِيُّ في كِتَابِ ((الشِّهابِ)): في العِلْمِ وَالِحِلْمِ وَالآدابِ وَالحِكَمِ إِنَّ الشِّهابَ شِهابٌ يُسْتَضاءُ بِهِ (١) انظر: ((الإكمال)) لابن ماكولا (١١٥/٧). ٤ هَذِي المَصابيحُ فِي الأَوْراقِ وَالظُّلَمِ سَقَى القُضاعِيَّ غَيْثٌ كُلَّمَا لَمَعَتْ تُؤُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِ مِنَّةٍ، وَوَهِمَ مَنْ قالَ: سَنَةَ اثْنَيْنِ وَخَمْسينَ. انْتُهىُ كَلامُ الحافِظِ ابْنِ عَساكِرَ . وَتَرْجَمَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ فَقالَ (١) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ بَعْضاً مِنْ كَلامِ ابْنِ عَساكِرَ -: تَوَلَّى القَضاءَ بِمِصْرَ نِيابَةً مِنْ جِهَةِ المِصْرِيِّينَ، وَتَوَجَّهَ مِنْهُمْ رَسولاً إِلىَ جِهَةِ الرُّومِ، وَلَهُ كِتَابُ ((خُطَطِ مِصْرَ)). القُضاعِيُّ: بِضَمِّ القافِ وَفَتْحِ الضَّادِ المُعْجَمَةِ، هذِهِ النِّسْبَةُ إِلى قُضاعَةَ، وَيُقالُ: هُوَ مِنْ مَعَدِّ بْنِ عَدْنانَ، وَيُقالُ: هُوَ مِنْ حِمْيَرٍ، وَهُوَ الأَكْثَرُ وَالأَصَخُ، وَاسْمُهُ عَمْرٌو، وَيُنْسَبُ إِلَيْهِ قَبائِلُ كَثيرَةٌ مِنْها كَلْبٌ وَبَلِيُّ وَجُهَيْنَةُ وَعُذْرَةُ. انتهى. وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَهَّابِ السُّبْكِيُّ في ((طَبَقَاتِ الشّافِعِيَّةِ الكُبْرَى))(٢): مُحَمَّدُ بْنُ سلَامَةَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَليِّ القاضي، أَبو عَبْدِ اللهِ القُضاعِيُّ، الفَقيهُ، قاضي مِصْرَ، مُصَنِّفُ كِتَابِ ((الشِّهابِ))، ثُمَّ ذَكَرَ عَمَّنْ رَوَىُ، وَمَنْ رَوَى عَنْهُ بِقَرِيبٍ مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ عَساكِرَ، ثُمَّ قالَ: قُلْتُ: وَقَدْ ذَهَبَ إِلىَ الرُّومِ رَسولاً، وَمِنْ عَجيبٍ ما اتَّفَقَ لَهُ أَنَّهُ لَقِيَ شَيْخاً بِمدينةِ القُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَسَمِعَ مِنْهُ بِها، ثُمَّ حَدَّثَ عَنْهُ. هذا ما تَرْجَمَهُ بِهِ الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ، وَابْنُ خَلِّكَانَ، وَابْنُ (١) انظر: ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٢١٣/٤-٢١٤). (٢) انظر: ((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي (١٥٠/٤-١٥١). ٥ السُّبْكِيِّ، وَالعُمْدَةُ تَرْجَمَةُ ابْنِ عَساكِرَ؛ لِأَنَّ مَنْ بَعْدَهُ ناقِلٌ عَنْهُ كَما رَأَيْتَ(١). * وَأَمّا كِتَابُ ((الشِّهابٍ))، فَقَالَ في (كَشْفِ الظُّنونِ)) (١): ((الشِّهابُ في الِحِكَمِ وَالأَمْثالِ وَالآدابِ))، لَخَّصَهُ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ الغَيْطِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الإِسْكَنْدَرِيُّ المُتَوَفَّى سَنَةَ (٩٨٤ هـ)، وَأَصْلَحَهُ الإِمامُ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ الصَّغانِيُّ، وَسَمّاهُ: ((كَشْفَ الحِجَابِ عَنْ أَحاديثِ الشِّهابِ))، وَوَضَعَ عَلامَةً لِلصَّحيحِ وَالضَّعيفِ وَالمُرْسَلِ، وَرَتَّبَهُ عَلَى الأَبْواب كَ (المَشَارِقِ))، وَقَدْ أَوَصَى ابْنَ الأَثِيرِ في ((المَثَّلِ السَّائِرِ)) بِمُطالَعَتِهِ للكاتِبِ الفَقیهِ. وَلَهُ (ضَوْءُ الشِّهابِ))، وَشَرَحَهُ أَبو المُظَفَّرِ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْعَدَ المَعْروفُ بابْنِ الحَكِيمِ الحَنَفِيّ المُتَوَفَّى سَنَةَ (٥٦٧هـ)، وَشَرَحَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّؤُوفِ المَناوِيُّ شَرْحاً مَمْزوجاً، وَسَمّاهُ ((رَفْعَ النِّقَابِ عَنْ كِتَابِ الشِّهابِ))، أَوَّلُهُ: أَحْمَدُ اللهَ عَلَى مَا جَبَلْنِي عَلَيْهِ . (١) وانظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (٩٢/١٨)، و((العبر)) (٢٣٣/٣) كلاهما للذهبي ، و((الأنساب)) (١٨٠/١٠-١٨١)، و((طبقات الإسنوي)) (٣١٢/٢)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (١٥٠/٤)، و((الوافي بالوفيات)) للصفدي (١١٦/٣)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٢١٢/٤)، و((حسن المحاضرة)) للسيوطي (٤٠٣/١)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (٧٥/٣)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢٩٣/٣)، و((كشف الظنون)) (١٠٦٧/٢)، و((هدية العارفين)) للبغدادي (٤٨٣/١)، و((معجم المطبوعات)) لسركيس (١٥١٦/٢)، و((الرسالة المستطرفة)) للكتاني (ص: ٧٦)، و(الأعلام)) للزركلي (١٤٦/٦)، و((معجم المؤلفين)) لكحالة (٣٢٧/٣). (١) انظر: ((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (١٠٦٧/٢). ٦ قُلْتُ: لِكِنَّ الأمينَ الشّامِيَّ (المُحِبِّيَّ) قالَ في تَرْجَمَتِهِ: وَرَتَّبَ كِتَابَ (الشِّهابٍ)) للقُضاعِيِّ، وَشَرَحَهُ وَسَمَّهُ ((مُعِينَ الظُّلَّبِ بِشَرْحٍ تَرْتِيبٍ الشِّهابِ))(١) . وَلَهُ تَرْتيبُ أَحاديثَ عَلَى تَرْتيبِ الجامِعِ الصَّغِيرِ وَرُموزِهِ، وَمِنْ شُروحِهِ «حَلُّ الشِّهابِ)). وَشَرَحَهُ بَعْضُهُمْ، أَوَّلُهُ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ سُنَّةَ نَبِّهِ مِشْكَاةً لاقْتِبَاسِ أَنْوارِ الرُّشْدِ وَالهُدَى. وَشَرَحَهُ ابْنُ وَحْشِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ المَوْصِلِيُّ، وَاخْتَصَرَ هذَا الشَّرْحَ الشَّيْخُ إِبراهيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الوادِاشِيُّ، ماتَ سَنَةَ (٥٧٠ هـ). وَشَرَحَهُ الأُسْتاذُ أَبو القاسِمِ بْنُ إِبراهيمَ الوَرَّاقُ العابِيُّ شَرْحاً بِالقَوْلِ أَوَّلُهُ: أَحْمَدُ اللهَ عَلَى نِعَمِهِ المُتَظافِرَةِ، وَرَتَّبَهُ السُّيوطِيُّ كَتَرْتيبِ الجامِعِ الصَّغِيرِ لَهُ، أَوَّلُهُ: الحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ، إِلخ(٢) اهـ. وَبِهِذا تَعْلَمُ ما كانَ لِهِذا الكِتابِ مِنَ الأَهَمِّيَّةِ الْكُبْرَى. (١) انظر: ((خلاصة الأثر)) (٤١٤/٢). (٢) انظر: ((كشف الظنون)) (١٠٦٧/٢). ٧ [مقدّمة المؤلّف] الحَمْدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَى المُؤْمِنِينَ؛ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ، يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ، ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالِحِكْمَةَ، وإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبينٍ . ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىَّ وَلَبِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُمْ بَعْدَ الَّذِى جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلٍِ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]. ﴿﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، أُوْلَكَ يُؤْمِنُونَ بِهِهُ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [البقرة: ١٢١]. ﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًاً كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّاَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِبِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]. والصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي أَرْسَلَهُ بالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، فَبَلَّغَ شَرْعَهُ مُعْلِناً، وَصَدَعَ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ واجِبُ الوُجودِ(١)، فَلَمْ يَخُصَّ بِالعِلْمِ أَحَداً دُونَ أَحَدٍ، فَقَوْلُهُ قَوْلُ (١) إطلاق اسم (واجب الوجود)) على ربِّ العزة - جلَّ جلاله - ممّا لم يرد به نص من كتابٍ ولا سنَّة، وأسماء الله - تعالى - توقيفية، يقتصر فيها عَلَى ما جاء في النص،= ٩ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمينٍ، فَالنَّاوَتُ بينَ الآخِذِينَ عَنْهُ إِنَّمَا هَوَ في الفَهْمِ وَحُسْنِ المَدَارِكِ، وَالهُدَى كُلُّ الهُدَى في قولِهِ تعالَىُ لِنَبِّهِ: ﴿وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَّ إِنَّ اللََّ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢]، ﴿وَلَ نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَآَتَبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ تَرَكُوا الأَهْلَ وَالخِلَّنَ في مَحَبَّتِهِ، فَخَرَجُوا مِنْ ظُلْمَةِ الجَهالَةِ، وَحُلُوكَةِ البِدْعَةِ إِلَى شَمْسِ الهِدايَةِ السَّلِيمَةِ مِنَ الغُروبِ. وَضَلَّ مَنْ قِيلَ لَهُم: ﴿أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اُللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]. يُنادِيهِمُ العَزِيزُ الجَبَّارُ مُبَكِّتاً، ويُخاطِبُهُمْ مُسْتَهْزِئاً: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، أَّفَ اللهُ بَيْنَ شَتِيتِ أَحْبابِهِ بَعْدَ العَداوَةِ، فَتَعاوَنُوا عَلَى الْبرِّ والتَّقْوَىُ حَتَّى أَشْرَقِ مَطْلَعُ الشَّمْسِ وَمَغْرِبُها بِالإِيمانِ، وَتَمَكَّنَ فِي قُلُوبٍ أُولِي الأَلْبَابِ بِالحُجَّةِ الوَاضِحَةِ وَالْبُرْهَانِ، وَلَمْ يَكُنِ السَّيْفُ إِلاَّ لِمُدافَعَةِ الأَعْدَاءِ وَلِكَبْحِ جِماحٍ الأَلِدَّاءِ، وَفَتَحَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِفَهْمِ الشَّرِيعَةِ الغَرَّاءِ وَأَسْرارِها، فَوَعَتْها صُدُورُهُمْ، وَنَقَلُوهَا لِمَنْ بَعْدَهُمْ سالِمَةً منَ التَّغيْرِ وَالتَّبْدِيلِ، فَهُمْ نُجُومُ الهُدَىُ، وأَهْلُ الصَّفَاءِ وَالوَفا، رَضِيَ اللهُ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْهُمْ، وَخَصَّ نَّهُ بِأَفْضَلِ الصَّلاَةِ وَالتَّسْلِيمِ. كما بين ذلك جماعة من أهل العلم، فليتنبه ! . = ١٠ وَبَعْدُ : فَيَقُولُ المُفْتَقِرُ لِرَحْمَةِ الكَريمِ، وَنُورِ الفَتْحِ الرََّّانِيِّ مِنَ الرَّحْمن، عَبْدُ القادِرِ بْنُ أَحْمَدَ الشَّهِيرُ كَأَسْلاَفِهِ بابْنِ بَدْرَان - أَطْلَعَهُ اللهُ عَلَىْ أَسْرارِ شَرِيعَةٍ نَبِّهِ المُخْتَارِ، وَمَلأَ قَلْبَهُ بِالحِكْمَةِ الخالِصَةِ عَنِ الأَكْدارِ -: لَمَّا كانَتِ الحِكْمَةُ هيَ النُّورَ المُفاضَ عَلَى الأَكْوانِ، والمَعْدِنَ الإِلهِيَّ المَطْلُوبَ في كُلِّ زَمانٍ، لكِنَّها آوِنَةً