Indexed OCR Text

Pages 461-480

٣٩٤
شرح علل الترمذي
ومن المتأخرينَ أيضاً من قالَ: مرادُ الترمذيِّ بالحسنِ(١) أن كلاً
من الأوصافِ الثلاثةِ التي ذكرها في الحسنِ - وهي سلامةُ الإسنادِ من
المثَّهم ، وسلامته من الشذوذِ ، وتعدُّدُ طُرقِهِ ولو كانتْ واهيةً -
موجبٌ لحُسْنِ الحديثِ عندَهُ .
وهذا بعيدٌ جداً! وكلامُ الترمذيِّ إنما يدُلُّ على أنه لا يكونُ حَسَناً
حتى يجتمعَ فيه الأوصافُ الثلاثةُ ، وتسميةُ الحديثِ الواهي الذي
تعددتْ طرُقه حسناً ، لا أعلَمُه وقعَ في كلام الترمذيِّ في شيءٍ من
أحاديثِ كتابِه .
وهو الذي لم يُرْوَ إلا بإسنادٍ واحدٍ فهذا يعني أن الحديثَ حسنٌ لذاتِهِ . وقد
=
يحكم عليه بذلكَ لوجودِ شواهدَ تقوِّي معناه .
وإن كانَ الحديثُ غريباً في السندِ فقط - وهو الذي اشتَهَر من عدَّة أوجهِ ،
ثم جاءَ من طريقٍ غيرِ مشهورةٍ - فهذا متَّفِقٌ مع تعريفِ الحَسَنِ عند الترمذيِّ ،
لأنه يصدُقُ علیه أنه رويَ من غيرِ وجهٍ .
٤ - قولُ الترمذيِّ: ((حَسَنٌ صحيحٌ غريبٌ)) : إن كانَ غريباً سَنداً فقط ،
فالمعنى على ما ذَكرنا في (( حسن صحيح)) ، غايةُ الأمرِ أنه أفادَ أن في الإسنادِ
تفرّداً عما أتتْ به الأسانيدُ الأخرى المشتَهِرَة .
وإن كان غريباً سنداً ومتناً فيكونُ ذِكْرُ الحَسَنِ هنا لإفادةِ أنه وردَ ما يوافقُ
معنى الحديثِ ، كما ذكرَ الحافظُ ابنُ رجبٍ في حديثِ (( إنما الأعمالُ
بالنيات )).
أما أن يكونَ الحديثُ غريباً سنداً ومتناً ولا يكونُ ثمةَ شيءٌ يوافقُ معناهُ ،
فهذا التعبيرُ يفيدُ الترددَ في الحديثِ بين الصِّحَّةِ والحسنِ ، للخلافِ بين العلماءِ
فيه ، أو لعدمِ الجزم مِن المجتهدِ ، على ما اتَّجَه إليه الحافظُ ابنُ حَجر
العسقلاني . لكنْ لم أَجَدْ بعدُ مثالاً من الترمذيِّ يصلحُ لهذه الصورةِ الأخيرةِ .
(١) في الأصل (( في الحسن)). والمثبت من ظ وب أولى .

٣٩٥
فصل في شرط الترمذي وأنواع الحديث من حيث تفرد الراوي به
٥ فَصْلٌ فِي شَرْطِ التِّرمذيّ وأنواعِ الحديثِ ٥
0 من حیثُ تفرُّدُ الراوي به ۵
واعلمْ أنَّ الترمذيَّ رحمهُ اللهُ خَرَّجَ في كتابِهِ الحديثَ الصَّحيحَ،
والحديثَ الحَسَنَ - وهو ما نَزَل عن درجةِ الصَّحيح وكانَ فيه بعضُ
ضَعْفٍ - والحديثَ الغريبَ ، كما سيأتي .
والغرائبُ التي خَرَّجها فيها بعضُ المناكير - ولا سيّما في كتابٍ
الفضائل - ولكنه يبين ذلكَ غالباً ولا يسكتُ عنه، ولا أعلَمُه خَرَّجَ
عن مُتَّهم بالكَذِبِ متَّفَقٍ على اتِّهامه حديثاً بإسنادٍ منفردٍ ، إلا أنه قد
يُخَرِّجُ حديثاً مروياً [ظ - ٦٢] من طرقٍ، أو مختلفاً (١) في إسنادِه ،
وفي بعضِ طُرُقه متَّهم ، وعلى هذا الوجه خَرَّجَ حديثَ محمدٍ بن
سعيدِ المصلوب ، ومحمدٍ بن [ب - ٦٧] السَّائب الكلبيِّ(٢).
(١) في ب ((إلا أنه يخرج حديثاً مروياً من راو مختلفاً)). وهو تصحيف وسقط.
(٢) وهما من المتروكينَ المثَّهمينَ بالكذبِ، وروايةُ الترمذيِّ عنهما في ((جامعه))
أمرٌ مُشْكل، لما سبقَ من قوله في ((العلل)) ص٧٨: (( فكلُّ من كانَ مثَّهماً في
الحديثِ بالكذبِ أو كان مغفَّلاً يخطىءُ الكثيرَ فالذي اختارَه أكثرُ أهلِ الحديثِ
من الأئمةِ ألا يشتَّغَل بالروايةِ عنه )).
وهذه العبارةُ معناها أن لا يخرِّجَ الترمذيُّ في (( الجامعِ )) حديثَهم ،
ولا يروي عنهم فكيفَ نجدُهم في (( الجامعِ ))؟
إذا ما نظرنا في روايةِ الترمذيِّ عن هؤلاء ، نجدُها قليلةً نادرةً ، وقد التزمَ
بيانَ حالِهِم فلا يسكتُ عنهِم ، وإنما يروي من حديثِهم ما كانَ معروفاً من روايةٍ =

٣٩٦
شرح علل الترمذي
غيرِهم . فيخرِّجُ حديثَهم ليبيِّنَ عِلَّتْهُ .
فمحمدُ بن الشّائبِ الكلبيُّ مثلاً : روى الترمذيُّ حديثَه عن ابنِ عَبَّاسٍ عن
تميم الداريٍّ في قولهِ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهْدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
اَلْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] الآية في الوصية في السفر ... ثم قال: «هذا
حديثٌ غريبٌ ، وليسَ إسنادُه بصحيحٍ . وأبو النضر الذي روى عنه محمدُ بن
إسحاقَ هذا الحديثَ هو عندي محمدٌّ بن السَّائبِ الكلبيُّ ، يكنى أبا النضرِ ،
وقد تركَهُ أهلُ الحديثِ . وهو صاحبُ التفسيرِ )) .
ثم أخرجَ الحديثَ من روايةِ ابن أبي زائدةً عن ابنِ عباسٍ مختصراً وقال :
(( هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ وهو حديثُ ابن أبي زائدةَ )) . انظر الموضوعَ تاماً
بطُوله في (( الجامع )) ج٥ ص٢٥٨ -٢٥٩ .
وكذلكَ الأمرُ في روايتهِ عن محمدِ بن سعيدِ الشَّاميِّ روى عنه الحديثَ
((عليكم بقيام الليلِ)). ثم قال: (( هذا حديثٌ غريبٌ، لا نعرِفُه من حديثٍ
بلالٍ إلا من هذا الوجهِ من قبَلِ إسنادِه » .
قال : ((وسمعتُ محمدَ بن إسماعيلَ يقول : محمدٌ القرشيُّ هو محمدُ بن
سعيد الشاميُّ ، وهو ابنُ أبي قيسٍ ، وهو محمدُ بن حَسَّان ، وقد تُرِكَ حديثُه .
وقد روى هذا الحديثَ معاويةُ بنُ صالحٍ عن ربيعةً بن يزيدَ عن أبي إدريسَ
الخَوْلاني عن أبي أمامةَ عن رسولِ اللهِ وََّ، أنه قال: ((عليكُم بقيامِ الليل،
فإنه دأبُ الصَّالحينَ قبلَكم وهو قُربَةٌ إلى ربِّكم ، ومَكْفَرةٌ للسّيئاتِ ، ومَنْهاة عن
الإثمِ )).
قال أبو عيسى: ((وهذا أصُ من حديثِ أبي إدريسَ عن بلال)) انتهىُ .
انظر (( الجامع )) ج٥ ص٥٥٢ _ ٥٥٣.
وقد تبيَّن بهذا ما قدَّمناهُ أن الترمذيَّ إنما يخرِّجُ عن الراوي الشديدِ الضَّعْفِ
الحديثَ المعروفَ من روايةٍ غيرِهِ ، وأنه يبيِّنُ عِلْتَه ، ويذكرُ الروايةَ المعروفة
عن غيرِه .

٣٩٧
فصل في شرط الترمذي وأنواع الحديث من حيث تفرد الراوي به
نَعَمْ قد يخرِّجُ عن سيىءٍ الحفظِ ، وعمَّن غَلَبَ على حديثِهِ
الوَهَمُ ، ويبيِّن ذلكَ غالباً ولا يسكتُ عنه، وقد شاركَهُ أبو داودَ في
التَّخريج عن كثيرٍ من هذه الطبقة ، مع السكوتِ على حديثِهم ،
كإسحاقُ بن أبي فروةً وغيرِه .
وقد قالَ أبو داودَ في ((رسالتِه إلى أهلِ مكَّةَ))(١): (( ليسَ في كتابٍ
السُّنَنِ الذي صَنَّفْتُه عن رجلٍ (٢) متروكِ الحديثِ شيءٌ، وإذا كانَ فيه
حديثٌ مُنْكَرٌ بَيَّنتُ أنه مُنْكَر )) .
ومرادُه أنه لم يخرِّجْ لمتروكِ الحديثِ عندَهُ على ما ظَهَرَ له ، أو
لمتروكٍ متَّفقٍ على تَرْكِهِ ، فإنه قد خَرَّجَ لمن [قَدْ] قيلَ : إنه مَتْروكٌ ،
ومَنْ [قد] قيلَ: إنه مثَّهِمٌ بالكَذِبِ ، وقد كانَ أحمدُ بن صالحِ
المصريُّ وغيرُه لا يتركونَ إلا حديثَ من اجتُمِعَ (٣) على تركِ حديثِه ،
وحُكِيَ مثلُهُ عن النَّسائيِّ.
والترمذيُّ رحمهُ اللهُ يخرِّجُ حديثَ الثقةِ الضَّابِ ، ومن يَهِمُ
قليلاً ، ومن يَهِمُ كثيراً، ومن يغلِبُ عليه الوَهَم يخرِّجُ حديثَه
نادِراً(٤) ، ويبيِّنُ ذلكَ ولا يسكتُ عنهُ .
وقد خَرَّجَ حديثَ كَثِير بن عبدِ اللهِ المُزَني ولم يُجْمَعْ على تركِ
حديثِه بل قد قوَّاه قَوْمٌ، وقدَّمَ بعضُهم حديثَه على مرسَلِ ابنِ
(١) ص٥ .
(٢) قوله ((عن رجل)) ليس في ظ وب . والمثبت موافق لفظ أبي داود.
(٣) ((اجمع )) ظ وب .
((قليلاً)» ظ وب.
(٤)

