Indexed OCR Text

Pages 421-440

٣٥٤
شرح علل الترمذي
وقالوا : إذا غلبَ عليه التدليسُ لم يُقبَلْ حديثُه حتى يقولَ : ثنا ،
وهذا قولُ ابنِ المدينيِّ ، حكاهُ يعقوبُ بن شيبةَ عنه .
وذكرَ مسلمٌ في مقدمةِ كتابِهِ (١) : أنه إنما يعتبرُ التَّصريحُ بالسَّماعِ
ممن شُهِرَ بالتدليسِ وعُرِفَ بِهِ .
وهذا يحتَمِلُ أن يريدَ به كثرةً التدليسِ في حديثِهِ ، ويحتَمِلُ أن
يريدَ [به] ثبوتَ ذلكَ عنه وصخَّته ، فيكون كقولِ الشافعيِّ .
وفرَّقَتْ طائفةٌ بين(٢) أن يدلِّسَ عن الثقاتِ أو عن الضُّعفاءِ، فإنْ
كانَ يدلِّس عن الثقاتِ قُبِلَ حديثُه وإن عنعَنه (٣) . وإنْ كانَ يدلِّسُ عن
غيرِ الثقاتِ لم يُقْبَلْ حديثُه حتى يصرِّحَ بالسَّماعِ ، وهذا الذي ذكرَهُ
حسينُ الكرابيسيُّ وأبو الفتحِ الأزدي (٤) الموصلَيُّ الحافظُ ، وكذلكَ
ذكرهُ طائفةٌ من فقهاءِ أصحابِنا ، وهذا بناء على قولهم بقبولٍ
المراسيلِ .
واعتبَرُوا كثرةَ التدليس في حقِّ من يُدَلِّسُ عن غيرِ الثقاتِ .
وكذا ذكرَ الحاكمُ أن المدلِّسَ إذا لم يذكرْ سمَاعَه في الروايةِ
(١) ص٢٦ . ونرجح أنه كقولِ الشافعي.
(٢) (( بين )) سقط من ب.
(٣) وبه أخذَ الحافظُ العلائيُّ بناء على القولِ الراجحِ في قَبولِ حديثِ مَنْ عُرِفَ أنه
لا يُرسلُ إلا عن ثقةٍ. انظر ((جامع التحصيل)) وَرَقة ٤٠ ب ـ ٤١].
ومن هذه الطبقة سفيانُ بن عيينة كما سيأتي وحميدٌ الطويلُ على فرضٍ أنه
حدَّث عن أنسٍ ما لم يسمعْه منه كما نَبَّه العلائيُّ في ((جامع التحصيل)) ورقة
٦٩آ.
(٤) ((الأزدي)) ليس في ظ .

٣٥٥
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
فحكمُ حديثِهِ حكم المرسَلِ ، كذلكَ أشارَ إليه أبو بكر الصير فيُّ في
((شرحٍ رسالةِ الشافعيِّ)) .
وأما الإمامُ أحمدُ فتوقَّفَ في المسألةِ ، قال أبو داود : سمعتُ
أحمدَ سُئِلَ(١) عن الرجلِ يُعرفُ بالتدليسِ في الحديثِ يحتَجُّ فيما لم
يقلْ فيه : حدَّثني أو سمعتُ ؟ قال : لا أدري(٢).
(١) (( سمعته سئل )) ب .
(٢) هذا توقف في الاحتجاج لا في الرواية ، انظر ما يأتي ص ٣٥٧ .
والتحقيقُ الذي يضبطُ حكمَ الحديثِ المدلس في رأينا ويجمعُ ما تفرَّقَ فيه
من آراءِ العلماءِ أن ننظرَ إلى حالِ المدلِّس فنعطيِهِ الحكمَ المناسبَ ، وذلكَ
ما يشيرُ إليه صنيعُ الأئمةِ المحقّقينَ في هذا الفن ، في بيانهم أقسامَ التدليس
والمدلسين ، كالحاكم النيسابوري في ((معرفة علوم الحديث )) ص١٠٣ - ١١١
والخطيب في (( الكفاية)» ص٣٥٨ - ٣٧١. وقد حقَّقَ ضبطَ مراتبِ المدلسين
وطبقاتهم وأحكامها الحافظُ العلائيُّ في كتابه القيم ((جامع التحصيل لأحكام
المراسيل)) ورقة ٣٨ - ٤٠ مستفيداً من الحاكم، ثم استمدَّ منه الحافظُ ابنُ
حجر في كتابه (( تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس )» ص٢
وهذا لفظُ الحافظِ ابن حجر نسوقُه إليكَ هنا :
(( وهمْ على خمسٍ مراتب :
الأولى: من لم يوصَفْ بذلكَ إلا نادراً كيحيى بن سعيدِ الأنصاريِّ .
الثانية : من احتَمَل الأئمةُ تدليسَه وأخرجوا له في الصَّحيح لإمامتِهِ وقلَّةٍ
تدليسِهِ في جَنْبٍ ما روى كالثوريِّ، أو كان لا يدلُّسُ إلا عن ثقةٍ كابن عيينةَ .
الثالثة : من أكثرَ من التدليسِ فلم يحتجّ الأئمةُ من أحاديثهم إلا بما صَرَّحوا
فيه بالسَّماعِ ، ومنهم من رَدَّ حديثَهم مطلقاً ، ومنهم من قَبِلَهم، كأبي الزبير
المكيِّ .
الرابعة : من اتُّفِقَ على أنه لا يحتجُ بشيءٍ من حديثهِم إلا بما صَرَّحوا فيه
بالسماعِ لكثرة تدليسِهم على الضعفاءِ والمجاهيلِ كبقيةً بن الوليدِ .
=