تَخْتَفِي فَلاَ تَتَجَلَّى إِلَّ لِلأَفْرَادِ، وَتَارَةً تَظْهَرُ لِطُلَّبِهَا سافِرَةَ النِّقَابِ، مَرْفُوعَةَ القَدْر، كامِلَةَ المحاسِنِ، وَقَدْ بَزَغَتْ في هذا العَصْرِ بَعْدَ كُمُونِها زَمَناً، وَطَلَبَتِ الشُّرُوقَ بَعْدَ أَنْ كانَتْ تُنَادِمُ الأَفْرَادَ عَلَناً، فَأَخَذْ أَحْبابُها يُحْيُونَ ما انْدَرَسَ مِنْ آثارِها بِالطَّبْعِ، وَيُنْشِئُونَ مِنَ المِقَالاتِ ما اهْتَدَوْا إِلَيْهِ بِالطَّبْعِ، وَهِيَ تَحْمَدُ مَسْعَاهُمَّ وَتُنادِيْهِمْ: أَيْنْ أَنْتُمْ مِنْ كَلام [مَنْ] أُؤْتِيَ جَوَامِعَ الكَلِمِ ، وَخُصَّ بِبَدَائِعِ الحِكَمِ، وَفُوِّضَ إِلَيْهِ بَانُ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، فَأَوْضَحَ كُلَّ الأُمُورِ المَّهِمَّةِ، وَجَمَعَ أَشْتَاتَ الِحِكَمِ وَالعُلُومِ في كَلِمَةٍ أَوْ فِي شَطْرِ كَلِمَةٍ، فَأَصْغَى الْبَعْضُ لِهِهذا الخِطابِ، وَابْتَدَؤُوا بِفَتْحِ ذَلِكَ البَابِ . وَكُنْتُ قَدِ اقْتَنَيْتُ كُتُّباً تَرَكَها جَدِّي والِدُ والِدَتي - رحمه الله -، وَمِنْ جُمْلَتِها مَجْمُوعٌ كَثِيرُ الرَّسائِلِ فيهِ كِتَابُ ((الشِّهَاب في الحِكَم وَالآدابِ)) للقاضِي القُضاعِيِّ، حاوٍ لِجَوَامِعِ الكَلِمِ مِنْ كَلاَم المُصْطَفَىِّ وَهِ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ عِنْدِي أَعْواماً. فَلَمَّا رَأَيْتُ مِنْ أَذْكِياءِ العَصْرِ إِصْغَاءً لِذَلِكَ النِّداءِ، نَشَرْتُ فِي جَرِيدَةِ ١١ ((الشَّام)) التَّرْغِيبَ في طَبْعِهِ أَثْنَاءَ تَفْرِيظِي كِتَابَ ((لُبَابِ الخِيارِ فِي سِيْرَةِ النَّبِيِّ المُخْتارِ)) . فَانْشَرَحَ لِتِلْكَ الخِدْمَةِ النَّبَوِيَّةِ صَدْرُ الشَّابِّ الأَديبِ المُهَذَّبِ سَليم أَفَنْدِي بْنِ المَرْحُومِ عُمَرَ أَفَنْدِي الشَّهيرِ بِابْنِ هاشِمِ الكُتُبِيِّ الدِّمَشْقِيِّ، وَطَلَبَ ذَلِكَ الكِتابَ لِلطَّبْعِ مُقْتَرِحاً شَرْحَهُ شَرْحاً لَطِيفاً خالِياً عَنِ التَّطْوِيلِ وَالتَّعْقِيدِ . فَنَظَرْتُ فِي الكِتابِ حِيَنِئِذٍ نَظَرَ مُدَقِّقٍ، فَإِذا هُوَ جَدِيرٌ بِالأعتِناءِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَعْسُرُ وُجودُ نُسْخَةٍ ثانِيَةٍ لِلمُقَابَلَةِ وَالتَّصْحِيحِ، وَيَعْسُرُ تَخْرِيجُ أَحادِيثِهِ، وَتَمِنْزُ دَرَجَةِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ. وَعَلِمْتُ أَنَّ المُتَقَدِّمينَ - جَزَاهُمُ اللهُ خَيْراً - قَدْ خَدَمُوهُ فِي أَسْفَارِ لَمْ نَسْمَعْ بِها إِلاَّ في ((كَشْفِ الظُّنونِ))، وَكَتَبُوا عَلَيْهِ تَعالِيقَ أَصْبَحَ وُجودُها كَعَنْقَاءِ مُغْرِبٍ . فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنَّ ذلكَ لا يُعَدُّ مانِعاً، وَمَنْ جَدَّ وَجَدَ، وَمَنْ رَامَ خِدْمَةِ الحَبَيبِ لا يَصُدُّهُ عَذْلٌ وَلا مَلَامٌ. فَاعْتَمَدْتُ فِي تَصْحِيحِ أَلْفَاظِهِ وَرِوايَتِهِ عَلَى ((مُسْتَدِ الشِّهابِ))، وَفي تَخْرِيجِ أَحادِيثِهِ عَلَى الكُتُبِ السَِّّةِ، وَهِيَ: البُخاريُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الكُتِبِ المُعْتَمَدَةِ، وَعَلَى ((الجامع الكبير)) و((الجامِعِ الصَّغير)) وَ((ذَيْلِهِ)) لِلحافِظِ السُّيوطِيِّ، وَعَلَى كِتَابِ ((مَجْمَع الزَّوائِدِ وَمَنْبَعِ الفَوَائِدِ)» لِلحافظِ نُور الدِّينِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَنَ الهَيْثَمِيِّ، وَقَدْ جَمَعَ فِي كِتَابِهِ زَوَائِدَ ١٢ مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَأَبِي يَعْلَى، وَالبَزَّارِ، وَمَعاجِيمِ الطَّبَرانِيِّ الثَّلاثَةِ: الكَبيرِ وَالصَّغِيرِ وَالأَوْسَطِ، وَعَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ هِذَا الشَّأْنِ؛ كَ(كَشْفِ الخَفاءِ وَالالْتِباس)) للعَجْلُونِيِّ، وَ((المقَاصِدِ الحَسَنَةِ)) لِلسَّخاوِيِّ، وَ(تَخْرِيجِ أَحاديثِ الإِحْياءِ) لِلحافِظِ العِراقِيِّ، وَفِي غَرِيبٍ لُغَتِهِ عَلَى ((النِّهايَةِ)) لِأَبي السَّعاداتِ مُبارَكِ المَعْرُوفِ بِابْنِ الأَثِيرِ، وَعَلَى ((الفائِقِ فِي غَرِيبِ الحَديثِ)) لِلعَلَأَّمَةِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وَلَمْ أَجْنَحْ لِتَطْوِيلِ، أَوْ لِاسْتِقْصَاءِ الأَقاويلِ، بَلْ سَلَكْتُ فِي شَرْحِهِ مَشْرَبَ أَبْنَاءِ العَصْرِ، لِيَمْتَزِجَ بِطَبْعِهِمْ، وَيَخْلُوَ لِذَوْقِهِمْ، وَجَعَلْتُ ما أَمْلَيْتُهُ دَليلاً عَلَى مَحاسِنِهِ، وَما سَطَّرْتُهُ بُرْهاناً عَلَى ما اذَّعَيْتُهُ، وَهُوَ - تَعالَى - لا غَيْرُهُ المُوَفِّقُ وَالمُعِينُ. ١٣ . مقدسة إِنَّا إِذا تَأَمَّلْنا ما جاءَ بِهِ الشَِّيُّ نَّهِ مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى بَعَيْنِ الحِكْمَةِ، وَحَقَّقْناهُ بِعَقْلِ الاسْتِبْصَارِ، وَجَدْناهُ لا يَخْرُجُ عَنْ أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُما: مَعْرِفَةُ الخالِقِ - جَلَّ وَعَلا - وَوَصْفُهُ بِصِفاتِهِ اللَّثِقَةِ بِجَلالِهِ. وَثَانِيهِمَا: مَعْرِفَةُ ما يُرْضِيهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعالَى - وَالتَّباعُدُ عَمَّا لاَ يَرْضَى بِهِ . وَهذانِ الأَصْلاَنِ عَلَيْهِمَا مَدَارُ الشَّرَائِعِ الإلهِيَّةِ، وَحِكْمَةُ الحُكَمَاءِ تُدَنْدِنُ حَوْلَهُما. وَلَمّا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ الأُولَى قِدِ انْحَرَفَ أَهْلُها عَنْ هذَيْنِ الأَصْلَيْنِ، وَتَاهُوا فِي بَيْدَاءِ العَمَى وَالجَهَالَةِ، أَرَادَ اللهُ بِأَهْلِ الأَرْضِ خَيْراً، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولَهُ الصَّادِقَ الأَمينَ، وأَنْزَلَ عَلَيْهِ القُزَانَ الكَريمَ مُبِّناً لِذَئِكَ الأَصْلَيْنِ، فَبَّنَ تَوْحِيدَ اللهِ - تَعالَى - عَلَى أَتَمِّ وَجْهٍ وَأَبْلَغِ بُرْهَانٍ، حَتَّى إِنَّ أَكْثَرَ الكِتابِ العَزِيزِ جاءَ بِالأدِلَّةِ القَاطِعَةِ وَالحُجَّةِ الدَّامِغَةِ، فَجَميعُ ما تَرَاهُ فيهِ مِنَ الفُنُونِ وَالأَسالِيبِ، وَذِكْرِ السَّماءِ وَالأَرْضِ وَالنُّجُومِ ١٥ وَأَخْبارِ الماضِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِنَّما جاءَ لِهِذِهِ الغايَةِ، وَمُفَصِّلاً لَها، بَلْ ١ وَجميعُ العُلُومِ وَالاخْتِراعاتِ الَّتِي وَهَبَها اللهُ - تَعالىُ - لِلْبَشَرِ إِنَّمَا هِيَ دَلَّةٌ عَلَى آثارِ حِكْمَتِهِ وَبَاهِرٍ صَنْعَتِهِ، وَذَلِكَ لِمَنْ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهيدٌ. وَأَنْتَ إِذا حَقَّقْتَ ذُلِكَ وَطَرَحْتَ الأَغْيَارَ لَمْ تَذُمَّ عِلْماً، وَلَمْ تَقْدَحْ في فَرٍّ، بَلْ رَأَيْتَ قَلْبَكَ مُنْشَرِحاً لِلجَميعِ، مُقْبلاً عَلَيْهِ، جاعِلاً قَواعِدَهُ آلَةً لِمَعْرِفَةِ خالِقِكَ؛ حَتَّى