Indexed OCR Text

Pages 201-220

١٣٤
شرح علل الترمذي
آخرِ كتابِ الطَّهارةِ(١).
والنسائي ج١ ص١٤٤، وابنُ ماجه ج١ ص١٩٥ ، ثلاثَتُهم من طريقٍ شعبةً
=
عن عمرو بن مرة ، ليس عندهم من طريقٍ ابن أبي ليلى .
وانظر في إِعلال الحديثِ ((مختصرَ المنذري)) ج١ ص١٥٦، وشرحَ أحمد
شاكر على (( الترمذي)) ج١ ص٢٧٤ - ٢٧٦.
(١) وفي الترمذيٍّ من طريقِ ابن أبي ليلى أحاديثُ أخرى لم يذكرها الحافظُ .
منها : عقبة بن خالد عن ابنٍ أبي ليلى عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى عن عبدِ الله بن زيد قال: ((كان أذانُ رسولِ اللهِ وَّرِ شَفْعاً شفعاً في
الأذانِ والإِقامةِ )) . خالفهُ شعبةُ فقال عن عمرو بن مرَّة عن عبد الرحمن بن أبي
ليلى قال حدَّثنا أصحابُ محمدٍ بِّهِ ((أن عبد الله بن زيد رأى الأذانَ في المنامِ »
قال الترمذيُّ: ((وهذا أصُ من حديث ابن أبي ليلى)) . يعني محمد بن
عبد الرحمن في السند الأول . وانظر تعليقَ أحمد بن شاكر ففيه فائدة جيدة ج١
ص٣٧١-٣٧٢ .
ومنها: حديثه عن عطيّةً ونافع عن ابن عمر قال: ((صليتُ مع النبيِّ وَِّ فِي
الحضرِ والسَّفرِ : فصليتُ معه في الحَضَرِ الظهرَ أربعاً وبعدَها ركعتين ،
وصليتُ معه في السّفرِ الظهرَ ركعتين وبعدها ركعتين .. )) الحديث . وقال :
(( هذا حديثٌ حَسَنٌ)) . وقد أخرج له الترمذي متابعة عن الحجاج عن عطية عن
ابن عمرج٢ ص ٤٣٧_٤٣٨ .
ومنها: حديثه عن الشَّعْبي قال : صلى بنا المغيرةُ بن شعبة فنهضَ في
الركعتين .. )) الحديث في ((السجودِ للسهوِ بعدَ السَّلامِ)). وقال: ((قد رُوي
من غيرِ وجهٍ عن المغيرة )) . ثم أوردَ الترمذيُّ الكلامَ عَلَى ابن أبي ليلى من قبل
حفظه ج٢ ص١٩٨ - ٢٠٠ .
ومنها: حديثه عن عطاء عن ابن عباس ( يرفع الحديث): «أَنَّه كانَ يمسكُ
عن الثَّلبيةِ في العُمرةِ إِذا استلمَ الحَجَرَ )). ثم قال: ((حسنٌ صحيحٌ)).
=

١٣٥
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
وأما مُجَالِدُ بنُ سعيدِ الهَمْدَانِيُّ الكُوفيُّ(١):
فليسَ هو بالحافظِ أيضاً، قد ضَعَّفهُ غيرُ واحدٍ :
قال يحيى بنُ سعيد: ((لو شئتُ أن يجعلها لي مجالدٌ(٢) كُلَّها عن
الشَّعْبيِّ عن مسروق عن عبدِ الله فَعَلَ)) ، يشيرُ إِلى أنه كان يقبلُ
التَّلقينَ . [ب _ ١٥] .
والحديث أخرجه أبو داود ج٢ ص١٦٣ ، وقال المنذريُّ في ( مختصره » ج٢
=
ص٣٤٢: ((وفي إِسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد تكلّم فيه
جماعةٌ من الأئمةِ )) .
وقال أبو داود : ((رواهُ عبدُ الملكِ بن أبي سليمان وهَمَّام عن عطاء عن ابنِ
عباس موقوفاً )) انتهى .
وفي رأينا أنه لا إِشكالَ في صِحَّةِ هذا الحديثِ ، لأن الموقوفَ فیه لهُ حکمُ
المرفوع ، فكانتْ روايةُ الآخرين مقوِّيةً للحديثِ ، فصحَّ تصحيحُ الترمذيِّ
إِياه ، والله أعلم .
ومن هذا التنبُّعِ والاستقراءِ نجدُ حُكمَ الترمذيِّ على أحاديثِ ابن أبي ليلى
آخذاً بالحيطةِ منَ جهةِ حفظِهِ متحرِّياً . خلافاً لما نسبَ بعضُ الأئمةِ إِلى
الترمذيٍّ من التساهلِ ، كما صنعَ الذهبيُّ في مواضعَ من ((ميزان الاعتدال)».
انظر التوسُّع في تبيانِ ذلكَ ونقده في بحثٍ دقيق في علل الحديث في كتابنا
((الإِمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصَّحيحين)) فصل المكانة العلمية
لعملٍ الترمذي في صناعة الحديث .
(١) كُنيتُه أبو عمرو، الهَمْداني بسكون الميم، مشهورٌ، صالحُ الحديثِ ، وقد
تغيَّر في آخرِ عُمره ، مات سنة أربع وأربعين ومائة ، حديثه عند مسلم متابعة ،
وأخرج له أصحاب (( السنن)).
(٢) ((في مخالد)) ب وهو تصحيف ، ثم تكرر تصحيفه فيها.

١٣٦
شرح علل الترمذي
وضَعَّفَهُ أحمدُ وقالَ : (( كم من أُعجوبةٍ لمجالِدٍ ))، وقال مَرَّة :
((هو يزيدُ في الأسانيدِ))(١)، وقال مرَّةً: ((ليسَ بشيءٍ، يرفعُ حديثاً
كثيراً لا يرفعُه النَّاسُ، وقد احتمَلَهُ الناسُ)).
وضعَّفَه يحيى بنُ مَعِين وقال: ((لا يُحتجُّ به))، وقال مَرَّةً :
((صالحٌ)). وقال النسائيُّ: ((ليسَ بالقويِّ)) وقال مرةً: ((ثقةٌ)).
وقالَ ابنُ حِبَّان : ((يقلبُ الأسانيدَ ، ويرفعُ المراسيلَ ، لا يجوزُ
الاحتجاجُ به)). وقال ابنُ عَديّ (٢): ((عامَّة ما يرويه غيرُ محفوظٍ)).
وقال الدَّارَ قُطني: ((ليسَ بثقةٍ(٣) ، يزيدُ بنُ أبي زيادٍ أرجحُ منه ،
ومجالدٌ لا يُعتبرُ به)).
وخَرَّجَ له مسلمٌ مقروناً ، وكان يحيى بن سعيد يحدِّثُ عنه .
وحَدَّثَ ابنُ مهديٍّ عن رجلٍ عنه .
وأما ابنُ لَهِيْعَةَ
فهو عبدُ الله بن لَهِيعة بن عُقْبة: قاضي مصرَ (٤) ، وهو كثيرُ
الاضطراب ، وكان يحيى بنُ سعيد يضعِّفه ولا يراهُ شيئاً .
(١) ((الإِسناد)) ظ وب.
في ((الكامل)): ٢٤١٧/٦.
(٣) في نسخة الأصل وب ((ينقذ)) وهو تصحيف .
(٢)
(٤) عبدُ الله بن لَهِيْعة بفتح اللام وكسرِ الهاء ، ابن عُقْبة الحَضْرمي ، أبو
عبد الرحمن المِصْري ، صدوقٌ، خلَّطَ بعدَ احتراقٍ كُتبه ، وروايةُ ابنِ المبارك
وابن وَهْبِ عنه أعدلُ من غيرِهما ، وذلك لأنهما أخذا من أصوله ، وله في
(( مسلم )) بعضُ شيءٍ مقرون ، مات سنة أربعٍ وسبعين ومائة ، وقد نافَ على
الثمانين/ م د ت ق .

