Indexed OCR Text

Pages 401-420

٣٣٤
شرح علل الترمذي
وعبدُ الملكِ بنُ أبي سليمان العَزْزمي، ويحيى بنُ سعيد الأنصاري)).
ووثَّقَهُ يحيى بنُ مَعِين ، وسُئِلَ : أهو أحبُّ إليكَ أم ابن جريجٍ ؟
قال : كلاهُما ثبتان .
وقال أحمدُ : ((هو يخالفُ ابنَ جريج في أحاديثَ ، وابنُ جريجِ
عندنا أثبتُ منه )) .
وخَرَّجَ له مسلمٌ ، وإنما تركَ شعبةُ حديثَه لروايةِ حديثِ الشُّفعةِ ،
لأنَّ شعبةَ من مذهبهِ أن من روى حديثاً غلطاً مجتمَعاً عليه ولم يتَّهم نفسَه
فيتركَهُ ، تُرِكَ حديثُه ، وقد ذكرنا ذلك عنه [ب - ٥٤] فيما تقدَّم (١).
وروى نعيمُ بن حمَّاد عن ابنِ مهدي عن شعبةَ أنه سُئل عمَّن
يستوجب التَّرك(٢)؟ قال: (( إذا أكثرَ عن المعروفينَ مما لا يُعْرَفُ،
أو تمادى في غَلَطِ مُجْمَع عليه فلم يشكِّكْ نفسَه فيه ، أو كذاب .
وسائرُ الناسِ فازوِوا عنه » .
وخَرَّجَ أبو بكر الخطيبُ(٣) بإسنادِه عن يحيى(٤) بن مَعِين أنه سئلَ
عن رَجُلٍ حَدَّثَ بأحاديثَ منكرةٍ ، فَرَدَّها عليه أصحابُ الحديثِ ، إن
هو رجعَ عنها وقال : ظننتُها ، فأما إذ أنكرتموها ورددتموها عليَّ فقد
رجعتُ عنها ؟ .
(١) ص١١١ - ١١٢. وانظر ((الكفاية)) ص ١٤٥. وننبه هنا على أن رواية عبد
الملك حديث الشفعة ليست معارضة لروايات الثقات ، بيَّناه في (( الإمام
الترمذي)): ٢٥٨ و((دراسات تطبيقية)): ٢٢٤ لكن شعبة رضي الله عنه لم
يكن فقيهاً فظن أنه خالف الثقات .
(٢) ((الترك)) سقط من ب. وفي هذا المقطع اختلاف النسخ والمثبت من الأصل.
(٣) في ((الكفاية)) ص١١٨° - ١١٩ بنحوه مختصراً قليلاً .
(٤) قوله (( يحيى )) ليس في ظ .

٣٣٥
فصل في أقسام الرواة من حيث الاختلاف فيهم، وتراجم كل قسم
فقال: ((لا يكونُ صدوقاً أبداً، إنما ذاكَ الرجلُ يشتبه له
الحديثُ الشاذُّ والشيءُ فيرجع عنه . فأما الأحاديثُ المنكرةُ التي
لا تشتَبِهُ لأحدٍ فلا)» .
فقيلَ ليحيى: فما يبرِثُه قال: (( يُخرجُ كتاباً عتيقاً فيه هذه
الأحاديثُ ، فإذا أخرجَها في كتابٍ عتيقٍ فهو صدوقٌ [و] قد شبِّه له
فيها ، وأخطأ كما يخطىءُ الناسُ ، ويرجعُ عنها ، وإن لم يخرِ جُه فهو
كذَّابٌ أبداً )) .
وقد ذكرَ فيما تقدَّمَ(١) عن ابنِ المباركِ : أن الحديثَ لا يُكتَبُ عن
غلَاَّطٍ لا يرجعُ. وعن أحمدَ : أن الحديثَ لا يُكتبُ عن رَجُلٍ يغلَطُ
فيردُّ عليه فلا يقبَلُ .
وأما محمدُ بنُ عبيدِ اللهِ العَرْزَمِيُّ (٢):
الذي روى عنه شعبةُ وروى عنه سفيانُ أيضاً : فهو ابنُ أخي
عبدِ الملكِ بن أبي سليمان المذكور قبلَه ، وكان شَريكٌ ينسبه إلى
جَدِّه تدليساً فيقول: (( نا محمدُ بن أبي سليمان.)) وقد تَرَكه ابنُ
المبارك . وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدِّثان [آ - ٧٣] عنه.
قال(٣) يحيى: (( سألتُه؟ فجعلَ لا يحفَظُ ، فأتيتُه بكتابٍ فجعل
لا يحسنُ يقرأ! ».
(١) ص ١١٠.
(٢) ((مترودٌ، من السادسة، مات سنةً بضع وخمسين - ومئة -/ ت ق)).
(٣) ((وقال)) ظ .