٣٥٦
شرح علل الترمذي
وأما مَنْ يدلِّسُ عمَّنْ لم يَرَهُ فحكمُ حديثِهِ حكمُ المرسلِ ، وقد
سبقَ ذکرُه(١) .
ومتى صَرَّحَ بالسَّماع أو قال نا أو أنا فهو حُجَّة، وزعمَ أبو الطَّيِّبِ
الطبريُّ من الشافعيَّةِ أنهَ لا يُحتَجُّ بقولِ المدلِّسِ : أنا ، لأنه قد يكونُ
إجازةً . وهذا ضعيفٌ ، فإن مثلَه يتطرَّقُ إلى قوله : ثنا أيضاً ، فإنَّ
ذلكَ جائزٌ عند كثيرٍ من العلماءِ في الإجازةِ ، كما سَبَقَ .
ثم إنَّ الإجازةَ والمناولةَ تصحُّ الروايةُ بهما على ما تقدَّمَ ، فيحتَجُ
بحديثٍ من حدَّثَ بهما حينئذٍ ، وأيضاً فقد تُسْتَعْمَلُ ثنا في الإرسالِ ؛
كما كانَ الحسنُ يقول: (( ثنا ابنُ عباس». ويتأولُ أنه حدَّثَ أهلَ
البصرةِ (٢)، ولكن هذا استعمالٌ نادرٌ ، والحكمُ للغالبِ .
وأما قولُ الشافعيِّ: ((إن التدليسَ ليسَ بكذبٍ يُرَدُّ به حديثُ
صاحبه كلُّه))، فهذا أيضاً قولُ أحمدَ وغيرِه من الأئمةِ ، لأنَّ قولَ
المدلِّسِ : عن فلان ؛ ليس بكَذِبٍ منه ، وإنما فيه كتمانُ مَنْ سَمِعَ منه
عن فلان .
وحكى الخطيبُ(٣) هذا القولَ عن كثيرٍ من العلماءِ .
وعن بعضِهم أنه كَذِبٌ يُردُّ به حديثُ صاحبِهِ ، وممن [ظ - ١٥٥]
قال إنه كَذبٌ : حَمَّادُ بنُ زيدٍ ، وأبو أسامةَ .
الخامسة : من ضُعِّفَ بأمرٍ آخرَ سوى التدليسِ فحديثُهم مردودٌ ولو صَرَّحوا
=
بالسَّماع إلا أن يُوثَقَ من كانَ ضعفُه يسيراً كابنٍ لَهِيْعَةً)) انتهىْ.
(١) في ص ٣٥٤ _ ٣٥٥.
(٢) حققنا عدمَ ثبوت ذلك، تعليقاً على ابن الصلاح: ١٣٣ - ١٣٤.
(٣) في ((الكفاية)) ص٣٦١ -٣٦٢. وقال: ((هذا هو الصحيحُ عندنا)).

٣٥٧
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
وقال شعبةُ: ((هو أخو الكَذِبِ))، وقال مرَّةً: ((هو أشدُّ من
الزّنا)). وروى رزق الله بن موسى عن وكيع قال: (( لا يَحِلُّ تدليسُ
الثوبِ(١) فكيفَ يحِلُّ تدليسُ الحديثِ ؟ )).
وهذا في التّدليسِ عن غيرِ الثقاتِ ظاهرٌ(٢).
وقال أحمدُ في التدليسِ : (( أكرَهُهُ، قيلَ له : قال شعبةُ : هو
كَذِبٌ ؟ قال أحمدُ : لا، قد دَلَّسَ قومٌ ونحنُ نروي عَنْهم)) .
وقال يحيى بنُ مَعِين: «كان الأعمشُ يرسلُ، فقيل له : إنَّ بعضَ
الناسِ قال : من أرسل [ب ـ ٥٩] لا يحتجُّ بحديثِهِ! فقالَ: الثوريُّ
(١) ((الثوب)) سقط من ب.
(٢) في الأصل ((أشد )) والمثبت من ظ وب أنسب بالسياق، وانظر المذاهبَ في
التدليسِ وأقسامِه وآراءَ العلماء في ((الكفاية)) ص ٣٦١ - ٣٦٢.
وفيه قولان آخرانِ نسوقُهما من كلامِ الخطیبِ بحروفه :
أحدهما: (( قال فريق من الفقهاءِ وأصحابِ الحديثِ : إن خبرَ المدلِّس
غيرُ مقبولٍ ، من أجلٍ ما قدَّمنا ذكرَه من أنَّ التدليسَ يتضمَّنُ الإيهامَ لما لا أصلَ
له ، وتركَ تسميةِ مَنْ لعله غيرُ مَرْضِيٍّ ولا ثقةٍ، وطلبَ توهّم علوِّ الإسنادِ ،
وإن لم يكن الأمرُ كذلكَ » . انتهى .
وهذا القولُ مثلُ قولٍ من جعلَ التدليسَ كذباً في رَفْضٍ حديثِ المدلِّسِ ،
لكنه يعلل هنا بعلَّة أخرى غيرِ القدحِ في العدالةِ ، هي ما عبَّرَ عنه المصنِّقونَ في
علومِ الحديثِ بجهالةِ حالِ المحذوفَ . إضافةً لإيهامٍ طَلَبِ عُلِّ الإسنادِ .
الثاني: ((وقال خلقٌ من أهلِ العلمِ : خبرُ المدلِّس مقبولٌ . لأنهم لم
يجعلُوه بمثابةِ الكذَّابِ ، ولم يَرَوا التدليسَ ناقضاً لعدالتِهِ . وذهب إلى ذلكَ
جمهورُ مَنْ قَبِلَ المراسيلَ من الأحاديثِ ، وزعموا أن نهايةَ أمرِه أن يكونَ
التدليسُ بمعنى الإرسالِ)).

٣٥٨
شرح علل الترمذي
إذاً لا يُحتَجُّ بحديثِهِ!، وقد كانَ(١) يدلِّسُ، إنما سفيانُ أميرُ المؤمنينَ
في الحديثِ )) انتهى.
والتدليسُ مكروهٌ عندَ الأكثرين ، لما فيه من الإيهام ، وهو عن
الكذَّابين أشدُّ . وقد صَرَّحَ طائفةٌ من العلماءِ : منهم مسلمٌ في مقدمةِ
كتابِهِ(٢) بأن [آ - ٧٨] مَنْ روىُ عَنْ غيرِ ثقةٍ وهو يعرفُ حالَه ولم يبيِّن
ذلكَ لمن لا يعرفُه أنه يكونُ آثماً بذلكَ ، يريدونَ أنه فِعْلٌ محرَّمٌ .
فإسقاطُ من ليسَ بثقةٍ من الحديثِ أقبحُ من الروايةِ عنه من غيرِ تبيينٍ
حالِهِ .
ورخّصَ في التدليسِ طائفةٌ، قال يعقوبُ بنُ شيبة: (( مَنْ رَخَّصَ
فيه فإنما رَخَّصَ فيه عن ثقةٍ سَمِعَ منه . وأما من دَلِّسَ عمن لم يسمعْ
منه فلم يرخِّصْ فيه ، وكذا إذا دلّسَ عن غيرِ ثقةٍ )).
كذا قالَ يعقوبُ . وقد كانَ الثوريُّ وغيرُه يدلُّسونَ عمن لم
يسمعوا منه أيضاً(٣)، فلا يَصِحُ ما ذكرَه يعقوبُ (٤).
(١) ((وقد كان سفيان يدلس)) ظ.
(٢) ص٦ - ٧ .
(٣) ((أيضاً)) ليس في ب. وفي ظ وب ((فلا يصح ما قال يعقوب)).
(٤) مبنى التدليسِ على إيهامٍ أنه سمعَ الحديثَ عمن رواهِ عنه وهو لم يسمعْه منه ،
فكيفما حَصَلَ الإيهامُ فهَو تدليسٌ ، سواء سمعَ المدلِّسُ عمن روى عنه شيئاً أو
لم يسمغ ، كما حققنا ذلك في كتابنا ((منهج النقد في علوم الحديث )) رقم عام
٦٧ ص٣٦٤ - ٣٦٥ في أثناء كلامنا على تحقيق الفرق بين المدلَّس والمرسَل
الخفي . والمعتمدُ في حكمِ التدليسِ الكراهةُ ، كما ذكرَ ابنُ رجب عن
الأكثرين ، وهو عِن غيرِ الثقاتِ أشدُّ كَراهة ، وقد وقعَ في التدليسِ عن غيرِ
الثقاتِ بعضُ الأجلَّة ، تحسيناً منهم للظنُّ بمن دلَّسوا عنه .
=

