Indexed OCR Text

Pages 241-260

٧٠٠
شرح علل الترمذي
=
وأما رَوح بن عبادة فهو ثقة فاضل أخرج له الجماعة .
لكن هنا دقيقة في الموضوع وهي أنه ليس كل تصريح بالسماع يُقْبَل ، لأنه
كثيراً ما يشتبه على بعض الرواة العنعنةُ بالإِخبار والتحديث . لهذا قال الحافظ
ابن حجر في ((التلخيص)) ص١٠٨: (( ووقع في زيادات المسند وفي
الدار قطني ومسند الهيثم بن كليب تصريح ابن جريج بإخبار حبيب له ، وهو
وَهَمِّ في نقدي )). انتهى .
ثم إِن للحديث ◌ِلةً أخرى هي الانقطاعُ بين حَبيب بن أبي ثابت وبين عاصم
ابن ضَمرة. قال الحافظ في (( التلخيص الحبير)) ص١٠٨: ((ولا يثبتُ لحبيب
رواية عن عاصم، فهذه عِلَّة أخرى، وكذا قال ابن مَعِين: ((إِن حبيباً لم
يسمعه من عاصم وإِنّ بينهما رجلاً ليس بثقة ، وقد بيّن البزارُ أن الواسطة هو
عمرو بن خالد الواسطي )) انتهى .
وقد حاولَ أحمد شاكر دفع هذا التعليل بالإِحالة على احتمالات تخيّلها
تخيلاً ، زعم أن ابنَ حَجَر أخطأ بسبب سرعة القراءة في ترجمة الحسن بن
ذكوان ؟ ! .
والذي يدُلُّ على بطلان هذا الظن أن الحافظ ابن حجر صَرَّح بمرجعه وهو
((مسند)) البزار الذي صرَّح بالواسطة بين حبيب وعاصم بن ضمرة . وأيضاً فإِنَّه
معروف أَنَّ حبيب بن أبي ثابت ثقة فقيه جليل ، كان كثيرَ الإِرسالِ عمن
عاصره ، والتدليسِ عمن سمع منهم، فماذا ينفعُ قول أحمد شاكر: ((فهذه
هي المعاصرة وهذا اللقاء قد ثبتا )) يعني بين حبيب وعاصم !! .
فنقول له : وهذا هو الإِرسال ، وهذا هو التدليس قد ثبتا على حبيب بن أبي
ثابت ، فماذا يغني هذا اللقاء مع العنعنة في الإِسناد ، وكيف نصنعُ برواية البزار
التي صرحت بالواسطة بين الرجلين ؟ ! .
والحاصل أَنَّ سندَ الحديث ضعيف لأنه منقطع بين حبيب بن أبي ثابت =

٧٠١
القسم الثاني : ثقات ضعفوا في وجوه خاصة
قال أبو حاتم(١): ((لم يسمعْه ابنُ جُريج من حبيب، فأُرى أَنَّ ابن
جُريج أخذه عن الحسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد عن حبيب )) .
وقال ابن المديني: ((أحاديث حبيب عن عاصم بن ضَمرة
لا تصح، إِنَّما هي مأخوذة عن عمرو بن خالد الواسطي)» .
ولكن ذكر يعقوبُ بن شيبة عن ابن المديني أنَّه قال في حديث ابن
جُريج هذا: (( رأيته في كتب ابن جُريج: أخبرني إِسماعيل بن مسلم
عن حبيب )).
وحبيب قال أبو حاتم(٢): (( لا تثبت له رواية عن عاصم)). وقد
سبق ذكر حديث الفَخِذِ في أبواب الأدب .
ومنها : أحاديث يَرْويها عبدُ الرحمن بن زياد الإفريقي (٣):
وعاصم ، فضلاً عما في حفظ عاصم من الكلام، على أنَّه - كما اخترنا -
=
((صدوق)) انظر (( المغني في الضعفاء)) رقم ٢٩٨٤ وانظر ما يأتي في كلام
الحافظ ابن رجب .
نعم يرقى الحديثُ للحَسَن بتقويته بحديث (( الفَخِذ عورة)) الذي أخرجه
الترمذي في الأدب ج٥ ص١١٠-١١١ من حديث ابن عباس ، وحديث جرهد
الأسلمي ، وحسنهما . وأخرجه الحاكم وصححه والله تعالى أعلم .
(١) في ((علل الحديث )) ج٢ ص٢٧١ بنحوه .
(٢) في ((العلل)) ج٢ ص٢٧١، ولفظه ((ولا يثبتُ لحسنٍ رواية عن عاصم)).
(٣) قاضي إِفريقية، ((مشهور جليل، ضعفه ابن مَعِين والنسائي ، وقال
الدَّار قطني: ليس بالقوي، ووهَّاه أحمد)) كما في (( المغني)) رقم ٣٥٦٦.
وقال الحافظ في ((التقريب)): ((ضعيفٌ في حفظه ، من السابعة ، مات
سنة ست وخمسين - ومائة - ، وقيل بعدها . وقيل جاز المئة ، ولم يصح .
وكان رجلاً صالحاً بخ دت ق )).

