Indexed OCR Text
Pages 361-380
٢٩٤ شرح علل الترمذي القولُ الثاني في المسألةِ : الاحتجاجُ بالمرسَلِ : وحكاهُ الترمذيُّ عن بعضِ أهلِ العلمِ ، وذكرَ كلام إبراهيمَ النَّخَعيِّ: ((أنه كان إذا أرسلَ فقد حدَّثه به غيرُ واحدٍ . وإن أسندَ لم يكن عندَه إلا عمَّن سمَّاه)). وهذا يقتضي ترجيحَ المرسَلِ على المُسنَدِ ، لكن عن النَّخَعيِّ خاصةً فيما أرسله عن ابن مسعودٍ خاصةً . وقد قال أحمدُ في مراسيلِ النَّحَعيِّ: ((لا بأسَ بها)). وقال ابنُ مَعِين(١): (( مرسلاتُ ابنِ المسيّبِ أحبُّ إليَّ من مرسلاتِ الحسنِ ، ومرسلاتُ إبراهيم صحيحةٌ ، إلا حديثَ تاجرٍ البحرينِ (٢)، وحديثَ الضَّحِكِ في الصَّلاةِ(٣))). (١) أسنده عنه ابنُ عديٍّ في ((الكامل)) كما في ((نصب الراية)) ج١ ص٥٢. وأخرجه من طريق ابن عدي البيهقي في (( السنن الكبرى )) ج١ ص١٤٨ . (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف ) ج٢ ص٤٤٨ حدثنا وكيعٌ ثنا الأعمشُ عن إبراهيمَ قال: جاء رجلٌ ... فقال: يا رسولَ اللهِ، إني رجلٌ تاجرٌ أختلفُ إلى البحرين ؟ فأمره أن يصلي ركعتين. يعني القَصْر. وانظر (( نصب الراية )) ج١ ص٥٢ . (٣) ولفظه ((جاء رجلٌ ضريرُ البصرِ، والنبيُّ وَّرَ في الصلاةِ، فعثرَ، فتردئ في بئْرٍ، فضحكوا !. فأمر النبيُّ نَّهِ من ضِكَ أن يعيدَ الصلاةَ)». أخرجهُ عن إبراهيم مرسلاً الدار قطنيُّ ج١ ص١٧١ والبيهقيُّ ج١ ص١٤٦. ثم بيَّنَ الدار قطنيُّ رجوعَ الحديثِ إلى أبي العاليةِ، لأن إبراهيمَ النخعي تلقَّاهُ = ٢٩٥ فصل في الحديث المرسل وقال أيضاً : ((إبراهيمُ أعجبُ إليَّ مرسلاتِ من سالمٍ والقاسمِ وسعيدٍ بن المسيّبِ)). قال البيهقيُّ : والنَّخَعِيُّ نجده يروي عن قومٍ مجهولينَ لا يروي عنهم غيرُه . مثلٍ : هُنِيٍّ بن نُوَيْرة ، وحزامةَ الطائيِّ ، وقَرْتَع الضَّبيِّ(١)، ويزيدَ بن أوسٍ، وغيرِهم))(٢). = عن أبي العاليةِ . وقد رُوي هذا الحديثُ من أوجهٍ كثيرةٍ مسنَدةٍ ومرسلةٍ . أما المسندةُ فرُويتْ من حديث أبي موسى الأشعريِّ، وأبي هريرةَ ، وعبدِ الله بن عمر ، وأنسِ بنِ مالك ، وجابرٍ بن عبد الله ، وعمرانَ بن الحصين ، وأبي المليح . وأما المرسلةُ فهي أربعةٌ : مرسَلُ أبي العالية، وهو أشهرُها ، ومرسلُ مَعْبدٍ الجهنيِّ ، وإبراهيمَ النَّخَعيِّ ، والحسنِ البصريِّ . ومن هذا تعلم قوَّةً الحديثِ ، وأن استثناءَهُ من الصَّحَّةِ ليس على إطلاقِهِ ، وانظر تخريج روايات الحديث كلها في ((نصب الراية)) ج١ ص ٤٧ - ٥٣ . (١) في ب ((وخزامة الطائي وفرفع الضبي)). وفيه تصحيفان. (٢) في هذا القولِ والحكم على هؤلاءِ الرواةِ نظرٌ . هُنَيُّ بن نُوَيْرة: ((مقبولٌ، من العُبَّاد، من الثالثةِ، قُتِلَ قبل الثمانين/ دق)). ((تقريب)). وذكره ابن حِبَّان في ((الثقاتٍ)). ((تهذيب)). فَرْثَع الضبي: « صدوقٌ من الثانية، مُخَضْرٌ ، قُتِلَ في زمن عثمان/ دتم س ق )) ((تقريب)) . وكان من زُمَّادِ التابعين ، روى عنه علقمةُ بن قيس ، والمسيبُ بن رافعٍ ، وغيرُهما. انظر ((التهذيب))، ومثل هذا أنَّى يحكمُ عليه بالجهالةِ . يزيدُ بن أوس: ((كوفي، مقبول، من الرابعة، / دس)). ((تقريب)). وقال عليُّ بن المديني: ((لا نعلمُ أحداً روى عنه غيرَ إبراهيمَ)). يعني النَّخَعي. وذكرهُ ابن حِبَّان في ((الثقاتٍ)). ((تهذيب)). ٢٩٦ شرح علل الترمذي وقال العجليُّ: ((مرسلُ الشَّعبيِّ صحيحٌ لا يكادُ يرسِلُ إلا صحيحاً )). وقال الحسنُ بن شُجاع البلخيُّ سمعتُ عليَّ بن المدينيِّ يقول : ((مرسَلُ الشعبيِّ وسعيد بن المسيّبِ أحبُّ إليَّ من داودَ بن الحُصَين عن عكرمةَ ، عن ابن عباس )) . وقد [ب - ٤٧] استدَلَّ كثيرٌ من الفقهاءِ بالمرسلِ وهو الذي ذكَرَه أصحابُنا أنه الصحيحُ عن الإمامِ أحمدَ . وهو قولُ أبي حنيفةَ ، وأصحابِهِ ، وأصحابِ مالك أيضاً . هكذا أطلقوه ، وفي ذلك