Indexed OCR Text
Pages 321-340
٢٥٤ شرح علل الترمذي المسألةُ الثانيةُ : فيما يَقُولُ مَنْ عَرَضَ الحديثَ إذا حَدَّثَ به وقد ذكرَ التِّرمذيُّ بإسنادِه عن عطاء أنه أجازَ أن يقولَ : ثنا . وذكره(١) أيضاً عن أبي مُصْعبٍ صاحبِ مالكٍ. وعن يحيى القطانِ أنه قال : ((ثنا وأنا واحدٌ)). وسُئِلَ محمدُ بن نصر المَرْوَزي: (( ما الفرقُ بين ثنا وأنا ؟ قال : سوءُ الخُلُق!)). وروى محمدُ بن سعيد بن الأصبهاني عن شَرِيك مثلَ ذلكَ . وذكرَ [ظ - ١٣٩] الترمذيُّ أيضاً عن ابنٍ وهبٍ أنه كان لا يقولُ: ثنا إلا فيما سمعَ من لفظِ العالمِ مع الناسِ ، فإذا قُرِىءَ على العالم وهو شاهدٌ قال : أنا . وإن سمعَ وحدَهُ قال: حدثني . وإن قرأ وحدَه قال : أخبرني . والقولُ [آ - ٥٧] الأوَّلُ - وهو الرُّخْصَةُ في أن يقول مَنْ عَرَضَ على العالم: (( ثنا )) - هو مرويٌّ عن الحسنِ ، والزهريِّ، ومنصورٍ ، والثوريِّ ، ومالكِ ، وابنٍ جريجٍ ، وأبي حنيفةً . ورواهُ محمدُ بن كثير عن الأوزاعيِّ، ورُوِيَ أيضاً عن يحيى بن سعيد القطّانِ . وقد تقدَّمَ مثلُه عن أحمدَ (٢) إلا أنه اسْتَحَبَّ أنه يقولَ: ((قرأتُ)). (١) ((وذكر)) ظ وب. (٢) في ص ٢٤٣ . ٢٥٥ فصل من قوانین رواية الحديث وقال أحمدُ أيضاً : (( ثنا وأنا واحدٌ)). نقله عنه سلمةُ بن شَبِيْب(١) وغيرُه . وكذلكَ قال يزيدُ بن هارون ، والنضرُ بن شُمَيل ، وأبو عاصم النبيلُ ، ووهبُ بن جَرِير ، وابنُ عُيينةَ ، وأبو الوليدِ ، وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ ، ورُويَ عن مالكِ وسفيانَ أيضاً . وقد جمعَ الطحاويُّ في التسويةِ بينهما جُزء٢(٢). وأما القولُ الثاني(٣): وهو أن يقولَ في العَرْضِ ((أنا))، وفي السَّماع (( ثنا)): فهو مَحْكِيٌّ عن طائفةٍ من العلماءِ ، منهم النسائيُّ ، وقبْلَه يونس بن عبد الأعلى . وحكاهُ بعضُهم عن أكثرِ أصحابِ الحديثِ . وهو مأثورٌ عن ابن جريج، قال يحيى بن سعيد: (( كان ابنُ جُريج صَدُوقاً، إذا قال: ((حدَّثني)) فهو سماءٌ، وإذا قال: ((أنا)) أو ((أخبرني)) فهو قراءةٌ. وإذا قال: ((قال)) فهو شِبْهُ الرِّيح)). يعني أنه لم يسمَعْه ولم يقرأه . ورُوي عن الأوزاعيِّ أنه أَمَرَ في الرِّواية عنه بذلكَ، وكذا نقلهُ الربيعُ عن الشافعيِّ . وذكرَ أبو داودَ في مسائلهِ قال: قيلَ لأحمدَ : ((كأنَّ أخبرنا أسهلُ من حَدَّثنا ؟ قال: نعم، هو أسهلُ، ((ثنا )) شديدٌ)). (١) (( شيبه )) ب ، وهو تصحيف. (٢) توجد منه نسخةٌ خطيةٌ في دارِ الكتبِ الظاهرية مجموع رقم ٩٢/ ١٧ . (٣) من قوله ((وقد جمع)) إلى هنا سقط من ب. ٢٥٦ شرح علل الترمذي وقال عوفٌ: إذا قرأ العالمُ على العالم فقال: ((حَدَّثني)) فهي كُذَيْبَةٌ (١) . وكذلكَ رُوِيَ عن حَمَّادِ بن زيد أنَّه مَنَعَ في العَرْضِ أن يقول : (( ثنا)). وقال عثمانُ بن أبي شيبة : ((كان ابنُ المباركِ يقول : قرأتُ على ابنِ جُريج ، ولا يقول : أنا )). وقال أحمدُ في روايةٍ أبي داود : (( يعجبُني أن يقولَ كما فعل ، يقولُ : قرأتُ )). وقال أحمدُ في روايةِ ابنه عبدِ الله: (( إذا سمعتَ من المحدِّثِ فقل: ((ثنا)). وإذا قرأتَ عليه فقل: ((قرأت))، وإذا قُرىءَ عليه فقل: ((قُرِىء عليه)). قال: وأحَبُّ إليَّ أن يبيِّنَ كما كان)). ولكن هذا محمولٌ منه(٢) على الاستحباب كما تقدَّم ذلكَ(٢) صَرِيحاً عنه، ومن أصحابنا من حَمَلَهُ على الوُجوبِ . وقال أبو القاسم البَغَويُّ: (( كان أحمدُ لا يرى في العَرْضِ والإجازَةِ ((أنا)) ولا (( ثنا))، إنما رأيه أن يبيِّن الراوي كما كان)). وقرأ رجلٌ على شَرِيك، ثم [ب - ٤٠] سأله فقال: ((أقولُ: ثنا شَريكٌ))؟ فقال: ((إذن تكذِبَ)). وقال يحيى بن سعيد: (( ينبغي أن يحدِّثَ الرجلُ(٣) كما سَمِعَ ، (١) (( كذبة)) ظ. (٢) قوله ((منه)) و((ذلك)) ليس في ظ وب. وانظر ص٢٤٣ و٢٥٤. (( ينبغي للرجل أن يحدث )) ظ وب . (٣) ٢٥٧ فصل من قوانین روایة الحدیث فإنْ سَمِعَ ، يقولُ : ثنا . وإن عَرَضَ ، يقولُ : عَرَضْتُ ، وإن كانَ إجازة يقولُ: أجازَ لي(١))). وقال محمدُ بن كثير: « سألتُ الأوزاعيَّ عن الرجلِ يقرأُ على الرجلِ الحديثَ، يقولُ: ((ثنا))؟(٢) قال: لا، يقولُ كما صَنَعَ ، يقولُ(٣): ((قرأتُ))(٤) )). وقال ابنُ مَعِين: ((أرى إذا قَرَأ الرجلُ على الرجلِ أن يقولَ (٤): قرأتُ على فلانٍ، ولا يقولَ: ثنا، وإذا قُرِىءَ(٥) على الرَّجُلِ وهو شاهدٌ فليقلْ: قُرِىءَ على فلانٍ(٦) وأنا شاهِدٌ، يقولُ كما كان)) . وقال أحمد بن صالح المصريُّ فيمن قرأ على العالم: (( يقولُ قرأتُ . قيلَ له : فإن قالَ : ثنا ، قال : لا ينبغي له أن يقولَ إلا كما قرأ، فإن قال: حَدَّثنا فلم يكذِبْ ، قيل له(٧): فإن قالَ: أنا وأنبأنا ؟ قال : هو دونَ ثنا )). وقال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ: ((يقولُ : قرأتُ على فلان، ولا يقولُ : حَدَّثني)). (١) ((لي)) ليس في ظ. (٢) (( فيقول حدثنا)) ظ. ( یقول » ليس في ظ . (٣) من قوله ((قرأت )) إلى هنا سقط من ظ وب . (٤) (( قرأت )» ب وهو تصحيف . (٥) ((على ذلك)» ظ وهو خطأ. (٦) (٧) من قوله ((فإن قال ثنا )) إلى هنا سقط من ب. ٢٥٨ شرح علل الترمذي وقال شعبةُ: ((أَحَبُّ إليَّ أن يُبيِّن)). قال نعيمُ بن حماد: (( ما رأيتُ ابنَ المباركِ يقولُ قطُّ ((ثنا)» كأنه يرى ((أنا)) أوسعَ))(١) . وأما تفريقُ ابنٍ وَهْبٍ بين أن يكونَ سماعُه أو عَرْضُه وحدَه أو مع غيره، فيقولُ إذا كانَ وحدَه : حَدَّثني أو أخبرني ، وإذا كانَ مع غيرِه يقولُ : ثنا أو أخبرنا ، فهذا محمولٌ على الاستحبابِ دونَ الوجوبِ ، وقد رُويَ مثلُ ذلك عن سعيدٍ بن أبي مريم المصريِّ . ورُويَ معناهُ عن طائفةٍ من السلفِ . قال ابنُ أبي خيثمة : ثنا (٢) الوليدُ بن شجاع حدَّثني حمزةُ عن رجاءِ بن أبي سلمة عن ابنِ عون قال: (( ربَّما حدثنا ابنُ سيرين (١) خلاصةُ التحقيقِ أن اصطلاحاتِ المحدثينَ اختلفتْ فيما يقولُ من تحمَّلَ الحديثَ بالعرضِ، إذا حَدَّث به، وأسلمُ العباراتِ في ذلك أن يقول: (( قرأتُ على فلان، أو قُرِىءَ على فلانٍ وأنا أسمع))، ثم أن يقول: (( حَدَّثنا فلان قراءة عليه )) ونحو ذلك . أما إطلاقُ حَدَّثنا وأخبرنا في هذا فقد ذهبَ إلى جوازِ استعمالِهِما في العَرْضِ الإمامُ البخاريُّ والزهريُّ ومعظمُ الحجازيين ، والكوفيين . وذهب الشافعيُّ والإمامُ مسلمٌ وأهل المشرق إلى التمييزِ بينهما والمنعِ من إطلاق ((حدثنا))، واختاروا أن يقولَ: ((أخبرنا)). وهما من حيث لسانُ العربِ بمعنّى واحد إنما اصطلحَ المحدثونَ على التمييز بينهما في الاستعمالِ ، ثم صارَ التفريقُ بينهما هو الشائعَ الغالبَ على أهلِ الحديثِ، انظر ((علوم الحديث)) لابن الصلاح ص١٢٢ - ١٢٤، و((تدريب الراوي)» ص ٢٤٥، و((منهج النقد)) ص١٩٩. (٢) (( حدثني)) ظ . ٢٥٩ فصل من قوانین رواية الحديث فيقول : حَدَّثني أبو هريرةَ، وربما قال نا(١) أبو هريرة ، قال: فنقولُ: كيف هذا يا أبا بكر ؟ قال : أكونُ وحدِي فيحدِّثني، فأقولُ : حدَّثني ، وأكونُ في جماعةٍ فيحدِّثنا، فأقول: [آ-٥٨] ثنا)). وقال الوليدُ بن مزيد (٢): ((قلتُ للأوزاعيِّ: كتبتُ عنكَ حديثاً كثيراً، فما أقولُ فيه؟)) قال: (( ما قرأتُه عليكَ وحدكَ فقلْ فيه: حدَّثني ، وما قرأتُه على جماعةٍ أنتَ فيهم فقلْ فيه : ثنا ، وما قرأتَه عليَّ وحدَك فقل فيه : أخبرني ، وما قرأَ عليَّ جماعةٌ أنتَ فيهم فقلْ فيه : أنا، وما أجزتُه(٣) لك وحدَك فقل فيه: خَبَّرني، وما أجزته(٣) لجماعةٍ أنتَ فيهم فقل فيه : خَبَّرنا )) . وخَرَّجَ الخطيب كلامَ ابنِ وهب الذي خَرَّجَهُ الترمذيُّ من طريقٍ ابنِ أخي ابنِ وهبٍ عنه ، ثم قال : (( هذا هو المستحبُّ ، وليسَ بواجبٍ عندَ أهلِ العلم» (٤). ثم ذكرَ بإسناده(٥) عن أحمد بن صالح أنه أجازَ لمن سمعَ وحدَه(٥) أن يقولَ: ((ثنا)) ولمن سَمِعَ مع(٢) جماعَةٍ أن يقولَ: (( حَدثني)). وعن أبي داودَ قال : قلتُ لأبي عبدِ اللهِ يعني أحمد: ((إذا سمعَ الرجلُ وحدَه يقولُ: نا فلان؟)) قال: ((لا بأسَ)). (١) (( أخبرنا)» ظ وب، وهو خطأ. (( يزيد )) ب ، وهو تصحيف . (٢) (( أخبرته )) ب ، وهو تصحيف . (٣) ((الكفاية)) ص٢٩٤ ولفظه (( ... وليس بواجبٍ عند كافةٍ أهل العلمٍ)). (٤) قوله (( بإسناده )) و(( وحده )) ليسا في ظ وب . (٥) (٦) ((مع )) زيادة من ظ وب . ٢٦٠ شرح علل الترمذي ومن طريقِ الأثرم قال : قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: ((أليسَ هذا جائزاً أن يقولَ: حدَّثني، وهو ينوي أنه قد [ظ - ١٤٠] حدَّثه فيمن حَدَّثَ، ويقولَ: أشهدني، وقد أشهدَ جماعةً ؟ قال : فظننتُ أنه سهَّل في ذلك)). وعن ابنِ المباركِ قال: (( إذا حَدَّثَ الرجلُ جماعةً فليقلْ كلٌّ منهم: حدَّثني)) . وعن يحيى بن سعيد أنه رَخَّصَ فيه أيضاً. قال أبو عُبَيْد: (( كنتُ أسمعُ ابنَ المباركِ كثيراً يقولُ: أخبرني، وكنتُ أرى أنه سمعَهُ وحدَهُ، حتى أخبروني أنه كانَ يقولُ: ((إذا حَدَّثنا فقد حَدَّثَ كلَّ واحدٍ منا على حيالِهِ))، فلهذا استجازَ أن يقولَ)). وذكرَ البيهقيُّ قولَ ابنِ وَهْبٍ وسعيدِ بن أبي مريم الذي تقدَّمَ ذِكْرُهُ، وقال: ((هذا تفصيلٌ حَسَنٌ وعليه أدركْنا (١) مشايخَنا، وهو معنى قولٍ أحمد والشافعيِّ(٢) رحمهما الله)). وذكرَ عبدُ الغنيِّ بن سعيد قال : سمعتُ الوليدَ بن القاسم يقولُ: سمعتُ أبا عبدِ الرحمن النسائيَّ يقولُ: (( كان إسحاقُ بن رَاهُوْيَةْ يقولُ : إذا قرأتَ فقل : قرأتُ، وإذا قُرىءَ عليك فقل: قُرِىء ، وإذا حَدَّثكَ فقل : حدَّثني، وإذا حدَّثكم فقل : حدَّثنا ، قل كما كان)). قال عبدُ الغني: ((وبلغني عن أحمدَ بن حنبل (٣) نحوُه)). (١) ((أدركت)) ظ وب. (٢) (( الشافعي وأحمد)» ظ وب. (٣) ((بن حنبل)) ليس في ظ . ٢٦١ فصل من قوانين رواية الحديث وروى بإسناده عن أبي نعيم قال: (( أتينا موسى بن عُلَيِّ بمكةَ ، فقلتُ : حَدَّثكَ أبوكَ ؟ قال : لا ، حَدَّثَ القومَ وأنا فيهم ، فقلتُ : فكيفَ تقولُ ؟ قال : أقولُ سمعتُ أبي(١))). المسألةُ الثالثةُ : الروايةُ بالمناولةِ وقد أسندَ الترمذيُّ عن منصور بن المعتَمرِ أنه رَخَّصَ في الروايةِ بها . والمناولةُ نوعٌ من أنواع الإجازةِ ، إلا أنها أرفعُ أنواعِها . وصورَتُها : أن يدفعَ العالمُ كتابَه إلى رجلٍ ويقول(٢) له: (( هذا حديثي أو كتابي فاروه عَنِّي أو نحو ذلكَ)) (٣). وممَّن رأى الروايةَ بها أيضاً الزهريُّ [ب - ٤١] ومالكٌ، والأوزاعيُّ - في المشهور عنه - ، والليثُ ، وأحمدُ . قال المروذي : قال أبو عبد الله: (( إذا أعطيتُكَ كتابي فقلتُ لك : اروه عني وهو من حَدِيثي فما تبالي أسمعتَه أم لم تَسْمَعْه)) قال : فأعطاني المسندَ ، ولأبي طالبٍ مناولةً )) . وقول يحيى بن سعيد في روايةٍ ابن جُرَيجٍ عن عطاء الخراسانيِّ : (١) ((أبي)) ليس في ب. (( إلى رجل له ويقول )) ب وهو سبق قلم . (٢) (٣) هذه