١٣٧
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
وقد اختلفَ الأئمةُ في أمره :
فمنهم من قالَ : (( حديثُه في أوَّلِ عُمرِهِ قبلَ احتراقٍ كُتُبِهِ
أصحّ))(١). وقد سمعَ منه قبلَ احتراقٍ كُتبه ابنُ المبارك والمُفْرِىء(٢).
كذا قال الفَلَّسُ وغيرُه ، وقاله ابن مَعِين في روايةٍ عنه .
ومنهم من قال: (( حديثُه في عُمره كلُّه واحدٌ، وهو ضعيفٌ))،
وهو المشهورُ عن يحيى بن مَعِين، وأنكرَ أن تكونَ كُتبه احترقتْ ،
وقال: (( لا يُحتَجُّ به)) .
وقال أبو زُرعة: (( سماعُ الأوائلِ والأواخرِ منه سواءٌ، إِلا أن ابنَ
وَهْب وابنَ المبارك كانا يتَّبعانِ أصولَه، وليس ممَّن يُحْتَجُّ به)).
وقال ابنُ مهدي: (( ما [آ-٢٩] أَعْتَدُّ(٣) بشيءٍ سمعتُه من حديثٍ
ابنِ لَهِيعة إِلا سماعَ ابن المبارك ونحوِه )).
وقال مَرَّة: (( لا أحملُ(٤) عن ابنِ لَهِيعَةَ [ظ -١٢١] قليلاً
ولا كثيراً ، ثم قال : كتبَ إِليَّ ابنُ لهيعة كتاباً فيه : ثنا عمرو بن
شعيب . قال عبدُ الرحمن(٥) : فقرأتُه على ابنِ المبارك ، فأخرجه
إِليَّ ابنُ المبارك من كتابه عن ابن لَهِيعة قال : أخبرني إِسحاق بنُ أبي
فروةَ عن عمرو بن شعيب)).
(١) في ظ ((صحيح)).
(٢) ((المقبري)) ظ وب ، تصحيف .
(٣) ((ما اعتددت)) ظ وب.
(٤) ((أحل)) ظ، وفوقها علامة التَّضبيب، إِشارة لإِشكالها، وهذا من تحقيقٍ
النَّاسخ .
(٥) هو ابن مهدي الذي يسوق الشارح كلامه .

١٣٨
شرح علل الترمذي
وقال أحمدُ : (( كانَ ابنُ لهيعةَ يحدِّث عن المثنّى بنِ الصَّبَّاح عن
عَمرو بن شعيب ، وكان بعدُ يحدِّث بها عن عمرو بن شعيب
نفسه)) .
وقال أيضاً : (( ما حديثُ ابنِ لهيعةً بحُجَّة ، وإِني لأكتبُ كثيراً
مما أكتبُ أعْتَبِرُ به ، وهو يقوِّي بعضه ببعض )).
وروي عن أحمدَ أنه قال : (( سماعُ العبادلةِ من ابنٍ لَهِيْعَةَ عندي
صالحٌ : عبدِ الله بن وَهْب ، وعبدِ الله بن يزيد المقرىء ، وعبدِ الله
ابن المُبَارك)» .
وقال الجُوْزَ جَانيُّ: ((لا ينبغي أن يُحتَجَّ بروايتِهِ ولا يُعْتَدَّ بها)).
وقال ابنُ حِبَّان: (( سَبَرْتُ أخبارَهُ فرأيتُه يدلُّسُ عن أقوامٍ ضعفاءِ
على أقوامٍ ثقات قد رآهم، ثم كان(١) لا يُبالي، ما دُفِعٍ إِليهَ قَرَأه ،
سواءٌ كان من حديثهِ أو لم يكنْ من حديثهِ! فوجبَ (٢) التنكُّبُ عن
روايةِ المتقدِّمين عنه قبلَ احتراقٍ كُتُبه ، لما فيها من الأخبارِ المُدَلَّسَةِ
عن المتروكين ، ووجبَ تركُ الاحتجاج برواية المتأخرينَ بعدَ احتراقٍ
كُتُبه ، لما(٣) فيها مما ليسَ من حديثِهِ)):
ونقلَ أبو عبيدِ الآجريُّ عن أبي داودَ عن أحمدَ قال: (( مَن كان
مثلَ ابنِ لهيعةَ بمصرَ في كثرةٍ حديثِهِ وضبطهِ وإِتقانِهِ ؟! ))، وكذا نقلهُ
النسائيُّ عن أبي داودَ عن أحمدَ .
(١) في ب: ((أقوام ضعاف بدراهم كان)) كذا ، وهو تصحيف شنيع وسقط .
(٢) (( يوجب )) ب ، وهو تصحيف .
(٣) ((فما)) ظ. وفي ب ((براية المتأخرون .. مما ليست .. )) مصحفة تصحيفاً
شنيعاً .