٧٠٢
شرح علل الترمذي
عن عُتبة بن حُميد عن عُبَادة بن نُسَي عن عبد الرحمن بن غَنْمٍ عن
معاذ عن النبي وَل.
قد قيل : إِنَّها كلها مأخوذة عن محمد بن سعيد المصلوب في
الزَّنْدقة، المشهور بالكَذِب والوَضْع ، وأنَّه أسقط اسمه من الإِسناد
بين عُتْبَة وعُبادة .
ومن جملتها حديث المنديل بعد الوضوء (١) ، وقد سبق في کتاب
الطهارة .
(١) أخرجه الترمذي ج١ ص ٧٥- ٧٦: (( حدثنا قتيبة حدثنا رِشدين بن سعد عن عبد
الرحمن بن أنعُم ... )) وهو الإِفريقي فذكر الحديث بالسند المذكور ولفظه :
(( رأيت النبي ◌َّ﴿ إِذا توضأ مسحَ وجهه بطرف ثوبه)).
قال أبو عيسى: ((هذا حديثٌ غريب ، وإِسناده ضعيف . ورِشدينُ بنُ
سعدٍ وعبدُ الرحمن بن زياد بن أنْعُمِ الإِفريقي يُضَعَّفان في الحديث )) انتهى .
وقد حاول أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي دفع الضعف عن رشدين بن
سعد والإِفريقي بما خالف به جماعةَ المحدثين ..! .

٧٠٣
القسم الثاني : ثقات ضعفوا في وجوه خاصة
ذِكرُ من سَمِع من ثقةٍ مع ضَعيف
فأفسدَ حديثَه وهو لا يشعرُ
[آ-١٣٧] منهم: عُثمان بن صالح (١) المصري(٢):
قال البَرْذَعِي عن أبي زُرْعَة: (( لم يكن عثمان عندي ممن
يكذِب ، لكنه كان يكتبُ الحديثَ مع خالد بن نَجیح ، فكان خالد إِذا
سمعوا من الشيخ أملى عليهم ما لم يسمعوا ، فبُلوا به ، وقد بُلِيَ به
أبو صالح أيضاً - يعني كاتبَ الليث - في حديث زُهْرَةَ بن مَعْبَد عن
سعيد بن المسيّب عن جابر . ليس له أصل ، إِنَّما هو من حديث
خالد بن نَجيح))(٣).
قلت : وهذا الحديث قد ذكرناه في فضائل الصحابة ، وذکرنا
قول أحمد فيه : ((إِنَّه موضوع)) .
وكذا ذكر أبو زُرعة وأبو حاتم في :
(١) («عثمان بن صالح بن صفوان السهمي مولاهم أبو يحيى المصري ، صدوق،
مات سنة تسع عشرة ، ومائتين ، وله خمس وسبعون سنة / خ س ق)) .
قال الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)»: « والحكم في أمثال هؤلاء
الشيوخ الذين لقيهم البخاري وميَّز صحيح حديثهم من سقيمه وتكلّم فيهم غيره
أَنَّه لا يدعي أَنَّ جميع أحاديثهم من شرطه ، فإِنَّه لا يخرج لهم إِلا ما تبيَّن له
صحته ، والدليل على ذلك أنَّه ما أخرج لعثمان هذا في ((صحيحه)) سوى ثلاثة
أحاديث ، أحدها متابعة في تفسير سورة البقرة)) .
وهذه فائدة جليلة ينبغي استحضارها في مثل هذا الموضع .
(٢) وقع في ((التقريب)) ((البصري)). وهو تصحيف. قد صحح في تحقيق الأستاذ
عوامة .
(٣) (زُهْرَة بن معبد ثقة)). ((تقريب)). وخالد بن نَجيح كذّاب. ((المغني)): ١٨٨٦.

٧٠٤
شرح علل الترمذي
عبدِ الله بن صالحٍ أبي صالح(١)
أَنَّ خالدَ بن نَجیح کان یدُسُّ له في کتبه أحاديث(٢).
ومنهم : يحيى بن بُكَير(٣):
وغيره ، ممن سمع من مالكٍ بعَرْضِ حبيبٍ (٤) کاتبه ، قال عباس
وغيره عن ابن مَعِين: (( حبيب كان يقرأ على مالك ، وكان يُخَطْرِف
(١) في ب ((عبد الله بن صالح بن أبي صالح)) بزيادة ((أبي)) وهو خطأ.
(٢) ((الجرح والتعديل)) ج٢/٢/ ٨٧ ذَكَرَ هذا عن أبي حاتم، ثم ذَكَرَ عن أبي زُزْعَة
قوله: (( لم يكن عندي ممن يتعمَّد الكذب ، وكان حسن الحديث )) وكأنَّه يشير
إِلى ذاك، ويرد على من اتهمه بالكذب انظر (( المغني)) رقم ٣٢١٨ .
وعبد الله بن صالح هذا هو أبو صالح کاتب الليث بن سعد (( صدوق ، کثیر
الغلط ، ثَبتٌّ في كتابه ، وكانت فيه غفلة ، من العاشرة ، مات سنة اثنتين
وعشرين ۔ ومائتین - وله خمس وثمانون سنة/ خت دت ق )) .
وظاهر كلام الأئمة أَنَّ حديثه في الأول كان مستقيماً ، ثم طرأ عليه فيه
تخليط ، ومقتضى ذلك أَنَّ ما يجيء من روايته عن أهل الحِذْق كيحيى بن مَعِين
والبخاري فهو من صحيح حديثه ، وما يجيء من رواية الشيوخ عنه فيتوقف
فيه ، « هدي الساري ) ج٢ ص١٣٨ .
قلت : البخاري روى له استشهاداً. انظر (( التهذيب)). والصواب في
رمزه (خ).
(٣) هو (( يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر المخزومي ، مولاهم ، المصري ، وقد ینسب
إِلى جده ، ثقة في الليث ، وتكلموا في سماعه من مالك ، من كبار العاشرة ،
مات سنة إِحدی وثلاثين - ومائتين - وله سبع وسبعون/ خ م ق )) .
(٤) هو (( حبيب بن أبي حبيب المصري ، كاتب مالك ، يكنى أبا محمد ، واسم
أبيه إِبراهيم ، وقيل: مرزوق . متروك ، كذَّبه أبو داود وجماعة ، مات سنة
ثماني عشرة ومائتين ، من التاسعة/ ق )) .