٣٥٩
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
° الحديثُ المُعَنْعَنُ وشُرُوطُ قَبولِه ٥
وقولُ الشافعيِّ رحمهُ اللهُ: (( وأقْبَلُ الحديثَ حدَّثني فلانٌ عن
فلانٍ إذا لم يكن مُدَلِّساً)). مُرادُهُ أنه يَقْبَلُ العَنْعَنَةَ عمن عُرفَ منه أنه
ليسَ بمدلسٍ، فإن الرَّبيعَ نقلَ عنه أيضاً قال في كلامٍ له: (( لم يعرف
التدليسُ ببلدنا فيمنْ مضى (١) ، ولا مَنْ أدركنا من أصحابنا إلا
حديثاً ، فإنَّ منهم من قَبِلَه عمَّن لو تركه عليه كانَ خيراً له ، وكان قولُ
الرجلِ : (( سمعتُ فلاناً يقولُ: سمعتُ فلاناً)) (٢) ، وقوله:
(( حدَّثني فلان عن فلان)) سواءٌ عندَهم، لا يحدِّث واحدٌ منهم عمن
لقيَ إلا ما سمعَ منه، فمن عَرَفناه بهذا الطريقِ قَبِلنا منه حدثني فلان
عن فلان إذا لم يكن مُدَلَّساً(٣))).
=
وهذا نصٌّ مفيدٌ جداً في هذهِ المسألةِ استخلصناهُ من كلامِ الأئمةِ في
الرجالِ :
قال أبو الحسن بنُ القطان في بقية بن الوليدِ الحمصيِّ: (( بقيةُ يدلِّس عن
الضعفاءِ ويستبيحُ ذلك، وهذا إن صَحَّ مفسدٌ لعدالتِهِ )) .
قال الإمامُ الذهبيُّ: (( نعم والله، صحَّ هذا عنه، إنه يفعَلُه! وصحَّ عن
الوليد بن مسلم ، بل وعن جماعةٍ كبار فعلُه ، وهذه بليَّةٌ منهم ، ولكنهم فعلوا
ذلك باجتهادٍ ، وما جَوَّزوا على ذلك الشخصِ الذي يسقطونَ ذكره بالتدليسِ أنه
تعمَّدَ الكذبَ. هذا أمثلُ ما يُعْتَذَرُ به عنهم)). ((ميزان الاعتدال)): ١ : ٣٣٩
وانظر (( التبيين )) ص ٤ - ٥ .
(١) ((ممن مضى)) ظ وب. ((ولا ممن أدركنا)) ب.
(٢) ((يقول سمعت فلاناً)) ليس في ظ وب: وسقط قوله ((عن فلان)) من ظ.
(٣) ((الرسالة)) ص٣٧٨ - ٣٧٩ ولم يثبت أحمد شاكر جملةً ((إذا لم يكن مدلساً))
في متن الرسالة لعدم ثُبوتها في نسخته الخطية الأصل ، مع أنها ثابتةٌ في
المطبوعات ، وإثباتُها هنا يدُلُّ على صِحَّتها .

٣٦٠
شرح علل الترمذي
وظاهرُ هذا أنه لا يَقْبَلُ العنعنةَ إلا عَمَّن عُرِفَ منه أنَّه لا يُدلِّسُ
ولا يحدِّثُ إلا عَمَّن لَقِيَّهُ بما سَمِعَ مِنْه .
وهذا قريبٌ من قولِ مَنْ قال : إنه لا يَقْبَلُ العنعنةَ إلا عمَّن ثبتَ أنه
لَقِيه، وفيه زيادةٌ أخرى عليه ، وهي أنه اشترطَ أنَّه يُعْرَفُ أنه لا يدلِّسُ
عمَّن لَقِيه أيضاً ، ولا يحدِّثُ إلا بما سمعه .
وقد فسَّره أبو بكر الصيرفيُّ في ((شرحِ الرسالةِ )) باشتراطِ ثبوتٍ
السَّماعِ لقبولِ العنعنةِ ، وأنه إذا عُلِمَ السماعُ فهو على السماع حتى
يُعلمَ الَتدليسُ ، وإذا لم يُعلمْ سمعَ أو لم يسمعْ وُقِفَ . فإذا صحَّ
السماعُ فهو عليه حتى يُعْلَمِ غيرُه . قال : وهذا الذي قاله صحيحٌ ))
انتھی .
وهذه المسألةُ فيها اختلافٌ معروفٌ بين العلماءِ ، وقد أطالَ القولَ
فيها مسلمٌ في مقدمةِ كتابهِ(١) ، واختارَ أنه تُقْبَلُ العنعنةُ من الثّقةِ غيرِ
المدلِّسِ عمن عاصره وأمكنَ لُفِتُّه له ، ولا تُعتَبَرُ المعرفةُ باجتماعِهما
والتقائِهما .
وذكرَ عن بعضِهم أنه اعتبرَ المعرفةَ بلِقائِهما واجتماعهِما ، وأنه
لا تُقبلُ العنعنةُ من الثِّقةِ عمن لم يُعرَفْ أنه [لَفيَه و] اجتمعَ به .
وردّ هذا القولَ على قائلِه ردّاً بليغاً ، ونسبَه إلى مخالفة الإجماع
في ذلكَ(٢).
(١) ص ٢٢ - ٢٨ .
(٢) صورةُ المسألةِ : أن اتصالَ السندِ بكونِ كلِّ واحدٍ من رواته تلقَّى الحديثَ ممن
فوقَه إلى نهايةِ السندِ شرطٌ متَّفقٌ عليه لصحَّةِ الحديثِ . ويتحقَّقُ الاتصالُ
صراحةً بقولِ الراوي : سمعتُ فلاناً ، أو حَدَّثنا أو أخبرنا أو نحو ذلك .
=