نظرٌ سننبه عليه(١) إن شاء الله تعالى . وحكي الاحتجاجُ بالمرسلِ (٢) عن أهلِ الكوفةِ، وعن أهلِ العراقِ جملةٌ . وحكاهُ الحاكمُ(٣) عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ، وحمادِ بن أبي سليمانَ ، وأبي حنيفةَ ، وصاحبَيْهِ . وقال أبو داودَ السِّجستانيُّ في ((رسالته إلى أهلِ مَّةَ)): ((وأما المراسيلُ ، فقد كان يحتجُّ بها العلماءُ فيما مضى ، مثلُ سفيانَ الثوريِّ، ومالكِ بن أنسٍ ، والأوزاعيِّ ، حتى جاءَ الشافعيُّ فتكلَّمَ فيه ، وتابعه على ذلكَ أحمدُ بن حنبل وغيرُه )) . قال أبو داودَ : (( فإذا لم يكن مسندٌ ضدَّ المراسيلِ ، ولم يوجدْ (١) ((سنبين علته)) ب. وانظر ما يأتي في الصفحة التالية. (٢) ((به)) ظ ، وسقط من ب . (٣) في ((المدخل)) ص ١٢. ٢٩٧ فصل في الحديث المرسل مُسنَدٌ(١) فالمراسيلُ يحتجُّ بها ، وليسَ هو مثلَ المثَّصلِ في القوَّةِ)). ,(٢) انتھی واعلمْ أنه لا تَنَافِيَ بينَ كلامِ الحقَّاظِ وكلام الفقهاءِ في هذا الباب فإنَّ الحفّاظَ إنما يريدونَ صحَّةَ الحديثِ المعيَّنِ إذا كانَ مرسلاً ، وهو ليسَ بصحيحٍ على طريقهِم ، لانقطاعِه وعدم اتَّصالِ إسنادِه إلى النبيِّي ◌َّهِ . وأما الفقهاءُ فمرادُهم صحةُ ذلكَ [آ - ٦٥] المعنى الذي دلَّ (٣) عليه الحديثُ . فإذا عَضَدَ ذلكَ المرسلَ [ظ - ١٤٥] قرائنُ تدُلُّ على أنَّ له أصلاً قويَ الظنُّ بصحةٍ ما دَلَّ عليه ، فاحتُجَّ به مع ما احتَفَّ به من القرائِنِ . وهذا هو التحقيقُ في الاحتجاجِ بالمرسَلِ عند الأئمَّةِ كالشافعيِّ وأحمدَ ، وغيرِهما، مع أنَّ في كلام الشافعيِّ ما يقتضي صحَّةَ المرسَلِ حينئذٍ . وقد سبقَ قولُ أحمدَ: ((مرسلات(٤) ابن المسيّب صِحَاحٌ)). (١) ((مرسل)) ب وهو خطأ. (٢) رسالة أبي داود ص٥. وفيها ((وأما المرسل فقد كان يحتج به ... )) و (( فالمرسل يحتجُّ به وليس هو مثل المتصل ... )). (٣) (( دلك)) ب. (٤) ((في مرسلات)) ظ وب، والمثبت أولى لموافقته ما سبق ص ٢٩٠. ٢٩٨ شرح علل الترمذي ووقعَ مثلُه في كلامِ ابنِ المدينيِّ ، وغيرِه . قال ابنُ المدينيِّ - في حديثٍ يرويه أبو عبيدةً بنُ عبد الله بنِ مسعود عن أبيهِ - : ((هو منقطعٌ، وهو حديث ثَبْت)). قال يعقوبُ بنُ شيبة: ((إنما استجازَ أصحابُنا أن يُدخلوا حديثَ أبي عبيدة عن أبيهِ في المسندِ - يعني في الحديثِ المتَّصلِ - لمعرفةٍ أبي عبيدةً بحديثِ أبيه وصحَّتها ، وأنه لم يأتِ فيها بحديثٍ (١) منكرٍ(١))). وقد ذكرَ ابنُ جرير وغيرُهُ(٢): ((أنَّ إطلاقَ القولِ بأنَّ المرسلَ ليسَ بحجَّةٍ ، من غيرِ تفصيلٍ بدعَةٌ حدثتْ بعد المئتين )). (١) هذا تحليلٌ قيِّم من الحافظ ابن رجب لمسألةِ الاحتجاجِ بالحديثِ المرسلِ ، يوفِّقُ فيه بين الآراءِ المتعارضة ، عن طريقِ ملاحظةٍ جانبِ التطبيقِ لمسألةٍ الاحتجاجِ بالمرسَلِ ، وهو توفيقٌ جيّدٌ وصحيحٌ ، يدُلُّ عليه واقعُ كُتُبِ الفقهِ في كلِّ المذَهبِ ، فإنك تجد الاستدلالَ بالمرسل منبئاً فيها عندَ من يقولُ بحجيَّته ، وعندَ من لا يقولُ بحجيَّته من الناحيةِ النظرية ، وما ذلكَ إلا لما احتفَّ به من قرائنَ جعلت الفقيهَ يطمئِنُّ إليهِ ، وقد أخذنا بهذا في كتابِنا (( الإمامُ الترمذيُّ والموازنةُ بين جامعه وبين الصحيحين)) ص٢٠٣ - ٢٠٤. (٢) مثلُ أبي داودَ السجستانيِّ في (( رسالته إلى أهلِ مَّةَ)) كما نقلَ الحافظُ ابنُ رجبٍ عنه فيما مضى قبل صفحتينٍ . ويجب أن تلحظ قوله: ((إن إطلاق القول بأن المرسل ليس بحجة من غير تفصيل بدعة)). فقوله: ((إطلاق)) و((من غير تفصيل)) مهم لفهم حقيقة المراد من كلام الإمام الشافعي ومن نهج نهجه، فإنهم قبلوا المرسل بشروط، كما عرفت. وآل أمر الخلاف إلى وفاق كما حققه الحافظ ابن رجب رضي الله عنه . ٢٩٩ فصل في الحديث المرسل ٥ تَحْقِيقُ مذهَبِ الشَّافِعِيِّ وأحمدَ في المرسَلِ ° ونحنُ نذكرُ كلامَ الشافعيِّ وأحمدَ في ذلكَ بحروفِهِ : قال الشافعيُّ رحمه الله تعالى في ((الرِّسالة))(١): ((والمنقَطِعُ مختلِفٌ، فمن شاهدَ أصحابَ رسولِ اللهَِّّهَ من التابعينَ فحدَّث حديثاً منقطعاً عن النبيِّ وَِّيِ(٢) اعتُبِرَ عليه بأمورٍ ، منها : أن يُنظرَ إلى ما أرسلَ من الحديثِ فإن شَرِكَهُ الحفاظُ المأمونونَ ، فأسندوهُ(٣) إلى رسولِ اللهِ وَّلَه بمثلٍ معنى ما روى، كانت هذه دلالةٌ على صِحَّةٍ مَنْ قَبِلَ عنه وحِفْظِه . وإن انفردَ بإرسالٍ حديثٍ لم يَشْرَكْهُ فيه من يُسندِه قُبِلَ ما ينفردُ به مِنْ ذلكَ ، ويعتبرُ عليه بأن يُْظَرَ هل يوافِقُهُ مرسلٌ غيرُه ممن قَبِلَ العلمَ من غيرِ رجالِهِ الذين قَبِلَ عنهم ، فإن وُجِدَ ذلكَ كانتْ دَلالةً تقوِّي له مرسَلَه ، وهي أضعفُ من الأولىُ . وإن لم يوجَدْ ذلكَ نُظِرَ إلى بعضِ ما يُرْوَى عن بعضِ أصحابِ النبيِّ ◌َّهِ قولاً له، فإن وُجِدَ يوافقُ ما رُويَ عن رسولِ اللهِ وَآلِ ، كانتْ في هذا دلالةٌ على أنَّه لم يأخذْ مرسَلَهُ إلا عن أصلٍ يصحُّ إن شاءَ اللهُ . (١) ص٤٦١ - ٤٦٧، وقارن ((بعلوم الحديث)) ص٤٩، وانظر في المسألة ((التقرير والتحبير)) لابن أميرٍ حاج شرح ((التحرير)) الكمال بن الهمام ج٢ ص٢٨٩ . (٢) من قوله ((من التابعين)) إلى هنا سقط من ظ. (٣) ((وأسندوه)) ظ. ٣٠٠ شرح علل الترمذي وكذلكَ إن وُجِدَ عوامُ أهلِ العلمِ يُقتونَ بمثلٍ معنى ما رَوَى عن النبيِّي وَلِ. ثمَّ يعتبرُ عليه بأن يكونَ إذا سَمَّى من روى عَنْه(١) لم يسمِّ مجهولاً ، ولا مرغوباً عن الرواية عنه ، فيُستدَلُّ بذلكَ على صحّتِهِ فيما روى عنه . ويكونَ إذا شَرِكَ أحداً من الحفّاظِ في حديثٍ لم يخالِفْه ، فإن خالَفَه وُجِدَ حديثُه أنقصَ ، كانت في هذه دلائلُ على صِحَّةِ مَخْرَچٍ حديثِهِ . ومتى خالفَ ما وصَفْتُ أضرَّ بحديثِهِ حتى لا يَسعَ أحداً قبولُ مرسَله )). قال : ((وإذا وجِدَتْ الدلائلُ بصحَّةٍ حديثهِ بما وصفْتُ أحببنا أن نَقبلَ مرسَله ، ولا نستطيعُ أن نزعمَ أنَّ الحجةَ تثبتُ بها ثبوتَها (٢) بالمتَّصلِ (٢). وذلكَ أنَّ معنى المنقطِعِ مغيَّبٌ، يحتَمِلُ أن يكونَ حُمِلَ عمن يُرْغَبُ عن الروايةِ عنه إذا سُمِّيَ ، وأن بعضَ المنقطعاتِ وإن [ب - ٤٨] وافقَهُ مرسلٌ مثلُه، فقد (٣) يحتَمِلُ أن يكونَ مَخْرَجُهُما واحداً(٤) من حيثُ لو سُمِّيَ لم يُقْبل . وأنَّ قولَ بعضِ أصحابِ النبيِّ وَِّ إذا قال برأيهِ، (١) ((عنه)) ليس في ظ وب. (٢) ((بالمسند )). ب في نسخة الأصل ((قد)) والمثبت موافق لنص (( الرسالة )) ص ٤٦٤ . (٣) (٤) أي سندهما من طريق راو واحد . ٣٠١ فصل في الحديث المرسل لو (١) وافقَهُ لم يدُلَّ على صِحَّةٍ مَخْرَج الحديثِ دلالةً قويَّةً إذا نُظِرَ فيها ، ويمكنُ أن يكونَ إنما غَلِط به حَين سَمِعَ قولَ بعض أصحابِ النبيِّ وَِّ يوافِقُه(٢)، ويحتمِلُ مثلَ هذا فيمن يوافقُه بعضُ الفقهاءِ)) . قال : (( فأما مَنْ بَعْدَ كبارِ التابعين ، فلا أعلمُ منهم أحداً يُقبَلُ مرسَلُه ، لأمورٍ : أحدها : أنهم أشدُّ تجوزاً فيمن(٣) يروون عنه . والآخر : أنهم توجدُ(٤) عليهم الدلائلُ فيما أرسلوا بضَعْف مَخْرَجِه . والآخر : كثرةُ الإحالةِ في الأخبارِ . وإذا كثُرت الإحالةُ كان أمكنَ للوَهَمِ، وضَعْفٍ من يُقْبَلُ عنهُ)). انتهى [آ -٦٦] كلامُه. وهو كلامٌ حسنٌ جداً ، ومضمونُه أنَّ الحديثَ المرسلَ(٥) يكونُ صَحيحاً ، ويُقبَلُ بشروطٍ : منها في نفسِ المُرسِل وهي ثلاثةٌ : (١) في الأصل ((أو)) والمثبت موافق لنص ((الرسالة)) ص ٤٦٤. (٢) ((فوافقه)) ظ وب، والمثبتُ موافقٌ لنصِّ ((الرسالة)). (٣) ((ممن)) ظ وب ، وهكذا كانت في نسخة الأصل ثم أصلحت موافقة نص ((الرسالة)) . (٤) ((تؤخذ)) ب. والمثبت موافق نص ((الرسالة)) ص ٤٦٥ . (٥) ((أن المرسل)) ظ. ((أن المراسيل)) ب وهو تصحيف. ٣٠٢ شرح علل