٣٣٦
شرح علل الترمذي
قال وكيعٌ : (( هو رجلٌ صالحٌ ذهبتْ كُتُبُه فكانَ يحدِّثُ حِفظاً ،
فمن ذاك أتِيَ )).
وقال ابنُ نُمير: (( هو رَجُلٌ صدوقٌ، ولكنْ ذهبتْ كُبه ، وكان
رديءَ الحفظِ ، فمن ثَمَّ أَنكِرتْ أحاديثُه )).
وضعَّفه ابنُ مَعِين ، وقال: (( ليسَ بشيءٍ، ولا يُكْتَبُ حديثُه )).
وقال الفلاَّسُ والنَّسائيُّ(١): ((متروكُ الحديثِ)).
قال ابنُ عديٍّ(٢) .: ((عامةُ رواياتِه غيرُ محفوظةٍ)).
وقال ابنُ حِبَّان(٣): ((كان صدوقاً إلا أن كتُبَه ذهبتْ ، وكانَ رديءَ
الحِفْظِ، فجعلَ (٤) يحدِّثُ مِنْ حِفْظِه ويهم، فكثرَ المناكيرُ في روایاتِهِ)).
وأما أبو الزُّبير: محمدُ بن مُسلم بن تَدْرُسَ المكيُّ (٥):
(١) ((النسائي والفلاس)) ظ. وانظر ((الضعفاء والمتروكين)) للنسائي (٩٢).
(٢) ٢١١٦/٦ .
في (( المجروحين)) ج٢ ص ٢٤٦ .
(٣)
(٤)
قوله ( فجعل ) لیس فی ظ
.
(٥) قال نورُ الدين : التحقيقُ أنه ثقةٌ كما عليه أكثرُ أئمةِ الحديثِ المحقّقين ،
ولا يُتَعَلَّقُ بما قاله شعبةُ ، فإنه تشدُّد وغلوٌ في الجرح تفرَّد به شعبةُ دونَ غيرِه .
· قد ظهرَ لنا أن طعنَ شعبةَ هو في راوٍ آخرَ يشتَبه بأبي الزبيرِ ، وهو محمدُ بن الزبير
الحنظلي، فقد ورد في (( ميزان الاعتدال)) ج٣ ص٢٤٧ و((تهذيب التهذيب)) ج٩
ص ١٦٧ أن شعبةَ تَرَكه لأنه افترى على رجلٍ أغضبَه ، ثم أوردوا هذا السببَ بعينِهِ لتركِ
شعبةَ أبا الزبيرِ المكيّ ، مما يدُلُّ على أنه سهوٌ ذِهني ، وعلى هذا فالظَّاهرُ أن بقيةَ
مطاعنٍ شعبةَ إنما قالها في ابنِ الزبيرِ الحنظليِّ فإنها به أليقُ ، وبالله التوفيق .
ماتَ أبو الزبير المكيُّ سنة ستٍ وعشرين ومئة ، روى له الستةُ . واسمُ جدِّه
(( تَدْرُس)) بفتح التاء المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء . ووقع في
النسخة ب (( مدرس )) وهو تصحيف .
=

٣٣٧
فصل في أقسام الرواة من حيث الاختلاف فيهم، وتراجم كل قسم
فإنَّ شعبةَ تركَ حديثَه، واعتلَّ بأنه رآهُ لا يحسنُ يصلّي، وبأنَّه رآهُ
يزِنُ ويسترجحُ في الوزنِ ، وبأنَّ رجلاً أغضَبَهُ فافترى عليه وهو
حاضرٌ. قال شعبةً: (( وفي صدري لأبي الزبيرِ عن جابرٍ أربعمئة
حديثٍ ، واللهِ لا حدَّثتُ عنه حديثاً أبداً)) ، ولم يذكر عليه كذباً
ولا سوءَ حفظٍ .
وقد اختلفَ العلماءُ فيه :
قال المروذي : سألتُ أبا عبدِ اللهِ- يعني أحمدَ - عن أبي الزبيرِ ؟
فقال : ((قد روى عنه قومٌ واحتَمَلوه ، روى عنه أيوبُ ، وغيرُ
واحد(١)، إلا أن شعبةً لم يحدِّث [ظ - ١٥١] عنه. قلتُ: هو لَيِّن
الحديثِ ؟ فكأنه ليَّنه ، قلتُ : هو أحبُّ إليكَ، أو أبو نضرةً(٢)؟
قال : ((أبو نضرةً أحبُّ إليَّ)). انتهى.
وتكلَّمَ فيه أيوبُ أيضاً . قال ابنُ المديني: ((ثنا سفيانُ ثنا أيوبُ ثنا
أبو الزبير وهو أبو الزبير، فغمَزَه(٣))). كذا خَرَّجَهُ العقيليُّ من طريقٍ
البخاريِّ عن عليٍّ .
وهذا خلافُ ما فسَّرَهُ به الترمذيُّ أنه عنى حفظَه وإتقانَه .
وخَرَّجَ ابنُ عديٍّ (٤) هذا الأثرَ من طريقِ الترمذيِّ عن ابن أبي عُمر
(١) ((وغيره )) ب .
((أبو بصرة)) فى الموضعين ظ، ((أبو نصرة )) ب.
(٢)
((يغمزه)» ظ وب. وانظر ((الضعفاء)) للعقيلى ورقة ١/١٩٨ = ١٣٢/٤.
(٣)
والمثبت من الأصل موافق له .
(٤) ((الكامل)) ورقة ٢/٢٨٦ =٢١٣٤/٦. وفي المطبوع: (( بيده يقبضه )) وهو مناقض
لقول ابن رجب الآتي: ((وهذا خلاف ما وجدناه في نسخ كتاب الترمذي)).
=

٣٣٨
شرح علل الترمذي
عن سفيانَ، وعنده: قال سفيانُ: ((هذه نقيصَةٌ))، وهذا خلافُ
ما وجدنا في نسخٍ كتابِ الترمذيِّ .
وقال عبدُ اللهِ بن أحمدَ : قال أبي: ((كان أيوبُ يقولُ : ثنا أبو
الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير))، قلت لأبي: (( كأنه يضعِّفُه ؟ قال:
نعم)).
وخَرَّجَ العقيليُّ أيضاً(١) من طريقٍ أبي عَوانةَ قال: (( كنا عندَ
عمرو بن دينارٍ جُلوساً ومعنا أيوبُ ، فحدَّثنا أبو الزبير بحديثٍ ،
فقلتُ لأيوبَ : تدري ما هذا ؟ فقال : هو لا يدري ما حدَّث ، أدري
هذا؟! )). وهذا يدُلُّ على أنَّ أيوبَ كان يغمزُه لا أنه كانَ يقوِّيه .
وخَرَّجَ العقيليُّ(٢) من طرِيقِ أبي داود أنا رجلٌ من أهلٍ مَّةَ قال :
قال ابنُ جُريج : (( ما كنتُ أُرئ أن أعيشَ حتى أرى حديثَ أبي الزبيرِ
يُزْوَئ)).
ومن طريقٍ نُعيم بن حَمَّاد قال: سمعتُ سفيانَ يقولُ: (( حَدَّثني
أبو الزبير وهو أبو الزبير )) كأنَّه يضعِّفه .
وروى عبدُ الجبارِ بنُ العلاءِ نا ابنُ عُيينة: (( حدَّثني(٣) عمرو
ابن دينار ، وأبو الزبير . وعمرو بن دينار أوثقُ عندنا من أبي
الزبير)). [و] قال ابنُ خِرَاش: ونا زيدُ بن أخزمَ(٤)،
(١) المكان نفسه= ٤/ ١٣٢.
(٢) ((وخرج أيضاً)) ظ. وانظر كتابه ((الضعفاء)) المكان نفسه أيضاً: وفيه (( ما
كنت أرى أني أعيش)) الخ ... والمثبت في النسخ الخطية كلها .
(٣) (( ثنا)) ظ .
(٤) ((أخرم)) ظ وب ، والمثبت بمعجمتين موافق لمصادر الرجال.