الصورة للمناولة أعلى أنواع الإجازةِ على الإطلاقِ، وهي عندَ مالكٍ وجماعةٍ من العلماءِ بمنزلةِ السَمَاع. قال القاضي عياض في ((الإلماع)» ص٧٩ : (( وهي روايةٌ صحيحةٌ عندَ معظمِ الأئمةِ والمحدِّثين ... وهو قول كافةِ أهلِ النقلِ والأداءِ والتحقيقِ من أهل النظرِ)). ٢٦٢ شرح علل الترمذي ((إنها ضعيفةٌ لا شيء، إنما هي(١) كتابٌ دَفَعَه إليه))، يدلُّ على أنَّه كان لا يرى الروايةَ بالمناولةِ ، إلا أن يُحْمَلَ على أنه لم يأذن له في روايته عنه . وفي جوازِ الروايةِ بذلكَ في هذه الحالِ خلافٌ بين أهلِ العلمِ ، ذكرَهُ أبو بكر الخطيبُ(٢) وغيرُهُ . وروئ الوليدُ عن الأوزاعيِّ أن المناولةَ يُعْمَلُ بها ولا يُحدَّث . ومن أنواع المناولةِ أن يأتيَ الطالبُ إلى العالِمِ بجزء من حديثِهِ قد كتبَهُ من أصلٍ صحيحٍ فيدفعهُ إلى العالمِ ويستجيزُهُ إِيَّاه ، فيجيزُه له ويردُّه إليه ، إلا أنهم اشترطوا أن ينظرَ فيه العالمُ ويصححَهُ إن كان [آ - ٥٩] يحفظُ ما فيهِ، أو أن يقابلَ بِهِ (٣) أصلَهُ إن كانَ لا يحفَظُهُ، وقد فعلَ ذلكَ مالكٌ ، وأحمدُ ، ومحمدُ بن يحيىُ الذُّهْلي ، واشترطهُ أحمدُ بن صالح المصريُّ(٤) . وقال أحمدُ في روايةِ حنبل : (( المناولةُ لا أدري ما هي حتى يعرفَ المحدِّثُ حديثَه ، وما يدريه ما في الكتابِ ؟! ، قال : وأهلُ مصرَ يذهبونَ إلى هذا وأنا لا يُعْجبني)). قال أبو بكر الخطيبُ(٥): (( أراه أرادَ أنَّ أهلَ مصرَ يذهبونَ (١) ((هي)) سقط من ب. في الكفاية ص٣٤٦ - ٣٤٩ . (٢) (٣) (( به )) ليس في ب . (٤) هذا من نوع الصورةِ السابقةِ للمناولةِ، والشرطُ فيه أن يقفَ الشيخُ على أحاديثٍ الكتابِ المَناوَلِ، ويعرِفَه، ويحقِّقَ صَّته ويجيزه له، كما في ((الإلماع)) ص٧٩ ، وغيره . (٥) في ((الكفاية)) ص٣٢٨ . ٢٦٣ فصل من قوانين رواية الحديث إلى(١) المناولةِ من غيرِ أن يعلمَ الراوي هل ما في الجزءِ حديثُه أم لا واللهُ أعلم)). وهذا الذي ذكرهُ الخطيبُ صحيحٌ ، وقد اعتمدَ أحمد في ذلكَ على حكايةٍ حكاها له ابنُ مَعِين عن ابنٍ وَهْبٍ أنه طلبَ من سفيانَ بنِ عُيينةَ أن يُجيزَ له روايةَ جُزءٍ(٢) أتاه به في يدهِ ، فأنكرَ ذلكَ ابنُ مَعِين ، وقال لابنٍ وَهْبٍ: ((هذا والريحُ بمنزلةٍ، ادفع إليهِ الجزءَ حتى ينظرَ في حديثِهِ )). وقد رُوي عن ابنِ شهابٍ جوازُ ذلكَ أيضاً ، إلا أنَّ الخطيبَ(٣) تأوَّلَهُ على أنه كان سَبَقَ علمُه بما فيه ، وفيه بُعْدٌ . وظاهرُ ما أسنَدَهُ الترمذيُّ(٤) عن ابنِ جُريج وهشام بن عروةَ يدُلُّ على جوازِ ذلكَ أيضاً ، ورُويَ عن مالكٍ ما يدُّلُّ عليه . وإن قال العالمُ: ((إن كانتْ هذه من حديثي فحدِّثْ بها )) جازَ ، وفعلَهُ مالكٌ رضي الله عنه . (١) من قوله ((هذا)) إلى هنا سقط من ب. (٢) في ظ وب ((طلب من سفيان بن عيينة جزءاً)). (٣) في ((الكفاية)) ص٣٢٩ ولفظه (( قلتُ : قد يحتَمِلُ أن يكونَ قد تقدَّم نظرُ ابنِ شهابٍ في الصحيفةِ، وعَرَفَ صخَتها وأنها من حديثِهِ ، وجاءَ بها بعدُ إليه مَن يثق به ، فلذلكَ استجازّ الإذنَ في روايتها من غيرِ أن ينشرها وينظُرَ فيها ، واللهُ أعلم )) . (٤) ((الزهري)) ظ وب، وهو تصحيف. وسقط منهما قوله ((أيضاً)) الآتي في السطر التالي . ٢٦٤ شرح علل الترمذي وظاهرُ كلام أحمدَ يدُلُّ على أنَّه لا بدَّ أن يكونَ المناوَلُ(١) حاضراً ، فإن أذنَ له في روايةِ شيءٍ غائبٍ لم يجُزْ(٢) ، فإنه قالَ في رواية الأثرم : كانَ شعيبُ بن أبي حمزةَ عَسِراً في الحديثِ ، فسألوهُ أن يأذنَ لهم أن يرووا عنه، فقال: (( لا ترووا هذه الأحاديثَ عني))، ثم كلّموه