٧٠٥
القسم الثاني : ثقات ضعفوا في وجوه خاصة
. للناس(١) وَيُصَفِّحُ ورقتين وثلاثة. قال يحيى: سألوني عنه بمصرَ ؟
فقلت : ليس بشيء ، قال : وكان يحيى بن بُكير سمع بعَرض
حبيب ، وهو شَرُّ العرض)).
قال الأثرمُ عن أحمد: ((كان مالك إِذا حَدَّث من حفظه كان
أحسنَ مما يعرضون عليه ، يقرؤون عليه الخطأ ، وهو شبه النائم )).
( و) قال ابن حِبَّان(٢): ((امتُحِنَ أهلُ المدينة بحبيب بن أبي
حبيب الورّاق كان يُدْخِلُ عليهم الحديث ، فمن سمع بقراءته عليهم
فسماعُه لا شيء )) انتهى.
وممن كان يستملي استملاء سيئاً :
إبراهيم بن بَشَّار الرَّمَادي(٣):
(١) ((الناس)) ظ.
(٢) في ((المجروحين )) ج١ ص٢٦٠ بمعنى ما ذكره الحافظُ ابن رجب لا بلفظه.
وأورد بعد هذا عن قتيبةً بن سعيد قال : « سمعتُ هذه الأحاديثَ من مالك
وحبيب يقرأ فلما فرغ قلت : يا أبا عبد الله ، هذه أحاديثك تعرفها أرويها
عنك ، فقال: نعم ، وربما قال له غيري )) انتهى ، فتأمل .
(٣) (( أبو إسحاق البصري ، حافظ له أوهام ، من العاشرة ، مات في حدود
الثلاثین - ومائتین-/ د ت )) .
انظر التوسع في ترجمته (( تهذيب التهذيب)) ج١ ص١٠٩-١١٠ وفيه
ما يؤكد إِساءَة الاستملاء غير أَنَّه ذكر أَنَّه كان صحب ابن عيينة سنينَ كثيرة ، وأَنَّه
سمعَ أحاديثَه مراراً وأَنَّه كان ينام في مجلسِ ابن عيينة . ولعل ذلك من كثرة
تکْرَار ما سمعه منه .
قلنا : لعل تغييره في الاستملاء كان لغفلته عن سماع ما يُملى فيعتمد على
حافظته والله أعلم .

٧٠٦
شرح علل الترمذي
كان يُملي على الناس ما يحدّث به سفيان بن عيينة بزيادة وتغير ،
قاله أحمد ویحیی .
ولكن لا أعلمُ من کَتَبَ بِإِملائه .
وقد روى قتيبة بن سعيد عن اللَّيث بن سعد حديثَ الجمع بين
الصَّلاتين في السفر(١) ، وهو غريبٌ جداً فاستنكره الحفّاظ.
(١) أخرجه الترمذيُّ من هذا الوجه والسیاق له ج٢ ص٤٣٨-٤٣٩ وأبو داود ج٢
ص٨٧ قالا : حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي
حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل: ((أَنَّ النبي ◌َّ كان في غزوة تبوك إِذا
ارتحل قبل زيغ الشمس أخَّر الظهر إلى أن يجمعَها إِلى العصر ، فيصليهما
جميعاً .
وإِذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إِلى الظهر وصلى الظهر والعصر
جميعاً ، ثم سار .
وكان إِذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغربَ حتى يصليَها مع العشاء .
وإِذا ارتحلَ بعدَ المغرب عَجَّل العشاء ، فصلاها مع المغرب )) .
والحديث محفوظ من طريق أبي الزبير عن أبي الطُّفيل عامر بن واثلة عن
معاذ .
أخرجه من هذا الوجه مختصراً مسلم ج٢ ص١٥١-١٥٢ وأبو داود ج٢
ص ٤-٥ بلفظ (( خَرَجنا مع رسول الله وَّير في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر
والعصر جميعاً ، والمغرب والعشاء جميعاً)).
وأخرجه أيضاً أبو داود مطولاً : حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن
مَوْهَب الرَّملي الهَمْدَاني ثنا المفضَّل بن فَضَالة والليث بن سعد عن هشام بن
سعد عن أبي الزُّبير عن أبي الطُّفيل عن معاذ فذكر الحديث بنحو حديث قتيبة بن
سعيد .
فقد خالف قتيبة بن سعيد في إِسناد الحديث ، فتكلم في سنده بسبب
ذلك :
=