٣٩٨
شرح علل الترمذي
المسيّبِ ، وقد ذكرنا ذلكَ في مواضعَ(١).
وقد حكى الترمذيُّ في ((العِلَلِ)» عن البخاريِّ: أنه قالَ في
حديثِه في تكبيرِ العيدينِ (٢): ((هو أصُ حديثٍ في هذا البابِ،
قال : وأنا أذهبُ إليه)).
وأبو داودَ : قريبٌ من الترمذيِّ في هذا ، بل هو أشدُّ انتقاداً
للرِّجالِ منه .
وأما النَّسائيُّ : فَشَرطُهُ أشدُّ من ذلكَ ، ولا يكادُ يُخَرِّجُ لمن يغلِبُ
عليه الوَهم ، ولا لمنْ فَحشَ خطؤه وكَثُر (٣).
وأما مسلمٌ : فلا يخرِّجُ إلا حديثَ الثقةِ الضَّابطِ ، ومَنْ في حفظِهِ
بعضُ شيءٍ وتُكُلَمَ فيه لحفظِه ، لكنه يتحرَّى في التخريج عنه
ولا يخرِّجُ عنه إلا ما لا يقال : إنه مما وَهَم فيه .
وأما البخاريُّ : فشرطُه أشدُّ من ذلكَ، وهو أنه لا يُخَرِّجُ إلا للثِّقَةِ
الضَّابطِ ولمن ندَر(٤) وَهَمُه ، وإن كانَ قد اعتُرِضَ عليه في بعض من
خَرَّجَ عنه .
(١) قوله ((في مواضع)) ليس في ظ وب.
(٢) ٢٨٨/١. وفي ب ((تكبيرة صلاة العيدين)).
(٣) في اعتبارِ النسائيِّ أشدَّ شرطاً نظرٌ يأتيك بيانُه إن شاءَ الله تعالى في ص ٤٠٠.
(٤) في ب (( ولم يذر )) وهو غلط.

٣٩٩
فصل في شرط الترمذي وأنواع الحديث من حيث تفرد الراوي به
° فائدةٌ مُهمةٌ في أمثلَةٍ لطبقاتِ الرواةِ عن الحفّاظِ ٥
ونذكرُ لذلكَ مثالاً ، وهو أنَّ :
أصحابَ الزهريِّ خمسُ طَبَقَاتٍ :
الطبقةُ الأولى : جمعتِ الحفظَ والإتقانَ وطولَ الصُّحبةِ
للزهريِّ ، والعلمَ بحديثِهِ والضبطَ له ، كمالكِ، وابن عُيينةً ،
وعبيدِ اللهِ بن عمر ، ومَعمر ، ويونسَ ، وعُقيلٍ ، وشعيبٍ ،
وغيرِهم ، وهؤلاء متَّفقٌ على تخريج حديثِهِم عن الزهريِّ .
الطبقةُ الثانيةُ: أهلُ حِفْظٍ وإتقانٍ، لكنْ لَم تَطُلْ صحبَتُهم للزهريِّ وإنما
صَحِبُوه مدةً يسيرةً ولم يمارسوا حديثَه ، وهم في إتقانِهِ دونَ الطبقةِ
الأولى، كالأوزاعيِّ، واللَّيثِ، وعبد الرحمن بن خالد بن [آ-٨٦] مسافر،
والنعمانِ بن راشد، ونحوِهم، وهؤلاء يخرِّجُ لهم مسلمٌ عن الزهريِّ.
الطبقةُ الثالثةُ: قومٌ (١) لازموا الزهريَّ وصَحِبُوه ورووا عنه ، ولكنْ
تُكُلُّمَ في حِفظِهم ، كسفيانَ بن حسين(٢) ، ومحمدٍ بن إسحاقَ ،
وصالح بن أبي الأخضر ، وزمعةَ بن صالح ، ونحوِهم ، وهؤلاءِ يخَرِّجُ
لهم أبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ ، وقد يخرِّجُ مسلمٌ لبعضِهم متابعةً .
الطبقةُ الرابعةُ : قوٌ رَووا عن الزهريِّ من غيرِ ملازَمَةٍ ولا طولٍ
صُخبةٍ ، ومع ذلكَ تُكُلِّمَ فيهم ، مثلُ إسحاقَ بن يحيى الكلبيِّ ،
ومعاويةً بن يحيىُ الصَّدَفي ، وإسحاقَ بن أبي فروةَ ، وإبراهيم بن
(١) قوله (( قوم )) ليس في ظ وب.
(٢) الواسطي، لقي الزهريَّ في موسم الحجِّ ثم حدَّث عنه فوقعت له الأوهام عن
الزهري ، ضُعِّف بسببها في الزهريِّ، ففي ذكره هنا نظر. ((تهذيب الكمال))
٥١٠ و((التهذيب)) : ٤ : ١٠٨.

٤٠٠
شرح علل الترمذي
يزيدَ المكيِّ ، والمثنى بن الصَّباح ، ونحوِهم ، وهؤلاء قد يُخرِّجُ
الترمذيُّ لبعضِهم(١) .
الطبقةُ الخامسةُ : قومٌ من المتروكينَ والمجهولينَ ، كالحَكَم
الأيلي (٢)، وعبدِ القدوسِ بن حبيب، ومحمدٍ بن سعيد
المصلوب ، وبَحْرِ السقاء ، ونحوِهم ، فلم يخرِّج لهم الترمذيُّ ،
ولا أبو داودَ ، ولا النسائيُّ . ويُخرِّجُ لبعضِهم ابنُ ماجَهْ ،
(١) هذا ما جعلَ الحافظَ ابنَ رجب رحمه الله تعالى يقرر أن شرطَ النسائيِّ أشد ،
وسبقَ الحازميُّ فجعلَ كتابَ الترمذيِّ أحطَّ من أبي داود لروايته عن هذه
الطبقة، انظر ((شروط الأئمة الخمسة)) ص٤٤. وقد حقَّقنا أن شرطَ الترمذيِّ
أبلغُ من شروطِ سائرِ السننِ ، وذلك لأنا وجدناه يشتركُ معهم في التخريجِ عن
هذه الطبقة ، ولم ينفرذ بها .
وقد سبقَ قولُ الحافظِ ابنِ رجب: ((وقد شاركَه أبو داود في التخريجِ عن
كثيرٍ من هذه الطبقةِ ، مع السكوتِ على حديثِهم ، كإسحاقَ بن أبي فروة
وغيرِه )).
وقال الحازميُّ في شروطه ص٤١: (( وفي الحقيقةِ شرطُ الترمذيِّ أبلغُ من
أبي داود ، لأن الحديثَ إذا كان ضعيفاً ، أو مطلعه من حديثِ أهلِ الطبقةِ
الرابعةِ ، فإنه يبينُ ضعفه وينِّه عليه ، فيصيرُ الحديثُ عندَه من بابِ الشواهدِ
والمتابعاتِ ، ويكون اعتمادُه على ما صحَّ عند الجماعةِ ، وعلى الجملةِ ،
فكتابُه مشتمل على هذا الفنِّ ، فلهذا جعلنا شرطَه دونَ شرطٍ أبي داود )).
لكنْ حيثُ تساوى الترمذيُّ مع غيرِه في الرواةِ يبقى امتيازُه بأنه ينبِّه على
هؤلاءِ الضعفاءِ ولا يسكتُ عنهم ، فوقَ أنه إنما يروي عنهم ما رواهُ غيرُهم أيضاً
كما سبقَ بيانه ص ٣٩٥ - ٣٩٦ تعليقاً، فمن الإنصافِ إذن ألا ننزل رتبةَ كتابٍ
الترمذيِّ عن الثالثةِ، فيكونُ تالياً للصحيحينِ . قال صاحبُ ((كشفِ الظنونِ)»
ج١ ص٥٥٩: (( وهو ثالثُ الكتبِ الستةِ في الحديثِ)).
(٢) في ب ((الإبلي)). والمثبت هو الصواب، انظر (( المغني)) رقم ١٦٥٧.