١٣٩
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
وذكرَ جعفر الفريابيُّ عن بعضٍ أصحابِهِ عن قتيبةَ قال: قال لى (١)
أحمدُ: ((أحاديثُكَ عن ابن لهيعةَ صحاحٌ!)). قلتُ: لأنّا كنا نكتبُ
من كتابِ عبدِ الله بن وَهْب، ثم نسمعهُ من ابنٍ لهيعةَ)).
وقال الثوريُّ: ((عندَ ابنِ لَهيعة الأصولُ، وعندنا الفروعُ)).
وقال : (( حَجَجْتُ حِجَجاً لألقى ابنَ لَهِيْعة)).
وكان ابنُ وَهْب يقولُ: ((حدَّثني - والله(٢) - الصادقُ البارُ: عبدُ
اللهِبنُ لَهِيْعة )).
وأثنى عليه أحمدُ بن صالح المصريُّ، وقال: ((هو صحيحٌ(٣)
الكتابِ ، فمن ضَبَطَ عنه من إِملائهِ من كتابهِ فحديثُه صحيحٌ ، قال :
وأنا أذهبُ إِلى أنه لا يُتْرَكُ حديثُ محدِّث حتى يجتمعَ أهلُ مِصْرِهِ(٤)
على تركٍ حديثه)).
قال ابنُ عديٍّ (٥): (( هو حَسَنُ الحديثِ يُكتَبُ حديثُه )).
وقد حَدَّثَ عنه الثقات : الثوريُّ ، وشعبةُ ، ومالكٌ ، وعمرو بن
الحارث ، واللَّيثُ بن سعد .
خرَّجَ مسلمٌ حديثَه مقروناً بعمرو بن الحارث . وأما البخاريُّ
والنسائيُّ فإِذا ذكرا إِسناداً فيه ابنُ لَهيعة وغيرُهُ سَمَّيًا ذلك الغيرَ ، وكَنَيًا
عن اسم ابن لهيعة ولم يسمياه . [ب - ١٦].
(١) ((لي)) ليس في ظ.
(٢) القسم ((والله )) ليس في ظ .
(٣) ((صالح)) ظ وب .
(٤) أي بلده .
(٥) في ((الكامل)) ورقة ١/٢١٢ = ١٤٧٣/٤. وفي المطبوع: ((عزيز الحديث)).
وهو مشكل، لكثرة حديثه، إلا أن يكون المرادُ: قويَّ الحديث.

١٤٠
شرح علل الترمذي
وممَّن يَضْطَرِبُ في حديثِهِ أيضاً :
شَهرُ بن حَوْشَب (١):
وهو يروي المتنَ الواحدَ بأسانيدَ متعدِّدة .
ومنهم : لَيْثُ بنُ أبي سُليم(٢).
ويزيدُ بنُ أبي زياد الكوفي(٣).
ومنهم : عبدُ الملك بن عُمير (٤) على أَنَّ حديثَه مُخَرَّجٌ في
((الصَّحيحين)).
(١) الأشعريُّ الشاميُّ، قال النووي في ((شرح مسلم)) ج١ ص٩٣ (( .. وثَّقَه
كثيرون من كبارِ أئمةِ السَّلفِ أو أكثرهم ، فممن وثَّقه أحمدُ بن حنبل ویحیی بنُ
مَعِين وآخرون .. إلا أنه روى أحاديثَ لم يشْرَكْه فيها أحدٌ .. )). وقال
الحافظُ: ((صدوقٌ كثيرُ الإِرسالِ والأوهام ، من الثالثة ، مات سنة اثنتي عشرة
ومائة/ بخ م عه )) .
(٢) لَثُ بن أبي سُلَيْم الليثي، جعله مسلمٌ في ((مقدِّمة صحيحه)) من الطّبقة
الثانية، وهؤلاء (( اسمُ السترِ والصُّدقِ وتعاطي العلمِ يشملهم)) كما قال
مسلم . مات سنة ثمان وأربعين ومائة/ خت م مقروناً عه .
(٣) يزيد بن أبي زياد الكوفي صدوقٌ يهم، وتغيَّر حفظه بأَخَرةٍ ، فصار يتلقَّن ،
مات سنة ست وثلاثين ومائة/ ختٍ م مقروناً عه .
(٤) عبدُ الملكِ بن عُمَيْر بن سُوَيْدِ اللَّخْمي الكوفي ، ثقةٌ مشهورٌ، فقيهٌ، تغيَّر
حفظه ، وربما دلَّس ، مات سنة ست وثلاثين ومائة ، وله مائة وثلاث
سنين/ع. قال الحافظُ ابن حجر في ((هدي الساري)): ((احتجَّ به الجماعةُ ،
وأخرج له الشيخان من روايةِ القدماءِ عنه في الاحتجاج ، ومن رواية بعضٍ
المتأخرينَ عنه في المتابعات )) انتهى ، وهو يكشفُ فضلَ تحري الشيخين على
غيرهما .