٣٣٩
فصل في أقسام الرواة من حيث الاختلاف فيهم، وتراجم كل قسم
[ب - ٥٥] نا أبو عاصم سمعتُ ابنَ جُريج يقولُ: ((إن أبا الزبير
اتخذَ جابراً مطيّة)).
وقد وثَّقه ابنُ مَعِین .
وقال أحمدُ في روايةِ ابنِ هانىء: ((هو حُجَّةٌ أحتَجُّ به)).
وقال يعلى بن عطاءِ المكيُّ: ((نا أبو الزبير المكيُّ وكان أكملَ(١)
الناسِ عَقلاً وأحفظَه )).
وقال ابنُ عديٍّ(٢): ((كفى بأبي الزبيرِ صِدْقاً أن يحدِّثَ عنهُ
مالكٌ ، فإن مالكاً لا يحدِّثُ إلا عن ثقةٍ ، ولا أعلمُ أحداً من الثقاتِ
تخلَّفَ عنه إلا وقد كَتَبَ عنه ، وهو في نفسِهِ ثقةٌ صدوقٌ لا بأسَ
به (٣) )) انتهى .
خَرَّجَ حديثَه مسلمٌ ، وخَرَّجَ له البخاريُّ مقروناً .
(١) (( أجمل)) ظ وب .
(٢) ((الكامل)) ورقة ٢/٢٨٧ = ٢١٣٧/٦. وتمام كلامه: (( وهو في نفسهِ ثقةٌ ،
إلا أن يروي عنه بعضُ الضعفاءِ ، فيكون ذاك من جهةِ الضعيفِ ، لا يكون مِنْ
قِبَلِهِ، وأبو الزبير يروي أحاديثَ صالحةً، وهو صدوقٌ ثقةٌ لا بأسَ به)).
انتهى. وهو ختام ترجمة أبي الزبير في ((الكامل)).
(٣) (( به )) ليس في ظ.

٣٤٠
شرح علل الترمذي
0 فصلٌ فی
أحاديثِ التِّرِمِذِيِّ واصْطِلاحاتِها ٥
٥
قال أبو عيسى رحمهُ الله :
( وما ذكرنا في هذا الكتابِ : حديثٌ حسنٌ ، فإنما أردنا به
حُسْنَ إسنادِهِ عندنا : كلُّ حديثٍ يُرْوَى لا يكونُ في إسنادِهِ مُتَّهَمٌ
بالكذبِ ، ولا يكونُ الحديثُ شاذاً ، ويُرْوَى من غيرِ وجهٍ نحوَ
ذلكَ، فهو عندنا حديثٌ حسنٌ .
وما ذكرنا في هذا الكتابِ حديثٌ غريبٌ ، فإنَّ أهلَ الحديثِ
يَسْتغرِبونَ الحديثَ بمعانٍ(١) :
رُبَّ حديثٍ يكونُ غريباً لا يُرْوَى إلا من وجهٍ واحدٍ ، مِثلُ :
ما حدَّثَ بهِ حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عن أبي العُشَراءِ عن أبيهِ قال : قلتُ :
يا رسولَ اللهِ أما تكونُ الذَّكاةُ إلا في الحَلْقِ واللَّة؟ فقال: (( لو
طعْنتَ في فَخِذِها أجْزاً عنك )).
فهذا حديثٌ [آ - ٧٤] تَفَرَّدَ بِهِ حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عن أبي العُشَراءِ،
(١) ((لمعان)) ظ، ((لمعاني)) ب.

٣٤١
فصل في أحاديث الترمذي واصطلاحاتها
ولا يُعْرفُ لأبي العشراءِ عن أبيهِ إلا هذا الحديثُ ، وإن كان هذا
الحديثُ مَشْهوراً عِندَ أهلِ العلم فإنما اشتَهَرَ من حدیثٍ حمَّاد بنِ
سَلَمةَ ، ولا نعرفُهُ(١) إلا من حديثِهِ .
ورُبَّ رجلٍ من الأئمَّةِ يُحَدِّثُ بالحديثِ لا يُعْرَفُ إلا من حديثِهِ
ويَشتَهِرُ(٢) الحدیثُ لكثرةِ من روى عنهُ .
مِثلُ : ما روى عبدُ اللهِ بنُ دينارٍ عن ابنِ عمرَ عن النبيِّ ◌َله :
(( نَهِىُ عن بَيعِ الولاءِ ، وعن هِبَتِهِ)).
لا نَعرِفُهُ إلا من حديثِ عبدِ اللهِ بن دينارٍ: روى عنهُ
عُبيدُ اللهِ بنُ عمر ، وشُعْبَةُ ، وسفيانُ الثوريُّ ، ومالك بن أنس ،
وابنُ عُيينةَ(٣) ، وغيرُ واحدٍ من الأَئِمَّةِ.
وروى يَحيى بن سُليم هذا الحديثَ عن عبيد الله بن عُمرَ عن
نافعٍ عن ابن عُمر ، فوهِم فيه يحيى بنُ سليم .
والصحیحُ هو عن عبيد الله بن عمر عن عبدِ الله بن دینار عن
ابنِ عمر ، هكذا روى عبدُ الوهّاب الثقفيُّ وعبدُ الله بن نُمَيرٍ عن
(١) ((ولا يُعرف ... )) ب.
(٢) ((فيشتهر)) ظ وب وسقط من قوله ((ورب)) إلى ((ويشتهر)) من ب.
(٣) في ظ ((وابن عيينة ومالك بن أنس)).