٤٠١
فصل في شرط الترمذي وأنواع الحديث من حيث تفرد الراوي به
ومن هنا نزلتْ درجةُ كتابِهِ عن بقيةِ الكتبِ ، ولم يعدَّه من الكتبِ
المعتبرةِ سوى طائفةٍ من المتأخرينَ(١).
أصحابُ نافع : قسمَهم ابنُ المدينيِّ تسعَ طبقاتٍ :
الطبقةُ (٢) الأولى: أيوبُ، وعبيدُ الله بن عمر، ومالكٌ،
وعمرُ بن نافع. قال : (( فهؤلاءِ أثبتُ أصحابِهِ ، وأثبتُهم عندي
أيوبُ)). قال: وسمعتُ يحيى يقول: (( ليسَ ابنُ جريج بدونِهم
فيما سمعَ من نافعٍ )) .
الطبقةُ الثانيةُ : عبدُ الله بن عون ، ويحيى الأنصاريُّ ، وابنُ
جُرَيج .
الطبقةُ الثالثةُ : أيوبُ بن موسى، وإسماعيلُ بن أمية ،
وسليمانُ بن موسى ، وسعدُ بن إبراهيمَ .
الطبقةُ [ب - ٦٨] الرابعةُ: موسى بن عقبة، ومحمدُ بن
إسحاقَ ، وداود بن الحصين .
الطبقةُ الخامسةُ : محمدُ بن عَجْلان ، والضَّخَّاكُ بن عثمان ،
وأسامةُ بن زيد الليثي ، ومالكُ بن مِغْوَل .
الطبقةُ السادسةُ : ليثُ بن سعدٍ ، وإسماعيلُ بن إبراهيم بن
(١) انظر هذا المثالَ في الطبقات في ((شروطِ الأئمة الخمسة)) للإمام الحازمي
ص ٤٣ - ٤٧ ففيه مزيد بيان مفيد .
(٢) قوله ((الطبقة)) اختُصِرَ هذا اللفظ في ظ هنا وفيما يلي، سوى الطبقة الثانية
والسابعةِ وما بعدها فقد ثبتَ فيها لفظُ ((الطبقة)).

٤٠٢
شرح علل الترمذي
عقبة ، وسليمانُ بن مساحق ، وابنُ عَنْج (١) المصريُّ .
الطبقةُ السابعةُ: عبدُ الرحمن(٢) السَّرَّاج، وسعيدُ بن
عبد الله بن حرب ، وسلمةُ بن علقمة ، وعليُّ بن الحَكَم ،
والوليدُ بن أبي هشام .
الطبقةُ الثامنة : أبو بكر بن نافع ، وخليفةُ بن غلّب(٣) (ظ -
١٦٣]، ويونسُ بن يزيد، وجُوَيريةٌ(٤) بن أسماء ، وعبدُ العزيز بن
أبي رَوَّاد ، ومحمدُ بن ثابت العبديُّ، وأبو علقمة الفَرْويُّ ،
وعطافُ بن خالد ، وعبدُ الله بن عمر ، وحجاجُ بن أرطاة ،
وأشعثُ بنْ سوَّار ، وثورُ بن يزيد .
وطبقةٌ تاسعةٌ لا يكتَبُ عنهم : عبدُ الله بن نافع ، وأبو أمية بن
يعلى ، وعثمانُ البُرِّي ، وعمرُ بن قيس سندل . انتهى .
وقد خولفَ في بعضِ هذا الترتيبِ ، فمن ذلكَ تقديمُ سليمانَ بن
موسى على موسى بن عُقبة ، والليثِ، والضحاكِ بن عثمان،
ومالكِ بن مِغْوَل، وجويريةَ ، ويونسَ .
(١) بالعين المهملة المفتوحة والنون الساكنة. وكذا ضبطه الذهبيُّ بالقلم في
((المغني في الضعفاء)) رقم ٥٧٢٨. وضبطَه الحافظُ في ((التقريب)) ((بفتح
الغين المعجمة والنون ، بعدها جيم)) .
(٢) عبد الرحمن بن السراج ظ . وهو عبد الرحمن بن عبد الله السراج البصري
((ثقة، من الثامنة/ م س)) .
(٣) (( علان)) ب.
(٤) ((جويرية)) رسم هنا في الأصل وفيما يلي ((جويرة)) ورسم على الدقة في سائر
المواضع ، فأثبتناه على الصوابِ في كلِّ المواضع . وكذا اضطربت النسخة ظـ
في رسمه .