٧٠٧
القسم الثاني : ثقات ضعفوا في وجوه خاصة
ويقال : إِنَّه سمعه مع (١) خالد بن الهيثم .
فأدخله على اللَّيث، وهو لا يشعرُ، كذا ذكره الحاكم في (( علوم
الحديث)) (٢) .
وقد سَبَقَ الكلام عليه مستوفى في كتاب الصلاة .
قال الترمذي ج٢ ص ٤٤٠: (( وحديثُ معاذ حديث حسن غريب ، تفرَّد به
=
قتيبة ، لا نعرف أحداً رواه عن الليث غيره .
وحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطُّفيل عن معاذ حديث
غريب .
والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل
عن معاذ: ((أَنَّ النبي ◌َِّ جمعَ في غزوة تبوك بين الظهر والعصر ، وبين
المغرب والعشاء )» . انتهى كلام الترمذي.
وقال أبو سعيد بن يونس: ((لم يحدِّث بهذا الحديث إِلا قتيبة ، ويقال إِنه
غلط فيه )) .
(١) ((إِنه سمع منه)) ظ . وهو خطأ.
(٢) في كلام طويل ص١١٩-١٢١، وقد ذكرنا من كلامه ما يتعلق بالشاذ فيما سبق
ص٤٥٨-٤٦١ . ونذكرُ نصَّ كلامه هنا فيما يتعلق بإدخال خالد بن الهيثم
الحديثَ على قتيبة ، وليس على الليث كما ذكر ابن رجب :
(( قال أبو عبد الله : فأئمةُ الحديثِ إِنَّما سمعوه من قتيبةَ تعجباً من إِسناده
ومتنه ، ثم لم يبلغنا عن واحد منهم أَنَّه ذكرَ للحديثِ عِلَّة ، وقد قرأ علينا أبو
علي الحافظ هذا الباب ، وحدَّثنا به عن أبي عبد الرحمن النَّسائي ، وهو إِمام
عصره عن قتيبةً بن سعيد ، ولم يذكر أبو عبد الرحمن ولا أبو علي للحديث
علةً .
فنظرنا فإذا الحديث موضوع ، وقتيبة بن سعيد ثقة مأمون :
حدثنا أبو الحسن محمد بن موسى بن عمران الفقيه ، قال : ثنا محمد بن

٧٠٨
شرح علل الترمذي
تنبيه
اعلم [ب - ٢٠] أَنَّه قد يُخَرَّجُ في الصحيح لبعضٍ من تُكُلِّمَ فيه .
إِما متابعةً واستشهاداً ، وذلك معلوم(١).
إِسحاق بن خُزيمة قال : سمعت صالح بن حَفْصُويَه النيسابوري - قال أبو بكر
=
وهو صاحب حديث - يقول: سمعتُ محمد بن إسماعيل البخاري يقول : قلت
لقتيبة بن سعيد : معَ منْ كَتبْتَ عن الليث بن سعد حدیث یزید بن أبي حبيب
عن أبي الطفيل ؟ .
فقال : كتبته مع خالد المدائني .
قال البخاري: ((وكان خالد المدائني يُدخل الأحاديث على الشيوخ)) انتهى.
لكنا نجد في هذا النقل عن البخاري توقفاً ، وقتيبة بن سعيد من الثقات
الأثبات أهل التيقظ ، والترمذي وهو حامل علم البخاري في العلل تكلم على
الحديث كما سبق أن نقلنا كلامه ، ولم يذكر عن البخاري شيئاً مما أورده
الحاكم لا في ((الجامع)) ولا في ((العلل الكبير)) في جَمْع الصَّلاتين ورقة
١٩/ ٢ = ٩٦٢ . فالله أعلم .
(١) قال ابنُ الصَّلاح في ((علوم الحديث)) ص٧٦: (( ثم اعلم أنَّه قد يدخل في باب
المتابعة والاستشهاد روايةٌ من لا يُخْتَجُ بحديثه وحدَه ، بل يكون معدوداً في
الضعفاء ، وفي كتابَيْ البخاري ومسلم جماعةٌ من الضُّعفاء ذكراهم في
المتابعات والشواهد .
وليس كلُّ ضعيف يصلح لذلك ، ولهذا يقول الدارقطني وغيره في
الضعفاء : فلان يُعْتَبر به ، وفلان لا يُعتبر به )) انتهى .
ونحو هذا تجده في سائر مصادر علوم الحديث .
أما ضابط من يصلح للاعتبار والاستشهاد به ومن لا يصلح ، فهو : من كان
من المراتب التي لا يُحتَجُّ بها لكن يُعتَبر بها ، ولم ينزل إِلى مراتب الضعف
الشديد ، التي نصَّ العلماء على أَنَّ من قيلت فيه لا يعتبر به .
=

٧٠٩
القسم الثاني : ثقات ضعفوا في وجوه خاصة
وقد يُخَرَّج من حديثِ بعضِهم ما هو معروفٌ عن شيوخه من طرق
أخرى ، ولكن لم يكنْ وقعَ لصاحب الصحيح ذلك الحديثُ إِلا من
طريقه ، إِما مطلقاً ، أو بعلو .
فإِذا كان الحديثُ معروفاً عن الأعمش صحيحاً ( عنه ) ، ولم يقع
لصاحبِ الصحيح عنه بعلو إِلا من طريق بعضٍ من تُكُلُّم فيه من
أصحابه خرَّجه عنه .
قال أبو عثمان سعيد بن عثمان البَرْذَعِي: (( شهدتُ أبا زُزْعَة ،
وأَنْكَر على مسلم تخريجه لحديث أسْباطٍ بن نَصْر ، وقَطَنِ بن نُسَيْرٍ ،
وروايته عن أحمد بن عيسى المصري في كتابه ((الصحيح)) .. )) [ظ
-٢٠١] في حكاية طويلة ذكرها .
قال : (( فلما رجعتُ إِلى نيسابور ذكرتُ ذلك لمسلم فقال :
((إِنَّما أدخلتُ من حديث أسباطٍ ، وقَطَنِ بن نُسَيْرٍ ، وأحمد ما قد
رواه الثقات عن شيوخهم ، إِلا أنَّه ربما وقع إلي(١) عنهم بارتفاع ،
ويكون عندي من رواية أوثقَ منهم بنزول ، فأقْتَصِرُ على أولئك ،
وأصلُ الحديثِ معروفٌ من رواية الثقات ))(٢) انتهى.
(١) (( أي)) ب ، تصحيف .
(٢) وانظر هذا في (( شروط الأئمة الخمسة)) للحازمي .
ونحو هذا ما قاله الإمام أبو داود السِّجِسْتاني في « رسالته إلى أهل مكة )»
ص٤: (( سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب ((السنن)) أهي أصحُ
ما عرفتُ في الباب ؟ ووقفت على جميع ما ذكرتم :
=