١٤١
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
وقال(١) أحمدُ: ((هو مضطربُ الحديثِ جداً، وهو أشدُّ
اضطراباً من سِماك)).
وممَّن يضْطَرِبُ في حديثه : سِماك(٢)
وعاصِمُ بن بَهْدَلَةٌ(٣).
وقد ذكرَ التِّرمذيُّ أَنَّ هؤلاءِ وأمثالَهم ممَّن تُكُلِّمَ فيه من قِبَل حفظهِ
وكثرةٍ خطئهِ لا يُحتجُّ بحديثٍ أحدٍ منهم إِذا انفردَ ، يعني في الأحكام
الشرعيةِ والأمورِ العلميَّةِ ، وأَنَّ أشدَّ ما يكونُ ذلكَ إِذا اضطربَ
أحدُهم في الإِسنادِ فزادَ فيه أو نقصَ ، أو غيَّرَ الإِسنادَ ، أو غيَّرَ المتنَ
تغيُّراً يتغيَّرُ به المعنى (٤) .
(١) ((قال)) ظ وب ، دون عطف.
(٢) هو سِماكُ بن حَزْب، أبو المغيرة، صدوقٌ جليلٌ، ((وروايته عن عكرمةَ
خاصة مضطربة ، وقد تغير بآخرة فكان ربما تَلَقَّن ، من الرابعة ، مات سنة
ثلاث وعشرين ومائة/ خت م عه)) . وانظر فائدة هامة في روايته في كتابنا
((الإِمام الترمذي)) ص١١٩ و٢٥١، و(( تدريب الراوي)) ص٦٨ .
(٣) هو عاصِم بن أبي النَّجُود الأسدي، ((صدوقٌ له أوهام، حُجَّة في القراءة ،
وحديثُه في (( الصَّحيحين )) مقرون ، من السادسة ، مات سنة ثمان وعشرين
ومائة/ ع )) .
(٤) هذا يؤيدُ ما سبقَ أن حققناه في ص١١٤ من التفصيلِ بين مراتبٍ مَنْ تُكُلُّم فيهم
بسبب غَلَطهم ، حيثُ جعلَ الشارحُ هنا من تُكلُّم فيه من قِبَلٍ حفظه وكثرةٍ غلطِهِ
لا يُحتجُّ بحديثِهِ ، وهذا يعني أنه يعتبر به ، ولم يُدْخِلْ في حكمه من غلبَ عليه
الغفلةُ والغلطُ .

١٤٢
شرح علل الترمذي
ومثالُ ذلك : حديثٌ واحدٌ رواه ابنُ لَهِيْعَةَ فزادَ في إِسناده على
الناسِ ، ورواه أيضاً [آ-٣٠] بغيرِ الإِسنادِ الذي رواهُ به الناسُ، ورواه
بمعنّی غیرِ معنی حدیثِ الناسِ :
روى اللَّيثُ بن سعد وعمرو بنُ الحارثِ وعبدُ الحميد بن جعفر
كلُّهم عن يزيد بن أبي حبيب عن عبدِ الله بن الحارثِ بن جَزْءٍ قال :
(( أنا أولُ من سَمِعَ رسولَ الله وَّهِ يقول: لا يبول(١) أحدُكم مستقبلَ
القِبْلَة. وأنا أوَّلُ من حَدَّثَ الناسَ بذلك)).
وفي رواية الليثِ بن سعد وغيرِه عن يزيد [بن أبي حبيب] أنه
سمعَ عبدَ الله بن الحارث يذكره . ورواه ابنُ لهيعةَ عن يزيدَ بن أبي
حبيب عن جبلةَ بن نافع عن عبدِ الله بن الحارث ، ( فزاد في إِسناده
رجلاً .
ورواهُ أيضاً عن عبدِ اللهِ بنِ الحارث بن(٢) ) جَزْءٍ: سليمانُ بن زياد
الحضرمي، وسهيلُ بن ثعلبة .
وقد رواه عن سليمانَ بن زياد غيرُ واحدٍ ، منهم ابن لهيعة ،
وانفردَ ابنُ لهيعة فرواه عن عُبَيْد الله بن المغيرة عن عبدِ الله بن
الحارث بن جَزْءٍ قال: (( رأيتُ رسولَ الله وَلِ يبولُ مستقبلَ القبلةِ .
وأنا أوَّلُ من حَدَّثَ الناسَ بذلك)) . وهذا اللفظُ خطأ تفرَّدَ به
(١) ((لا يبولن)) ظ .
(٢) من قوله (( فزاد)) إِلى ((ابن)) سقط من ب.

١٤٣
فصل في الجرح والتعديل والتفتيش عن الأسانيد وأن الإسناد من الدين
ابنُ لَهِيْعَة وخالفَ روايةَ الناسِ كلُّهم (١).
وقد روى مسلمٌ في ((مقدِّمةٍ كتابهِ)) (٢) عن الحسنِ الحُلواني:
سمعتُ يزيد بن هارون - وذكر زيادَ بن ميمون - فقال: (( حلفتُ أن
لا أرويَ عنه شيئاً ، لقيتُه(٣) فسألتُه عن حديثٍ ، فحدَّثني به عن بكر
المُزَنيّ ، ثم عُدْتُ إِليه فحدَّثني به عن مُوَرِّق، ثم عُدْتُ إِليه فحدَّثني
به عن الحسن)). فكان (٤) ينسبُه إِلى الكَذِبِ . انتهى (٥).
فاختلافُ الرَّجُلِ الواحدِ في الإسنادٍ (٦) :
إِن كان مُتَّهماً فإِنَّهُ يُنْسَبُ بِهِ إِلى الكَذِبِ .
(١) الحديثُ أخرجه أحمد في ((المسند)) ج٤ ص ١٩٠ و١٩١ من أوجهٍ عن
عبد الله بن الحارث ، منها طرِيقُ ابنٍ لهيعة عن عبيد الله بن المغيرة ، وليسَ عند
أحمدَ ما ذكرهُ الحافظُ من العِلَّة ، وهي مخالفةُ ابن لهِيعةَ للنَّاسِ .
لكنْ وقعَ في (( المسند)) في الموضعين ((عبد الله بن المغيرة)) وهو خطأ ،
والصواب عبيد الله ، لأنه هو الذي يروي عن عبدِ الله بن الحارث ، ويروي عنه
ابن لهيعة ، انظر (( التهذيب )) ج٧ ص٤٩-٥٠ .
ولم يخرِّج الترمذيُّ في («جامعه » هذا الحديث ، بل ذكره بالإشارة إِليه في ج١
ص١٣، ثم خرَّجَ حديثَ جابر ( الرخصة في ذلك) ص١٥ - ١٦ من إِسنادين ،
أحدهما من طريقِ ابٍ لهيعة ، ثم تكلّم عليه وضعَّف ابن لهيعة . فتنبه .
(٢) ص١٩، وفي السياق تصرف يسير .
(٣) (( لفتنة )) ب ، وهو تصحيف .
(٤) (( وكان)) ظ وب .
(٥) (( انتهى )) ليس في ظ .
(٦) في ظ وب ((إسناد)). وفي نسخة الأصل ما صورته ((وكان)) بالعطف، لكن
ضرب على الواو بإشارة خفيفة، فليعلم.

١٤٤
شرح علل الترمذي
وإِنْ كانَ سيىءَ الحِفْظِ نُسِبَ بِهِ إِلى الاضطرابِ وعدم الضَّبْطِ .
وإِنما يُحْتَمَلُ مثلُ ذلك ممن كَثر حديثُهُ وقَوِيَ حفظُه ، كالزهريِّ
وشعبةً ونحوِهما(١).
وقد كانَ عِكْرِمَهُ يُنَّهَمُ في روایتِهِ الحديث عن رجلٍ ثم يرويه عن
آخرَ ، حتى ظهرَ لهم سَعَةُ علمه وكثرةُ حديثِهِ ، ذكر معنى ذلك ابنُ
لَهِيْعَةَ عن ابن هبيرة وأبي الأسودِ عن إِسماعيلَ بن عبيدِ الأنصاري ،
وكان من أصحابِ ابنِ عَبَّاس .
(١) هذا تنبيهٌ هاٌّ من الحافظِ ابن رَجَب - رحمه الله تعالى - يوضِّحُ فيه الفرقَ بينَ مَنْ
يروي الحديثَ على أكثر من وجهٍ بسببٍ خلطه أو كذبه ، وبين من يرويه على
عِدَّة أوجه مسموعةٍ له ، لسَعَةِ حفظهِ وعلمِهِ . فأودِغْ هذا التحقيقَ سويداءَ
قلبك ، فإنه عزيزٌ دقيقٌ .
وحاصلُ المرادِ أَنَّ الراوي إِذا روى الحديثَ بسندٍ ثم رواه من طريقٍ آخر أو
أكثر :
فإن لم يكنْ ممَّن كَثُرَ حديثُه وقوي حِفْظُه فإِنَّ هذا يدُلُّ على اضطرابه ، لسوءِ
حفظهِ أو لاتهامهِ بالكَذِبِ .
وإِن كانَ من الحفّاظِ المتقنينَ الذين كَثُر حديثُهم وقويَ تمييزُهم للأسانيدِ
فإِنَّ هذا يُقْبَل منه ، لأنه يروي الحديثَ على عِدَّةِ أوجهٍ مسموعةٍ له عن عددٍ من
الرواةِ والله أعلم .

١٤٥
فصل في الرواية بالمعنى
° فَصْلٌ في الرِّوايَةِ بالمعنى ٥
قال الترمذيُّ رحمهُ الله تعالی :
(فأمَّا من أقامَ الإِسنادَ وحَفِظَه، وغَيَّرَ اللفظَ، فإِنَّ هذا واسعٌ
عندَ أهلِ العِلْم إذا لم يتغيّرْ به المعنى .
ثنا محمدُ بن بشَّار ثنا عبدُ الرحمن بن مَهْدي ثنا معاويةٌ بن
صالح عن العلاءِ بن الحارث عن مكحول عن واثلة بن الأسْقَع
قال: (( إِذا حدَّثْناكم على المعنى فحَسْبُكُمْ » .
ثنا يحيى بن موسى أنا عبدُ الرَّزَّاق أنا مَعْمَرٌ عن أيوبَ عن
محمدٍ بن سيرينَ قال: (( كنتُ(١) أسمعُ من عشرة اللفظُ مختلفٌ
والمعنى واحدٌ )).
ثنا أحمدُ بن منيع ثنا محمدُ بن عبدِ الله الأنصاريُّ عن ابنِ عون
قال : ((كان إِبراهيمُ [ظ - ١٢٢] النَّخَعيُّ والحسنُ والشعبيُّ يأتونَ
بالحديثِ على المعاني ، وكانَ القاسمُ بن محمد ومحمد بن
سيرين ورجاء بن حَيْوَةَ يقيِّدونَ الحديثَ على حُروفه)).
(١) قوله (( كنت )) سقط من ظ وب .

١٤٦
شرح علل الترمذي
ثنا عليٌّ بن خَشْرَم ثنا حفصُ بن غياث عن عاصم الأحول
قال : قلتُ لأبي عثمان النَّهدي : إِنَّكَ تحدِّثنا بالحديثِ ، ثم
تحدِّثنا به على غير ما حدَّثْتَنا (١)؟! قال: ((عليكَ بالسَّماع
الأوَّل )).
قال : حدثنا الجارودُ بن معاذ ثنا وكيعٌ عن الرَّبيع بن صَبِيحِ
عن الحسن قال: ((إِذا أَصَبْتَ المعنى أَجْزَأَكَ )).
ثنا عليٌّ بن حُجْر أنا عبدُ الله (٢) بن المبارك عن سيف - هو ابن
سليمان - قال: سمعت مجاهداً يقول: (( انقُصْ من الحديثِ إِن
شئتَ ، ولا تَزِدْ فيه )) .
ثنا أبو عمار الحسينُ بن حُرَيْثٍ أنا زيد بن حُبابٍ عن
رجلٍ قال : خرجَ إِلينا سفيانُ الثوريُّ فقالَ [ب -١٧]: ((إِنْ
قلتُ لكم: إِني أُحَدِّئُكُمْ كما سمعتُ، فلا تصدِّقوني ، إِنما
هو المعنى )).
ثنا الحسينُ بنُ حُريث قال: [آ-٣١] سمعتُ وكيعاً يقولُ: ((إِنْ
لم يكن المعنى واسعاً فقد هَلَكَ الناسُ)) ).
(١) (( حدثتنا به )) ب.
(٢) قوله ((عبد الله)) ليس في ظ وب.