٤٠٣
فصل في شرط الترمذي وأنواع الحديث من حيث تفرد الراوي به
وحديثُ جويريةَ والليثِ بن سعدٍ عن نافعِ مخرج في
الصحيحين .
وسليمانُ بن موسى قد تكلَّم فيه غيرُ واحدٍ ولم يخرِّجا له شيئاً .
وقد قسمَ النسائيُّ أصحابَ نافعٍ تسعَ طبقاتٍ أيضاً . وخالفَ ابنَ
المديني في بعضِ ما ذكره ، ووافقه في بعضِه .
فوافقَه في ذكرِ الطبقةِ الأولى .
وزادَ في الطبقةِ الثانية : صالحَ بن كيسان .
وزادَ في الثالثةِ : موسى بن عقبةَ ، وكثيرَ بن فَرْقد ، وأسقطَ منها
سعدَ بن إبراهيم ، [وسليمانَ بن موسى].
وذكر : الطبقةَ الرابعةَ : الليثَ بن سعد ، وجويريةَ بن أسماء ،
وإسماعيلَ بن إبراهيم بن عقبة ، ويونسَ بن يزيد . لم يذكرْ غيرَهم .
وزادَ في الخامسةِ : ابنَ أبي ذئبٍ ، وحنظلةَ بن أبي سفيانَ(١) ،
وابنَ عنج ، وأسقطَ ذكرَ أسامةَ وابن مغول .
وذكرَ الطبقةَ السادسةَ : سليمانَ بن موسى ، وبُرْدَ بنِ سِنَان ،
وهشامَ بن الغاز ، وابنَ أبي رَوَّاد .
وزادَ في السابعةِ : عبيدَ الله بن الأخنس ، وأسقطَ منها سعيداً
وعليَّ بن الحكم .
وقال : الطبقةُ الثامنةُ : عمرُ بن محمد بن زيد ، وأسامةُ بن
(١) في ظ ((حنظلة بن سفيان)) وعليها ضَبَّة. إشارة إلى أنها هكذا في الأصل ،
لكنها مشكلةٌ. وانظر معنى (( ضَبَّة)) و((تضبيب)) وصورة الضَّبَّة في كتابنا
(( معجم المصطلحات الحديثية)) .

٤٠٤
شرح علل الترمذي
زيد، ومحمدُ بن إسحاقَ(١) ، وصخرُ بن جويريةَ، وهمَّامُ بن
يحيى ، وهشامُ [آ - ٨٧] بن سعد .
قال : والتاسعةُ : الضعفاءُ : عبدُ الكريم أبو أمية ، وليث بن أبي
سُلَيم، وحجاجُ بن أرطاة ، وأشعثُ بن سَوَّار ، وعبدُ الله بن عمر .
وذكرَ طبقةً عاشرةً ، وقال : هم المتروكُ حديثُهم : إسحاقُ بن
أبي فروةً ، وعبدُ الله بن نافع ، وعمرُ بن قيس ، ونجيحٌ أبو معشر ،
وعثمانُ البُرِّي ، وأبو أمية بن يعلى ، ومحمدُ بن عبد الرحمن بن
المُجَبَّر (٢) ، وعبدُ العزيز بن عبيد الله(٣).
أصحابُ الأعمشِ : قال النسائيُّ : هم سَبْعُ طبقاتٍ :
الأولى : يحيى القطان، والثوريُّ، وشعبةُ .
الثانيةُ : زائدةٌ ، وابنُ أبي زائدة ، وحفصُ بن غياث .
الثالثةُ : أبو معاوية ، وجريرُ بن عبد الحميد ، وأبو عوانة .
الرابعةُ : قُطْبَةُ بن عبد العزيز، ومفضَّلُ بن مهلهل ، وداودُ
الطائيُّ ، وفُضَيْلُ بن عِياض ، وابنُ المبارك .
الخامسةُ : ابنُ إدريسَ ، وعيسى بن يونسَ ، ووكيعٌ ، وحُمَيد
(١) في ظ وب ((وابن إسحاق)).
(٢) بفتح الموحدة الثقيلة. كما ضبط في (( المغني)) رقم ٥٧٣٥ ونص عليه في
(( اللسان)) ج٥ ص٢٤٦ فانظر ترجمته .
(٣) انظر هذه الطبقات في ((الطبقات)) للنسائي رواية ابن التمار المطبوع في آخر
((الضعفاء)) للنسائي ١٣١ وفيه تفاوت يسير ، لعل بعضه من إخراج المحقق.

٤٠٥
فصل في شرط الترمذي وأنواع الحديث من حيث تفرد الراوي به
الرُّؤاسيُّ ، وعبدُ الله بن داود ، والفضلُ بن موسى ، وزهيرُ بن
معاوية .
السادسةُ : أبو أسامةَ ، وابن نُمير ، وعبدُ الواحد بن زياد .
السابعةُ : عَبيدةُ بن حميد ، وعبدةُ بن سليمان(١).
(١) ((طبقات النسائي)) السابق ١٣٢ باختصار يسير جداً من ابن رجب في استكمال
اسم کل راوٍ .