٧١٠
شرح علل الترمذي
وهذا قسم آخَرُ ممن خُرِّج له في الصحيح على غيرِ وجهِ المتابعة
والاستشهاد، ودرجتُه تقصُر عن درجةٍ رجالِ الصحيح عند
الإِطلاق(١).
فاعلموا أنَّه كذلك كله ، إلا أن يكون قد رُوي من وجهين صحيحين ،
=
فأحدهما أقدم إِسناداً ( يعني أعلى إِسناداً ) ، والآخر صاحبه قُدِّم في الحفظ ،
فربما كتبت ذلك ( يعني الأقدم ) . ولا أرى في كتابي من هذا عشرة
أحاديث .. )).
(١) نترجم لهؤلاء الذين ذكر الإِمام ابن رجب الانتقاد على مسلم لأنه خَرّجَ عنهم في
((صحيحه)) ، ونبين جليّة الأمر فيهم ، لزيادة إِيضاح كلام مسلم وتأكيده :
أشْبَاط بن نَصْر: (( صدوق كثير الخطأ، يُغْرِبُ، من الثامنة / خت م عه)).
أخرج له البخاري تعليقاً ، ومسلم مما رواه الثقات عن شيوخه كما صرح
مسلم ، أي لم ينفرد به ، بل هو معروف من غير طريقه ، لكنه عنده بعلو .
قَطَنُ بنُ نُسَيْر : «صدوق يخطىء، من العاشرة/ م د ت . قال ابن عدي
٢٠٧٥/٦: ((يسرق الحديث)). وهذا جرح شديد. قلنا : له في مسلم
حديث واحد في فضل ثابت بن قيس ، وردّ الذهبي دعوى سرقة الحديث
بوجود المتابعة له على الحديث الذي اُّهمَ به ، فسقط تجريح ابن عدي .
أحمد بن عيسى المصري : قال الذهبي : ((ثقة . كذبه ابن معين فأسرف» ،
وأشار أبو حاتم إِلى ضعفه، وقال النسائي: لا بأس به)). ((المغني)):
٣٩٤ . والتحقيق الراجح فيه قول الذهبي: ثقة ، وقد تُكُلِّمَ في بعض سماعاته
بلا حجة ، ولم يخرج له البخاري شيئاً تفرد به . قال ابن حجر: (( وليس في
حديثه شيء من المناكير)). (( هدي الساري)) ج٢ ص١١٣ . أما رواية مسلم
عنه فقد بينها كلامه الذي ذكره ابن رجب .

٧١١
خاتمة الكتاب: قواعد في الأسانيد والعلل
ولنختِمْ هَذا الكِتابَ
بكلماتٍ مختصرات من كلام الأئمة التُّقَّاد ، الحفّاظ الأثبات ،
هي في هذا العلم كالقواعدِ الكُلُّيات ، يدخل تحتها كثيرٌ من
الجزئيات ، والله الموفق للخير والمعينُ عليه في كل الحالات :
قاعدة :
الصَّالحون - غيرُ العلماء - يغلِبُ على حديثهم الوَهَم والغَلَط :
وقد قال أبو عبد الله بن مَنْدَهْ: [آ١٣٨] (( إِذا رأيتَ في حديثٍ:
ثنا فلانٌ الزاهدُ، فاغسلْ يدكَ منه » .
وقال يحيى بن سعيد: (( ما رأيتُ الصالحينَ أكذبَ منهم في
الحديث )) .
وقد ذكرنا ذلك مستوفى فيما تقدم ، والحفاظ منهم قليل ، فإذا
جاء الحديثُ من جهة أحدٍ منهم فليتوقف فيه حتى يتبيَّن أمره .
قاعدة :
الفُقهاءُ المعتنون بالرّأي - حتى يغلِبَ عليهم الاشتغالُ به -:
لا يكادُونَ يحفظونَ الحديثَ كما ينبغي ، ولا يقيمون أسانيده ،
ولا متونه ، ويخطئونَ في حفظ الأسانيد كثيراً ، ويروون المتون
بالمعنى ويخالفون الحفاظ في ألفاظه ، وربما يأتون بألفاظٍ تشبه
ألفاظَ الفقهاء المتداولةَ بينهم .