وحَضَرَ ذلكَ أبو اليمانِ، فقال لهم: (( ارووا تلكَ الأحاديثَ عني)) . قيل لأبي عبد اللهِ: ((مناولةً؟)) قال: ((لو كان مناولةً كان لم يعطهم كتباً ولا شيئاً ، إنما سَمِعَ هذا فقط )) . فكان أبو اليمان بعدُ يقول: (( أنا شعيب))، فكأنه استحلَّ ذلكَ بأنْ سَمِعَ شعيباً يقولُ لقومٍ: ((ارووه عني)). قال: ((استحلَّ ذلكَ بشيءٍ عجيب! )) وذكرَ(٣) أحمدُ ذلكَ على وجهِ الإنكارِ على أبي اليمانِ . وحديثُ أبي اليمانِ عن شعيبٍ مَّفقٌ على تخريجِهِ في الصَّحيحينِ ، وإذا كان حديثُ شعيبٍ عندَهم معروفاً وأذن لهم في روايته عنه ، فلا حاجةَ إلى إحضارِهِ ، ومناولتِهِ ، بل هذه إجازةٌ من غيرِ مناولةٍ(٤). (١) ((المناولة)» ظ، وهو تصحيف. (٢) أي لم يجز مناولة ، إنما يكون إجازة من غير مناولة كما سيأتي ، ويأخذ حكم الإجازة المجردة عن المناولة . (٣) في ب (( استحل ذلكَ شيء عجيب ذلكَ أحمد )) وهو غلط . (٤) أي أن الإجازةَ وَقعتْ بأحاديثِ شعيب المعروفةِ لأصحابهِ ، وإذا كانت كذلكَ فهي صحيحةٌ تجوزُ الروايةُ بها . ويدلُّ لذلكَ قولهُ لهم: (( لا ترووا هذه الأحاديث عني)) فإنه يشعرُ بأنها معهودةٌ لهم ، لأنه عبَّر باسم الإشارةِ . وأجابَ الحافظُ ابنُ حجر عن ذلكَ جواباً آخر نسوقُه لك من كتابه « هدي الساري)) ج٢ ص١٢٤ في ترجمة أبي اليمان الحكم بن نافع الحمصيِّ قال = ٢٦٥ فصل من قوانين رواية الحديث والحديثُ الذي خرَّجَهُ الترمذيُّ عن الحسنِ يدُلُّ على جوازٍ ذلكَ أيضاً، إلا أن أبا اليمانِ كانَ يقولُ في الروايةِ بها: (( أنا)). وقد نهى عن ذلكَ الأوزاعيُّ وأحمدُ بن صالح المصريُّ . ورخَّصَ فيه آخرون ، منهم مالكٌ، ورواه الوليدُ بن مزيد(١) عن الأوزاعيِّ أيضاً ، وقد رُويَ عن أحمدَ أيضاً . قال صالحُ بن أحمد الحافظُ سمعت القاسمَ بن أبي صالح يقولُ سمعتُ إبراهيمَ بنَ الحسينِ يقولُ سمعتُ أبا اليمانِ(٢) الحكمَ بنَ نافع يقولُ: ((قال لي أحمدُ بن حنبل: [ظ - ١٤١] كيفَ سمعتَ الكُتُبَ من شعيبٍ بن أبي حمزةَ ؟ قلتُ : قرأتُ عليه بعضَه ، وبعضُه قرأه عليَّ، وبعضَه أجازَ ما نصه : (( مجمع على ثِقَتِهِ اعتمدَه البخاريُّ ، وروى عنه الكثير ، وروئ له = الباقونَ بواسطةٍ ، تكلّمَ بعضُهم في سماعِهِ من شعيب ، فقيل : إنه مناولة ، وقيل : إنه إذنٌ مجرَّدٌ ، وقد قالَ الفضلُ بن غسّان : سمعتُ يحيى بن مَعِين يقول : سألتُ أبا اليمانِ عن حديثِ شعيبٍ؟ فقال: (( ليس هو مناولة ، المناولةُ لم أخرجها لأحدٍ )) . وبالغَ أبو زرعةَ الرازيُّ فقال: ((لم يسمع أبو اليمانِ من شعيبٍ إلا حديثاً واحداً )). ( قلت ) إن صحَّ ذلكَ فهو حُجَّة في صحَّةِ الرواية بالإجازةِ ، إلا أنه كان يقولُ في جميعِ ذلكَ أخبرنا ، ولا مُشاحَّةَ في ذلكَ إن كان اصطلاحاً له )). انتهى كلامُ الحافظِ . (١) ((مرثد )) ب وهو تصحيف . (٢) (( أنا أبو اليمان)) ب . ٢٦٦ شرح علل الترمذي لي(١)، وبعضُه مُنَاولة. فقال: قل في كلَه: أنا شعيب)). ونقل البَرْدَعِي (٢) عن أبي زُرْعَةَ الرازيِّ قال: ((لم يسمعْ أبو اليمانِ من(٣) شعيبٍ بن أبي حمزةَ إلا حديثاً واحداً والباقي إجازة)) . ومن أنواعِ المُنَاولةِ : أن يكتبَ العالمُ إلى رجلٍ بشيءٍ من حديثِهِ ويختِمَه ، ويأذنَ له في رِوایتِهِ عنهُ . وهي دونَ المناولةِ من يَدِهِ (٤)، وقد روى [ب ـ ٤٢] بها خَلْقٌ کثیرٌ من جلّةِ السَّلَفِ والخلَف . وقال أيوبُ، وشعبةُ ، ومنصورٌ ، (١) ((وبعض أجازني)) ظ. (٢) (( البردي)) ظ وب . قوله (( أبو اليمان من )) سقط من ظ . (٣) (٤) هذا النوعُ جعلهُ علماءُ أصولِ الحديث نوعاً مستقلاً من طُرُقِ تحمُّلِ الحديثِ هو ((المُكاتبة)). وقد ذكرَ الحافظُ ابنُ رجبٍ هنا نوعاً منها هو المكاتبةُ المقرونةُ بالإجازةِ ، وهناكَ نوعٌ آخرُ هو المكاتبةُ المجرَّدَةُ من الإجازةِ ، والصَّحيحُ المشهورُ عندَ أهلِ الحديثِ هو تجويزُ الروايةِ بها بنوعيها، قال القاضي عياض: ((وقد استمرّ عملُ السلفِ فمَنْ بعدَهم من المشايخِ بالحديثِ بقولهم : كتبَ إليَّ فلانٌ قال : أخبرنا فلان ، وأجمعوا على مقتضى هذا التحديثِ ، وعدُّوه في المسندِ بغيرِ خلافٍ يُعرفُ في ذلك . وهو موجودٌ في الأسانيدِ كثيرٌ)). ((الإلماع)) ص٨٦، وانظر ((الكفاية)) ص٣٤٥، و((علوم الحديث)) ص ١٥٣ - ١٥٥ وغيرها . ٢٦٧ فصل من قوانین رواية الحديث وغيرُهم : ((إذا كتبَ إليك العالمُ فقد حدَّثَكَ)). قال ابن وَهْبٍ : كان يحيى بنُ سعيدٍ يكتُبُ إلى اللَّيثِ بن سعدٍ ، فيقولُ اللَّيْثُ: ((حدَّثني يحيى بن سعيد. وكان هشامٌ يكتُبُ إليه فيقولُ(١): حَدَّثني هشام)). وهؤلاءِ منهم من طَرَدَ ذلك(٢) في بابِ الشهادةِ، فأجازَ الشهادةَ على الكتابِ المختوم ونحوِه ، وإن لم يعلمْ ما فيهِ . وحُكي ذلكَ عن الزهريِّ، وهو قولُ أبي عُبَيْد ، وأبي يوسفَ ، وخَرَّجَهُ طائفةٌ من أصحابنا روايةً عن أحمدَ . ومنهم من فَرَّقَ بينَ الروايةِ والشَّهادةِ ، فأجازَ الروايةَ بالمناولةِ دونَ الشهادةِ على الخطِّ المختوم ، وهو المشهورُ عن الشافعيِّ ، وأحمدَ ، وأبي حنيفةَ ، وغيرِهم من الفقهاءِ . وفَوَّقَ كثيرٌ منهم بأنَّ الروايةَ مبناها على المُسَامَحَةِ ، فإنه لا يُشْتَرَطُ لها العدالةُ الباطنةُ، ويُقْبَلُ فيها قولُ النساءِ والعبيدِ مطلقاً . ويُقْبَلُ فيها العنعنة بخلافِ الشهادةِ . ومنهم من فَرَّقَ بأنَّ الشهادةَ قد (٣) يخفى تغيُّرها وزيادتُها ونقصُها ، بخلافِ الحديثِ ، فإنه قد حُفِظ وضُبط(٤) فلا یکادُ يخفى تغیُّره . وقيل : إن في كلام أحمدَ [آ - ٦٠] إيماءً إلى هذا الفرقِ . (١) من قوله ((حدثني يحيى)) إلى هنا سقط من ب . (٢) أي عمى بموجب هذه القاعدة . (٣) (( قد )) ليس في ظ وب. (٤) (( ضبط وحفظ )» ظ وب . ٢٦٨ شرح علل الترمذي وقد جَوَّزَ كثيرٌ من العلماءِ العملَ بالوصيةِ المختومةِ ، وإن لم يُشْهَد عليها ، وهو نصُّ أحمدَ ، وقولُ محمدٍ بن نصر المروزيِّ ، وغيرِه . وكذلكَ جَوَّزَ كثيرٌ من فقهاءِ الحجازِ عملَ القاضي بكتابٍ القاضي ، إذا عَرَفَ أنه كتابُه من غيرِ شهادةٍ على ما فيهِ . وقد حكى المُعافَى بن زكريا ذلكَ عن جمهورٍ فقهاءِ الحجازِ والشام ومصرَ والمغربِ والبصرةِ . وحكاهُ عن مالكٍ ، والأوزاعيِّ ، واللَّيثَ(١)، وإسحاقَ، وأبي عبيدٍ، وسمَّى عَدداً كثيراً . ولكنْ لا يَلْزَمُ من جوازِ العملِ بالخطِّ المعروفِ جوازٌ تحمُّلٍ الشهادةِ بما لم يسمعْهُ ، وإن جازَ أن يشهدَ أنه خَطُّ فلانٍ إذا عَرَفه . ولعلَّ مرادَ كثيرٍ ممن قالَ بقَبُولِ الكتابِ المختوم المشهودِ عليه ، وإن لم يُقْرأ على الشهودِ: أن الشاهدَ يشهدُ أن هذا كتابُ فلانٍ أو خطُّه ، فحينئذٍ يكونُ العملُ(٢) بالخَطِّ . وقد تقدَّمَ أن الأوزاعيَّ فَرَّقَ في المناولةِ بينَ العملِ والرِّوايةِ ، في روايةٍ عنه ، فلا يلزمُ من جوازِ العملِ بما عُرِفَ صحَّتُه جوازُ تحمُّله من غيرِ تحمُّلٍ له(٣) . (١) ((والليث والأوزاعي)) ظ وب. (٢) (( فيكون العمل حينئذ )» ظ وب . (٣) ليسَ هذا نقداً من الحافظِ ابنِ رجب لصحَّةِ الروايةِ بالمكاتبةِ ، فقد عرَّفناك صحَّتَها وعملَ المحدثينَ على ذلك، إنما هو تنبيهٌ دقيقٌ من الحافظِ إلى أنَّ جوازَ العملِ بكتاب الوصيَّةِ المختومِ ، لا يلزمُ منهُ جوازٌ روايةِ مضمونٍ الكتابِ ، إذا لم يُطّلع عليه عِندَ كتابتهِ . فهناكَ فرقٌ بين العملِ بما عَلِمَ صِحَّتَهُ ، وبين روايتهِ على أنَّه قد تحمَّلَهُ من صاحبِهِ وهو لم يتحمَّله منه . = ٢٦٩ فصل من قوانين رواية الحديث وأما الأثَرُ الذي خَرَّجَهُ الترمذيُّ من حديثٍ بَشِير بن نَهِيكٍ عن أبي هريرةَ، فقد رواهُ رَوْحُ بنُ عُبادةَ عن عمران بن حُدَيْرِ(١) عن أبي مِجْلَزٍ قال: قال بَشِير بن نَهِيك: ((كنتُ أكتبُ بعضَ ما أسمعُ من أبي هريرةَ ، فلما أردتُ فِرَاقَهُ أتيتُ بالكُتُبِ فقرأتُها عليه ، فقلتُ : هذا سمعتُه منك ؟ فقال(٢): نعم)). ورواهُ عثمانُ بن الهيثمِ عن عمرانَ به بنحوِه . ورواه أبو عاصمٍ عن عمرانَ بن حُدَيْرٍ به(٣) ، وقال في حديثه : ((فلما أردتُ فراقَه أتيتُه فقلتُ : هذا حديثُك أحدِّثُ به عنكَ ؟ قال : نعم)). وهذا ليسَ من بابِ المناولةِ ولا من باب العَرْضِ المجرَّدِ ، بل رواية رَوح تدُلُّ على أنه عَرْضٌ بعدَ سماعٍ . وفي كلتا الروايتينِ أنه كانَ يكتبُ ما يسمعُ منه، ثم أقرَّ له به أبو هريرةَ ، وأذنَ له في روايتِهِ ، وهذا نهايةُ ما يكونُ من التثبُتِ في السَّماع مع أنَّ البخاريَّ قال في بَشِير: ((لا أرى له سماعاً من أبي هريرةَ))، نقله عنه ولتحقيقِ ذلكَ نذكِرُ الوِجادةَ فإننا نعملُ بما نجدُه من كُتُبِ العلماءِ ، = متى صحَّتْ لنا نسبةُ الكتابِ إلى صاحبهِ ، بما تثبتُه أصولُ التحقيقِ العلميِّ، لكنْ لا يجوزُ لنا أن نرويَ مضمونَ الكتابِ عن صاحبهِ بالسَّنَد ، كأن نقول : أخبرنا أو أنبأنا فلان ، كما نفعلُ إذا تحمَّلناهُ عنه بالإجازةِ أو بالمناولةِ مثلاً . (١) (( جدير)) ب، وهو تصحيف، وقد تكرر فيما بعد . (٢) ((قال)» ظ وب . (٣) ((الكفاية)) ص ٢٨٣ . ٢٧٠ شرح علل الترمذي الترمذيُّ في العِلَلِ(١) المسألةُ الرَّابعةُ الروايةُ بالإجازةِ من غير مُناولَةٍ وقد ذكرَ الترمذيُّ عن بعضِ أهلِ العلمِ إجازَتها ، وقد حكاهُ غيرُه عن جمهورِ أهلِ العلمِ ، وحكاهُ بعضُهم إجماعاً ، وليسَ كذلكَ . بل قد أنكرَ الإجازةَ جماعةٌ من العلماء ، وحُكِيَ ذلكَ عن أبي زُرْعَةَ ، وصالحٍ بنِ محمد ، وإبراهيمَ الحربيِّ . وروى الربيعُ عن الشافعيِّ أنه كَرِهَ الإجازةَ. قال الحاكمُ: ((لقد كَرِهَ المكروه عندَ(٢) أكثرٍ أئمةِ هذا الشأنِ(٣) )). (١) ((العلل الكبير)) ورقة ١/٣٨ = ٥٥٤/١. وهذا الذي ذكره عن البخاري ((مردود بما تقدم)» كما قال الحافظُ ابنُ حجر في ((تهذيب التهذيب )) ج١ ص٤٧٠ ، أي بحديثٍ عَرْضٍ بشير كتابَ حديثِهِ على أبي هريرة ، فإنَّ سَنَدَهُ صحيحٌ . وبه يثبتُ سماعُ بشيرٍ من أبي هريرة . وقد سبق في ص ٢٣٥ . (٢) في ب ((لقد كرهت عند أكثر))، وفوق ((كرهت)) كلمة ((لعله)) مما يشيرُ إلى أن الناسخَ كتبَ بالمعنى . (٣) الإجازة هي إذنُ المحدِّثِ للطالبِ أن يرويَ عنه حديثاً أو كتاباً أو كُتباً من غيرِ أنْ يسمعَ ذلكَ منه أو يقرأه عليه ، كأن يقول له : أجزتُكَ أو أجزتُ لك أن ترويَ عني صحيح البخاريِّ ، أو كتابَ الإيمانِ من صحيحِ مسلمٍ . فيروي عنه بموجب ذلكَ من غيرِ أن يسمَعَهُ منه أو يقرأه عليه . = ٢٧١ فصل من قوانين رواية الحديث والذين أنكروا الإجازةَ المطلقةَ منهم من رَخَّصَ في المناولةِ ، وهو قولُ أحمدَ بن صالح المصريِّ ، ورُوِيَ أيضاً مثله عن إبراهيمَ الحربيِّ ، وأبي بكرِ البَرْقانيِّ . وقد أجازَ الروايةَ بها جمهورُ العلماءِ من أهلِ الحديثِ وغيرِهم ، = ((الإلماع)) ص٨٩، و((اختصار علوم الحديث)) ص١١٩ . وقال ابن الصلاحِ ص ١٣٥ - ١٣٦: ((ثم إن الذي استقرَّ عليه العملُ وقال به