٣٤٢
شرح علل الترمذي
عبيدِ اللهِ بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابنِ عمر(١).
وروى المؤمَّلُ هذا الحديثَ عن شعبةَ فقال شعبةُ :
((وددتُ أنَّ عبدَ الله بنَ دينار أذِنَ لي حتى كنتُ أقومُ إليه
فأقبّل رأسَه))) .
اعلمْ أنَّ الترمذيَّ قِسمَ - في كتابه هذا - الحديثَ إلى صحيح ،
وحَسنٍ ، وغَريبٍ . وقد يجمعُ هذه الأوصافَ الثلاثةَ في حديثٍ
واحدٍ ، وقد يجمعُ منها وصفينٍ في الحديثِ ، وقد يفرِدُ أحدَها في
بعضِ الأحاديثِ .
O بدءُ ابتكارِ هذا التَّقسِیم٥ِ
وقد نَسبَ طائفةٌ من العلماءِ التِّرمذيَّ إلى هذا التفردِ بهذا
التقسيم(٢)، ولا شكَّ أنه هو الذي اشتَهَرتْ عنه هذه القسمةُ .
وقد سبقَهُ البخاريُّ إلى ذلكَ ، كما ذكره الترمذيُّ عنه في كتاب
العلل (٣) أنه قال [ظ - ١٥٢] في حديثِ البحرِ: ((هو الطَّهورُ
(١) قوله ((هكذا)) إلى هنا سقط من ظ. وسقط ((عن عبد الله بن دينار)) من ب.
(٢) منهم ابنُ تيميةَ على ما نقلَ عنه القاسميُّ في كتابه ((قواعدِ التحديثِ )) ص١٠٣
ونجيب عنه بأنه لعله أرادَ أن الترمذيَّ أوَّلُ من قسمَ الحديثَ هذا التقسيمَ الثلاثيَّ
في التأليفِ ، لأنه لم يُصنَّف قبلَ الترمذيِّ كتابٌ قُسمَتْ أحاديثُهُ هذه القسمة
التي أجملها الحافظُ ابنُ رجب .
(٣) (( فيما ذكره عنه في كتاب العلل )) ظ وب.

٣٤٣
فصل في أحاديث الترمذي واصطلاحاتها
ماؤُه)): ((هو حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ)) (١)، وأنه قال في أحاديثَ
كثيرةٍ : (( هذا حديثٌ حَسَنٌ)).
وكذلكَ ذكرهُ ابنُ أبي حَاتِم عن أبيهِ أنه قال في حديثِ إبراهيمَ بن
أبي شيبانَ عن يونسَ بن ميسرةً بن حَلْبَس(٢) عن أبي إدريسَ عن
عبدِ اللهِ بن حَوالَة عن النبيِّ نَّهِ: ((تُسْتَجْندونَ أجناداً .. ))
الحديث(٣). قال: ((هو صحيحٌ حَسَنٌ غريبٌ)).
وقد كانَ أحمدُ وغيرُه يقولونَ: ((حديثٌ حَسَنٌ(٤))).
(١) أخرجه الأربعةُ: أبو داود ج١ ص٢١ والترمذي وقال: حَسَنٌ صحيحٌ ج١
ص١٠١، والنسائيُّ ج١ ص١٧٦ وابن ماجَهْ ج١ ص١٣٦ .
انظر شرحَ الحديث والإحالةَ لمراجعه وبيان طرقه في كتابنا (« إعلام الأنام
شرح بلوغ المرام )) ١/ ٣٨ وفيه النقل عن البخاري أنه قال: ((حديثٌ صحيح))
ولينظر قول البخاري في الحديث ((حسن صحيح)) لعله في أصل ((العلل
الكبير )) الذي رتبه أبو طالب القاضي.
(٢) بمهملتين في طرفيه وموحدة، وزن جعفر، وفي ب ((حليس )) وهو
تصحيف .
(٣) الحديثُ في فضل سُكنى الشام أخرجه بمعناه أبو داود في أول الجهاد ، ج٣
ص٤، وأحمد في (« المسند » ج٤ ص١١٠، وج٥ ص٣٣ و٢٨٨ من طرقٍ غير
طريق أبي إدريس الذي ذكره الشارح. ووقع في ظ وب ((ستجندون .. )).
(٤) وقال الترمذيُّ في حديثِ المستحاضةِ الذي سبقت الإشارةُ إليه ص٣٢٩ قال :
(( وسألتُ محمداً عن هذا الحديثِ فقال: هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ ، هكذا قال
أحمدُ بن حنبل : هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ )) انتهى .
والأمثلةُ لقولِ المتقدِّمين قبلَ الترمذيِّ: ((حسن)) و(( حسن صحيح))،
ونحو ذلك كثيرةٌ .
وكانوا يستعملونَ التقسيمَ الثنائيَّ ((صحيحٌ))، ((ضعيفٌ)) كما يشيرُ إليه
كلامُ الحافظِ الآتي .

