Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤١٤ شرح علل الترمذي أحدهما : أن يكونَ ذلكَ الإسنادُ لا يُرْوَئ به إلا ذلكَ الحديث أيضاً . وهذا(١) مثلُ حديثٍ حَمَّدٍ بن سَلَمَةَ عن أبي العُشَراءِ الدارميِّ عن أبيهِ عن النبيِّ وَّلَ في الذَّكاةِ . فهذا حديثٌ غريبٌ ، لا يُعْرَفُ إلا من حديثٍ حماد بن سلمة عن أبي العُشَراء ثم اشتهرَ عن حَمَّاد ، ورواه عنه خَلْقٌ ، فهو في أصلٍ إسنادِهِ غريبٌ ، ثم صارَ [ظ - ١٦٥] مشهوراً عن حماد . قال الترمذيُّ: ((ولا يُعرفُ لأبي العُشَراء عن أبيهِ غيرُ هذا الحدیث )). وقد خَرَّجَ الترمذيُّ(٢) في كتابِ الصَّيدِ والذبائح هذا الحديثَ(٣) وقال : ((غريبٌ لا نعرفه إلا من حديثٍ حَمَّاد بن سَلَمَةَ ، ولا يُعْرَفُ لأبي العُشَراءِ عن أبيهِ غيرُه )). ولم يقل : إنه حسن ، لما ذكرَ ههنا أن شرطَه في الحسنِ أن يُروى نحوُه من غيرِ وجهٍ ، وهذا ليسَ كذلكَ ، فإنه لم يُرْوَ في الذكاةِ (١) قوله ((وهذا)) ليس في ظ . (٢) قوله ((ولا يعرف .. )) إلى هنا سقط من ظ. (٣) ج٤ ص ٧٥ ووقع فيه قوله ((ولا نعرف لأبي العشراء ... )). وأخرجه أبو داود في الأضاحي ( ذبيحة المتردية) ج٣ ص١٠٣ والنسائي في الأضاحي (ذكر المتردية ... ) ج٧ ص٢٢٨ وابن ماجه في الذبائح ص ١٠٦٣. وقد اتفقوا على تأويلِ الحديثِ بحالِ الضرورةِ ، أو فيما كان متوحُّشاً ، كما تفيدُه عباراتهم صراحة ، وتفيده إشارةُ تراجمهم للحديثِ. وانظر (( التلخيص الحبير )، ص ٣٨٢. ٤١٥ فصل في الحدیث الغريب، وأنواع الحديث من حيث تفرد الراوي به في غيرِ الحَلْقِ واللبّة إلا في حالِ الضَّرورةِ غيرُه(١). وحكى أيضاً في كتاب «العِلَلِ)) (٢) عن البخاريِّ أنه قال: ((لا نعرفُ لأبي العُشَراءِ شيئاً غيرَ هذا)) وقد ذكرنا هناكَ أن بعضَهم ذكرَ لحمادٍ بن سلمةَ عن أبي العُشراءِ عن أبيهِ نحوَ عشرةٍ أحاديثَ ، لكنْ كلُّ أسانيدِها إلى حماد ضعيفةٌ لا يكادُ يصِحُ منها شيءٌ عنه، ووَمَّن أحمدُ حديثَ أبي العُشَراء في الذكاةِ أيضاً . النوعُ الثاني : أن يكونَ الإسنادُ مشهوراً يُرْوى به أحاديثُ كثيرةٌ ، لكن هذا المتن لم تصحّ روايتُه إلا بهذا الإسنادِ . ومَثَّله الترمذيُّ بحديثِ عبدِ اللهِبن دينار عن ابنِ عمرَ عن النبيِّي ◌َِّ [ب ـ ٧١] في النهي عن بيع الولاءِ وهبتِه، فإنه لا يصحّ عن النبيِّ وَّةٍ إلا من هذا الوجهِ، ومَنْ رواه من غيرِه فقد وَهِم وغَلِطَ. وقد خَرَّجَهُ الترمذيُّ في كتابِ البيوعِ . وسَبَقَ الكلامُ عليه هناكَ مستوفّى ، وهو معدودٌ من غرائبِ الصَّحيحِ ، فإن الشيخينِ خَرَّجاهُ(٣)، ومع هذا فتكلَّم فيه الإمام أحمدُ، وقال: (( لم يتابَعْ (١) ((غيره)) زيادة من ظ. والمعنى يقتضيها. (٢) ٦٣٥/٢ . (٣) البخاري في العتق ج٣ ص١٤٧ ومسلم ج٤ ص٢١٦ وقال: (( الناس كلهم عيالٌ على عبدِ الله بن دينار في هذا الحديثِ)). والترمذي ج٣ ص ٥٣٧ - ٥٣٨ وفيه تنبيهٌ على خطأ غير طريقٍ ابن دينار ، وأبو داود في الفرائض ج٣ ص ١٣٧ والنسائي في البيوع ج٧ ص٢٦٩ وانظر (شرح القسطلاني)) على البخاري ج٤ ص٣٧٨ . ٤١٦ شرح علل الترمذي عبدُ اللهِ بن دينار عليه))، وأشارَ إلى أنَّ الصَّحيحَ ما روى نافعٌ عن ابنِ عمرَ أن النبيَّ وَِّ قال: ((الولاءُ لمن أعتقَ)). لم يذكر النهيَ عن بيعٍ الولاءِ وهبتهِ . قلتُ : وروى نافعٌ عن ابنِ عمرَ مِن قوله النهيَ عن بيع الولاءِ وعن هبته ، غيرَ(١) مرفوع، وهذا مما يُعلَّلُ به حديثُ عبدِ اللهِ بن دينارٍ . والله أعلم . ومن غرائبِ الصَّحيح أيضاً حديثُ عُمرَ عن النبيِّ وَّهِ: ((إنما الأعمالُ بالنياتِ ... )) الحديث. وقد خَرَّجَهُ الترمذيُّ في الجهادِ ، وسبقَ الكلام عليه هناكَ مستوفی ، فإنه لم یصحَّ إلا من حدیث یحیی بن سعيد عن محمدٍ بن إبراهيمَ التيميِّ عن علقمةَ بن وقَّاصٍ عن عُمرَ (٢). ومنها [أيضاً] حديثُ أنسِ ((دخلَ النبيُّ ◌َلِّ مَّةَ وعلى رأسه المِغْفَرُ(٣)، (١) قوله ((غير)) ليس