الترمذي أحدها : أن لا يُعْرفَ له روايةٌ عن غير مقبولِ الروايةِ ؛ من مجهولٍ أو مجروحٍ . وثانيها : أن لا يكونَ ممن يخالفُ الحفّاظَ إذا أسندَ الحديثَ فيما أسندوه، فإن كانَ(١) ممن يخالفُ الحفاظَ عند الإسنادِ لم يُقبل مرسَلُه . وثالثها : أن يكونَ من كبارِ التابعينَ ، فإنهم لا يروونَ غالباً إلا عن صحابيٍّ أو تابعيٍّ كبيرٍ ، وأما غيرُهم من صغارِ التابعين ومَنْ بعدَهم فيتوسَّعونَ في الروايةِ عمن لا تُقبَلُ روايتُه . وأيضاً فكبارُ التابعينَ كانت الأحاديثُ في وقتهم الغالبُ عليها الصحةُ ، وأما مَنْ بعدهم فانتشرتْ في أيامهم الأحاديثُ المستحيلةُ ، وهي الباطلةُ الموضوعةُ ، وكَثُرَ الكذبُ حينئذٍ . فهذه شرائطُ من يُقْبَلُ إرسالُه . وأما الخبرُ الذي يُرسِلُه، فيُشترطُ لصحّة مَخْرَجِهِ وقَبُوله أن يَعْضُدَهُ ما يدُلُّ على صحَّتِهِ وأنَّ له أصلاً ، والعاضدُ له أشياء : أحدُها ؛ وهو أقواها : أن يُسنِدَهُ الحفّاظُ المأمونونَ من وجهٍ آخر عن النبيِّ وَجَهَ بمعنى ذلكَ المرسَل، فيكونَ دليلاً على صحَّةٍ المرسَل ، وأن الذي أُرْسِلَ عنه كانَ ثقةً، وهذا هو ظاهرُ كلامِ الشافعيّ . وحينئذٍ فلا يَرِدُ على ذلك، ما ذكَرَهُ المتأخرونَ أنَّ العملَ حينئذ إنما يكونُ بالمسندِ دونَ المرسَلِ . (١) من قوله ((يخالف)) إلى هنا سقط من ب. ٣٠٣ فصل في الحديث المرسل وأجابَ بعضُهم بأنه قد يسنِدُه من لا يُقْبَلُ بانفرادِه فينضَمُّ إلى المرسَلِ فيصِحُ(١) فيحتَجُّ بهما حينئذ . وهذا ليسَ بشيءٍ ، فإن الشافعيَّ اعتبرَ أن يُسندَه الحفاظُ المأمونون . وكلامُه إنما هو في صِحَّةِ المرسَل وقَبوله ، لا في الاحتجاج للحكمِ الذي دَلَّ عليه المرسلُ ، وبينهما بَوْنٌ . وبعدَ أن كتبتُ هذا وجدتُ أبا عمرو بن الصَّلاح ، قد سَبَقَ إليه(٢) وفي كلام أحمدَ إيماءٌ إليه ، فإنه ذكرَ حديثاً رواه خالدٌ عن أبي قلابةَ عن ابنِ عباس ، فقيل(٣) له : سمعَ أبو قلابةَ من ابن عباسٍ أو رآه ؟ قال : ((لا، ولكنَّ الحديثَ صحيحٌ عنه)) ، يعني عن ابنِ عباس. وأشارَ إلى أنه رُوِيَ عن ابن عباسٍ من وجوه أخر . [ثم وجدتُ في كلامٍ أبي العباس بن سُريج - في رَدِّه على أبي بكر ابن داود ما اعترضَ [ظ - ١٤٦] به على الشافعيِّ - أن مرادَ الشافعيِّ أن المرسِل للحديثِ يعتَبَرُ أن توجدَ مراسيلُه توافقُ ما أسنده الحفاظُ المأمونونَ ، فيُستدَلُّ بذلكَ على أن لمراسيلِهِ أصلاً ، فإذا وجدنا له مرسلاً بعد ذلكَ قُبِلَ، وإن لم يسنده الحفاظُ، وكأنه يعتبر(٤) أن يوجدَ الغالبُ على مراسيله ذلكَ ، إذ لو كان معتبراً في جميعِها(٥) لم يُقْبَلْ له مرسلٌ حتى يسنِدهُ الثقاتُ ، فيعودُ الإشكالُ . (١) (( فيصح)) ليس في ظ وب . (٢) في (( علوم الحديث )) ص٤٩ . (٣) في الأصل ((وقيل)). ((اعتبر )) ب . (٤) (( جميع مراسيله )) ب . (٥) ٣٠٤ شرح علل الترمذي وهذا الذي قاله ابنُ سُرَيج مخالفٌ لم فَهِمَ الناسُ من كلامِ الشافعيِّ، مع مخالفتِهِ لظاهِرِ كلامِه. والله أعلمُ](١). والثاني : أن يوجدَ مرسَلٌ آخرُ موافقٌ له ، عن عالمٍ يروي عن غيرِ مَن يروي عنه المرسِلُ الأولُ(٢) ، فيكونُ ذلكَ دليلاً على تعدُّدِ مَخْرَجِه ، وأن له أصلاً ، بخلافِ ما إذا كان المرسِلُ الثاني لا يروي إلا عَمَّن يروي عنه(٣) الأولُ، فإن الظاهرَ أن مخرجهما واحد لا تعدُّدَ فيه . وهذا الثاني أضعفُ من الأولِ . والثالث : أن لا يوجدَ شيءٌ مرفوعٌ يوافِقُه ، لا مسندٌ ولا مرسَلٌ ، لكنْ يوجدَ ما يوافِقُه من كلام بعضِ الصحابةِ ، فيُستَدَلُّ به على أنَّ للمرسَلِ أصلاً صحيحاً أيضاً. لأن الظاهرَ أنَّ الصحابيَّ إنما أخذَ(٤) قولَه عن النبيِّ وَّر . والرابع : أن لا يوجدَ للمرسَلِ ما يوافِقُه لا مسندٌ ولا مرسلٌ ولا قولُ صحابيٍّ ، لكنه يوجد عامة أهلِ العلم على القولِ به ، فإنه يدُلُّ على أنَّ له أصلاً ، وأنهم مستندونَ في قولِهِم إلى ذلكَ الأصلِ . فإذا وجدتْ [ب - ٤٩] هذه الشرائطُ دلَّتْ على صِحَّةِ المرسَلِ وأنَّ له أصلاً ، وقُبِلَ واخْتُجَّ به . ومع هذا فهو دونَ المتصلِ في الحُجَّةِ ، فإن المرسَل وإن (١) قوله بين المُعَقَّفَين ((ثم وجدت)) حتى ((والله أعلم)) زيادة من ظ وب. وقد اختصر كثيرون كلامَ الشافعي ، اكتفاءً بمقصوده الأصليِّ وهو التقوية ، فتنبَّه . (٢) ((الأول)) ليس في ظ. (٣) قوله ((المرسل الأول)) إلى ((عنه)) سقط من ب. (٤) ((أخذ)) سقطت من ب، وكتب فوقها في ظ ((لعله)). ٣٠٥ فصل في الحديث المرسل اجتمعتْ فيه هذه الشرائطُ فإنه يحتَمِلُ أن يكونَ في الأصلِ مأخوذاً عن غيرِ مَنْ يحتجُّ به . ولو عَضَدَهُ حديثٌ مثَّصِلٌ صحيحٌ ، لأنه يحتَمِل أن لا يكونَ أصلُ المرسلِ صحيحاً . وإنْ عَضَدَهُ مرسلٌ فيحتَمِلُ أن يكونَ أصلُهما واحداً، وأن يكونَ متلقَّى (١) عن غيرِ مقبولٍ(٢) الروايةِ. [آ - ٦٧]. وإن عَضَدَهُ قولُ صحابيٍّ فيحتَمِلُ أن الصحابيَّ قال برأيهِ من غيرِ سماعٍ من النبيِّ وَّةِ، فلا يكونُ في ذلكَ ما يقوِّي المرسلَ ، ويحتَمِلُ أن المرسِل لما سمعَ قولَ الصحابيِّ ظنَّه مرفوعاً فغلِطَ ورَفَعَه ، ثم أرسلُهُ ولم يسمِّ الصحابيَّ . فما أكثر ما يُغلَطُ في رفع الموقوفاتِ . وإن عَضَدَهُ موافقةُ قولِ عامَّةِ الفقهاءِ فهو كما لو عَضَدَهُ قولُ الصحابيِّ وأضعفُ ، فإنه يحتَمِلُ أن يكونَ مستندُ الفقهاءِ اجتهاداً منهم ، وأن يكونَ المرسِل غلِطَ ورفعَ كلامَ الفقهاءِ ، لكن هذا في حقِّ كبارِ التابعين بعيدٌ جداً . وقال الشافعيُّ أيضاً في كتابِ الرهنِ الصغيرِ (٣) وقد قيلَ له: كيفَ (١) ((وأن يتلقى)) ظ. (٢) ((عن قبول)) ب، وهو سقط وتحريف. (٣) ((الأم)) ج٣ ص١٨٨، وذلك لمناسبة احتجاج الإمام الشافعيِّ بحديثٍ سعيد بن المسيّب أن رسول الله وَ ◌ّ قال: ((لا يَغْلَقُ الرهنُ من صاحبِه الذي رهَنَه، له غُنْمُهُ وعليه غُزْمُه)). رواه الشافعي في ((الأم)) ج٣ ص١٦٧ بسنده = ٣٠٦ شرح علل الترمذي قبلتُم عن ابن المسيّب منقطعاً ولم تقبلوه عن غيرِه ؟ . قال: (( لا نحفظُ لابنِ المسيّب منقطعاً إلا وجدنا ما يدُلُّ على تسديده ، ولا أثرَ عن أحد عرفنا عنه ، إلا عن ثقةٍ معروفٍ ، فمن كان مثلَ حاله قَبِلنَا منقِطِعَه )). وهذا موافقٌ لما ذكرهُ في الرِّسالةِ(١) ، فإنَّ ابنَ المسيّب من كبارٍ التَّابعين ، ولم يُعْرَف له روايةٌ عن غيرِ ثقةٍ ، وقد اقترنَ بمراسيله كلّها ما يعضدها . وقد قرَّرَ كلامَ الشافعيِّ هذا البيهقيُّ في مواضعَ من تصانيفِهِ كـ((السننِ))، و((المدخلِ))، و((رسالتِهِ إلى أبي محمدِ الجوينيِّ))، وأنكرَ فيها على الجويني قوله: ((لا تقومُ الحجَّةُ بسوى مرسلِ ابنِ المسيّبِ )) وأنكرَ صِحَّةَ ذلكَ عن الشافعيِّ، وكأنه لم يطّلِعْ على روايةٍ الربيعِ عنه التي قدَّمنا ذكرها . قال البيهقيُّ: ((وليسَ الحسنُ وابنُ سيرينَ بدون كثيرٍ من التابعين ، وإن كان بعضُهم أقوى مرسلاً منهما ، أو من أحدِهما ، وقد قال عن سعيد بن المسيب مرسلاً. وأخرجه الدار قطني ج٣ ص٣٢ - ٣٣ والحاكم = ج٢ ص ٥٢ لكن رُويَ موصولاً عن أبي هريرةَ، ورجاله ثقاتٌ، ورجّحَ كثيرٌ من المحدِّثين إرساله . لكن نختارُ ترجيحَ وصله ، لما حقَّقه الحاكمُ في (( المستدرك )) من تقويةِ الوصلِ بمتابعة راويه زيادٍ بن سعد على وصلِهِ من وجوهٍ كثيرةٍ. انظر كتابنا إعلام الأنام قسم المعاملات ح ٣ ص ٦٣ - ٦٤. و((الدراية)) ج٢ ص ٢٥٧ . (١) كما سبق في ص٢٩٩ - ٣٠١. وعليه فلا يضر ما ذكره ((الكفاية)) أنه وجد مراسيل لابن المسيب غير موصولة ، لأنها قليلة نادرة ، ولم يُعرفْ له رواية عن غير ثقة . ٣٠٧ فصل في الحديث المرسل الشافعيُّ بمرسلِ الحسنِ حينَ اقترنَ به ما يعضدُه في مواضعَ ، منها : النكاح بلا ولي(١) ، وفي النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصَّاعان(٢)، وقال بمرسلٍ طاوسٍ، وعروَةً، وأبي أمامةً بن سهل، وعطاءِ بن أبي رباح ، وعطاء بن يسارٍ ، وابنٍ سيرينَ ، وغيرِهم من كبارِ التابعين حين اقترنَ به ما أكَّده ، ولم يجد ما هو أقوى منه ، كما قال بمرسلٍ ابن المسيّب في النهى عن بيعِ اللحمٍ بالحَيَوان ، وأكَّدهُ بقولِ الصِّدِّيق، وبأنه رُويَ من وجهٍ آخر مرسلاً، وقال: « مرسلُ (١) حديث: ((لا نكاح إلا بولي)) أخرجه أبو داود ج٢ ص٢٢٩، والترمذيُّ وحسَّنَه ج ٣ ص ٤٠٧ . وابن ماجه ص ٦٠٥ . كلهم عن أبي بردةً عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه مرفوعاً . وقد رُوي مرسلاً عن أبي بردة . ورجَّحَ الترمذيُّ روايةَ الوصل لكثرةٍ طرقها بتحقيق مطول ص٤٠٨ - ٤٠٩ . وللحديثِ شواهدُ عن عددٍ من الصحابة، انظر ((نصب الراية)) ج٣ ص ١٨٣ - ١٩٠. و((التلخيص الحبير)) ص ٢٩٥ - ٢٩٦ . وانظر المسألة في (( الأم)) ج٥ ص١٢ . ويأتي للحديث ذكر في موضوع زيادة الثقة ، فانظره من ٤١٨ - ٤٢١ . (٢) ولفظه: ((نهى رسولُ اللهِوَّل عن بيعِ الطعامِ حتى يجري فيه الصَّاعان: صاعُ البائع ، وصاع المشتري )) . أخرجه عَن الحسَنِ مرسلاً ابنُ أبي شيبة ، كما في (( نصب الراية)) ج٤ ص ٣٥ . وانظر استدلالَ الشافعيِّ به في ((مختصر المزني)) آخر ((الأم )) ج٨ ص٨٢ . وقد رُويَ موصولاً عن جابرٍ ، وأبي هريرةَ ، وأنسٍ ، وابنِ عباسٍ . انظر تخريجها في ((نصب الراية)) ج٤ ص ٣٤ - ٣٥ و ((التلخيص الحبير)) ص ٢٤٢. ويشهدُ له أحاديثُ النهي عن بيعِ السِّلعةِ قبل قَبْضِها . لأن المقصودَ من جَري الصَّاعين تقابضُ المبيعِ . ٣٠٨ شرح علل الترمذي ابنِ المسيّب عندنا حَسَن(١))). . ولم يقلْ بمرسلٍ ابن المسيّبِ في زكاة الفطرِ بمُدَّين من حِنْطة(٢) ولا بمرسَلِهِ في التوليةِ في الطَّعامِ قبلَ أن يُسْتَوفَى (٣). (١) أخرجه مالكٌ في ((الموطأ)) ج٢ ص ٧٠ ( بيع الحيوان باللحم ) عن زيدٍ بن أسلمَ عن سعيد بن المسيّب ((أنَّ رسولَ اللهِّهِ نهى عن بيع الحيوانِ باللحم)) ، ثم أخرجه عن سعيدٍ أيضاً من طريقين آخرين . ومن الطَّريق الأولى أخرجه الشافعيُّ كما في ((مختصر المزني)) آخر ((الأم)) ج٨ ص٧٨. وفيه كلامُ الشافعيِّ بتمامِهِ . وقد رُوي الحديثُ من أوجهٍ أخرى مرسلاً ومتصلاً ، مما يقوي مرسلَ ابن المسيّب، قال الشافعيُّ: ((ولا نعلمُ أحداً من أصحابِ النبيِّ نََّ خالفَ في ذلك أبا بكر . وإرسالُ ابنِ المسيّب عندنا حَسَنٌ)) المرجع السابق ، وانظر ((السنن الكبرى)) للبيهقي ج٥ ص٥٩٦ - ٥٩٧ وانظر (( نصب الراية )) ج٤ ص٣٩ . (٢) أبو داود في ((المراسيل)) ص١٦ ولفظه: ((فرضَ رسولُ اللهِوَلَهَ زكاةَ الفِطرِ مُدَّيْن من حنطةٍ )) . ورويَ من أوجه أخرى مرسلاً وموصولاً، منها حديثُ عبدِ الله بن ثعلبةَ أن رسولَ اللهِ وَّهِ خطب فقال: ((إنَّ صدقةَ الفِطرِ مُدَّان من بُرِّ عن كلِّ إنسانٍ، أو صاٌ مما سواه من الطعام )) أخرجه أحمدُ في (( المسند » ج° ص٤٣٢ وأبو داود في « سننه )) ( باب من روئ نصف صاع من قمح ) ج٢ ص١١٤ والدار قطنيُّ واللفظُ له في « سننه» ج٢ ص١٤٩ وأطالَ في رواياته ص١٤٧ - ١٤٩ ، بطرقٍ وألفاظٍ متعددةٍ، وقد توسَّعَ الحافظُ الزيلعيُّ في الكلامِ عليها ، فانظر بحثه في ((نصب الراية )) ج ٢ ص ٤٠٦ - ٤١١ . (٣) (( المراسيل)) لأبي داود ص٢٢ ولفظه: عن سعيد بن المسيّب في حديثٍ يرفعه، كأنه عن النبيِّ وََّ: ((لا بأسَ بالتوليةِ في الطَّعام قبل أن يُستؤْفَى، ولا بأسَ بالإقالةِ في الطعامِ قبلَ أن يُستوفى ، ولا بأسَ بالشَّرِكَةِ في الطعامِ قبلَ أن يُستوفى)). ٣٠٩ فصل في الحديث المرسل ولا بمُرسَلِه في دِيَةِ المُعَاهِد(١). ولا بمرسَلِه (( مَنْ ضَرَبَ أباهُ فاقتُلُوهُ(٢) )) لمَّا لَمْ يقتَرِنْ بها من الأسباب ما يؤكِّدها ، أو لمَّا وُجِدَ من المعارضِ لها ما هو أقوى منها )) (٣) انتهى