٣٤٤
شرح علل الترمذي
وأكثرُ ما كانَ الأئمةُ المتقدمونَ يقولونَ في الحديثِ : إنه صحيحٌ
أو ضعيفٌ . ويقولونَ : منكرٌ ، وموضوعُ ، وباطلٌ .
وكانَ الإمامُ أحمدُ يحتَجُّ بالحديثِ الضعيفِ الذي لم يردْ خلافُه ،
ومرادُه بالضعيفِ (١) قريبٌ من مرادِ الترمذيِّ بالحسنِ (٢).
وقد فسَّرَ الترمذيُّ ههنا مرادَه بالحسَنِ ، وفسَّرَ مرادَه بالغريبِ ،
ولم يفسِّر معنى الصحيحِ .
ونحنُ نذكرُ ما قيلَ في معنى الصحيحِ أولاً ، ثم نشرحُ ما ذكرَه
الترمذيُّ في معنى الحَسَنِ ، والغريبِ ، إن شاءَ الله تعالى .
وأوَّلُ من عرفنَاهُ استعملَ هذا التقسيمَ الثلاثيَّ واصطلاحاتِه التي استعملها
=
الترمذيُّ هو عليُّ بنُ المدينيِّ، قال الحافظُ ابن حجر في (( نُكته على ابنِ
الصَّلاح )» :
((قد أكثرَ عليّ بن المديني من وَصْفِ الأحاديثِ بالصِّحَّةِ والحُسنِ في مسندِه
وفي عِلَلِهِ ، وكانَ الإمامَ السابقَ لهذا الاصطلاح ، وعنه أخذُ البخاريُّ
ويعقوبُ بن شيبةً وغيرُ واحد، وعن البخاريِّ أَخذَ الترمذيُّ)) ((قوتُ
المغتذي )» للسيوطي ج١ ص٨ .
وبهذا نعرفُ شيئاً من أثر الترمذيِّ في تقدُّم علوم الحديثِ ودِقَّةِ تقسيمه ،
حتى أصبحَ تقسيمُه أصلاً يبني عليه علماءُ أصولِ الحديثِ دراسةَ أنواعِ الحديثِ
من حيثُ القبولُ أو الرد .
(١) قوله ((بالضعيف)) ليس في ب .
(٢) قولُ الحافظِ ابن رجب هذا خلافُ ظاهرِ اصطلاح المحدِّثين . وقد حققنا
المسألة في كتابنا ((منهج النقد)) ص٢٧٣ ، فارجع إليّه لزاماً .

٣٤٥
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
° فَصْلٌ في الصَّحيحِ مِنَ الحديثِ وما يتفرَّعُ على شروطِهِ ٥
أما الصَّحيحُ منَ الحديثِ :
وهو الحديثُ المحتَجُّ به ، فَقدْ ذَكرَ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ شروطَهُ
بكلامٍ جامعٍ .
قال الرَّبيعُ: قالَ الشافعيُّ(١): ((ولا تقومُ الحُجَّةُ بخبرِ الخاصَّةِ
حتى يَجمعَ أموراً(٢) .
منها : أن يكون مَنْ حدَّثَ به ثقةً في دينِهِ ، معروفاً بالصِّدقِ في
حديثِهِ ، عاقلاً لما يحدِّثُ به . عالماً بما يُحِيلُ معانيَ الحديثِ من
اللَّفْظِ .
أو أن يكونَ ممن يؤدِّي الحديثَ بحروفِهِ كما سمِعَه ولا يحدِّثُ به
على المعنى، لأنه إذا حَدَّثَ به (٣) على المعنى وهو غيرُ عالٍ بما
يُحِيلُ معناهُ لم يذْرِ لعلَّهُ يُحيلُ الحلالَ إلى الحرامِ ، وإذا أدّى بحروفِهِ
لم يبقَ وجهٌ يُخافُ فيه إحالةُ الحديثِ .
(١) في ((الرسالة)) ص ٣٧٠ - ٣٧٢ وهذا أقدمُ تعريفٍ مدوَّن يصلُنا للحديثِ
الصَّحِيحِ ، وكأنَّ العلماءَ بنوا عليه تعريفَهم للصحيح فاختصروهُ في عبارتهم
المشهورة في الصَّحيح : ((هو الحديثُ الذي اتَّصل سَندُه بنقل العدلِ الضابطِ
عن مثلِه من أوَّل السندِ إلى منتهاه ولم يكنْ شاذاً ولا مُعلّاً)) فإنه يتناولُ ما فصَّله
الشافعيُّ كما سيوضحه الحافظُ ابنُ رجب ، وتجد زيادةً فائدةٍ عليه في كتابنا
((الإمام الترمذي)) ص ١٦٠ وانظر ص ١٤٣ - ١٤٤.
(٢) قوله ((أموراً)) سقط من ب.
(٣) (( به )) ليس في ظ وب.

٣٤٦
شرح علل الترمذي
حافظاً إن حَدَّثَ من حِفْظه ، حافظاً لكتابِه إن حَدَّثَ من كتابِهِ .
إذا شَرِكَ أهلَ الحفظِ في الحديثِ وافقَ حديثَهم .
بَرِيّاً من أن يكونَ مدلِّساً يحدِّثُ عمن لقيَ ما لم يسمعْ منه أو
يحدِّث عن النبيِّ وَلَهُ بما يحدِّثُ الثقاتُ خلافَه(١) ، ويكونُ هكذا مَنْ
فوقَهُ ممن حَدَّثَهُ حتى يُنْتَهى بالحديثِ موصولاً إلى النبيِّ وَّهِ، أو إلى
من انْتُهِيَ به إليه دونَه ، لأنَّ كلَّ واحدٍ مُثْبِتٌ [آ - ٧٥] لمن حَدَّثه ،
ومثبِتٌ علىْ مَنْ حَدَّثَ عنه )).
قال(٢): (( ومن كَثُرَ غلطُه من المحدِّثين ولم يكنْ له أصلُ كتابٍ
صحيحٍ لم نقبلْ حديثَهُ ، كما يكونُ مَنْ أكثرَ الغلطَ في الشهاداتِ لم
نقبلْ شَهادَتَه )) .
قال(٣): ((وأقبلُ الحديثَ حدَّثني فلانٌ عن فلان إذا لم يكن مُدلِّساً،
ومَنْ عَرَفناهُ دلَّسَ مرَّة فقد أبانَ لنا عورَتَه في روايتِهِ ، وليست تلكَ
العورةُ بكذبٍ فيُرَدَّ بها حديثُه ، ولا على النَّصيحةِ في الصِّدقِ فنقبلَ
منه ما قَبِلنا من أهلِ النصيحةِ في الصِّدقِ ، فقلنا : لا نقبلُ(٤) مِنْ
مُدَلِّسٍ حديثاً حتى يقولَ: حدَّثني أو سمعتُ)).
فقد تضمَّنَ كلامُه رحمهُ اللهُ أنَّ الحديثَ لا يُحتَجُّ به حتى يجمَعَ
رواتُه(٥) من أوَّلِهم إلى آخرهم شروطاً :
(١) ((بخلافه)) ظ وب، والمثبت موافق ((الرسالة)).
(٢) في ((الرسالة)) ص ٣٨٢.
(٣) المرجع السابق ص ٣٧٣، و٣٧٩ - ٣٨٠ .
(٤) ((يُقبل)) ب بصيغة المبني للمجهول، وهكذا فيها العبارات السابقة.
(٥) ((رواتهم)) ب سهو قلم .