٧١٢
شرح علل الترمذي
وقد اختصر شَرِيك(١) حديثَ رافع في المزارعة ، فأتى به بعبارةٍ
أخرى ، فقال : « من زَرَعَ في أرض قومٍ بغیر إِذنهم فليس له من
الزرعِ شيءٌ، وله نفقتهُ))(٢).
(١) هو شَرِيك بن عبد الله النخعي . تقدمت ترجمته ص ١١٧ .
(٢) أخرجه من طريق شَرِيك أبو داود في البيوع ( زرع الأرض بغير إِذن صاحبها )
ج ٣ ص ٢٦١ - ٢٦٢ والترمذي في الأحكام ج٣ ص٦٤٨ -٦٤٩ وابن ماجه
ص٨٢٤ .
قال الترمذي: ((هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه من حديث أبي
إِسحاقَ إِلا من هذا الوجه ، من حديث شَرِيك بن عبد الله .
والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم ، وهو قول أحمد
وإِسحاق .
وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: ((هو حديث حسن ،
وقال : لا أعرفه من حديث أبي إِسحاق إِلا من رواية شَرِيك ».
قال محمد: (( حدثنا مَعْقِل بن مالك البصري حدثنا عقبة بن الأصمِّ عن
عطاء عن رافع بن خَدِيج عن النبيِرُّ* نحوه )).
قال الخطّابي في ((مختصر السنن)) ج٥ ص٦٤ -٦٥: (( هذا الحديث
لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث .
وحدثني الحسن بن يحيى عن موسى بن هارون الحمَّال : أَنَّه كان ينكر هذا
الحديث ويضعِّفه ، ويقول : لم يروه عن أبي إسحاق غيرُ شَرِيك ، ولا عن
عطاء غير أبي إِسحاق . وعطاء لم يسمع من رافع بن خَدِيج شيئاً . وضعَّفه
البخاري أيضاً ، وقال : تفرَّد بذلك عن أبي إسحاق ، وشَرِيك يهم كثيراً أو
أحياناً )) ..
وحكى ابن المنذر عن أبي داود قال : سمعت أحمد بن حنبل وسُئِل عن
حديث رافع؟ فقال: (( عن رافع ألوان، ولكن أبا إسحاق زاد فيه «زرع بغير
إِذنه ))، وليس غيره . ينكر هذا الحرف)).
=

٧١٣
خاتمة الكتاب: قواعد في الأسانيد والعلل
وهذا يشبهُ كلامَ الفُقهاء .
وكذلكَ روى حديثَ أنس «أَنَّ النبيَّ وَ لَهَ كان يتوضأ برِطْلين من
ماء)) (١)
=
قال ابن القيِّم في تعليقه على ((مختصر المنذري)) ج٥ ص٦٤: (( وليس مع
من ضعف الحديث حجة ، فإِن رواته مُحتٌّ بهم في الصحيح ، وهم أشهر من
أن يُسأل عن توثيقهم . وقد حسَّنه إِمام المحدِّثين أبو عبد الله البخاري ،
والترمذي بعده ، وذكره أبو داود ولم يضعِّفه ، فهو حسن عنده . واحتجَّ به
الإِمام أحمد وأبو عبيد .
وقد تقدم شاهدهُ من حدیث رافع بن خديج في قصة « الذي زرع في أرض
ظُهَيْر بن رافع، فأمر النبي ◌َّ ر أصحاب الأرض أن يأخذوا الزرع ويردوا عليه
نفقته)). وقال فيه لأصحاب الأرض: ((خذوا زرعكم)). فجعله زرعاً لهم،
لأنه تولَّد من منفعة أرضهم ، فتولده في الأرض كتولد الجنين في بطن أمه .
ولو غصب رجلٌ فَحْلاً فأنزاه على ناقته أو رَمَكَتِهِ - يعني الفرس - لكان الولد
لصاحب الأنثى دون صاحب الفحل ، لأنه إِنَّما يكون حيواناً من حرثها ، ومَنيُّ
الأب لما لم يكن له قيمة أهدره الشارع ، لأن عَسْب الفحل لا يقابل بالعوض .
ولما كان البذر مالاً متقوماً رُدَّ على صاحبه قيمته ، ولم يذهب عليه باطلاً ،
وجُعل الزرع لمن يكون في أرضه ، كما يكون الولد لمن يكون في بطن أمه ،
ورَمَكَتِهِ وناقتِه . فهذا محض القياس لو لم يأت فيه حديث .
فمثل هذا الحديث الحسن الذي له شاهد من السنة على مثله ، وقد تأيد
بالقياس الصحيح ، من حُجَج الشريعة ، وبالله التوفيق )) انتهى .
(١) أخرجه الترمذي في أواخر الصَّلاة ج٢ ص ٥٠٧ أنَّ النبي ◌َّ قال: (( يجزىء في
الوضوء رِطلان من ماء )).
قال أبو عيسى: ((هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك على
هذا اللفظ)) .

٧١٤
شرح علل الترمذي
وهذا رواه بالمعنى الذي فَهِمَه، فإِن لفظَ الحديث ((أَنَّه كان
يتوضأ بالمُدِّ))(١)، والمُدُّ عند أهلِ الكوفة رِطلان .
وكذلك سليمان(٢) بن موسى الدِّمشقي(٣):
الفقيه ، يروي الأحاديثَ بألفاظٍ مستغربة .
وكذلك فقهاءُ الكوفة ، ورأسهم : حَمَّاد بن أبي سليمان (٤)
وأصحابُه وأتباعهم .
وكذلك :
الحَكَم بن عُتَيْبة (٥) .
(١) تمامه ((ويغتسل بالصاع إِلى خمسة أمداد)) متفق عليه. البخاري ج١ ص ٤٧
ومسلم بلفظه ج١ ص ١٧٧ .
(٢) في ظ ((سليم)). وهو تصحيف.
(٣) ((صدوق ، فقيه، في حديثه بعض لِيْن، وخلط قبل موته بقليل، من
الخامسة/ معه )).
(٤) هو حماد بن أبي سليمان: مسلم الأشعري ، سبقت ترجمته في
ص٥٩٢-٥٩٣، واختيارنا فيه أنه «ثقة، ربما وَهِمَ»، خلافاً لقول الحافظ
ابن حجر: (( صدوق ، له أوهام )) .
وسيأتي له ذكر وكلام فيه عند الحافظ ابن رجب في الصفحتين الآتيتين مع
تعليق لنا عليه .
(٥) (( الحَكَم بن عتيبة - بالمثناة ثم الموحدة مصغراً - أبو محمد الكندي ، الكوفي ،
ثقة ثبت فقيه ، إِلا أنه ربما دلّس ، من الخامسة ، مات سنة ثلاث عشرة - ومائة
- ، أو بعدها، وله نيف وستون/ع)).
وقع في ب (( الحكم بن عيينة )) وهو تصحيف .