في ب وهو سقط مخل بالمعنى. (٢) وقد أشار القَسْطلاني إلى تعدُّدِ طُرُقه، ثم قال: ((وقد انُّفقَ على أنه لا يصحُ مُسنَداً إلا من رواية عمر)) ج١ ص٧٥ - ٧٦. وانظر تخريجه فيما سبق ص٣٨٦ . (٣) البخاري في الحج ( باب دخول مكةَ والحرم بغيرِ إحرام ) ج٣ ص١٧ وفي المغازي ( أين ركز النبيُّ ◌َ ليهِ الرايةَ يوم الفتح) ج٤ ص١٤٨، ومسلم في الحج ج٤ ص١١١، والترمذي ( باب المغفر) ج٤ ص٢٠٢، وقال: (( هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرف كبير أحد رواه غير مالك عن الزهري ، ، ومالك في الموطأ ج١ ص٢٩٢ . وكان ذلك يوم فتح مكةَ في الساعةِ التي أُحِلَّتْ فيها لرسولِ اللهِ وٌَّ، كما هو صريحُ لفظ الحديثِ . فلا يشكل على دليلٍ وجوبِ دخول مكة بإحرام. انظر كتابنا ((الحج والعمرة في الفقه الإسلامي ) ص٤٩ - ٥٠ . ٤١٧ فصل في الحدیث الغريب، وأنواع الحديث من حيث تفرد الراوي به فإنه لم يصحّ(١) إلا من حديثِ مالكٍ عن ابنِ شهابٍ عن أنسٍ ، وقد سبق ذكرُه في الجهادِ أيضاً ، وأمثلةُ ذلكَ كثيرةٌ(٢). (١) ((لا يصح)) ظ وب . (٢) ((وأمثلته كثيرة)» ظ وب. ٤١٨ شرح علل الترمذي ٥ زياداتُ الثّقاتِ وتحقيقُ حُكْمِها ٥ قال أبو عيسى رحمهُ اللهُ: (ورُبَّ حديثٍ إنما(١) اسْتُغْرِبَ لزيادةٍ تكونُ في الحديثِ ، وإنما يصحُّ إذا كانت الزيادةُ ممَّن يُعْتَمَدُ على حفظِهِ . مثلُ ما روى مالكُ بن أنسٍ عن نافعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال : ((فَرَضَ رسولُ اللهِ لّهِ زكاةَ الفِطرِ مِنْ رمضانَ على كلِّ حُرٍّ أو عبدٍ ، ذكرٍ أو أنثى من المسلمينَ، صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعير )) فزادَ مالكٌ في هذا الحديثِ ((من المسلمين)). وروى أيوبُ السَّخْتِيانيُّ ، وعبيدُ الله بنُ عُمر ، وغيرُ واحدٍ [آ_٠ ٩] من الأئمَّةِ هذا الحديثَ عن نافع عن ابنِ عُمر ، ولم يذكرْ فيه (( من المسلمين)). وقد روى بعضُهم عن نافعٍ مثلَ روايةِ مالكٍ ممن لا يُعْتَمَدُ على حفظِهِ . (١) ((إنما)) ليس في ظ وب. ٤١٩ زيادات الثقات وتحقيق حكمها وقد أخذَ غيرُ واحدٍ من الأئمةِ بحديثٍ مالكٍ ، واحتَجُّوا به ، منهمُ الشافعيُّ وأحمدُ بن حنبل قالا : إذا كانَ للرجلِ عَبيدٌ غيرُ مسلمينَ لم يؤدِّ زكاةَ الفِطرِ [عنهم] ، واحتجًا بحديثٍ مالكٍ . فإذا زادَ حافظٌ ممن يُعتَمَدُ على حفْظِهِ قُبِلَ ذلكَ عنه ) . هذا أيضاً نوعٌ من الغريبِ ، وهو أن يكونَ الحديثُ في نفسِه مشهوراً لكنْ يزيدُ بعضُ الرواةِ في متنه زيادةً تُستَغرَبُ(١). وقد ذكرَ الترمذيُّ : أن الزيادةَ إن كانتْ من حافظٍ يُعْتَمَدُ على حفظِه فإنها تُقْبَلُ ، يعني وإن كانَ الذي زادَ ثقةً لا يُعتَمَدُ على حِفْظِهِ لا تُقْبَلُ زیادَتُه . وهذا أيضاً ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، قال في رواية صالح: (( قد أُنْكِرَ على مالكِ هذا الحديثَ - يعني زيادَتَه ((من المسلمينَ)) - ومالكٌ إذا انفردَ بحديثٍ هو ثِقَةٌ، وما قال أحدٌ ممن قال بالرأي أثبت منه)) . يعني في الحديثِ . وقال : ((قد رواهُ العُمَرِيُّ الصغيرُ والجُمَحِيُّ ومالكٌ)). فذكرَ أحمدُ أن مالكاً يُقبَلُ تفرُّدُه، وعلَّلَ بزيادته في الثبتِ على غيرِه ، وبأنه قد تُوبع على هذه الزيادةِ - وقد ذكرنا هذه الزيادةَ ومن تابعَ مالكاً عليها في كتابِ الزكاةِ - ولا يخرجُ بالمتابعةِ عن أن يكونَ زيادةً من بعضِ الرواةِ ، لأن عامَّةَ أصحابِ نافع لم يذكروها . (١) وهو القسمُ الذي سمَّاه ابنُ سيِّد الناس: ((غريبُ بعضِ المتن)). وبحثه العلماءُ في فنِّ ((زياداتِ الثقاتِ)). ٤٢٠ شرح علل الترمذي و[قد] قالَ أحمدُ في روايةٍ عنه: (( كنتُ أتهيَّبُ حديثَ مالكٍ : (( مِنَ المسلمينَ)). يعني حتىْ وَجَدَه من حديثِ العُمرِيَّيْن(١). قيلَ له : ((أفمحفوظٌ(٢) هو عندَك ((من المسلمين))؟ قال: نعم)). وهذه الروايةُ تدُلُّ على تَوَقُّفِهِ في زيادةٍ واحدٍ من الثِّقاتِ ولو كانَ مِثْلَ مالكِ حتى يُتابع على تلكَ الزيادةِ ، وتدُلُّ على أنَّ متابعةً مثلٍ العُمَريِّ لمالكِ مما يقوي روايةَ مالكِ ويزيلُ عن حديثِهِ الشذوذَ والإنكارَ(٣). وسيأتي فيما بعدُ إن شاءَ اللهُ عن يحيى القطانِ نحوُ ذلكَ أيضاً . وكلامُ الترمذيِّ هنا يدُلُّ على خِلافِ ذلكَ ، وأن العبرةَ بروايةٍ مالكٍ ، وأنه لا عبرةَ بمن تابَعه ممن لا يُعْتَمَدُ على حِفْظِهِ . (١) ((العمري)) ظ وب. والعمريان هما عبدُ الله العمري، وعبيدُ الله العمري. انظر تخريج روايتهما في « الفتح» ج٣ ص٢٣٨ . (٢) (( أمحفوظ)» ظ وب. (٣) الحديثُ أخرجه الشيخان من طريق عبيد الله قال: حدَّثني نافعٌ عن ابن عمر .. وأخرجاه أيضاً من رواية أيوبَ عن نافعٍ عن ابنِ عمر ، وأخرجه مسلمٌ من طريقٍ الليثِ عن نافعٍ عن ابنِ عمر كلهم بدون زيادة ((من المسلمين)). وأخرجاه عن مالكِ عن نافعٍ عن ابن عمر بزيادة ((من المسلمين)). وتابع مالكاً على هذه الزيادة عمر بن نافع عن أبيه عند البخاريِّ ، والضحاك عن نافع عند مسلم. البخاري ج٢ ص ١٣٠ - ١٣٢ ومسلم ج ٣ ص ٦٨ - ٦٩ . وعمرُ بن نافع وثَّقه بعضُ الأئمة، وبعضُهم نزل به إلى منزلةِ ((صدوق » و (( لا بأس به)). وأما الضَّخَّاك فهو ((صدوقٌ يهم))، لذلك قال الترمذيُّ: ((وقد روى بعضُهم عن نافعٍ مثلَ روايةٍ مالكٍ ممن لا يعتمد على حفظه)». فجعل الاعتمادَ في الزيادةِ على الإمامِ مالكٍ . ٤٢١ زیادات الثقات و تحقیق حکمھا وفي حديثِ ابنِ عُمر في صدقةِ الفطرِ زياداتٌ أُخَرُ لا تثبتُ ، منها ذكر القمح (١) [ظ - ١٦٦]، وكذلكَ في [ب ـ ٧٢] حديث أبي سعيد في صدقةِ الفِطرِ زياداتٌ(٢) وقد ذكرنا ذلكَ كلَّه مستوفَى في كتابٍ الزكاةِ . وقال أحمدُ أيضاً - في حديث ابن فُضَيْل عن الأعمشِ عن عمارة بن عُمير عن أبي عطِيَّة عن عائشةَ في تلبيةِ النبيِّ وَّهِ وذكرَ فيها : (( والملكَ لك(٣)، لا شريكَ لك)) - قال أحمدُ: ((وَهِمَ ابنُ فُضيل في هذه الزيادة ، ولا تُعرف هذه عن عائشةَ ، إنما تُعرَفُ عن ابنِ عُمَرَ )) . وذكرَ أنَّ أبا معاويةَ روى الحديثَ عن الأعمشِ بدونِها ، وخرّجَهُ البخاري بدونها أيضاً من طريقِ الثوريِّ (١) أخرجها الحاكمُ في ((المعرفةِ)) ص١٣١ - ١٣٢. بسنده عن نصرِ بن حَمَّاد أخبرنا أبو معشر عن نافع عن ابن عمر .. الحديث .. وفي ((المستدرك)) ج١ ص٤١٠ من حديث أبي هريرة وصححه . وقال الحاكمُ في (( المعرفةِ)): (( هذا حديثٌ رواهُ جماعةٌ من أئمةِ الحديثِ عن نافعٍ فلم يذكروا صاعَ القمحِ فيه ، إلا حديثٌ عن سعيدٍ بن عبد الرحمن الجمحيٌّ، يتفرَّدُ به عن عبيد الله بن عُمر عن نافع)). وصحَّحَ في (( المستدرك)) حديث أبي هريرة، وتعقّبه الذهبِيُّ بأنَّ فيه بكرَ بن الأسود ((ليس بحجة)) . قال نورُ الدين : وفيه أيضاً سفيانُ بن حسين عن الزهريِّ، وهو ضعيفٌ في الزهريِّ. قال في ((التقريبِ)): ((ثقةٌ في غيرِ الزهريِّ باتِّفاقهم)). وانظر ما سبق تعليقاً: ٣٩٩. (٢) انظر ألفاظَه في الصحيحينِ الموضعين السابقين . (٣) قوله (( لك)) ليس في ظ وب. ٤٢٢ شرح علل الترمذي عن الأعمشِ، وقال: (( تابعه أبو معاويةً))(١). قال الخلَّل: ((أبو عبد الله لا يعبأُ بمن خالفَ أبا معاويةً في الأعمشِ ، إلا أن يكونَ الثوري )) ، وذكرَ أن هذهِ الزيادةَ رواها ابنُ نُميرٍ وغيرُه أيضاً عن الأعمشِ . وكذلكَ قال أحمدُ في روايةِ الميمونيِّ: « حديثُ أبي هريرةَ في الاستسعاءِ(٢) يرويه ابنُ أبي عَرُوبة، وأما شعبةُ وهَمّام فلم يذكراه ، ولا أذهبُ إلى الاستسعاءِ))(٣). (١) البخاري ( باب التلبية) ج٢ ص١٣٨ وذكرَ متابعةً أبي معاوية، وهي متابعةٌ تامّةٌ، ومتابعةً قاصرةً لشعبةَ ، لكن ليس في المتابعةِ لشعبةَ لفظُ ((لا شريك لك)» وحديثُ ابن عمر متفق عليه البخاري، ومسلم ج٤ ص٧ - ٨ . وانظر « فتح الباري » ج٣ ص٢٦٥ . (٢) (( الاستسعار)) ب وهو تصحيفٌ شنيع، وقد تكرر فيما يلي أيضاً. (٣) الحديثُ متَّفقٌ عليه