٣٦١
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
=
أما إذا قال: ((عن فلان)) أو ((أن فلاناً قال)) فهذا ليس بصريح في الاتصال
حتى شذَّ بعضهُم فجَعله منقطعاً جَزْماً ، وهو تشدُّدٌ مجحِفٌ .
فذهب الجمهورُ إلى أنه یحکمُ له بالاتصالِ بشرطینِ :
الأول : أن يكونَ الراوي بـ(( عن فلان وأن فلاناً)) بريئاً من وَضْمَةٍ
النَّدلیسِ .
الثاني : أن يثبتَ لقاءُ الراوي لمن روى عنه بالعنعنةِ .
وهذان الشرطانِ كافيانِ لتحقيقِ الاتصالِ ، لأنه لما تحقَّق لقاؤه وكان
لا يدلِّس فهو لا يروي عمَّن لقيه ما لم يسمعْه منه ، فيكون قوله (( عن )» على
ظاهرِ الاتصالِ حتی یثبتَ خلافه فنأخذ به .
وهذا لا يخالفُ مسلمٌ ومن معه في قَبُوله ، لكنَّ مسلماً توسَّع في شرطٍ
ثبوتٍ لقاءٍ الراوي لمن يروي عنه بصيغة (( عن )) ونحوها ، واكتفى بإمكانٍ
اللقاءِ مع الأمنِ من التدليسِ .
ولا بدَّ من توضيح ذلكَ لتحريرِ محلِّ الخلافِ ، وهو أن نتنبه إلى أن
الخلاف ليس في ثبوتَ اللقاء ، فثبوت اللقاء محل اتفاقهم ، إنما الخلاف في
كيفية ثبوت اللقاء ، وذلك أن الراوي إما أن يثبتَ لقاؤه لمن حدَّثَ عنه ، فهذا
تُقبلُ روايته عنه (بعن وأن)) إذا كان بريئاً من التدليس اتفاقاً . وإما أن يثبتَ عدمُ
لقائه له بدلالةٍ أو قرينةٍ ، فهذا منقطعٌ اتفاقاً أيضاً . أَو لا يثبتُ هذا ولا ذاك بعد
البحث ، والتَّقَصي ، ويكونُ لقاؤه مع ذلك ممكناً ومحتملاً . فألحق مسلمٌ
هذه الصورة الأخيرة التي تتألفُ من إمكانِ اللقاءِ والسلامةِ من التدليسِ بالصورةِ
المتَّفقِ عليها ، للأدلةِ التي ذكرها في مقدمةٍ صحيحه ، ولخَّصَها الحافظُ ابنُ
رجب ههنا .
ولا يخفى أن مذهب الجمهورِ أحوط ؛ حتی کان ذلك مما رُجُّحَ به صحیحُ
البخاري على مسلم .
لكنَّ مذهبَ مسلمٍ صحيحٌ لأننا قبلنا الصورةَ الأولى المثَّفق عليها لما أنها
تدُلُّ على تحققِ الاتصالِ، وهذا أيضاً يوجدُ في الصورةِ الثانيةِ ، وذلك: لأن =

٣٦٢
شرح علل الترمذي
واستدَلَّ مسلمٌ على صحّةِ قوله ، باتفاقِ العلماءِ على قَبولِ
الخبرِ إذا رواهُ الثقةُ عن آخرَ ممن تيقَّنَ أنه سمعَ منه من غيرِ اعتبارٍ أن
يقول: ((ثنا)) أو ((سمعتُ))، ولو كانَ الإسنادُ لا يَتَّصلُ إلا
بالتصريحِ بالسماع لم يكنْ فرقٌ بين الروايةِ عمن ثبتَ لقُّه ومن لم
يثبتْ ، فَإنا نجدُ كثيراً ممن روى عن رجلٍ ثم [قد] روئ حديثاً عن
آخر عنه .
وقد طردَ بعضُ المتأخرين من الظَّاهريةِ ونحوهم هذا الأصلَ ،
وقال : كلُّ خبرٍ لا يُصرَّحُ فيه بالسَّماع فإنه لا يُحْكَمُ باتصالِهِ
مطلقاً .
وربما تعلَّقَ بعضُهم بقول شعبةَ : ((كلُّ إسنادٍ ليس فيه ثنا وأنا فهو
خَلٌّ وبَقْلٌ)). ورُوِيَ عن شعبةَ قال: ((فلانٌ عن فلانٍ ليسَ
بحديثٍ)). قال وكيعٌ وقال سفيانُ: ((هو حديثٌ)).
قال ابن عبدِ البَرِّ : ((رَجَعَ شعبةُ إلى قولِ سفيانَ في هذا)) . وهذا
القولُ شاذ مُطَّرَحٌ ، وقد حكى مسلمٌ وغيرُه الإجماعَ على خلافِهِ .
وقال الخطيبُ(١): ((أهلُ العلم بالحديثِ مجمعونَ على أنَّ قولَ
المسألةَ في الثقةِ غيرِ المدلسِ، ومثله إذا قال: ((عن فلان)) وهو معاصرٌ محتمل
=
اللقيّ له ينبغي أن يكونَ سمعه منه، وإلا كان مدلِّساً، والمسألةُ في غيرِ المدلِّسِ.
وانظر للاستزادة في التفصيل (( فتح الملهم شرح مسلم)) للديوبندي ج١
ص٤٠ - ٤١، ١٤٨ - ١٥٠ وانظر مصادر ((علوم الحديث)) و((شرح النووي
على مسلم )) .
(١) في ((الكفاية)) ص٢٩١ .