٣٤٧
فصل في الصحيح من الحدیث وما يتفرع على شروطه
أحدها : الثِّقَةُ في الدِّينِ ، وهي العَدَالَةُ :
وشروطُ العدالةِ مشهورةٌ معروفةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ (١).
والثاني(٢): المعرفةُ بالصِّدقِ في الحدیثِ :
ويعني بذلكَ أن يكونَ الراوي معروفاً بالصِّدَقِ في رواياتِهِ ، فلا
يُحتَجُّ بخبَرٍ من ليسَ بمعروفٍ بالصِّدقِ ، كالمجهولِ الحالِ ، ولا مَنْ
يُعرفُ بغيرِ الصِّدقِ .
وكذلكَ ظاهرُ كلام الإمام أحمدَ أن خبرَ مجهولِ الحالِ لا يَصِخُ
ولا يُحتَجُّ به ، ومِنْ أصحابِنا من خَرَّجَ قبولَ حديثِهِ على الخلافِ في
قَبولِ المرسَلِ .
وقال الشافعيُّ أيضاً : ((كانَ ابنُ سيرينَ والنَّخَعيُّ وغيرُ واحدٍ من
التابعينَ يذهبُ هذا المذهبَ في أن لا يقبل إلا ممَّن عُرِف )).
وقال(٣): ((وما لقيتُ ولا علمتُ أحداً من أهلِ العلمِ بالحديثِ (٤)
يخالفُ هذا المذهبَ )» .
الثالثُ : العقلُ لما يحدِّثُ به :
وقد رُويَ مثلُ هذا الكلام عن جماعةٍ من السَّلفِ ، ذكرَ ابنُ أبي
الزّنادِ عن أبيه قال: ((أدركتُ بالمدينةِ مئةً كلهم مأمون، ما يؤخَذُ
(١) وهي: الإسلامُ، والعقلُ، والبلوغُ، والتقوى، والانِّصافُ بالمروءةِ وتركُ
ما يُخِلُّ بها . انظر شرحَها وبيانَ فذلكَةٍ تحققِ صاحبها بالعدالةِ والصِّدقِ في
كتاب (( منهج النقد في علوم الحديث )) ص٧١ - ٧٢ .
(٢)
((والثاني)) ب.
(٣)
((وقال)) ب.
((أهل الحديث)) ظ .
(٤)

٣٤٨
شرح علل الترمذي
عنهم شيءٌ من الحديثِ، يقال: ليسَ من أهلِهِ)). خَرَّجَهُ مسلمٌ في
مقدِّمةِ كتابِهِ (١) .
وروى إبراهيمُ بن المنذرِ حدَّثني معنُ بن عيسى قال : كانَ مالكٌ
يقولُ: ((لا تأخذِ العلمَ من أربعةٍ، وخُذْ(٢) ممن سوى ذلكَ :
لا تأخذْ من سَفيهِ معلِنٍ بالسَّفَه وإن كانَ أروى الناسِ . ولا تأخذْ من
كذابٍ يكذِبُ في أحاديثِ الناسِ وإن كانَ لا يَتَّهمُ أن يكذِبَ على
رسولِ اللهِ وَّلَه. ولا من صاحبِ هوَّى يدعو الناسَ إلى هواهُ.
ولا مِنْ شيخ له فَضْلٌ وعِبَادةٌ إذا كانَ لا يعرِفُ ما يحدِّثُ به)) .
قال إبراهيمُ بن المنذر [ظ - ١٥٣]: ((فذكرتُ هذا الحديثَ
لمطرِّفِ بن عبدِ الله اليساري(٣) مولى زيدٍ بن أسلمَ ، فقال : ما أدري
ما هذا؟ ولكنْ أشهدُ لسمعتُ مالك بن أنسٍ يقولُ: ((لقد أدركتُ
بهذا البلدِ - يعني المدينةَ - مشيخةً لهم فضلٌ وصلاحٌ وعبادةٌ
يحدِّثون ، ما سمعتُ من واحدٍ منهم حديثاً قط! قيل : ولِمَ يا أبا
عبدِ الله ؟ قال: لم يكونوا يعرِفُونَ ما يحدِّثون)).
وروى ضَمْرةُ عن سعيدٍ بن عبد العزيز عن مغيرةً عن إبراهيمَ
قال: ((لقد رأيتُنا وما نأخذُ الأحاديثَ إلا ممن يعرفُ حلالَها من
حرامِها ، وحرامَها من حلالِها، وإنك لتجدُ الشيخَ يحدِّثُ بالحديثِ
فيحرِّفُ حلالَه عن حرامِهِ ، وحرامَه عن حلالِه وهو لا يشعرُ)).
(١) ص١١ وانظر آثاراً أخرى في ((الكفاية)) ص١٥٨ - ١٦١.
(٢) (( ويؤخذ )) ب.
(٣) ((اليساري)) ليس في ظ، وفي ب ((النيسابوري)). تصحيف .