عن أبي هريرةَ عن النبيِّيَّهِ قال: ((من أعتقَ شِقْصاً في عبدٍ أُعْتِقَ كلُّه إن كان له مالٌ، وإلا يُسْتَسْعَى غيرَ مَشْقوقٍ عليه ». البخاري بلفظه في الشركةٍ ج٣ ص١٤١ وفي العتق أيضاً ، ومسلم في العتق ج٤ ص٢١٢ - ٢١٣ وفي الأيمان ج٥ ص٩٦ . ومعنى يُسْتَسْعى: يُكلَّفُ بالكَنْبِ لتحصيلِ قيمةِ حِصَصِ شركاءِ العِثْقِ ودفعها إليهم . قوله ((وإلا يُستسعى .. الخ)) رواه عن قتادةَ جرير بن حازم وسعيدُ بن أبي عروبة . وخالفهما شعبةُ وهشام . فرجَّح الإمامُ أحمدُ شعبةَ وهشاماً وأعلَّ بهما روايةَ الزيادةِ، لجلالة شعبةً، أما همام فروى ((وإلا يُسْتَسْعى ... )) من قول قتادة. انظر للتوسُّع في ((نصب الراية) ج٣ ص٢٨٢ - ٢٨٤. = ٤٢٣ زیادات الثقات و تحقیق حكمها فالذي يدُلُّ عليه كلامُ الإمامِ أحمدَ في هذا البابِ أنَّ زيادةَ الثقةِ للفظةٍ في حديثٍ من بين الثقاتِ إن لم يكنْ مبرِّزاً في الحفظِ والتَّثبُتِ على غيرِه ممن لم يذكر الزيادةَ ولم يتابَعْ عليها فلا يُقبَلُ تفرُّدُه . وإن كانَ ثقةً مبرِّزاً في الحفظِ على مَنْ لم يذكرها ففيه عنه روايتان: لأنه قالَ مرَّةً في زيادةِ مالكِ ((من المسلمين)): (( كنتُ أتهيَُّه حتى وجدتُه من حديثِ العُمريَين))(١). وقال مرةً : ((إذا انفردَ مالكٌ بحديثٍ هو ثقةٌ، وما قال أحدٌ بالرأي أثبت منه )) . وقال - في حديثٍ أيوبَ عن نافع عن ابن عمر المرفوع: (( مَنْ حَلَفَ فقال: إن شاءَ اللهُ فلا حِنْثَ عليه)) -: ((خالفَهُ الناسُ : عبيدُ الله وغيرُه فوقفوه))(٢). واعتمدَ الإمامُ البخاريُّ هذه الزيادةَ ، فذكرها من طريق جريرٍ وسعيدٍ ، ثم = قال ج٣ ص ١٤٥ : (( تابَعه حجَّاجُ بن حَجَّاج ، وأبانُ ، وموسى بن خلفٍ عن قتادةَ ، اختصرَه شعبةُ)) . فأَشارَ بذلكَ إلى ترجيح روايةِ الزيادةِ لتقويتها بالمتابعاتِ ، وعدم منافاةِ روايةٍ شعبةً لها ، لأن روايَةً شعبةً من قبيلِ اختصارٍ الحديثِ . وانظر مزيداً من التفصيل والاستدلال لما ذهب إليه البخاريُّ في (( فتح الباري " ج ٥ ص٩٦ - ٩٨ . (١) في ظ وب ((العمري)). (٢) أخرجهُ الأربعةُ أبو داود ج٣ ص٢٢٥، والترمذي ج٤ ص١٠٨ ، والنسائيُّ ج٧ ص١٢ و٢٥ وابنُ ماجَهْ ص ٦٨٠ كلُّهم من طريقٍ أيوبَ . وأخرجَهُ النسائيُّ من روايةٍ كثيرٍ بن فرقدٍ عن نافعٍ ، وهي متابعةٌ تامّةٌ لأيوبَ، وحَسَّنَهُ الترمذيُّ، مع أنه ذكرَ مخالفةَ أصحابَ نافعٍ لأيوبَ ، مما = ٤٢٤ شرح علل الترمذي وأما أصحابُنا الفقهاءُ فذكروا في كُتُبِ أصولِ الفقهِ في هذه المسألةِ روايتينٍ عن أحمدَ : بالقبولِ مُطلقاً ، وعدمِه مطلقاً ، ولم يذكُروا نصاً(١) له بالقَبُولِ مطلقاً، مع أنهم رَجَّعُوا هذا القولَ ، ولم يذكُروا به [آ - ٩١] نصّاً عن أحمدَ، وإنما اعتمدوا على كلامٍ له لا يدُلُّ على ذلكَ، مثل قولهِ في فواتِ الحجِّ: (( جاءَ فيه روايتانِ : إحداهما فيه زيادةُ دَم . قال : والزائدُ أولى أن يؤخذَ به )). وهذا ليسَ مما (٢) نحنُ فيه ، فإن مرادَه أن الصحابةَ رُوي عن بعضِهم فيمن يفوتُه الحجُّ أن عليه القضاءَ ، وعن بعضِهم : أنَّ عليه القضاءَ مع الدم ، فأخذ بقولِ من زادَ الدمَ ، فإذا روي حديثانِ مستقلاَّن في حادثةٍ في أحدهما زيادةٌ فإنها تُقبَل من الثقةِ ، كما لو انفردَ الثقةُ بأصلِ الحديثِ . وليسَ هذا من بابٍ زيادةِ الثَّقةِ ، [ولا سيَّما إذا كان الحديثانِ موقوفين عن صحابيَّيْن] وإنما قد يكونُ أحياناً من بابِ المطلقِ والمقيَّدِ . يدُلُّ على أنه اعتبرَ هذه الزيادةَ حُجَّةً . = ونصُّ كلامِ الترمذيِّ في الجامع: (( قال أبو عيسى : حديثُ ابنِ عمر حديثٌ حسنٌ ، وقد رواه عبيدُ الله بن عمر ، وغيرُه عن نافع عن ابن عمر موقوفاً . وهكذا رُويَ عن سالمٍ عن ابنِ عمر رضي الله عنهما موقوفاً . ولا نعلمُ أحداً رفَعَه غير أيوب السَّخْتِياني . وقال إسماعيلُ بن إبراهيم : وكان أَيوب أحياناً يرفعُهُ، وأحياناً لا يرفعُهُ)). انتهى. وقد سبقت ترجمة أيوب