٧١٥
خاتمة الكتاب: قواعد في الأسانيد والعلل
وعبدُ الله بن نافع الصَّايغِ (١) : صاحب مالك ، وغيرهم .
قال شعبة: ((كان حماد بن أبي سليمان لا يحفظ)).
قال ابن أبي حاتم (٢): ((كان الغالبُ عليه الفقهَ، ولم يُرُزَقْ حِفْظَ
الآثار)).
وقال شعبة أيضاً : (( كان حمّاد ومغيرة أحفظ من الحَكَم )) يعني
مع سوء حفظ (٣) حماد للآثار كان أحفظَ من الحكم.
وقال عثمان البَتِّي : (( كان حماد إِذا قال برأيه أصابَ ، وإِذا
قال : قال إِبراهيم، أخطأ )).
قال أبو حاتم الرازي : (( حَمَّاد صدوق لا يُحتَجُّ بحديثه ، وهو
مستقيم في الفقه ، فإِذا جاء [ب -١٢١] الآثار شوَّشَ . وكان حماد
إِذا سُئل عن شيء من الرأي سُرَّ به ، فإِذا سُئل عن الرواية ثقلتْ
عليه ، وربما كان يُسأل عن شيء من حديث إِبراهيم فيقول : قد طال
العهدُ بإِبراهيم)).
قال حماد بن سلمة : (( كنت أسأل حماد بن أبي سُليمان عن
أحاديثِ مسندهِ ، وكان الناسُ يسألونَه عن رأيه ، فكنت إِذا جئت
قال : لا جاء الله بك )).
قال حماد بن زيد: ((قدِمَ علينا حمادٌ(٤) البصرةَ ، فجعل فتيان
(١) ((المخزومي، مولاهم، أبو محمد المدني، ثقة ، صحيح الكتاب ، في حفظه
لِيْن ، من كبار العاشرة، مات سنة ست ومائتين ، وقيل بعدها/ بخ معه)).
(٢) في ((الجرح والتعديل)) ج١٤٧/٢/١. وانظر فيه الأقوال الأخرى.
(٣) (( حفظه)) ب.
(٤) ((قدم حماد علينا البصرة)) ب، وليس في ظ (( حماد)).

٧١٦
شرح علل الترمذي
البصرة يسخرون به ، فقال له رجل : ما تقول في رجل وطىءَ دجاجة
ميتة فخرجَ منها بيضة ؟ ، وقال له آخر : ما تقول في رجل طلّق
امرأته مِلءَ(١) سُكُرُجَة؟))(٢).
قال ابن حِبَّان(٣): ((الفقيه إِذا حَدَّث من حِفْظِه وهو ثقة في روايته
لا يجوزُ عندي الاحتجاجُ بخبره ، لأنه إِذا حدَّث من حفظه فالغالبُ
عليه حفظ المتون دون الأسانيد .
وهكذا رأينا أكثرَ من جالسناه من أهل الفقه ، كانوا إِذا حفظوا
الخبر لا يحفظونَ إِلا متنَه ، وإذا ذكروه أول أسانيدهم يكون قال
رسول الله وَّة، فلا يذكرون بينهم وبين النبي وَليهِ أحداً.
(١) ((من سكرجة)) ب، وهو تصحيف. والسُّكُرُجَة: إِناء صغير يُؤكَل فيه الشيء
القليل من الأدم ، وأيضاً : كل ما يوضع فيه الكوامخ ونحوها على المائدة
حول الأطعمة ، للتَّشهِّي والهضم . وفي ثبوت هذه القصة نظر .
(٢) ما ذكره الحافظ ابن رجب فيه إِسراف وغلو في حقِّ حمَّاد بن أبي سليمان ،
وبعض ذلك ناشىء عن اختلافِ المشرب العلمي بين أهل الحديث وأهل الرأي
الذين كان حماد من كبارهم ، وبعضُ ذلك لا صحة له والله تعالى أعلم .
وقد وثَّق حماداً كثيرٌ من أئمة الحديث ، وقد رأيتَ قول شعبة: (( كان
حماد ومغيرة أحفظ من الحكم)) . والحَكَم ثقة ثبت فقيه ، كما مَرَّ قبل قليل
جداً ، فليُعلم ..
وكان من طريقة حماد - وهي طريقة أبي حنيفة ومن جاء على طريقته -
التحرُّج الشديد في الرواية ، لذلك كانت الرواية تثقُل على حماد ، ويتوقف
فيها ، وذلك آية تثبُّته وتحرِّيه وسبق أن ذكرنا قول الذهبي في الكاشف: ((ثقة
إمام مجتهد)» رضي الله عنه .
(٣) في كتاب ((المجروحين)) ج١ ص٧٨-٧٩ .