٣٤٩
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
وقال محمدُ بن عبدِ الله بن عمَّار الحافظُ الموصِليُّ - وقد سُئِلَ عن
عليٍّ بن غراب (١) _؟ فقال: ((كانَ صاحبَ حديثٍ بصيراً به ، قيل
له : أليسَ هو ضعيفاً ؟ قال : إنه كانَ يتشيَّعُ ، ولستُ بتاركٍ
الروايةَ(٢) عن رجلٍ صاحبِ حديثٍ يُبْصِرُ الحديثَ - بعد [ب - ٥٧] أن
لا يكونَ كذوباً - للتشتُّع أو للقَدَر ، ولستُ براوٍ عن رجلٍ لا يُبْصِرُ
الحديثَ ولا يَعْقِلُه ولو كانَ أفضلَ مِنْ فَتْح))، يعني الموصليَّ.
وحكى الترمذيُّ في ((علله))(٣) عن البخاريِّ قال: (( كلُّ من
لا يَعْرِفُ صحيحَ حديثِهِ من سقيمِه لا أُحدِّثُ عنه)» وسمَّى منهم
زَمْعَةَ بن صالح وأيوبَ بن عتبة .
وحكى الحاكمُ هذا المذهبَ عن مالكِ ، وأبي حنيفةً ، وحكى
عن أكثرٍ أهلِ الحديثِ الاحتجاجَ بحديثٍ مَنْ لا يعرفُ ما يحدِّثُ به
ولا يحفَظُه .
والظاهرُ - واللهُ أعلمُ - حَملُ كلام الشافعيِّ رحمهُ اللهُ على من
لا يحفظُ لفظَ الحديثِ ، وإنما يحدِّثُ بالمعنى، كما صَرَّحَ بذلكَ
فيما بعد .
وكذلكَ نقلَ الربيعُ عنه في موضعٍ آخر (٤) أنه قال: «تكونُ اللفظةُ
تتركُ من الحديثِ [آ - ٧٦] فيختَلُّ المعنى، أو ينطقُ بها بغيرِ لفظٍ
(١) ((عمران)) ظ تصحيف. وليس فيها قوله ((الحافظ)).
في ب (( قيل إنه كان يتشيع وليست منازل الرواية )) وهو تصحيف شنيع .
(٢)
(( العلل الكبير )) ورقة ١/٧٥ = ٩٦٧/٢ .
(٣)
في ((الرسالة)) ص ٣٨٠، وفيها ((فتحيل)) و((فيحيل)).
(٤)

٣٥٠
شرح علل الترمذي
المحدِّثِ والناطقُ بها غيرُ عامدٍ لإحالةِ الحديثِ (١) [فيخْتَلُّ معناه.
فإذا كان الذي يحمِلُ الحديثَ يجهَلُ هذا المعنى - وكانَ غيرَ عاقلٍ
للحديث -] فلم يقبلْ حديثُه إذا كان يحمِلُ ما لا يعقِلُ إذ كانَ ممن
لا يؤدِّي الحديثَ بحروفِهِ ، وكان يلتمسُ روايته على معانِيه وهو
لا يعقِلُ المعنى)).
إلى أن قال (٢): ((فالظُّنَّةُ فيمن لا يؤدي الحديثَ بحروفِهِ
ولا يعقِلُ معانيَهُ أبينُ منها في الشاهدِ لمن تردُّ شهادتُه له فيما هو ظنين
فيه)).
فهذا يبينُ أن الشافعيَّ إنما اعتبرَ في الراوي أن يكونَ عارفاً
بمعاني الحديثِ إذا كانَ يحدِّثُ بالمعنى ولا يحفظُ الحروفَ ، والله
أعلم .
فقوله هنا : ((عاقلاً لما يحدِّث به ، عالماً بما يحيلُ معانيَ
الحديث من اللفظِ » هو شرطٌ واحدٌ ليس فيه تكريرٌ ، بل مرادُه بِعَقل
ما يحدِّثُ به فهمُ المعنى . ومراده بالعِلم بما يحيل المعنى من
الألفاظِ معرفةُ الألفاظِ التي تُؤدّى بها المعاني .
وقد فَسَّرَ أبو بكر الصيرفيُّ في ((شرحِ الرسالةِ)) قولَ الشافعيِّ:
((عاقلاً لما يحدِّثُ به )) بأنَّ مرادَه أن يكونَ الراوي ذا عقلٍ فقط ،
قال: ((وهذا شرطٌ بإجماع)).
وهذا الذي قاله فيه نظرٌ وضَعْفٌ .
(١) ((بإحالة الحديث)) ظ وب وسقط قوله ((فيختل)) إلى ((للحديث)) من ظ .
(٢) ص٣٨١. وفي ب ((إلا أن قال بالظنة)) وهو تصحيف شنيع.