٣٦٣
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
المحدِّثِ ((ثنا فلان عن فلان)) صحيحٌ معمولٌ به إذا كان شيخُه الذي
ذكرَه يُعْرَف (١) أنه قد أدركَ الذي حَدَّثَ عنه ولَقِيَه وسمعَ منه ، ولم
يكن هذا المحدِّثُ ممن يدلُّسُ )) انتهى .
ومما استدَلَّ به مسلمٌ على المخالفِ له : أنَّ مَنْ تكلّمَ في صِحَّةٍ
الحديثِ من السلفِ لم يفتشْ أحدٌ منهم على موضع السَّماع ، [ظ -
١٥٦] وسمَّى منهم شعبةَ، والقطانَ، وابنَ مهدي. قال(٢): ((ومَنْ
بعدَهم من أهلِ الحديثِ)) [ب - ٦٠] .
وذكرَ أنَّ عبدَ اللهِ بن يزيد روى عن حذيفةَ [آ _ ٧٩] وأبي مسعود
حديثين ، ولم يَرِدْ أنه سمعَ منهما ولا رآهما قطّ، ولم يطعَنْ فيهما
أحدٌ .
وذكرَ أيضاً روايةَ أبي عثمانَ النَّهديِّ وأبي رافع الصَّائغِ عن أُبيِّ بن
كعب ، وروايةَ أبي عمرو الشيبانيِّ وأبي مَعْمَر عن أبي مسعودٍ ،
وروايةَ عُبَيدٍ بن عُمَيرٍ عن أمِّ سَلَمة ، وروايةَ ابن أبي ليلى عن أنسٍ ،
ورِبعي بن حِراش عن عمرانَ بن حُصَين ، ونافع بن جُبير عن أبي
شُرَيح ، والنعمانِ بن أبي عَيّاش عن أبي سعيد ، وعطاءِ بن يزيد عن
تميم الداريٍّ ، وسليمانَ بن يسار عن رافع بن خَدِيج ، وحميد
الحِمْيَريّ عن أبي هريرة : وكلُّ هؤلاءِ لم يُخْفَظْ لهم عن هؤلاء
الصَّحَابةِ سماعٌ ، ولا لقاءٌ ، يعني وقد قَبِلَ الناسُ حديثَهم [عنهم] .
(١) في ب ((بعد))، ولا معنى لها هنا :
(٢) في ظ وب ((والقطان ومن بعدهم ... )). ليس فيهما: ((وابن مهدي ،
قال)). والمثبتُ من الأصل أنسب بكلام مسلم في مقدمته ص٢٦ .

٣٦٤
شرح علل الترمذي
وقال الحاكمُ : قرأتُ بخطٍّ محمدٍ بن يحيى سألتُ أبا الوليدِ :
أكانَ شعبةُ يفرِّقُ بين أخبرني وعن؟ فقال: ((أدركتُ العلماءَ وهم
لا يفرِّقونَ بينهما!)). وحمله البيهقيُّ على من لا يُعْرَفُ بالتدليسِ ،
[ويمكن حملُه على من ثَبَتَ لُقُّه أيضاً] .
وكثيرٌ من العلماءِ المتأخرين على ما قاله مسلمٌ رحمهُ اللهُ : من أن
إمكانَ اللقي كافٍ في الاتصالِ من الثِّقَةِ غيرِ المدلِّسِ ، وهو ظاهرٌ
كلامٍ ابنِ حبَّانَ وغيرِه . [وقد ذكرَ الترمذيُّ في كتابِ العلمِ أنَّ سماعَ
سعيد بن المسيّب من أنس ممكنٌ ، لكن لم يحكم لروايتهِ عنه
بالاتصالِ(١)].
وقد حكى بعضُ أصحابنا عن أحمدَ مثلَه(٢).
وقال الأثرمُ: سألتُ أحمدَ قلتُ: (( محمدُ بن سوقة سمعَ من
سعيد بن جبير؟)) قال: ((نعم قد سمعَ من الأسودِ غيرَ شيءٍ)) كأنه
يقول : إن الأسودَ أقدمُ .
لكنْ قد يكونُ مستندُ أحمدَ أنه وُجِدَ التصريحُ بسماعِهِ منه ،
وما ذكرَهُ من قدم الأسودِ إنما ذكره ليستدلَّ به على صِحَّةٍ قول من ذكرَ
سماعَهُ من سعيد بن جُبير ، فإنَّه كثيراً ما يَرِدُ(٣) التصريحُ بالسَّماعِ ،
ويكونُ خطأ ، وقد روى ابنُ مهدي عن شعبةَ سمعتُ أبا بكر بن
(١) انظر (باب ما جاء في الأخذ بالسنة .. ) ج٥ ص٤٦. وما بين المعقوفين ليس
في الأصل .
(٢) (( مثل ذلك)) ظ وب .
(٣) من قوله ((التصريح بسماعه)) إلى هنا ليس في ظ وب، وفيهما موضع ذلك :
(( وجد التصريح بالسماع ويكون خطأ)).

٣٦٥
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
محمد بن حَزْم، فأنكرهُ أحمدُ وقال: (( لم يسمع شعبةُ من أحدٍ من
أهلِ المدينةِ من القدماءِ ما يُستَدَلُّ به على أنه سمعَ من أبي بكر إلا
سعيداً المَقْبُريَّ فإنه روى عنه حديثاً))، فقيل له : فإن المقبريَّ
قديمٌ ؟ فسكتَ أحمدُ .
وأما جمهورُ المتقدِّمينَ فعلى ما قاله ابنُ المديني والبخاريُّ ،
وهو القولُ الذي أنكرَهُ مسلمٌ على من قَالَه .
وحُكيَ عن أبي المظفَّر بن السَّمعانيِّ: أنه اعتبرَ لاتصالِ الإسنادِ(١)
اللقيَّ وطولَ الصُّخْبَةِ. وعن أبي عمرٍو الدانيِّ: أن يكونَ معروفاً
بالروايةِ عنه ، وهذا أشدُّ من شرطِ البخاريِّ وشيخِه الذي أنكره مسلمٌ .
وما قالهُ ابنُ المدينيِّ والبخاريُّ هو مقتضى كلام أحمدَ ، وأبي
زُرْعَةَ ، وأبي حَاتِم ، وغيرِهم من أعيانِ الحفاظِ .
٥ فائدةٌ في شواهدِ اشتراطِ ثبوتِ السَّماع
في الحديثِ المعنعنِ ٥
بل كلامُهم يدُلُّ على اشتراطِ ثبوتِ السَّماع كما تقدَّمَ عن الشافعيِّ
رضي الله عنه ، فإنهم قالوا في جماعةٍ من الأعيانِ ثبتتْ لهم الرؤيةً
لبعضِ الصحابةِ ، وقالوا مع ذلكَ لم يثبتْ لهمُ السَّماعُ منهم ،
فرواياتهم عنهم مرسلةٌ . منهم الأعمشُ ، ويحيى بن أبي كثير ،
وأيوبُ ، وابنُ عون ، وقرّةُ بن خالد ، رأوا أنساً ولم يسمعوا منه ،
فرواياتهم عنه مرسلةٌ .
(١) ((الاتصال للإسناد)) ظ.