في صفحة ١٦٨ - ١٧٠ بما يشهد أنه من كبار الحفاظ. وانظر ((نصب الراية)) ج٣ ص١٠٣ - ١٠٤ ففيه فوائد أخر . (١) ((أيضاً)) ب ، تصحيف. (٢) (( مما ليس)) ظ . ٤٢٥ زیادات الثقات و تحقیق حکمھا وأما مسألةُ زيادةٍ الثقةِ التي نتكلَّمُ فيها ههنا فصُورَتُها أن يرويَ جماعةٌ حديثاً واحداً بإسنادٍ واحدٍ ومتنٍ واحدٍ، فيزيدَ بعضُ الرواةِ فيه زيادةً لم يذكرها بقيةُ الرواةِ . ومن الأصحابِ من قالَ في هذهِ المسألةِ: ((إنْ تعدَّدَ المجلسُ الذي نُقِلَ فيه الحديثُ قُبلت الزيادةُ ، وإن كانَ المجلسُ واحداً وكان الذي تركَ الزيادةَ جماعةٌ لا يجوزُ عليهم الوَهَمُ لم تُقْبَل الزيادةُ ، وإن كانَ ناقلُ الزيادةِ جماعةٌ كثيرةٌ قُبِلَتْ ، وإن کان راوي الزيادةِ واحداً والنقصانِ واحداً قُدِّمَ أشهرُهما [وأوثقُهما] في الحفظِ والضَّبطِ )). قالوا: ((وإن خالفت الزيادةُ ظاهرَ المزيدِ عليه لم تُقبَل))(١). وحملوا كلامَ أحمدَ في حديثِ السّعاية على ذلكَ ، وليسَ في كلامِ أحمدَ تعرُّضٌ لشيءٍ من هذا التفصيلِ ، وإنما يدُلُّ كلامُه [على] ما ذكرناهُ أولاً . وأما الفرقُ بين أن يكونَ المجلسُ متَّحِداً أو متعدِّداً فإنه مأخوذٌ مما ذكره بعضُهم في حديث أبي موسى في النِّاحِ بلا وَلي ، فإنَّ شُعبةً وسفيان أرسلاهُ عن أبي إسحاق عن أبي بُردةً ، وإسرائيلُ وصَلَه ، ويقال : إن سماعَ شعبةً وسفيانَ كانَ واحداً ، والذينَ وصلوه جماعةٌ ، فالظاهرُ أنهم سمِعُوه في مجالسَ متعدِّدة . (١) هذا التفصيلُ طريقةُ المتكلمين والأصوليين ، ويمكن أن نقول : إنه لا ينافي ما سنذْكُره من آراءِ المحدِّثين والفقهاء، لأن هذا التفصيلَ نوعٌ من الإرشادِ إلى قرائنَ قد تفيدُ في كَشْفِ وهمٍ وقعَ لراوي الزيادةِ في الحديثِ . ٤٢٦ شرح علل الترمذي وقد أشارَ الترمذيُّ إلى هذا في كتابِ النكاحِ ، كما تقدم(١). وحكى أصحابُنا الفقهاءُ(٢) [ب - ٧٣] عن أكثرِ الفقهاءِ والمتكلمين قبولَ الزيادةِ إذا كانتْ من ثقةٍ ولم تخالف المزيدَ ، وهو قولُ الشافعيِّ ، وعن أبي حنيفةَ أنها(٣) لا تقبَلُ ، وعن أصحابِ مالكٍ في ذلكَ وجهين(٤) . ولا فَرْقَ في الزيادةِ بين الإسنادِ والمتنِ كما ذكرنا في حديثٍ النِّكاحِ بلا ولي . O الزِّيادةُ في السنَدِ والمزيدُ في متَّصلِ الأسانيدِ ٥ وقد تكرّرَ في هذا الكتابِ ذكرُ الاختلافِ في الوَصْلِ والإرسالِ ، (١) حديث: ((لا نكاحَ إلا بوَلي)) سبقَ تخريجُه في ص ٣٠٧ مع الإحالةِ إلى مراجع للتوسع . وقد ذكرَ الترمذيُّ ترجيحَ رواية الوصلِ بتحقيقٍ مُطوَّل - كما ذكرناه هناك - بمعنى ما ذكرهُ الحافظ ابنُ رجبٍ هنا . وانظر ((تعليقَ ابن القيم على سنن أبي داود)» ج٣ ص٢٩ - ٣١ ففيه فوائدُ هامة . (٢) كذا في ظ، وفي الأصل ((وحكى الفقهاء))، وفي ب (( وحكي عن أكثر الفقهاء)). (٣) فى ظ (( إلا أنها)) وهو سهو قلم . (٤) وقع في ظ وب هنا هذه الزيادة: ((وفي حكايةِ ذلكَ عن الشافعيِّ نظرٌ ، فإنه قال في الشاذِّ: ((هو أن يرويَ ما يخالفُ الثقات)). وهذا يدُلُّ على أنَّ الثقةَ إذا انفردَ عن الثقاتِ بشيءٍ أنه يكونُ ما تفرَّد به عنهم شاذاً غيرَ مقبولٍ . والله أعلم)) . انتهى. وهي عبارةٌ غير سديدة ، لذلكَ حُذِفَتْ من الأصلِ. وقد وقعَ للحافظِ خللٌ في نقلِ آراءِ الفقهاءِ في زيادةِ الثقةِ نوضحُ حقيقة الأمر فيه بعدَ يسيرٍ إن شاء اللهُ تعالى . ٤٢٧ زیادات الثقات و تحقیق حکمها والوقفِ والرفع ، وكلامُ أحمدَ وغيرِه من الحفّاظ يدورُ على اعتبارِ قولِ الأوثقِ في ذلكَ والأحفظِ أيضاً . وقد(١) قال أحمدُ في حديثٍ أسنَدَهُ حمادُ بن سَلَمَةَ: ((أيُّ شيءٍ ينفعُ وغیرُه يرسلُه )) . وذكرَ الحاكمُ أنَّ أئمةَ الحديثِ على أنَّ القولَ قولُ الأكثرينَ الذين أرسلوا(٢) [ظ - ١٦٧] الحديثَ، وهذا يخالِفُ تَصُّفَهُ في ((المستدرَكِ))(٣). وقد صنََّ في ذلكَ الحافظُ أبو بكر الخطيبُ مصنَّفاً حَسَناً سمَّاه (١) قوله (( وقد )) ليس في ظ. قوله (( أرسلوا )) سقط من ظ . (٣) لا إشكالَ في هذا، لأن الحاكمَ عندما ذكرَ أن أئمةَ الحديثِ يرجِّحونَ روایةَ (٢) الأكثرِ، أرادَ من قوله ((أئمة الحديث)) أكثرَ أئمةِ الحديثِ - ثم اختارَ هو رأياً آخرَ هو الذي انتهى إليه المحقّقون في مسألة زيادة الثقةٍ في السند ، وعمل عليه في ((المستدرك )) ، نحو صنيعه في حديثٍ يحيى بن أيوبَ في التحذيرِ من الرياءِ في طلبِ العلمِ ج١ ص٨٦ وانظر ((منهج النقد )) ص ٤٠٠ - ٤٠٢ . وهذا هو الذي سَلَكَهُ الخطيبُ البغداديُّ في (( الكفاية)) ص٤١١ - ٤١٢ فقد ذكرَ أنَّ الجمهورَ على ترجيح روايةِ الأكثرِ الذين لم يروا الزيادةَ في السندِ ، ثم رجَّح قبولَ زيادةِ الثقةِ ، وأنَها مقدمة على من لم يرو الزيادةَ باستدلالٍ قويٍّ جداً . وهذا يرجِّحُ ما ذهبَ إليه الترمذيُّ في هذه المسألةِ ، ويلقي الضوءَ على تصرُّفِهِ في كتابهِ ، وتصرُّفِ غيرِهِ من المحدِّثين ، ولماذا تُقبَلُ هذه الزيادةُ في مواضعَ ، ولا تُقْبَلُ في أُخرى . انظر مزيدَ بيانٍ لذلكَ وإزاحةَ الإشكالاتِ عن الموضوع في أطروحتنا ((الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين)) ص١٣٣ - ١٣٧ . ٤٢٨ شرح علل الترمذي ((تمييزَ المزيد في مثَّصل الأسانيدِ ))، وقسمَهُ قسمينِ : أحدهما : ما حُكِمَ فيه بصحّةٍ ذكرِ الزيادةِ في الإسنادِ وتَرْكِها . والثاني : ما حُكِمَ فيه بردِّ الزيادةِ وعَدَمٍ قَبُولها . ثم إنَّ الخطيبَ تناقضَ، فذكرَ في كتابِ (( الكفايةِ)) (١) للناسِ مذاهبَ في اختلافِ الرواةِ في إرسالِ الحديثِ ووصلِهِ ، كلُّهاَ لا تعرفُ عن أحدٍ من متقدِّمي الحفّاظِ ، إنما هي مأخوذةٌ من كُتُبٍ المتكلِّمين . ثم إنه اختارَ أنَّ الزيادةَ من الثقةِ تُقبَلُ مطلقاً كما نَصَرَهُ المتكلِّمون وكثيرٌ من الفقهاءِ، وهذا يخالفُ تصرُّفَهُ في كتابِ ((تمييزِ المزيدِ))، وقد عابَ تصرُّفَه في كتابِ ((تمييزِ المزيدِ )) بعضُ محدِّثي الفقهاءِ، وطمعَ فيه لموافقَتِهِ لهم في كتابِ ((الكفايةِ))(٢). (١) ص ٤١١ . (٢) لا عيبَ على الخطيبِ في تصرُّفِهِ في كتابِ (( تمييز المزيدِ في مَّصلٍ الأسانيدِ ))، وذلك لأنه كتابٌ خاصٌّ بنوعٍ من زيادةِ الثقةِ في السندِ لها حُكْمٌ خاص . وهو أن يروي ثقةٌ حديثاً بسنَدٍ منَّصِّلٍ سَمعَ رجالُه بعضُهم من بعض ، ثم يروي ثقةٌ آخرُ فيزيدُ في السَّنَدِ المتَّصِلِ رجلاً ، فهذا قد يكونُ صحيحاً ، حيثُ يقعُ لِلثَّةِ أن يسمعَ من راوٍ مباشَرَةً ، ويسمعَ عنه حيناً آخرَ بواسطةٍ ، وقد يكونُ خطأً . فصنَّفَ الخطيبُ كتابه القيم (( تمييز المزيد )» لبيانِ ما يُحكِمُ له بصحّةِ الزيادةِ من هذه الأسانيدِ المتصلة ، وما يُحكم عليه بالوَهَم . وقد شرحنا هذا النوع بتحقيقٍ جيِّدٍ وبينا رأينا في صلته بالمُذْرَجِ والتفريقِ بينه وبين المرسلِ الخفيِّ في كتابنا ((منهج النقد)) ص٣٤١ - ٣٤٢. فارجع إليه لزيادة استيضاحٍ تصرُّفِ الخطيبِ . ٤٢٩ زيادات الثقات و تحقیق حکمها وذكرَ في ((الكفايةِ))(١) حكايةً عن البخاريٍّ: أَنْه سُئِلَ عن حديثٍ أبي إسحاقَ في النكاحِ بلا وَلي ؟ قال : الزيادةُ من الثقةِ مقبولةٌ ، وإسرائيلُ ثقةٌ . وهذه الحكايةُ - إنْ صَحَتْ - فإنما مرادُه الزيادةُ في هذا الحديثِ ، وإلا فمَنْ تأمَّل كتابَ تاريخ البخاريِّ تبيَّنَ له قطعاً أنه لم يكنْ يرى أنَّ زيادةً كلِّ ثقةٍ (٢) في الإسنادِ مقبولةٌ . وهكذا الدَّارَ قُطني ، يذكرُ في بعض المواضع أنَّ الزيادةَ من الثقةِ مقبولةٌ(٣) ، ثم يرُدُّ في أكثرِ المواضع زياداتٍ كثيرةً من الِّقاتِ ، ويرجِّحُ الإرسالَ [آ - ٩٢] على الإسنادِ، فدَلَّ على أنَّ مرادَهم زيادةٌ الثقةِ في مثلِ تلكَ المواضع الخاصَّةِ : وهي إذا كانَ الثقةُ مبرِّزاً في (٤) الحفظِ (٤). وقال الدَّارَ قطنيُّ في حديثٍ (٥) زادَ في إسنادِه رجلانِ ثقتانٍ رجلاً(٥)، وخالفَهما الثوريُّ فلم يذكرْهُ قال: ((لولا أنَّ الثوريَّ خالفَ لكانَ القولُ قولَ من