جماهيرُ أهلِ العلمِ مَن أهلِ الحديثِ وغيرِهم القولُ بتجويزِ الإجازةِ وإياحةٍ الروايةِ بها . وفي الاحتجاجِ لذلك غموضٌ ، ويتجه أن نقول : إذا أجازَ له أن يرويَ عنه مروياتِهِ فقد أخبَّره بها جُمْلةً ، فهو كما لو أخبره بها تفصيلاً ، وإخبارُه بها غير متوقِّفٍ على التصريح نُطقاً ، كما في القراءةِ على الشيخ ، كما سبق ، وإنما الغرضُ حصولُ الإفهامِ والفَهْمِ، وذلك يحصلُ بالإجازةِ المفهمةِ ، والله أعلمُ )) انتهى . وفي رأينا أنه يزولُ الغموضُ وتتضحُ الحَجَّةُ في إباحةِ الإجازةِ بإلقاءِ الضوءِ على الوضعِ الذي وُجِدتْ فيه الإجازةُ كما حقَّقناهُ في كتابِ منهج النقد : وذلك (( أن العلماءَ اعتمدوا على الإجازةِ بعدما دُوِّنَ الحديثُ وكُتِب عَلى الصحفِ ، وجمع في التصانيفِ ، ونقلتْ تلكَ التصانيفُ والصحفُ عن أصحابِها بالسَّند الموثوقِ الذي ينتهي بقراءةِ النسخةِ على المؤلِّفِ أو مقابلتها بنسخَتِهِ ، فأصبَحَ من العسيرِ على العالمِ كلما أتاهُ طالبٌ من طلابِ الحديثِ أن يقرأ عليه الكتابَ ، فلجؤوا إلى الإجازةِ ، فالإجازةُ فيها إخبارٌ على سبيل الإجمالِ بهذا الكتابِ أو الكُتُبِ أنه من روايتِهِ . فتنزلُ منزلةً إخبارِه بكلِّ الكتابِ ، نظراً لوجودِ النسخِ . فإن دولة الوراقين قد قامت بنشرِ الكتبِ بمثل ما تفعله المطابعُ الآن . ولهذا لا يجوزُ لمن حملَ بالإجازةَ أن يروي بها إلا بعدَ أن يصحُّحَ نسخَتَه على نسخةٍ صحيحةٍ مقابلة على نسخةِ المؤلف ، أو نحوِ ذلك مما نُسخَ وصحّحَ على النسخِ المقابلةِ المصحّحةِ)). انتهى. ٢٧٢ شرح علل الترمذي وظاهرُ كلام أحمدَ في رواية الأثرم في قصةِ روايةٍ أبي اليمانِ عن شعيبٍ يدُلُّ على مثل ذلكَ ، إلا أن يحمَلَ إنكارُه على أبي اليمانِ على إطلاقِهِ لفظَ الإخبارِ في الروايةِ بالإجازةِ ، لا على أصلِ الروايةِ بالإجازةِ (١). وقد ذكرنا عنه روايةً أخرى أنه أجازَ لأبي اليمانِ إطلاقَ قوله أنا فيما يرويه عن شعيبٍ بالمناولةِ والإجازةِ . وهو قولُ كثيرٍ من السَّلَفِ والخَلَفِ . ورُوِيَ عن أحمدَ أنه أجازَ أن يقولَ ثنا فيما يرويه بالإجازةِ . وحُكيَ أيضاً عن مالكِ ، والليثِ بن سعد ، والثوريِّ وغيرِهم(٢). (١) انظر مسألة أبي اليمان في ص ٢٦٤ - ٢٦٥. (٢) (( والثوري والليث بن سعد )) ظ وب. ٢٧٣ فصل في الحديث المرسل ° فصلٌ في الحديثِ المُرْسَلِ ٥ قال أبو عيسى التِّرمذيُّ رحمهُ اللهُ : ( والحديثُ إذا كان مُرسلاً فإنه لا يَصِحُ عندَ أكثرِ أهلِ الحديثِ، وقد [ظ - ١٤٢] ضَعَّفَهُ غيرُ واحدٍ منهم (١): أخبرنا عليُّ بنُ حُجْر أنا بقيةُ بن الوليدِ عن عتبة بن أبي حكيم قال : (( سمع الزهريُّ إسحاقَ بن عبد الله بن أبي فروةً وهو يقولُ (٢): قال رسولُ اللهِ وَّهِ، قال رسولُ اللهِ وَلَه. فقال الزهريُّ: قاتَلَكَ اللهُ يا ابنَ أبي فروة! تجيئُنا بأحاديثَ ليس لها خُطُمٌ ولا أزِمَّة)»(٣). (١) ((منهم)) ليس في ب . (٢) في ظ وب ((إسحاق بن أبي فروة يقول)) وليس فيهما جملة ((قال رسول الله)) الثانية . والمثبت من الأصل موافقٌ ((لمعرفةِ علوم الحديث)) للحاكم النيسابوريٍّ ص٦. و((الكفاية)) ص٣٩١. (٣) وأخرجَهُ الحاكمُ في ((معرفةٍ علوم الحديث)) ص٦ بلفظ: ((فقال له الزهريُّ: قاتلكَ اللهُ يا ابن أبي فروة ، ما أجرأكَ على اللهِ!؛ لا تُسنِدُ حديثَك؟! تحدِّثنا بأحاديثَ ليس لها خُطم ولا أزِمّة)) . والخطيبُ البغدادي في (( الكفاية)) ص٣٩١ بنحو لفظ الترمذيِّ . ومدارُ الحديث عندهم على عتبة بن أبي حكيم ، لكنَّ الترمذيَّ والخطيبَ أخرجاه من طريقِ عليٍّ بن حُجْرٍ ، قال الترمذيُّ : =