٣٦٦
شرح علل الترمذي
كذا قاله أبو حَاتِم ، وقاله أبو زُزعةَ [أيضاً] في يحيى بنِ أبي
كثير .
وقال أحمدُ في يحيى بن أبي كثير: ((قد رأى أنساً فلا أدري سمعَ
منه أم لا ؟ )).
ولم يجعلُوا روايتَه عنه مثَّصلةً بمجردِ الرؤيةِ ، والرؤيةُ أبلغُ(١) من
إمكانِ اللّقيِّ .
وكذلكَ كثيرٌ من صبيانِ الصَّحابةِ رأوا النبيَّ وَّهِ، ولم يصحَّ لهم
سماعٌ منه ، فرواياتُهم عنه مرسلةٌ ، كطارقٍ بن شهابٍ وغيرِه .
وكذلكَ مَنْ عُلِمَ منه أنه مع اللقاءِ لم يسمع ممن لَقِيَهُ إلا شيئاً
يسيراً ، فرواياته عنه زيادة على ذلكَ مرسلةٌ ، كرواياتِ ابنِ المسيّبِ
عن عُمَرَ ، فإنَّ الأكثرينَ نَفَوا سماعَه منه ، وأثبتَ أحمدُ أنه رآهُ
وسمعَ منه ، وقال معَ ذلك : ((إن رواياتِه عنه مرسلةٌ لأنه إنما سمعَ
منه شيئاً يسيراً ، مثلَ نَعْيه(٢) للنعمانِ بن مُقَرِّنٍ على المنبرِ ، ونحوِ
ذلكَ)).
وكذلكَ سماعُ الحسنِ من عثمانَ [وهو] على المنبرِ يأمرُ بقتلٍ
الكلابِ وذَّبْح الحمام ، ورواياته عنه غير ذلك مرسلةٌ .
وقال أحمدُ : (( ابنُ جُريجٍ لم يسمع من طاوس ولا حَرْفاً ،
ويقول : رأيتُ طاوساً )).
(١) (( بمجرد الرواية، والرواية أبلغ)) ظ وب وهو تصحيف.
(٢) . ((بعثه )) ب ، وهو تصحيف شنيع.

٣٦٧
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
وقال أبو حَاتِم الرازيُّ أيضاً(١): ((الزهريُّ لا يصحُ [ب ـ ٦١]
سماعُه من ابن عُمر ، رآهُ ولم يسمع منه ، ورأى عبدَ الله بن جعفر
ولم یسمغ منه )) .
وأثبتَ أيضاً دخولَ [آ - ٨٠] مكحولٍ على واثلةَ بن الأسقع ،
ورؤيتَهُ له ومشافهتَهُ(٢)، وأنكرَ سماعَه منه. وقال: (( لم يصحّ له
منه سماعٌ)) ، وجعلَ رواياته عنه مرسلةً ، وقد جاءَ التصريحُ بسماعٍ
مكحولٍ من واثلةَ للحديثِ من وجهٍ فيه نظرٌ ، وقد ذكرناه في أواخرٍ
كتابِ الأدبِ . وقد ذكرَ الترمذيُّ دخولَ مكحولٍ على واثلةَ في ذکرِ
الروايةِ بالمعنى(٣).
وقال أحمدُ : (( أبانُ بن عثمان لم يسمع من أبيهِ ، من أينَ سمعَ
منه؟)). ومرادُه من أينَ صَحَت الروايةُ [ظ - ١٥٧] بسماعِه منه،
وإلا فإمكانُ ذلكَ واحتماله غيرُ مستبعَدٍ .
وقالَ أبو زُرْعَة في أبي أمامةَ بن سهلٍ بن حُنَيف: (( لم يسمع من
عمر)). هذا مع أن أبا أمامة رأى النبيَّ ◌َلَّ(٤).
فدَلَّ كلامُ أحمدَ ، وأبي زُرْعَةَ ، وأبي حَاتِم على أنَّ الاتصالَ
لا يثبتُ إلا بثبوتِ التصريحِ بالسَّماعِ ، وهذا أضيقُ من قولِ ابنِ
المديني والبخاريِّ ، فإنَّ المَحكيَّ عنهما : أنه يعتبرُ أحدُ أمرين : إما
السَّماع وإما اللقاء ، وأحمدُ ومَنْ تَبِعَه(٥): عندَهم لا بدَّ من ثبوتٍ
(١) في ((المراسيل)) ص١١٩ .
(٢) أي بكلام، غير الحديث النبوي. وانظر ((المراسيل)) ص١٢٩ .
(٣)
ص ١٤٥ لكن ليس فيه ما ذكره الحافظ هنا .
(( المراسيل)» ص ١٥٢ .
(٤)
(٥) ((ومن معه)) ظ وب.

٣٦٨
شرح علل الترمذي
السَّماع، ويدُلُّ على أنَّ هذا مرادَهم أنَّ أحمدَ قال: ((ابنُ سيرينَ لم
يجِىء عنه سماعٌ من ابنِ عَبَّاسٍ)).
وقالَ أبو حَاتِم: (( الزهريُّ أدركَ أبانَ بن عثمان ومن هو أكبرُ
منه، ولكنْ لا يثبُتُ له السَّماعُ ، كما أنَّ حبيبَ بنَ أبي ثابتٍ لا يثبُتُ
له السَّماعُ(١) من عروةً، وقد سمعَ ممن هو أكبرُ منه، غيرَ أنَّ أهلَ
الحديثِ قد اتَّفقوا على ذلكَ، واتفاقُهم على شيءٍ يكونُ حُجَّة(٢))).
واعتبارُ السَّماع أيضاً(٣) لاتِّصالِ الحديثِ هو الذي ذكَرَه ابنُ
عبد البَرِّ وحكاهُ عنَ العلماءِ ، وقوةُ كلامِه تُشعِرُ بأنه إجماعٌ منْهُمْ ،
وقد تقدَّمَ أنه قولُ الشافعيِّ أيضاً .
وحكى البَرْديجيُّ قولينٍ في ثبوتِ السَّماعِ بمجرَّدِ اللقاءِ ، فإنه قال :
((قتادةُ حَدَّثَ عن الزهريِّ: قال بعضُ أهلِ الحديثِ : لم يسمع منه ،
وقال بعضُهم : سمعَ منه لأنهما التقيا عندَ هشام بن عبد الملك)).
ومما يَستَدِلُّ به أحمدُ وغيرُه من الأئمةِ على عدمِ السَّماعِ
والاتصالِ أن يَروي عن شيخ من غيرِ أهلٍ بلدهِ لم يُعلمْ أنه رحلَ إلىَّ
بلدِهِ ، ولا أنَّ الشيخَ قَدِمَ إلىَّ بلدٍ كان الراوي عنه فيه .
نقل مُهَنّا عن أحمدَ قال: ((لم يسمعْ زُرارة بن أوفى من تميمٍ
الداريِّ ، تميمٌ بالشام وزُرَارة بصري)).
وقال أبو حَاتِم (٤) في رواية ابن سيرينَ عن أبي الدَّرداءِ: (([لـ] قد
(١) قوله (( كما أن حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع)) سقط من ب.
(٢) ((المراسيل)) لابن أبي حاتم ص١١٩.
(٣) قوله ((أيضاً)) ليس في ظ وب.
(٤) في ((المراسيل)) ص١١٦ .