زادَ فيه ، لأنَّ زيادةَ الثقةِ مقبولةٌ )) وهذا تصريحٌ بأنه إنما يَقبَلُ زيادةَ الثقةِ إذا لم يخالِفْه من هو أحْفَظ منه . (١) ص ٤١٣ . (٢) في ظ وب ((أن كل زيادة ثقة)). (٣) قوله ((وهكذا ... )) إلى هنا سقط من ب. (٤) فكان على الخطيبِ أن يقيِّد قبولَ زيادةِ الثقةِ في السَّنَدِ بأن يكونَ راويها مبرِّزاً في الحفظِ . وما ذكرهُ الحافظُ بعدَ هذا عن الدَّار قطنيٍّ جاءَ على مذهبِ الجمهورِ من تقديمٍ روايةِ الأكثرِ عدداً . وقد سبقَ بيانُ ذلكَ فلا تغفُلْ . (٥) قوله (( في حديث)) و((رجلاً)) سقط من ب. ٤٣٠ شرح علل الترمذي وأما الزيادةُ في المتونِ وألفاظِ الحديثِ : فأبو داودَ رحمهُ اللهُ في كتابِ (( السُّننِ)) أكثرُ الناسِ اعتناءً بذلكَ ، وهو مما يعتني به محدِّثو الفقهاءِ . قال الحاكمُ(١): ((هذا مما يعزّ وجودُه، ويقلُّ في أهلِ الصَّنعةِ مَنْ يحفَظُه ، وقد كانَ أبو بكر بن زيادِ النَّيسابوريُّ الفقيهُ ببغدادَ يُذْكَرُ بذلكَ ، وأبو نعيم عبدُ الملكِ بن محمد بن عديٍّ الجرجانيُّ بخراسانَ ، وبعدَهما شيخنا أبو الوليد)) يعني حسانَ بن محمد القرشيّ . وذكرَ الحاكمُ لذلكَ أمثلةً : منها : حديثُ [الوليدِ بن العَيْزارِ عن أبي عمرو الشيبانيِّ عن] ابن مسعود: سألتُ النبيَّ وَّهِ: أيُّ العملِ أفضلُ؟ قال : ((الصلاةُ لأوَّلٍ وقتِها))(٢). وقال: ((هذه الزيادةُ لم يذكرْها غيرُ بُنْدار والحسنِ بن مَكْرَم ، وهما ثقتانٍ ، عن عثمانَ بن عمر عن (١) في ((معرفة علوم الحديث)) ص١٣٠، وفيه الأمثلةُ التي ذكَرَها الحافظُ ابنُ رجبٍ مخرَّجةً بأسانيدِها . (٢) الحديثُ متفقٌ عليه بلفظِ ((الصلاة على وقتها))، البخاري ج١ ص١٠٨ ومسلم في الإيمان ج١ ص ٦٢ - ٦٣ وله روايات أخرى بنحوها . ورواية: ((في أوَّلِ وقتها)) أخرجها الحاكمُ في (( المستدرك)) ج١ ص١٨٨ - ١٨٩، وفي ((المعرفة)) ص ١٣٠ - ١٣١، والدارقطني ج١ ص٢٤٦. وصحَّحه الحاكمُ على شرطِ الشَّيخينِ ووافقهُ الذهبيُّ . قال نورُ الدينِ : لكن لحظنا أن مدارَ الرواياتِ كلها على أبي عمرو الشيبانيِّ عن ابن مسعود ، مما يدُلُّ على أن بعضَهم روى الحديثَ عنه بلفظِهِ ، وبعضَهم رواه عنه على المعنى، مما يرجِّحُ روايةَ الصَّحيحينِ . = ٤٣١ زیادات الثقات و تحقیق حكمها ولعله بسببٍ ذلك قال الحافظُ ابنُ حجر في « فتح الباري ، ج٢ ص٧ : = (( تنبيه : أنَّفقَ أصحابُ شعبةَ على اللفظِ المذكورِ في الباب ، وهو قوله : ((على وقتها)). وخالفهم عليُّ بن حفص، وهو شيخٌ صدوقٌ من رجال مسلمٍ ، فقال: (( الصلاةُ في أوَّلِ وقتها )) أخرجهُ الحاكمُ والدَّار قطنيُّ والبيهقيُّ من طريقِه . قال الدَّار قطنيُ: (( ما أحسبُه حَفِظَهُ، لأنه كَبِرَ وتغيَّرَ حِفْظُهُ)). قلتُ : رواه الحسنُ بن عليَّ المعمريُّ في ((اليومِ والليلةِ)) عن أبي موسى محمدٍ بن المثنى عن غُنْدَر عن شعبةَ كذلكَ . قال الدَّارِقُطنيُّ : تفرَّدَ به المعمريُّ، فقد رواهُ أصحابُ أبي موسى عنه بلفظ: ((على وقتها)). ثم أخرجهُ الدَّار قُطنيُّ عن المحامليِّ عن أبي موسى كروايةِ الجماعةِ . وهكذا رواه أصحابُ غُنْدَر عنه . والظاهرُ أن المعمريَّ وهمَ فيه، لأنه كانَ يحدِّثُ من حِفْظِه . وقد أطلقَ النوويُّ في ((شرحِ المهذَّبِ)) أنَّ روايةَ ((في أوَّلِ وقتها)) ضعيفةٌ اهـ. لكن لها طريقٌ أخرى أخرجها ابنُ خزيمةً في ((صحيحه))، والحاكمُ ، وغيرُهما ، من طريقٍ عثمانَ بن عمرَ عن مالكِ بن مِغْوَل عن الوليد ، وتفرَّدَ عثمانُ بذلكَ ، والمعروفُ عن مالكِ بن مِغْوَل كروايةِ الجماعةِ ، كذا أخرجهُ المصنّفُ [يعني البخاريّ] وغيرُه . وكأنَّ من رواها كذلكَ ظَنَّ أن المعنى واحدٌ ، ويمكن أن يكونَ أخذَهُ من لفظة ((على))، لأنها تقتضي الاستعلاءَ على جميعِ الوقتِ، فيتعيَّنُ أوَّلُه . قال القرطبيُّ وغيرُه: ((قوله: ((لوقتها)): اللام للاستقبالِ ، مثل قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَ﴾، أي