ما ذكرهُ البيهقيُّ . وأما مرسلُ أبي العاليةِ الرِّياحي(٤) في الوضوءِ من القهقهةِ في الصَّلاةِ فقد ردَّه الشافعيُّ وأحمدُ، وقال الشافعيُّ: (( حديثُ أبي العالية الرياحيِّ رِياحٌ))، يشيرُ إلى هذا المرسلِ. وأحمدُ ردَّهُ بأنَّه مرسل ، مع أنه يحتجُّ بالمراسيلِ كثيراً ، وإنما رَدًّا هذا المرسلَ لأنَّ أبا العالية وإن كانَ من كبارِ التابعينَ فقد ذكرَ ابنُ سيرينَ أنه كانَ يصدِّق كلَّ من حَدَّثه ، ولم يَعْضِدْ مرسَلَه هذا شيءٌ مما يعتضدُ به المرسلُ ، فإنه لم يُرْوَ من وجهِ متَّصِلٍ صحِيحٍ بل ضعيفٍ ، ولم يُرْوَ من وجهٍ آخرَ مرسلٍ ، إلا من وجوهٍ ترجعُ كلُّها إلى أبي العَاليةِ (٥). (١) ((المراسيل)) لأبي داودَ ص٢٨ ولفظه: عن سعيد بن المسيّب قال: قال رسولُ اللهَِلَةِ: ((ديةُ كلِّ ذي عهدٍ في عهدِه ألف دينارٍ )). (٢) (( المراسيل )) لأبي داود ص٥١ . (٣) قوله ((منها )) ليس في ظ وب . (٤) (( الرياحي)) ليس في ظ وب. (٥) سبقَ تخريجُ حديثِ القهقهةِ في الصلاةِ في ص٢٩٤ - ٢٩٥. أما ما ذكرهُ الشارعُ هنا أن وجوهَ الحديثِ كلُّها ترجعُ إلى أبي العاليةِ فغيرٍ مُسَلَّم ، فثمة وجوهٌ كثيرةٌ موصولةٌ من غيرِ طريقِ أبي العالية والوجوهُ المرسلةُ يرجعُ بعضُها إليه ، وبعضُها لا يَرْجِعُ إليه ، انظر تفصيلَ ذلكَ في المصادرِ التي أحلنا عليها في الموضعِ السَّابقِ . ٣١٠ شرح علل الترمذي وهذا المعنى الذي ذكرهُ الشافعيُّ من تقسيم (١) المراسيلِ إلى محتجِّ به وغير محتجِّ به يؤخَذُ من كلام غيرهِ من العلماءِ ، كما تقدَّمَ عن أحمدَ وغيرِه تقسيمُ المراسيلِ إلى صحيحٍ وضعيفٍ . [آ-٦٨]. ولم يصحّحْ أحمدُ المرسلَ مطلقاً(٢) ، ولا ضعَّفهُ مطلقاً ، وإنما ضعَّفَ مرسلَ من يأخذُ عن غيرِ ثقةٍ ، كما قال في مراسيلِ الحسنِ وعطاء : (( هي أضعفُ المراسيلِ ، لأنهما كانا يأخذانِ عن كل)). وقال أيضاً : (( لا يعجبني مراسيلُ يحيى بن أبي كثير ، لأنه يروي عن رجالٍ ضعافٍ صغارٍ)). وكذا قوله في مراسيلٍ ابنٍ جُريج وقال: (( بعضُها موضوعة)). وقال مهنّا قلتُ لأحمدَ : ((لِمَ كرهتَ مرسلاتِ الأعمش . قال : [ب - ٥٠] كان الأعمشُ لا يبالي عمَّن حَدَّثَ)). وهذا يدلُّ على أنه إنما يضعِّفُ مراسيلَ مَنْ عُرِفَ بالروايةِ عن الضعفاءِ خاصَّةٌ . وكان أحمدُ يُقوِّي [ظ - ١٤٧] مراسيل مَنْ أدركَ الصَّحابةَ وأرسلَ عنهم، قال أبو طالب: قلتُ لأحمدَ: (( سعيد بن المسيّب عن عمرَ حجَّةٌ ؟ . قال: هو عندنا حُجَّة، قد رأى عُمرَ وسمعَ منه ، وإذا لم يُقبل سعيدٌ عن عمرَ فمن يُقبَلُ؟! )) . ومرادُه أنه سمعَ منه شيئاً يسيراً ، لم يُرِدْ أنه سمع منه كلَّ ما روى عنه ، فإنَّه كثيرُ الروايةِ عنه ، ولم يَسمعْ ذلكَ كلَّه منه قطعاً . (١) ((في تقسيم)) ظ، وتصخَّف قوله ((محتج)) في ب إلى ((صحيح))، وسقطت ((به)) الثانية من ظ . (٢) من قوله في السطر السابق - تقسيم المراسيل - إلى هنا سقط من ظ . ٣١١ فصل في الحديث المرسل ونقلَ مُهَنَّا عن أحمدَ أنه ذكرَ حديثَ إبراهيم بن محمد بن طلحةَ قال: قال عمرُ: ((لأمنعَنَّ فروجَ ذواتِ الأحسابِ إلا من الأكفاءِ)) قال فقلت(١) لهُ: ((هذا مرسلٌ عن عمرَ ؟ قال : نعم ، ولكنْ إبراهيم بن محمد بن طلحة كبيرٌ» . وقال في حديثٍ عِكْرمة عن النبيِّ وَّهِ: ((مَنْ لم يسجدْ على (٢) أنفه مع جبهتهِ فلا صلاةً له)): (( هو مرسلٌ أخشى أن لا يكون ثَبْتاً))(٣). وقال في حديثٍ عِراك عن عائشةَ حديث: (( حَوِّلوا مقعَدتي إلى (١) ((قيل)) ظ وب. (( مع )) ظ ، تصحيف . (٢) (٣) رواه الدَّارَ قُطنيُّ مرسلاً وموصولاً ج١ ص٣٤٨، والطبرانيُّ في (( الكبير)) ٢٦٣/١١ و((الأوسطِ)) موصولاً من طريقٍ ابن عباس. قال الهيثميُّ في ((مجمع الزوائدِ )) ج٢ ص١٢٦: ((ورجاله موثَّقون ، وإن كان في بعضهم اختلافٌ من أجل التَشيّع)). والحاكم في ((المستدرك)) ج١ ص٢٧٠ مختصراً وصحَّحه على شرطِ البخاريِّ. وسكتَ عليه الذهبيُّ فلم يقرّه ولم يتعقبه . وقد رَجَّحَ الدراقطنيُّ روايةَ الإرسالِ . ويشهدُ لأصلِ الحديثِ حديثُ ابنِ عباس قال: قال رسولُ اللهِإِلّهِ: ((أُمِرتُ أن أسجدَ على سبعةٍ أعظُمٍ : على الجبهةِ، وأشارَ بيدهِ إلى أنفِهِ .. )) الحديث متفق عليه : البخاري في صفة الصلاة ج١ ص١٥٨ ومواضع أخرى ، ومسلم ج٢ ص٥٢ و٥٣ . وانظر تفصيلَ البحث فيه في كتابنا (إعلام الأنام شرح بلوغ المرام)) ((الطهارة والصلاة)) رقم ٢٩٥ ص ٥٢٥-٥٢٧. ٣١٢ شرح علل الترمذي القِبلة)): ((هو أحسنُ ما رُوِيَ في الرُّخصَةِ وإن كان مرسلاً ، فإن مَخْرَجَهُ حسن )) . ويعني بإرسالهِ أنَّ عِرَاكاً(١) لم يسمع من عائشةَ . وقال : ((إنما يُرْوى عن عروةَ عن عائشةَ))، فلعلَّه حسَّنه لأنَّ عِرَاكاً قد عُرِفَ أنه يروي حديثَ عائشةَ عن عروةَ عنها(٢). وظاهرُ كلام أحمدَ أن المرسلَ عنده من نوعِ الضَّعِيفِ ، لكنه يأخذُ (١) ((أن عِراكاً)) سقط من ب. (٢) أخرجه أحمد ج٦ ص١٨٤ وابن ماجَة ص١١٧ والدارقطني ١ ص٥٩ - ٦٠ بأسانيدِهم عن عِراك عن عائشةَ قالت: ذُكِرَ عندَ رسولِ اللهِوَلَ قومٌ يكرهُون أن يستقبلوا بفروجهم القبلةَ. فقال: ((أراهم قد فعلوها. استقبلوا بمَقْعدَتي القبلةَ)). واللَّفظُ لابن ماجَة . قال السِّنديُّ في حاشيته على ابن ماجَهْ ج١ ص١٣٦ : يشرحُ قوله : ((استقبلوا بمقعدتي القبلة)): ((أي حَوِّلوا موضعَ قضاء الحاجةِ إلى جهةٍ القبلةِ ... )). وقد وقع في بعضٍ طرقِ الحديثِ ((عن عراك حدثتني عائشةُ))، وعلى هذا لا يكونُ الحديثُ مُرسَلاً، وكأنَّ الإمام أحمدَ لم يعوِّلْ على هذا. قال الإمامُ أحمدُ: ((لم يَسمغ من عائشة)) ((ميزان)) ج٣ ص٦٣، وانظر ((التهذيب » ج٧ ص١٧٣ - ١٧٤ وفيه قول موسى بن هارون: (( لا نعلمُ لعراكِ سماعاً من عائشة)) . وحسَّنه أيضاً النوويُّ في ((المجموع)) كما ذكر السندي، وفي ((شرح مسلم)) كما في (( التعليقِ المغني على سنن الدار قطني)) ج١ ص٦٠. لكِنْ في سندِ الحديثِ : خالدُ بن أبي الصلت قال في (( التقريب)): ((مقبول)). وهذه المرتبة في اصطلاحهِ لا يُحتَجُّ بها . = ٣١٣ فصل في الحديث المرسل بالحديثِ إذا كان فيهِ ضَعْفٌ، ما لم يجىءْ عن النبيِّ وَّ أو عن أصحابهِ خلافُه . قالَ الأثرمُ : ((كانَ أبو عبدِ الله ربَّما كانَ الحديثُ عن النبيِّي وَله وفي إسنادهِ شيءٌ فيأخذُ بهِ إذا لم يجىءْ خلافُه أثبتَ منه ، مثل : حديثٍ عمرو بن شعيب ، وإبراهيم الهَجَري ، وربما أخذَ بالحديثِ المرسلِ إذا لم يجىء خلافُه )) . وقال أحمدُ - في رواية مُهنَّا في حديثِ مَعْمَر عن سالم عن ابن عمر (( أن غَيْلانَ أسلمَ وعندَه عشرُ نسوة)) (١) - قال أحمدُ: ((ليسَ وقال الترمذيُّ في (( العللِ الكبيرِ)) (ورقة ٣ وجه ١ = ٩٠/١): ((فسألتُ = محمداً - يعني البخاريَّ - عن هذا الحديثِ ، فقال : هذا حديثٌ فيه اضطرابٌ ، والصحيحُ عن عائشة قولها)). وانظر مزيد تفصيل في ((التهذيب)) في ترجمة خالد ج٣ ص٩٧ - ٩٨. وفي ((ميزان الاعتدال)) ج١ ص٦٣٢ وفيه قول الذهبي: (( وهذا حديث منكر )». (١) كذا في الأصول الخطية: ((معمر عن سالم عن ابن عمر ... )). والحديثُ أخرجه الإمامُ أحمدُ في (( المسند)) ج٦ ص٢٧٧ - ٢٧٨ رقم ٤٦٠٩ حدثنا إسماعيلُ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزهريِّ عن سالمٍ عن أبيه أن غيلانَ بن سلمةَ الثقفيَّ أسلمَ وتحته عشرُ نسوةٍ. فقال له النبيُّ ◌َّر: ((اخترْ منهنَّ أربعاً)) . وأخرجه الترمذيُّ ج٣ ص ٤٣٥ حدَّثنا هنَّاد حدثنا عَبْدة عن سعيد بن أبي عَروبة عن معْمَر ، وابن ماجه ج١ ص٦٢٨ حدثنا يحيى بنُ حكيم ثنا محمد بن جعفر عن مَعْمَر ، وأخرجه الحاكم ج٢ ص١٩٢ - ١٩٣ من طرقٍ عن سعيد بن أبي عَروبةَ عن مَعْمَر ، وكذا غيرُهم أيضاً بأسانيدهم عن مَعْمر عن الزهريِّ عن سالم عن أبيه الحديث . =