٣٦٩
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
أدركَهُ، ولا أظنُّه سَمِعَ منه، ذاكَ بالشام وهذا بالبصرةِ)).
وقال ابنُ المديني: (( لم يسمع الحسنُ من الضَّحَاكِ بن قيس ،
كان الضحاكُ يكون بالبوادي))(١).
وقال الدَّارَ قُطنيُ: ((لا يثبتُ سماعُ سعيد بن المسيّب من أبي
الدرداءِ ، لأنهما لم يلتقيا)). ومرادُه أنه لم يثبت التقاؤهما ، لا أنه
ثبتَ انتفاؤُه ، لأن نفيَه لم يرد في روايةٍ قطّ .
فإنْ كانَ الثقةُ يروي عمَّن عاصَرہ أحیاناً ۔ ولم يثبت لقیہ لہ ۔ ثم
يُدخِلُ أحياناً بينَه وبينَه واسطةً فهذا يستَدِلُّ به هؤلاءِ الأئمةُ على عدمٍ
السماعِ منه .
قال أحمدُ : ((البهي(٢) ما أُراهُ سَمِعَ من عائشةَ ، إنما يروي عن
عروةَ عن عائشةَ . قال : وفي حديثٍ زائدةً عن السُّدِّيِّ عن البهيِّ
قال : حدثتني عائشةُ . قال: وكانَ ابنُ مهدي سمعَه من زائدةً ،
وكانَ يَدَعُ منه ((حدَّثتني عائشةٌ)) يُكره)).
وكانَ أحمدُ يستَنْكِرُ دخولَ التحديثِ في كثيرٍ من الأسانيدِ ،
ويقول : هو خطأ ، يعني ذكرَ السَّماعِ :
قال في رواية هُذْبَةَ عن حمّاد عن قتادةَ نا خلَّد الجُهَني: (( هو
خطأ، خلاد قديم ، ما رأى قتادةُ خلَّداً )).
(١) ((المراسيل)) ص٣٣ .
(٢) هو عبدُ الله البهي من التابعين، ذكره في ((التهذيب)) ج١ ص٤٣٤ فيمن حَدَّث
عن عائشة ، ولم يتعقَّبه بعدمِ السَّماعِ مما يدُلُّ على اتصالِ سندِه بعائشةَ عنده .
وانظر كلام الإمام أحمد في ( المراسيل)) ص ٧٥. وفي ب (( النهي )) بالنون في
الموضعين وهو تصحيف .

٣٧٠
شرح علل الترمذي
وذكروا لأحمدَ قولَ من قال : عن عِراك بن مالك سمعتُ عائشةَ
فقال: ((هذا خطأ)) وأنكَرَه، وقال: ((عِراكٌ من أينَ سمعَ من
عائشةَ ؟ إنما يروي عن عروةً عن عائشةَ)).
وكذلكَ ذكرَ أبو حَاتِم الرازيُّ : أن بقيةَ بنَ الوليدِ كان يروي عن
شيوخ ما لم يسمَعْه ، فيظنُّ أصحابُه أنه سمعَه ، فيروون عنه تلكَ
الأحاديثَ ويصرِّحونَ بسماعِه لها من شيوخِه ولا يضبطونَ ذلكَ .
وحينئذ فينبغي التفطُّنُ لهذه الأمورِ ، ولا يغتَرُّ بمجردِ ذكرِ السماع
والتحديثِ في الأسانيدِ ، فقد ذكرَ ابنُ المديني [ب - ٦٢] أن شعبةً
وجدوا له غيرَ شيءٍ يذكرُ فيه(١) الإخبارَ عن شيوخِه ، ويكون
منقطعاً .
وذكرَ أحمدُ أن ابنَ مهدي حدَّث بحديثٍ عن هشيمٍ أنا منصور بن
زاذانَ، قال أحمدُ: (( ولم يسمعْه هشيمٌ من منصور )) .
وقال أبو حاتم في يحيى بنِ أبي كثير: (( ما أراهُ سمعَ من
عروة بن الزبير لأنه يُدخِلُ بينَه وبينَه رجلاً ورجلين ، ولا يذكرُ سماعاً
ولا رؤيةً ولا سؤالهُ عن مسألةٍ )).
وقال أحمدُ في روايةِ قتادةَ عن يحيى بن يَعْمَرَ: (( لا أدري سمعَ
منه أم لا ؟ قد روى عنه ، وقد روى عن رجلٍ عنه)) .
وقال أيضاً: ((قتادةُ لم يسمع من سليمانَ بن يسار ، بينهما أبو
الخليلٍ ، ولم يسمعْ من مجاهدٍ ، بينهما أبو الخليلٍ)).
وقال في سماع الزهريِّ من عبد الرحمنِ بن أزهر: (( قد رآه
(١) (( فيه)) ليس في ظ وب.