الفُنونُ الرِّياضِيَّةُ وَالطَّبِيعِيَّةُ، فَسُبْحانَ مَنْ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً عَبَئاً، وَلا يَجْرِي شَيْءٌ فِي مُلْكِهِ إِلَّ بِإرادَتِهِ وَخَلْقِهِ. ثُمَّ أَتَى عَلَى الأَصْلِ فَبَيَنَهُ وَلكِنْ تارَةً إِجْمالاً، وَتَارَةً تَفْصيلاً، كما قال - تعالى -: ﴿كِنَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ﴾ [فصلت: ٣]، وَقالَ - تَعالى -: هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَتُ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبٍ وَأُخَرُ ج مُتَشَبِهَةٌ﴾ [آل عمران: ٧]. ثُمَّ أَوْحَى إِلَى نَبِِّ ◌َِّتَفْصِيلَ ما أُجْمِلَ، وبيانَ ما كانَ منهُ مُشْكِلاً، وَعَلَّمَهُ ما يَرْضَاهُ - تَعالىُ - مِنْ عِبادِهِ، وَما لا يَرْضَاهُ مِنْهُمْ، فَصَدَعَ بِالحَقِّ، وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي تَبْلِغِ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ. ثُمَّ نَشَأْ مِنْ هذا الأَصْلِ فَرْعٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كانَ هذَا الخَلْقُ مِنْ مُبْدَعاتِهِ - تَعالى -، وَكَانُوا لَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُهُمْ إِلاَّ بِالقَوانينِ المَدَنِيَّةِ، كانَ لَها فُنُونٌ خَاصَّةٌ بِها، وَسُمِّيَتْ بِأَسْماءِ مُخْتَلِفَةٍ . فَما كانَ مِنْها راجِعاً إِلَى تَهْذِيبِ النَّفْس سُمِّيَ بِفَنَّ الآدابِ، وَبِفَنَّ الأَخْلاقِ، وبِالتَّصَوُّفِ، وَبِالحِكْمَةِ. ١٦ وَمَا كانَ راجِعاً إِلَى المَدَنَّةِ سُمِّيَ بِفَنِّ الفُرُوعِ، وَبِفَنَّ المُعامَلَتِ. وَما كانَ راجِعاً إِلَى الإِخاءِ سُمِّيَ بِفَنِّ الزِّراعَةِ وَالتِّجَارَةِ وَبِالرِّياضِية؛ لأَنَّ مِنْ شَرْطِ الأُخُوَّةِ السَّعْيَ في المَصالِحِ، وَهُوَ لا يَتِمُّ إِلَّ بِالعِلْمِ، وَلا عِلْمَ لِفَنِّ المَعِيشَةِ إلَّ هاتِهِ الفُنونُ. وَمَا كانَ رَاجِعاً إِلَى البَحْثِ عَنْ خَصائِصِ الأَشْياءِ وطَبائِعِها يُسَمَّى بِالفَنِّ الطَّيعِيِّ، وَلا الثْفِاتَ لِمَنْ لا يَعْرِفُ مَعْناهُ، وَيَظُنُّهُ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ إِنْكَارِ الصّانِعِ - جَلَّ وَعَلاَ -؛ إِذِ الجاهِلُ لا قيمةَ لِكَلامِهِ، بَلِ الفرنُّ الطَّبيعِيُّ هُوَ الواسِطَةُ الكُبْرِىُ إِلى مَعْرِفَةِ اللهِ - تَعالى -، وَفي القُرَّآنِ مِنْهُ الكَثِرُ الطَّيِّبُ؛ حَقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠]، وقولِهِ: ﴿قُلْ يُحْبِيِهَا الَّذِىّ أَشَأَهَا أَوْلَ مَتَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] إلىُ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَبَيَّنُ لِمَنْ يَفْهَمُ مَقاصِدَ الكِتَابِ العَزيزِ. وَحَاصِلُ القَوْلِ: أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ وَكَلاَمَ الرَّسُولِ وَلَ قَدْ تَكَفَّلا بما يَضْمَنُ لِلنَّاسِ سَعَادَتَهُمُ الذُّنْيَوِيَّةَ وَالأُخْرَوِيَّةَ، وَهُما المُساعِدانِ عَلَى التَّرَقِّي وَالنَّجاحِ عاجِلاً وَاجِلاً، وَحاشاهُما أَنْ يَكُونا عَثَرَةً أَمامَ التَّقَدُّم، بَلْ هُما يُنادِيانِ بِهِ، وَيُعينانِ عَلَيْهِ، دَعْ عَنْكَ مَا لَفَّقَهُ المُلَفِّقُونَ، وَارْجِعْ إِلَى الأَصْلِ تَجِدْ ذُلِكَ وَاضِحاً جَلِيّاً، وَمَنْ قالَ خِلافَ ذُلِكَ نُطالِبُهُ بِالدَّليلِ، بِشَرْطِ أَلَّ يُكَدِّرَ المَشْرَبَ بِأَقْوالٍ لَمْ تُطابِقْ حَقيقَةً، وَلَمْ تَرْجِعْ إِلى مُسْتَدٍ. ثُمَّ إِنَّ القَوْمَ في زَمَنِهِ وَِّ كَانُوا يَأْخُذُونَ تِلْكَ البَياناتِ حِفْظاً في صُدُورِهِمْ اعْتِماداً عَلَى سَيَلانِ أَذْهَانِهِمْ وَسُرْعَةِ ذَكَائِهِمْ، فَما كانوا يَكْتُبونَ سِوَى القُرْآنِ . ١٧ وَبَقِيَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ عُرِجَ بِرُوحِهِ نَِّ الزَّكِيَّةِ الطَّاهِرَةِ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ بَعْدَ أَنْ أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْه فِي كِتَابِهِ: ﴿ اُلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] . فَلَمّا كانَ زَمَنُ الصِّدِّيقِ الأَكْبَرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - كانَ جَمْعُ القُرْآن العَظيمِ مِنَ الصُّحُفِ المُفَرَّقَةِ في مُصْحَفٍ واحِدٍ عَلَى نَحْوِ ما هُوَ مُوَضَّحُ في صِحاحِ السُّنَّةِ، وَبَقِيَ الحَديثُ مَحْفوظاً في الصُّدُورِ إِلَى أَنِ ابْتُدِىءَ فِي جَمْعِهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزيزِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -. فَقَدْ أَخْرَجَ الهَرَوِيُّ في كِتابِهِ ((ذَمِّ الكَلام)) عَنْ عَمْرِو بْنِ دينارِ قالَ: لَمْ يَكُنِ الصَّحابَةُ وَلا التَّابِعونَ يَكْتُبُونَ الأَحَاديثَ، إِنَّما كانوا يُؤَذُّونَها لَفْظاً، وَيَأْخُذُونَهَا حِفْظاً، إِلَّ كِتابَ الصَّدَقَاتِ وَالشَّيْءَ الْيَسِيْرَ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ الباحِثُ بَعْدَ الاسْتِقْصاء، حَتَّىْ خِيْفَ عَلَيْهِ الدُّروسُ، وَأَسْرَعَ في العُلَماءِ المَوْتُ، أَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ أَبَا بَكْرِ الحَازِمِيَّ فيما كَتَبَ إِلَيْهِ: انْظُرْ إِلَى مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسولِ اللهِّهِ أَوْ سُنَّتِهِ فَاكْتُبُهُ لي؛ فَإِنِّي خِفْتُ دُروسَ العِلْمِ وَذَهابَ العُلَماءِ. وَقَدْ ذَكَرَ القِصَّةَ البُخَارِيُّ في ((صَحِيحِه)) تَعْلِيقاً(١). وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتَ مالِكاً يَقولُ: (١) انظر: ((صحيح البخاري)) (٤٩/١). وقد رواه موصولاً: ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٣٨٧/٢)، والدارمي في ((سننه)) (٤٨٨)، والرامهرمزي في «المحدث الفاصل)) (ص: ٣٧٣-٣٧٤)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٧ /٢٥١)، والخطيب في ((تقييد العلم)) (ص: ١٠٥)، وغيرهم. ١٨ كانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَكْتُبُ إِلَى الأَمْصَارِ يُعَلِّمُهُمُ السُّنَنَ وَالفِقْهَ، وَيَكْتُبُ إِلَى المَدِينَةِ يَسْأَلُهُمْ عَمَّا مَضَى، وَأَنْ يَعْمَلُوا بِمَا عِنْدَهُمْ، وَيَكْتُبُ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنْ يَجْمَعَ السُّنَنَ وَيَكْتُبَ بِها إِلَيْهِ، فَتُؤُنِّيَ عُمَرُ وَقَدْ كَتَبَ ابْنُ حَزْمِ كُباً قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ بِها إِلَيْهِ (١). اهـ وكانَ ابْنُ حَزْمٍ عامِلاً لِعُمَرَ. ثُمَّ لَمَّا انْتُشَرَ العُلَماءُ فِي الأَمْصَارِ، وَكَثُرَ الانْتِداعُ، كانَ أَوَّلَ مَنْ تَصَدَّى لِلْجَمْعِ الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيحٍ، وَسَعيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَغَيْرُهُما، فَصَنَّقُوا كُلَّ بَابٍ عَلَى حِدَةٍ إِلَّى أَنْ قَامَ كِبَارُ أَهْلِ الطََّقَةِ الثَّالِثَةِ في مُنْتَصَفِ القَرْنِ الثَّانِي، فَدَوَّنُوا الأَحْكامَ. فَصَنَّفَ مالِكٌ ((المُوَطَّ) بِالحِجازِ، وابْنُ جُرَيْجٍ بِمَكَّةَ، وَالأَوْزَاعِيُّ بِالشَّامِ، وَسُفيانُ الثَّوْرِيُّ بِالكوفَةِ، وَحَمَّدُ بْنُ سَلَمَة بِالبَصْرَةِ، وَهُشَيْمٌ بِوَاسِطِ، وَمَعْمَرٌ بِالْيَمَنِ، وَابْنُ المُبَّارَكِ بِخُراسانَ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَميدِ بِالرَّيِّ، وكانَ هُؤُلاءِ فِي عَصْرٍ واحِدٍ، فَلا يُدْرَى أَيُّهُمْ سَبَقَ. ثُمَّ جَدَّ بَعْدَهُمُ الأَئِمَّةُ، فَجَعَلُوا بِالسُّنَّةِ شَهادَةً، فَاشْتَرَطُوا لَها شُروطاً شَدَّدَ بَعْضُهُمْ في شُروطِها، وَتَساهَلَ بَعْضٌ، فَوَسَّعُوا الدَّائِرَةَ، وَخَدَموا هَذَا العِلْمَ خِدْمَةً يَعْرِفُ قَدْرَها مَنْ عَلِمَ ما كانَ لِهُؤُلاءِ مِنَ الجِدِّ والاجْتِهَادِ وَالتَّبَصُّرِ . فَأَفْرَدُوا فَنَّا سَمَّوْهُ: فَنَّ الجَرْحِ والتَّعْديلِ، وَجَعَلُوا لِتَراجِمِ الرُّواِ (١) ورواه يعقوب بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ)) (٢٣٥/١)، وابن عبد البر في ((التمهيد)» (١/ ٨٠). ١٩ كُتُباً تَضَمَّنَتْ فُنوناً، وَصَنَّفوا في لُغَةِ الحَديثِ، وَبَيَّنُوا صَحِيحَهُ مِنْ سَقيمِهِ، وَغَرِيبَهُ مِنْ مَعْروفِهِ، وَسافَروا في طَلَبِ الحَديثِ إِلىَ الْيَمَنِ وَالعِراقِ وَمِصْرَ وَالجَزيرَةِ وَالشَّامِ وَخُراسانَ وَالرَّيِّ وَغَيْرِها مِنَ البُلْدانِ، كَمَا فَصَّلَ ذَلِكَ الرَّامَهُرْمُزيُّ في كِتابِهِ «المُحَدِّثُ الفاصِلُ بَيْنَ الرَّاوي وَالوَاعِي))، وَالخَطِيبُ البَغْدادِيُّ في كُتُبِهِ. إِلَىْ أَنِ انْتُهَى القَرْنُ الثَّالِثُ، وَقَدْ ظَهَرَتِ الكُتُبُ الصِّحاحُ وَالمَسانِيدُ وَالمَعاجِيمُ، وَهِيَ مُهَذَّبَةٌ مُنَقَّحَةٌ مُرَتَّبَةُ الأَبْوابِ، مَمَيَّزٌ صَحيحُها مِنْ سَقِيمِها، مَنَوَّعَةٌ أَنْواعاً، بَعْضُها في الأَحْكامِ، وَبَعْضُها في الحِكَمِ وَالآدابِ، وَبَعْضُها في المَواعِظِ. ثُمَّ جاءَ أَهْلُ القَرْنِ الرَّابعِ، فَدَوَّنوا وَشَرَحوا وَهَذَّبوا، وَاخْتَرَعَ الخَطيبُ البَغْدادِيُّ فَنَّ مُصْطَلَحَ الحَديثِ، وَجَعَلُوا لِلْمَوْضوعاتِ كُباً خاصَّةً بِها، فَأَلَّفَ في الكَذَّابَيْنَ وَالضُّعَفاءِ: ابنُ حِبَّانَ، وَالعُقَيْلِيُّ، وَالأَزْدِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيَّ في ((الأَفْرَادِ)) وَالخَطِيبُ، وَالحاكِمُ، وَابْنُ عَدِيٍّ في ((الكامِلِ))، وَالذَّهَبِيُّ في ((الميزانِ))، وَأَلَّفَ في تَبْبِينِ الأَحاديثِ المَوْضوعَةِ: ابْنُ الجَوْزِيِّ، وَالصَّاغانِيُّ، وَالجَوْزَقَانِيُّ، وَالقَزْوينيُّ، وَغَيْرُهُمْ، فَاتَّضَحَ - وَللهِ الحَمْدُ - حالُ الحَديثِ، وَصَفَا عَنْ كُدوراتِهِ، وَتَمَيَّزَ الصَّحيحُ مِنْ غَيْرِهِ. وَكَأَنِّي بِمَنْ يَسْمَعُ بِاسْمِ الموضوع، ثُمَّ لا يَدْرِي ما هُوَ، وَما سَبَبُهُ، وَيَوَذُّ بَانَهُ، فَأَقولُ: إِنَّ صِحَّةَ الحَديثِ وَضَعْفَهُ إِنَّمَا هِيَ بِالنَّظَرِ لِضَعْفٍ الرِّجالِ الَّذينَ رَوَوْهُ، وَلِأَمَانَتِهِمْ وَثِقَتِهِمْ، وَعَدَمٍ ذُلِكَ، وَالَّذِينَ وَقَعَ في ٢٠