٧١٧
خاتمة الكتاب: قواعد في الأسانيد والعلل
فإِذا حَدَّث الفقيهُ مِنْ حفظه ربما صَخَّفَ الأسماءَ ، وأقْلَبَ
الأسانيد(١) ورفعَ الموقوف ، وأوقف المرسل ، وهو لا يعلم ، لقلة
عنايته به ، وأتى بالمتن على وجهه ، فلا يجوزُ الاحتجاج بروايته إِلا
من كتاب أو يوافق الثقات في الأسانيد )).
قلت : هذا إِن كان الفقيه حافظاً للمتن ، فأما من لا يحفظُ متون
الأحاديث بألفاظها من الفقهاء ، فإِنما(٢) يروي الحديث بالمعنى ،
فلا ينبغي الاحتجاج بما يرويه من المتون ، إِلا بما يوافق الثقات في
المتون ، أو يحدِّث به من كتابٍ موثوق به .
والأغلب أن الفقيه يروي الحديث بما يفهمُه من المعنى ، وأفهامُ
الناسِ [آ١٣٩] تختَلِف، ولهذا ترى كثيراً من الفقهاء يتأوَّلون
الأحاديث ( الصحيحة ) بتأويلاتٍ مستبعَدَة جداً بحيث يجزِمُ العارفُ
المنصِفُ بأن ذلك المعنى الذي [ظ - ٢٠٢] تأوَّله ( به ) غيرُ مراد
بالكلية ، فقد يروي الحديث على هذا المعنى الذي فهمه . وقد
سبق(٣) أن شَرِيكاً روى حديثَ الوضوء بالمُدِّ بما فهمه من المعنى ،
وأكثر فقهاء الأمصار يخالفونه في ذلك .
قاعدة :
الثقاتُ الحفّاظ إِذا حَدّثوا من حفظهم ، وليسوا بفقهاء :
(١) في الأصل ((وأقلب الإِسناد)). وفي ظ ((وقلب الأسانيد)). والمثبت من ب
موافق لـ((المجروحين)).
(٢) ((وإِنما )) ظ وب.
(٣) في ص٧١٣-٧١٤.

٧١٨
شرح علل الترمذي
قال ابن حبان(١): ((عندي لا يجوزُ الاحتجاج بحديثهم ، لأن
همتهم حفظ الأسانيد والطرق دون المتون )).
قال: (( وأكثر من رأينا من الحفاظ كانوا يحفظونَ الطرق ، ولقد
كنا نجالسهم بُرْهَة من دهرنا على المذاكرة ، ولا أراهم يذكرون من
متن الخبر إِلا كلمةً واحدة يشيرون إِليها . قال : ومن كانتْ هذه
صفتَهُ وليس بفقيه ، فربما يقلِبُ المتن ويغيّر المعنى إِلى غيره وهو
لا يعلم ، فلا يجوز الاحتجاج به إلا أن يحدّث من كتابه أو يوافق
الثقات)).
وقد ذكرنا هذا عن ابن حِبَّان فيما تقدم (٢) ، وبينا أن هذا ليس على
إِطلاقه ، وإِنَّما هو مختصٌّ بمن عُرِف منه عدم حفظ المتون
وضبطها ، أو (٣) لعله يختصّ بالمتأخرين من الحفاظ ، نحو مَن كان
في عَصْر ابن حِبَّان .
فأما المتقدِّمون كشعبةَ والأعمش وأبي إِسحاق ونحوهم فلا يقول
ذلك أحد في حقُّهم (٤) ، لأن الظاهر من حال الحافظ المتقن حفظ (٥)
الإِسنادِ والمتن ، إِلا أن يوقفَ منه على خلاف ذلك ، والله أعلم .
وقد سبقَ قولُ الشافعي أَنَّ من حَدَّث بالمعنى ولم يحفظ لفظَ
(١) في (( المجروحين)) ج١ ص٧٨ والحافظ ابن رجب يسوق كلام ابن حِبَّان
بمعناه .
(٢) ص ١٥٠ -١٥١ وانظر تعليقنا عليه هناك.
(٣) ((ولعله)» ظ وب .
(٤) (( فلا يقول أحد ذلك في حفظهم )) ظ وب.
(٥) ((لحفظ)) ب، وهو خطأ. فإِن قوله ((حفظ)) خبر إِن.

٧١٩
خاتمة الكتاب: قواعد في الأسانيد والعلل
الحديث أَنَّه (١) يُشترط فيه أن يكون عاقلاً لما (٢) يحدِّث به من المعاني
عالماً بما يُحيل المعنى [ب -١٢٢] من الألفاظ، وأنَّ من حَدَّث
بالألفاظ فإِنَّه يشترط أن يكونَ حافظاً للفظ الحديثِ متقناً له ، والله
أعلم .
قاعدة :
إِذا روى الحفّاظ الأثبات حديثاً بإسناد واحد وانفرد واحد
منهم پإسناد آخر :
فإِن كان المنفرد ثقةً حافظاً فحكمه قريبٌ من حكم زيادة الثقة في
الأسانيد أو في المتون ، وقد تقدَّم الكلام على ذلك .
وقد تردد الحفاظ كثيراً في مثل هذا ، هل يردُّ قول من تَفَرَّد بذلك
الإِسناد لمخالفةِ الأكثرين له ؟ أم يُقبل قوله لثقته وحفظه ؟
ويَقْوَى قَبُولُ قولِهِ إِن كان المرويُّ عنه واسعَ الحديثِ يمكن أن
يحمل الحديث من طرقٍ عديدة ، كالزهريِّ ، والثوريِّ ، وشعبة ،
والأعمش(٣).
ومثال ذلك :
ما روى أصحابُ الأعمش، مثل: وكيع، وعيسى بن يونس، وعلي
ابن مُسْهِر، وعبد الواحد بن زياد، وغيرهم، عن الأعمشِ عن إِبراهيم
(١) ((أن )) ب ، وليس في ظ.
(٢) ((ما)» ظ وب وانظر ما سبق ص ١٤٧ و٣٤٥ و٣٤٧-٣٥١.
(٣) انظر ما سبق في ص ١٤٣ -١٤٤.