٣٥١
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
وهذا كلُّهُ(١) في حَقِّ من لا يحفظُ الحديثَ بألفاظِهِ ، بدليلٍ أنه قال
بعدَ ذلكَ: (( أو أن يكونَ ممن يؤدِّي الحديثَ بحروفه كما سمعه ،
ولا يحدِّثُ به على المعنى)) ، فجعلَ هذا قسيماً للذي قبلَه .
فقسمَ الرواةَ إلى قسمين :
مَنْ يحدِّثُ بالمعنى، فيشترطُ فيه أن يكونَ عاقلاً لما يحدِّثُ به
من المعاني ، عالماً بما يحيلُ المعنى من الألفاظِ .
ومن يحدِّثُ باللفظِ ، فيشتَرَطُ فيهِ الحفظُ لِلَفْظِ الحديثِ وإتقانُهُ .
وما علَّلَ به من اشتراطِ معرفةِ المعنى واللفظِ المؤذِّي له ، فهو
حقٌّ واضحٌ ، وقد سبقَ معنى ذلكَ عن إبراهيمَ النَّخَعي .
وقد قال أحمدُ في رواية الأثرم : (( سعيدُ بن زكريّا المدايني : كنا
كتبنا عنه ثم تركناهُ ، قيل له : لِمَ ؟ قال : لم يكن(٢) أرى به في نفسِهِ
بأساً ، ولكنْ لم يكنْ بصاحبِ حديثٍ ». وهذا محمولٌ على أنه كانَ
يحدِّثُ من حفظهِ أيضاً فيُخْشى عليه الغلطُ(٣).
الرابع : حفظ الراوي :
فإنْ كانَ يحدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ اعْتُبِرَ حفظُه لما يحدِّثُ به ، لكنْ إنْ
كانَ يحدِّثُ باللَّفظِ اعتُبِرَ حفظُه لألفاظِ الحديثِ ، وإن كانَ يحدِّثُ
بالمعنى اعتُبِرَ معرفته بالمعنى وباللَّفظِ الدَّالِّ عليه كما تقدَّمَ(٤)، وإنْ
(١) ((كأنه)) ظ .
(٢) (( لم أكن )) ب.
قوله ((الغلط)) ليس في ظ وب.
(٣)
في ص ٣٤٥ و٣٤٩ _ ٣٥٠ .
(٤)

٣٥٢
شرح علل الترمذي
كانَ يحدِّثُ من كتابِهِ اعتُبِرَ حفظُه لكتابهِ ، وقد سَبَقَ (١) كلامُ الأئمَّةِ
واختلافُهم في جوازِ التَّحديثِ من الكتابِ ، وفي صِفَةِ حفظِ الكتابِ
بما فيهِ كفايةٌ .
الخامسُ : أن يكونَ في حديثِهِ الذي لا ينفردُ به يوافقُ الثِّقاتِ
في حديثِهم ، فلا يحدِّثُ بما لا يوافقُ الثّقات :
وهذا الذي ذَكَرَه معنى قولِ كثيرٍ من أئمَّةِ الحفاظِ في [ظ - ١٥٤]
الجرحِ في كثيرٍ من الزُّواةِ: (( يحدِّثُ بما يخالفُ الثِّقات)). أو
((يحدِّثُ بما لا يُتَابِعُهُ الثقاتُ عليه))(٢).
لكنَّ الشافعيَّ اعتبرَ أن لا يخالفه الثقاتُ ، ولهذا قالَ بعدَ هذا
الكلام : ((بَرِيّاً أن يحدِّثَ عن النبيِّ وَله بما يحدِّثُ الثِّقَاتُ خلافَهُ)).
وقد فسَّرَ الشافعيُّ الشاذَّ من الحديثِ بهذا :
قال يونس بن عبد الأعلى: سمعتُ الشافعيَّ يقولُ: (( ليسَ
الشاذُّ من الحديثِ أن يرويَ الثقةُ حديثاً لم يروه غيرُه ، إنما الشاذُّ
من الحديثِ أن يرويَ الثقاتُ حديثاً فيشذَّ عنهم واحدٌ
فيخالفَهم )) .
وأما أكثرُ الحفّاظِ [ب - ٥٨] المتقدمين فإنهم يقولونَ في الحدیثِ
- إذا تفرَّدَ به واحدٌ وإن لم يرو الثقاتُ خلافَه -: ((إنَّه لا يتابعُ عليه ))،
ويجعلون ذلكَ علَّةً فيه ، اللهم إلا أن يكونَ ممن كَثُرَ حفظُه واشتهرتْ
(١) في ص٢٤٩ - ٢٥٣.
(٢) ((عليه)) ليس في ظ وب.

٣٥٣
فصل في الصحيح من الحديث وما يتفرع على شروطه
عدالتُه وحديثُه كالزهريِّ ونحوه ، وربما يستنكرونَ بعضَ تفرداتٍ(١)
الثقاتِ الكبارِ أيضاً ، ولهم في كل حديثٍ نقدٌ خاصٌ ، وليسَ عندَهم
لذلكَ ضابطٌ يضبطُه . قال صالحُ بن محمد الحافظُ: ((الشاذّ :
الحديثُ المنكرُ الذي لا يُعرَفُ)) . وسيأتي لذلكَ مزيدُ إيضاحِ عندَ
ذكرِ الحديثِ الغريبِ [آ - ٧٧] إنْ شاءَ اللهُ تعالى .
السَّادِسُ : أن لا يكونَ مدلِّساً :
فمن كانَ مدلِّساً يحدِّثُ عمن رآه بما لم يسمَعْهُ منه فإنه لا يُقْبَل
منه حديثُه حتى يصرِّحَ بالسَّماع ممَّن روى عنه ، وهذا الذي ذكَرَهُ
الشافعيُّ قد حكاهُ يعقوبُ بن شيبةً عن يحيى بن مَعِين.
وقال الشَّاذَكونيُّ : (( من أرادَ التديُّنَ بالحديثِ فلا يأخذْ عن
الأعمشِ ، ولا عن قتادةَ ، إلا ما قالا: سمعناه)).
وقال البَرْديجيُّ: ((لا يُحتَجُّ من حديثٍ حُمَيدٍ إلا بما قال : ثنا
أنسٌ )).
ولم يعتَبر الشافعيُّ أن يتكررَ التدليسُ من الرَّاوي ولا أن يغلِبَ على
حديثِهِ ، بل اعتبرَ ثبوتَ تدليسِهِ ولو بمرَّةٍ واحدةٍ .
واعتبرَ غيرُه من أهلِ الحديثِ أن يغلبَ التدليسُ على حديثٍ
(٢)
الرَّجلِ (٢).
(١) ((مفردات)» ظ وب.
(٢) في هذا التعبيرِ نظرٌ، كما ستعلمُ من تفصيلٍ طبقاتِ المدلسين بعدَ صحيفتين ،
فإنَّ المعتبرَ عند غيرِ الشافعيّ في اشتراطِ التصريحِ بالسماعِ كثرةُ التدليسِ ، لا أن
يغلبَ التدليسُ على حديثِ الرجلِ .