٤٠٦
شرح علل الترمذي
· فَصْلٌ في الحديثِ الغريبِ وأنواعِ الحدیثِ ٥
0 من حیثُ تفرُّدُ الراوي به ۵
وأما الحديثُ الغريبُ : فهو ضِدُّ المشهورِ (١).
وقد كانَ السلفُ يمدحونَ المشهورَ من الحديثِ ويذمونَ الغريبَ
منه في الجملةِ :
(١) الغريبُ: لغةً هو المنفردُ أو البعيدُ عن أقاربه. وفي اصطلاح المحدِّثين: ( هو
الحديثُ الذي تفرَّد رارٍ بروايته مطلقاً ، سواءٌ تفرَّد به عن إمامَ يُجْمَعُ حديثُه ، أو
عن راوٍ غيرِ إمام، أو انفردَ بزيادةٍ في متنِه أو إسنادِه ) . سمي بذلك لأنه
كالغريبِ الوحيدِ الذي لا أهلَ عندَهُ ، أو لبُعده عن مرتبةِ الشهرةِ فضلاً عن
التواتر . ((قواعد التحدیث )) ص١٢٥ وانظر (( علوم الحديث )) ص٢٤٣ - ٢٤٤
و((شرح العراقي على ألفيته)) ج٤ ص٢ - ٣ و(( فتح المغيث)) للسخاوي
ص ٣٤٣ .
وقد قسمَ العلماءُ الحديثَ الغريبَ بحسبِ موضع الغرابةِ فيه أقساماً بلغَ بها
الحافظُ ابنُ سيدِ الناسِ خمسةَ أقسامِ نذكرها باختصارَ ، لتطبيقِ تقسيمِ الترمذيِّ
والحافظِ ابنِ رجب عليها ، وهي :
١- غریبُ سنداً ومتناً
.
٢ - غريبٌ متناً لا سنداً .
٣- غريبٌ سنداً لا متناً .
٤ - غريبُ بعضِ السند فقط .
٥ - غريبُ بعضِ المتن فقط .
وهذه الأقسامُ الخمسةُ داخلة في كلام الترمذيِّ ، لا تخرُجُ عنه ، كما يظهرُ
للمتأمل. وانظر بيان ذلك في كتابنا ((الإمام الترمذي)» ص ١٨٢ - ١٨٤.

٤٠٧
فصل في الحديث الغريب، وأنواع الحديث من حيث تفرد الراوي به
ومنه قولُ ابنِ المباركِ: ((العلمُ هو الذي يجيئكَ من ههنا ومن
ههنا )) يعني المشهورَ. خَرَّجه البيهقيُّ من طريقِ الترمذيِّ عن
أحمدَ بن عَبْدة عن أبي وَهْبٍ (١) عنه .
وخَرَّجَ أيضاً من طريقِ الزهريِّ عن عليٍّ بن حسين قال: (( ليسَ
من العلم ما لا يُعرَفُ ، إنما العلمُ ما عُرِفَ وتواطأتْ عليه
الألسُنُ)).
وبإسنادِه عن مالكِ قال: (( شَرُّ العلم الغريبُ ، وخيرُ العلمِ
الظاهرُ الذي قد رواهُ الناسُ)).
وروى محمدُ بن جابرٍ عن الأعمشِ عن إبراهيمَ قال: (( كانوا
يكرهونَ غريبَ الحديثِ ، وغريبَ الكلامِ )).
وعن [ب - ٦٩] أبي يوسفَ قال: ((من طلبَ غرائبَ الحديثِ
كُذِّبَ )) .
وقال أبو نُعيم: ((كان عندنا رجل يصلِّي كل يومٍ خمسَمئة
ركعة، سقطَ حديثُه في الغرائبِ)).
وقال عمرو (٢) بن خالد : سمعتُ زهيرَ بن معاويةَ يقول
لعيسى بنِ يونس (٣): (( ينبغي للرجلِ أن يتوقَّى روايةَ غريبِ الحديثِ
(١) ((عن ابن وهب)) ظ ، وهو سهو .
(٢) ((عمر ) ظ وب. والمثبت هو الصواب.
(٣) (( ابن يونس)) ليس في ظ.

٤٠٨
شرح علل الترمذي
فإني أعرفُ رجلاً كان يصلّي في اليوم مئتي ركعة، ما أفسَدَهُ عندَ
الناسِ إلا روايةٌ غريبِ الحديثِ )).
وذكرَ مسلمٌ في مقدِّمةِ كتابهِ (١) من طريقٍ حَمَّادِ بن زيد أن أيوبَ
قال لرجلٍ: ((لزمتَ عمراً ؟ قال : نعم ، إنه يجيئُنا بأشياءَ غرائبَ !!
قال: يقولُ له أيوب: إنما نَفِرُ أو نَفْرَقُ من تلكَ الغرائبِ)).
وقال رجلٌ لخالدِ بن الحارثِ : (( أخرجْ لي حديثَ الأشعثِ (٢)
لَعَلِّي أجدُ فيه شيئاً غريباً)). فقال: ((لو كان فيه شيءٌ غريبٌ
لمحوتُه )).
ونقلَ عليّ بن عثمانَ الثُّفَيْلي عن أحمدَ قال: (( شرُّ الحديثِ
الغرائبُ التي لا يُعمل بها ولا يُعتمد عليها)).
وقال المروذي: سمعتُ أحمدَ يقول: (( تركوا الحديثَ وأقبلوا
على الغرائبِ ، ما أقلَّ الفقهَ فيهم؟!)).
ونقل محمدُ بن سهل بن عسكر عن أحمدَ قال: (( إذا سمعتَ
أصحابَ الحديثِ يقولون : هذا الحديثُ غريبٌ أو فائدةٌ ، فاعلم أنه
خطأ أو دخلَ حديثٌ في حديثٍ ، أو خطأٌ من المحدِّث ، أو ليسَ له
إسنادٌ ، وإن كانَ قد روى شعبةُ ، وسفيانُ . وإذا سمعتهم يقولون :
لا شيءَ فاعلمْ أنه حديثٌ صحيحٌ )) .
وقال أحمدُ بن يحيى: سمعتُ أحمدَ غيرَ مرةٍ يقول: (( لا تكتبوا
(١) ص١٧ - ١٨ وعمرو هو ابن عبيد، من رؤوس الاعتزال. انظر ((المغنى))
٤٦٧٨ .
(٢) في ب (( في حديث حديث الأشعث )) وهو تصحيف وسقط .

٤٠٩
فصل في الحدیث الغريب، وأنواع الحديث من حيث تفرد الراوي به
هذه الأحاديثَ الغرائبَ(١)، فإنها مناكير وعامَّتها عن الضُّعفاءِ)).
قال أبو بكر الخطيبُ(٢): ((أكثرُ طالبي الحديثِ [ظ - ١٦٤] في
هذا الزمانِ يغلبُ عليهم كَتْبُ الغريبِ دونَ المشهورِ ، وسماعُ المنکرِ
دونَ المعروفِ ، والاشتغالُ بما وقَعَ فيه السهو والخطأُ من روايةٍ
المجروحينَ والضُّعفاءِ ، حتى لقَدْ صارَ الصَّحيحُ عندَ أكثرِهم
مجتنباً ، والثابت مَصْدُوفاً عنه مُطَّرحاً ، وذلكَ لعدم معرفتِهم بأحوالٍ
الرواةِ ومحلَهم ، ونقصانِ علمهم بالتمييز ، وزهدِهم في تعلّمه(٣) ،
وهذا خلافُ ما كان عليه الأئمةُ من المحدِّثينَ ، والأعلامُ من أسلافنا
الماضين)) .
وهذا الذي ذكرَهُ الخطيبُ حقٌّ ، ونجدُ كثيراً ممن ينتسبُ إلى
الحديثِ لا يعتني بالأصولِ الصِّحاحِ كالكتبِ السِّنَّةِ ونحوِها ، ويعتني
بالأجزاءِ الغريبةِ وبمثلٍ مسند [آ-٨٨] البزار ، ومعاجم الطبرانيِّ، أو
أفرادِ الدَّارَ قُطْنِيٍّ، وهي مَجْمَعُ الغَرَائِبِ والمناكيرِ(٤) .
(١) ((والغرائب)) ظ بزيادة الواو ، ولا محل لها فيما يبدو.
(٢) في ((الكفاية )) ص١٤١. وانظر فيه ما سبقَ أنْ أوردَهُ الشارحُ من الآثارِ أيضاً .
(٣)
(( ونقله )» ظ وب .
(٤) وهذا عبرةٌ عظيمةٌ لمن أرادَ سبيلَ العلمِ وكأنَّ هذا التنبيه من أكابرِ العلماء في
مختلفِ العصورِ لم يقع في علمٍ أو قناعةِ بعضٍ من نَصَبَ نفسَه للحديثِ في
زماننا حتى إنه ليهجُر الفتوى المجْمَعَ عليها من جماعةٍ أئمةِ الإسلامِ المعتمدين
والمدعَّمة بصريحِ الكتابِ أو السنةِ المتواترة أو الصحيحة يهجرُ مثلَ هذا ،
ليفتيَ بقولٍ شادٍّ مَستندٍ إلى حديثٍ شاذٍّ أو شبهِ شاذ، ولا حول ولا قوةَ إلا
بالله .

٤١٠
شرح علل الترمذي
ومِنْ جُمْلَةِ الغرائبِ المُنْكَرةِ الأحاديثُ الشَّاذَّةُ المطَّرَحَةُ
وهي نوعانِ :
ما هو شاذَّ الإسنادِ : وسيذكرُ الترمذيُّ فيما بعدُ بعضَ أمثلتِهِ .
وما هو شاذُّ المتنِ : كالأحاديثِ التي صَخَّت الأحاديثُ بخلافِها،
أو أجمعتْ أئمةُ العلماءِ على القولِ بغيرِها .
وهذا كما قاله أحمدُ - في حديثٍ أسماءً بنت عُمَيسِ : (( تَسَلَّبي
ثلاثاً ثم اصنعي ما بدا لك)) -: ((إنه من الشاذِّ المُطَّرَح)). مع أنه قد
قال به شذوذٌ من العلماءِ : إنَّ المتوفى عنها لا إحدادَ عليها بالكلِّيةِ ،
كما سبقَ ذكرُه في موضعِه(١).
وكذلكَ حديثُ طاوسٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ في الطَّلاقِ الثَّلاثِ ، وقد
تقدَّمَ في كتابِ الطَّلاقِ كلامُ أحمدَ وغيره من الأئمةِ فيه وأنه شاٌ
مُطَّرَحٌ(٢) .
قال إبراهيمُ بنُ أبي عَبْلةَ: ((من حَمَلَ شاذَّ العلماءِ(٣) حملَ شراً
كثيراً)). وقال معاويةُ بن قُرَّة: ((إياكَ والشاذَّ من العلمِ)) ..
وقال شعبةُ : ((لا يجيئُكَ الحديثُ الشاذُّ إلا من الرَّجلِ الشَّاذِّ)).
قال صالحُ بن محمد الحافظُ : (( الشاذُّ الحديثُ المنكَرُ الذي
(١) انظر ص ١٧ وتعليقنا عليها .
(٢) انظر تعليقنا على ص١٦ .
(٣) في ظ وب ((العلم)). وفي ظ (( كبيراً)).

٤١١
فصل في الحديث الغريب، وأنواع الحديث من حيث تفرد الراوي به
لا يُعرف(١))). وقد تقدَّمَ قولُ ابنِ مهدي: ((لا يكونُ إماماً في العلم
من يحدِّثُ بالشاذِّ من العلمِ)).
وقد اعتُرِضَ على الترمذيِّ رحمهُ اللهُ :
بأنه في غالبِ الأبوابِ يبدأ بالأحاديثِ الغريبةِ الإسنادِ غالباً ؟
وليسَ ذلكَ بعيبٍ ، فإنه رحمهُ اللهُ يبيِّنُ ما فيها من العِلْلِ ، ثم يبيِّنُ
الصَّحيح في الإسنادِ ، وكان قصدُه رحمهُ اللهُ ذكرَ العِلَل ، ولهذا تجدُ
النسائيَّ إذا استوعبَ طُرُقَ الحديثِ بدأ بما هو غَلَط ، ثم يذكرُ بعد
ذلكَ الصَّوابَ المخالفَ له .
● خِطَّةُ أبي داودَ في « سُنَّنِهِ)»: ٥
وأما أبو داودَ رحمهُ اللهُ فكانتْ عنايتُه بالمتونِ أكثر :
ولهذا يذكرُ الطُّرُقَ واختلافَ ألفاظِها ، والزياداتِ [ب - ٧٠]
المذكورةَ في بعضِها دونَ بعضٍ ، فكانتْ عنايتُهُ بفِقْهِ الحديثِ أکثر من
عنايتِهِ بالأسانيدِ ، فلهذا يبدأ بالصَّحيح من الأسانيدِ ، وربما لم يذكرِ
الإسنادَ المعلَّلَ بالكليَّةِ .
ولهذا قال في ((رسالتِهِ إلى أهلِ مَكَّةَ))(٢): (( سألتُم أن أذكرَ لكم
الأحاديثَ التي في كتابِ ((السُّنَنِ )) أهي أصحُ ما عرفتُ في الباب ؟
فاعلموا أنه كذلكَ ، إلا أن يكونَ قد رُويَ من وجهينٍ
(١) انظر هذه الآثار في ((الكفاية )) ص ١٤٠ و١٤١.
(٢) انظر النصوص في مطلعها ص ٤ وص٦ و٧ . وهي زبدة ((الرسالة)).