٣٧١
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
- يعني ولم يسمع منه - قد أدخلَ بينَه وبينَه طلحةَ بن عبد الله بن
وهب )).
ولم يصحِّح قولَ معمر وأسامة : (( عن الزهريِّ سمعتُ عبدَ
الرحمن بن أزهر )) .
وقال أبو حَاتِم : ((الزهريُّ لم يثبتْ له سماعٌ [ظ - ١٥٨] من
المِسْوَر، يُدخل بينه وبينه سليمانَ بن يسار وعروة بن الزبير)).
وكلام أحمدَ ، وأبي زُرْعَة ، وأبي حَاتِم في هذا المعنى كثيرٌ جداً
يطولُ الكتابُ بذكرِهِ(١). وكلُّه يدورُ على أن مجرَّدَ ثبوتِ الرؤيةِ(٢)
لا يكفي في ثبوتِ [٢ - ٨١] السَّماع، وأن السَّماعَ لا يثبتُ بدونٍ
(١) يمكنُ أن يجابُ على ما ذكره ابنُ رجب من الأمثلةِ معترضاً بها على مسلم
بأجوبة ، منها :
١- أنَّ من طعنَ في اتصالِ بعضِ هذه الأمثلة هو ممن يذهبُ مذهبَ
البخاريِّ ، فلا حجةَ به على مسلمٍ ، اللهم إلا بالنسبةِ لدعواهُ إجماعَ العلماءِ
على القولِ بما ذهبَ إليه .
٢ - أن كثيراً من الأمثلةِ لا ينطبقُ على الشروطِ المطلوبةِ عند الفريقين، مثلُ
أمنِ التدليسِ ، كما هو الحالُ في قتادةَ ، ويحيى بن أبي كثير ، وابنٍ جُريج ،
وحبيبٍ بن أَبِي ثابت ، بل العجبُ من الحافظِ كيف يورد هؤلاءٍ في هذا المقامِ
مع شهرةٍ حالِهِم ، ويُلحق بذلكَ من عُرف بالإرسال كالحسنِ والزهريِّ .
٣- أن الأمثلةَ الأخرى لم يثبت العلماءُ فيها الاتصالَ ، لقيامٍ دليلٍ ينفيهِ ، أو
قرينةٍ على عدم الاتصالِ ، مثل قولِ الراوي (( عن فلان )) ثم توجد روايته عن
رجل عن فلانَ هذا ، فهذا قرينةٌ على عدم الاتصالِ ، وليس هذا محل
الخلاف . إنما محلُّ الخلاف هو انتفاءُ دليلٍ أوَ قرينةٍ على ثبوتِ اللقاءِ أو عدمٍ
ثبوتِهِ ، مع وجودِ الروايةِ بعن من راوٍ سالمٍ من التدليسِ .
(٢) في ب ((الرواية)).

٣٧٢
شرح علل الترمذي
التصريح به ، وأن روايةً من روى عمَّن عاصَرَه تارةً بواسطةٍ وتارةً بغيرِ
واسطةٍ يَدُلُّ على أنه لم يسمع منه، إلا أن يثبتَ له السماعُ منه من وَجْهٍ .
وكذلكَ روايةُ من هو في بلدٍ عمن هو ببلدٍ آخر ، ولم يثبتْ
اجتماعُهما ببلدٍ واحدٍ يدُلُّ على عدمِ السَّماعِ منه .
وكذلكَ كلامُ ابنِ المديني ، وأحمدَ ، وأبي زُرْعَةَ ، وأبي حَاتِم ،
والبَرْديجي ، وغيرِهم في سماع الحسنِ من الصحابةِ كله يدورُ على
هذا ، وأن الحسنَ لم يصحَّ سمَاعُه من أحدٍ من الصحابةِ إلا بثبوتٍ
الرواية عنه أنه صَرَّحَ بالسَّماعِ منه ونحوِ ذلك(١) [وإلا فهو مرسلٌ] .
فإذا كان هذا [هو] قول هؤلاء الأئمةِ الأعلامِ ، وهم أعلمُ أهلِ زمانهم
بالحديثِ وعللِه وصحيحِهِ وسقيمِهِ، مع(٢) موافقةِ البخاريِّ، وغيرِه ،
فكيفَ يصُ لمسلمٍ رحمه الله دعوى الإجماع على خلافِ قولِهم ؟ ! .
بل اتفاقُ هؤلاء الأئمةِ على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفّاظ
المعتدِّ بهم(٣) على هذا القولِ، وأن القولَ بخلافِ قولهم لا يُغَّرَفُ عن
أحدٍ من نظرائهم ، ولا عمن قبلهم ممن هو في دَرَجتهم وحِفْظِهم .
ويشهدُ لصحَّةِ ذلكَ حكايةُ أبي حَاتِم - كما سبقَ - اتفاقَ أهلٍ
الحديثِ على أنَّ حبيبَ (٤) بن أبي ثابت لم يثبتْ له السَّماعُ من
عروةً ، مع إدراكِه له .
(١) ((ونحو ذلك منه)) ب، بزيادة ((منه)).
(٢) قوله (( مع )) سقط من ب .
(٣) ((الحفاظ المعتبرين على هذا .. )) ظ. ونقول: هذا مبالغة من الحافظ ابن
رجب .
(٤) (( حديث )) ب ، تصحيف .

٣٧٣
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
وقد ذكرنا من قبلُ أنَّ كلامَ الشافعيِّ إنما يدُلُّ على مثلِ هذا القولِ
لا على خلافِهِ ، وكذلكَ حكايةُ ابنِ عبدِ البَرِّ عن العلماءِ ، فلا يبعدُ
حينئذ أن يقالَ : هذا هو قولُ الأئمةِ من المحدِّثينَ والفقهاءِ .
وأما إنكارُ مسلمٍ أن يكون هذا قول شعبةً أو من بعدَه فليس
كذلك ، فقد أنكرَ شعبةُ سماعَ من رُوِيَ سماعُه ولكنْ(١) لم يثبته ،
كسماع مجاهد من عائشة ، وسماع أبي عبد الرحمن السُّلمي من
عثمان وابن مسعود .
وقال شعبةُ : (( أدركَ أبو العالية علياً ولم يسمع منه) . ومرادُه أنه
لم يَرِدْ سماعُه منه ، ولم يكتفِ بإدراكه ، فإنَّ أبا العالية سَمِعَ ممن هو
أقدم (٢) موتاً، فإنه قيل: إنه سَمِعَ من أبي بكرٍ وعُمرَ [رضي الله
عنهما] .
وما ذكرَهُ مسلمٌ من روايةِ عبدِ الله بن يزيد ومن سَمَّاه بعدَه ،
فالقولُ فيها كالقولِ في غيرِها .
وقد قال أبو زُزْعَة في رواياتِ أبي أمامةَ بن سهل عن عمر: (( هي
مرسلة )) مع أن له أيضاً رُؤْية .
فإن قال قائلٌ : هذا يلزمُ منه طَرْحُ أكثر(٣) الأحاديثِ وتركُ
الاحتجاجِ بها! ؟
(١) ((لكن)) ليس في ظ. والمعنى لم يثبت سماعه إلا بقول راو : عن فلان حدثنا
فلان .
(٢) زاد في ظ ((من علي)). وضرب عليها في النسخة الأصل. وسقط قوله ((ممن
هو )) إلى ((من أبي بكر )) من ب .
(٣) (( كثير من الأحاديث)) ظ وب. وهو أولى.