مستقبلاتٍ عِدَّتَهُن، وقيل: اللام للابتداءِ كقوله تعالى: ﴿أَفِرِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ . وقيل: بمعنى في أيِّ وَقَتها . وقوله: ((على وقتها)) قيل: ((على)) بمعنى اللام، ففيه ما تقدَّم [يعني من أوجهِ التفسيرٍ] ، وقيلَ لإرادةِ الاستعلاءِ على الوقتِ ، وفائدتُه تحققُ دخولٍ الوقتِ ، ليقعَ الأداءُ فيه . انتهى . ٤٣٢ شرح علل الترمذي مالكِ بن مِغْوَل عن الوليدِ بن العَيْزارِ عن أبي عمرو الشيبانيِّ)) . وقال الدَّار قُطنيُّ: (( ما رأيتُ أحفظَ من أبي بكرِ بن زيادٍ كانَ يعرفُ زياداتِ الألفاظِ في المتونِ)). قال: ((وكنّا في مجلسٍ فيه أبو طالب الحافظُ والجَعَابِيُّ وغيرُهما فجاءَ فقيهٌ فسألَ: مَنْ رَوى عن النبيِّ وَِّ: «وجعلَ تربتَها طهوراً ؟ )) فلم يجيبوهُ، ثم قاموا وسألوا أبا بكر بنَ زيادٍ ؟ فقال : ((نعمْ، ثنا فلانٌ))، وسَرَدَ الحديثَ . والحديثُ خَرَّجَهُ مسلمٌ في ((صحيحِهِ)) (١) من حديث حُذيفةً ، وخَرَّجَهُ ابنُ خُزيمةَ في ((صحيحِهِ))(٢)، ولفظُه: (( وجعلَ ترابها لنا طَهوراً )). وقد تقدَّمَ الحديثُ [ب - ٧٤] في كتابِ الصَّلاةِ في بابِ ما جاءَ أنَّ الأرضَ كلَّها مسجدٌ . وهذا أيضاً ليسَ مما نحنُ فيهِ لأنَّ حديثَ حذيفةً لم يُرْوَ (٣) بإسقاطِ هذه اللفظةِ وإثباتِها ، وإنما وردتْ هذه اللفظةُ فيه، وأكثرُ الأحاديثِ (١) في المساجد ج٢ ص٦٣ - ٦٤، ولفظه: ((وجُعِلَت تُزْبَتُها لنا طَهوراً)). واللفظُ المشهورُ للحديثِ ((وجُعِلَتْ لي الأرضُ مسجداً وطَهوراً )) . متفقٌ عليه من حديثٍ جابر : البخاري في أول باب التيمم ج١ ص ٧٠ ومواضع أخرى ، ومسلم في المساجد أيضاً ج٢ ص ٦٣ و٦٤ . (٢) قوله ((في صحيحه)) ليس في ب. وانظر الحديث في (( صحيحِ ابنِ خزيمة)) ج١ ص ١٣٣ . (٣) ((لم يرد )) ظ وب ، وكانت كذلك في النسخة الأصل ثم أصلحتْ . ٤٣٣ زيادات الثقات وتحقيق حكمها فيها: ((وجُعِلَتْ لنا الأرضُ مَسْجِداً وطَهوراً)) (١). وليسَ هذا من بابِ المطلَقِ والمقيَّد كما ظنَّه بعضُهم ، وإنما هو من بابِ تخصيصِ بعضِ أفرادِ العمومِ بالذُّكْرِ ، ولا يقتضي ذلكَ التَّخصِيصَ إلا عندَ من يرى الشَّخصِيصَ بالمفهوم ، ويرى أن لِلَّقَبِ (٢) مفهُوماً مُعْتَبَرَا(٣). (١) يعني ليس فيها ((وتربتها)) أو ما شابه ذلك. وقال الترمذيُّ في ((جامعه)) في ( باب ما جاءَ أن الأرضَ كلَّها مسجدٌ إلا المقبرة والحمام) ج٢ ص١٣١: ((وفي البابِ عن عليٍّ، وعبدِ الله بن عمرو ، وأبي هريرة ، وجابرٍ ، وابنِ عباسٍ ، وحذيفةَ ، وأنسٍ ، وأبي أمامة ، وأبي ذرٍّ، قالوا: إنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ قال: ((جُعِلَتْ لي الأرضُ مسجّداً وطَهوراً)). وقال الخطيبُ في ((الكفاية)) ص٤٢٨: (( قوله : وجعلتْ تربتُها لنا طهوراً )) زيادةٌ لم يَرْوِها فيما أعلمُ غيرُ سعدٍ بن طارقٍ عن رِبْعي بن حِراش ، فكلُّ الأحاديثِ لفظها : (( وجعلتْ لنا الأرضُ مسجداً وطَهوراً )) انتهى . قال نورُ الدِّينِ : بلى ، رويت من غيرِ طريقِه ، فأخرج أحمدُ من حديثٍ عليٍّ رضي الله عنه بلفظ ((وجعلَ الترابَ لي طَهوراً)) ((المسند )) ج٢ رقم ٧٦٣ و١٣٦١ من طريقِ عبدِ الله بن محمد بن عقيل، وقد سبقتْ ترجمته ص٣٢٩. (٣) ((اللقب)) هنا اصطلاحٌ من اصطلاحاتِ علمٍ أصولِ الفقهِ. يريدونَ به الاسمَ (٢) في نسخة الأصل (( للقلب )) وهو سهو . الموضوعَ لمسمَّى ، مثل زيدٍ ، أو ترابٍ ، والجماهيرُ على أنه ليسَ للقب مفهومٌ أي مفهومٌ مخالِفٌ ، والمرادُ بالمفهومِ المخالِف : إثباتُ حكمٍ مخالِفٍ لحكمِ النَّصِّ لغيرِ المنصوصِ عليه . فاللَّقبُ ليسَ له مفهومٌ مخالِفٌ ، أي أنه إذا أُثبتَ للقبِ ما حكمٌ ، كالترابِ ، فلا يدُلُّ ذلكَ على أن غيرَ المذكورِ حكمُه يخالفُ حكمَ المذكورِ . فذكرُ الترابِ في حديثِ التيمُم لا ينفي طهوريةَ غيرِ الترابِ من أجزاءِ الأرضِ ، ولا يُبْطِلُ مشروعيَّةَ التيممِ بغيرِ الترابِ .