٤١٢
شرح علل الترمذي
صحيحينٍ ، وأحدُهما أقوى إسناداً ، والآخرُ صاحبُه أقدَمُ في
الحِفْظ ، فربما كتبتُ ذلكَ ، ولا أرى في كتابي من هذا عشرةَ
أحاديث ، ولم أكتبْ في البابِ إلا حديثاً أو حديثين وإن كان في
البابِ أحاديثُ صِحاٌ ، فإنه يكثُر .
وإذا أعدتُ الحديثَ في البابِ من وجهينٍ أو ثلاثةٍ فإنما هو من
زيادة كلام فيه ، وربما فيه كلمةٌ زائدةٌ على الأحاديثِ ، وربما
اختصرتُ الحديثَ الطويلَ ، لأني لو كتبتُه بطولِه لم يعلمْ بعضُ مَنْ
سمِعَه ، ولا يفهمُ موضِعَ الفِقْهِ منه، فاختصرتُه لذلكَ )).
إلى أن قال: (( وما كانَ في كتابي من حديثٍ فيه وَهْنٌ شديدٌ فقد
بيَّنْتُه ومنه ما لا (١) يصحُ مُسنداً، وما لم أذكرْ فيه شيئاً فهو صالحٌ ،
وبعضُها أصُ من بعضٍ )).
إلى أن قال: ( ((والأحاديثُ التي وضعتُها في كتابِ ((السُّنَن))
أكثرُها مشاهير ، وهو عندَ كلِّ مَنْ كَتَبَ شيئاً من الأحاديثِ ، إلا أن
تمييزَها لا يقدِرُ عليه كلُّ الناسِ ، والفخرُ بها أنها مشاهير ، فإنه
لا يُحتجُّ بحديثٍ غريبٍ ، ولو كانَ من روايةٍ مالكٍ ويحيى بن سعيد
والثِّقاتِ من أئمةِ العلمِ .
ولو احْتُجَّ بحديثٍ غريبٍ وجدتَ(٢) من يطعَنُ فيه ، ولا يَحتَجُّ
بالحديثِ الذي قد احْتُجَ به إذا كانَ الحديثُ غريباً شاذاً .
فأما الحديثُ المشهورُ المتَّصِلُ الصَّحیحُ فليسَ یقدِرُ أن یردّه علینا
أحدٌ .
(١) في ظ وب ((مالم)). ولفظ ((الرسالة)) ((وفيه ما لا يصح سنده)).
في ب (( ولم احتج بحديث وجدت)) وفيه سقط وتصحيف.
(٢)

٤١٣
فصل في الحدیث الغريب، وأنواع الحديث من حيث تفرد الراوي به
وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ: «كانوا [آ - ٨٩] يكرَهُونَ الغريبَ من
الحدیثِ)).
وقال يزيدُ بن أبي حبيب : ((إذا سمعتَ الحديثَ فانشُدْهُ كما تُنشد
الضالَّة، فإن عُرِفَ وإلا فَدعه))). وذكرَ بقيةَ ((الرسالةِ)).
وخَرَّجَ البيهقيُّ بإسنادِه عن ابنٍ وَهْب قال: (( لولا مالكُ بن أنسٍ
والليثُ بن سعدٍ لهلكتُ، كنتُ أظنُّ أن كلَّ ما جاءَ عن النبيِّي وَل
يُعْمَلُ به )) .
قال ابنُ أبي خيثمةَ ثنا ابنُ الأصبهاني ثنا عيسى بن يونس عن
الأعمشِ عن إبراهيمَ قال: ((إني لأسمعُ الحديث فآخذُ منه ما يؤخَذُ
به ، وأدعُ سائِرَه )).
O الغريبُ سنداً ومتناً عند الترمذيِّ :°
ثم لنرجع إلى ما ذكرَهُ الترمذيُّ رحمهُ اللهُ فنقولُ :
ذكرَ الترمذيُّ رحمهُ اللهُ: (( أن الغريبَ عندَ أهلِ الحديثِ يُطلَقُ
بمعانٍ: أحدها : أن يكونَ الحديثُ لا يُرْوَئ إلا من وجهٍ واحدٍ(١)).
ثم مَثَّله بمثالين ، وهما في الحقيقة نوعانِ :
(١) ويسميه علماءُ أصولِ الحديثِ: ((الغريب متناً وإسناداً)) ، وسماه الحافظُ ابن حجر
((الفرد المطلق)). انظر ((علوم الحديث)) ص٢٤٤ و((شرح الألفية ) ج٤ ص٤
و(( التدريب)) ص٣٧٦ و((شرح النخبة)) بشرحه للقاري ص٤٨. وحكمُ هذا القسم
أنه يُحتَج به إذا توفرتْ فيه شروطُ الصَّحيحِ ويقول فيه الترمذيُّ: ((صحيحٌ غريبٌ )) .
أو كان حسناً ويعبر عنه الترمذيُّ بقوله: ((حسنٌ غريبٌ)). وإلا فهو مردودٌ، وهو
الغالبُ على الغرائبِ ، كما عرفتَ من تحذيرِ العلماءِ منها ص٤٠٦ - ٤١٠ .