١٤٧
فصل في الرواية بالمعنى
حديثُ واثلةَ [بن الأسقع] الموقوفُ ذكرهُ البخاريُّ في
((تاريخهٍ))، وذكر أن أبا نُعَيم النخعيَّ رواه عن العلاءِ(١) بن كثير عن
مكحول عن واثلةَ مرفوعاً. قال: (( ولا يصحّ ، والعلاء بن كثير
منكرُ الحديثِ )).
[و] مقصودُ التِّر مذيِّ رحمهُ اللهُ بهذا الفصلِ الذي ذكرَه ههنا أن مَنْ
أقامَ الأسانيدَ وحفظَها وغيِّرَ المتونَ تغييراً لا يغيِّرُ المعنى أَنَّهُ حافظٌ ثقةٌ
يُعتبرُ بحديثِهِ(٢). وبنى ذلكَ على أَنَّ روايةَ الحديثِ بالمعنى جائزةٌ ،
وحكاهُ عن أهلِ العلمِ .
وكلامهُ يُشْعِرُ بأنَّهُ إِجماعٌ، وليسَ كذلك ، بل هو قولُ كثيرٍ من العلماءِ،
ونصَّ عليه أحمدُ ، وقال: (( ما زالَ الحُفَّاظُ حدِّثونَ بالمعنى».
وإِنما يجوزُ ذلكَ لمن هو عالمٌ بلغاتِ العَرَبِ ، بصيراً بالمعاني ،
عالماً(٣) بما يُحِيلُ المعنى وما لا يحيلُه ، نَصَّ على ذلكَ الشافعيُّ .
وقد روى كثيرٌ من الناسِ الحديثَ بمعنَى فَهِمُوه منه فغيَّروا
المعنى ، مثلُ ما اختصره بعضُهم من حديث عائشةَ في حَيْضِها في
الحجِّ أَنَّ النبيَّ وَِّ قال لها وكانتْ حائضاً: ((انقُضي رأسَكِ
(١) قوله ((العلاء)) ليس في ظ. والذي في ((التاريخ الكبير » ج٢/٣/ ص٥٢٠ قول
البخاري (( منكر الحديث)) فقط. ولم يخرج الحديث هنا ، ولا في تراجم
باقي رجال الإِسناد .
(٢) ليسَ المرادُ من قوله (( يُعْتَبرُ بحديثه)) ما هو مشهورٌ عندَ المحدِّثين، من أَنَّهُ
يصلحُ لأن يتقوّى بورودِه من طريقٍ آخر ، إِنما المرادُ أَنَّهُ يحتُّ به .
(٣) في ظ (( بصير بالمعاني عالم)) بالرفع خَبَرَانِ آخَرَان لهو . والذي أثبتناه محاكٍ
لكلامِ الشافعيِّ في ((الرسالة)) ، وذلك في أثناءِ تعريفهِ للحديثِ الصحيح
ص٣٧٠-٣٧١ .

١٤٨
شرح علل الترمذي
وامتشِطِي)) وأدخَلَه في أبوابٍ غسلِ الحَيْض(١). وقد أنكرَ أحمدُ
ذلك على من فَعَلَه لأنه يُخِلُّ بالمعنى، فإِن هذا لم تُؤمر(٢) به في
الغُسْلِ من الحيضِ عندَ انقطاعِهِ ، بل في غُسل الحائضِ إِذا أرادتٍ
الإِحرامَ وهي حائضٌ(٣)
.
وروى بعضُهم حديث: (( إِذا قرأ - يعني الإِمامَ -
فأنصِتُوا)) (٤) بِمِا (٥) فَهِمه من المعنى، فقال: (( إِذا قرأ الإِمامُ
(وَلَا الضَّالِّينَ ) فَأَنَصتوا))، فحملَه على فراغِه من القراءَةِ
لا على شروعهِ فيها .
وروى بعضُهم حديثَ: ((كنّا نؤديِهِ على عهدِ النبيِّ وَّهِ))، يريدُ
(١) أخرجه البخاريُّ في أبوابِ الحيضِ ( باب امتشاط المرأة عند غسلها من
المحيض ) و ( باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض ) ج١ ص٦٦ ،
وساقه في الموضعين بتمامه ، ومسلم في الحج ( وجوه الإِحرام ) ج٤
ص ٢٧-٢٨ .
(٢) (( يؤمر)) ظ .
(٣) اعترض بنحو هذا على البخاري. والجواب ما قاله القَسْطَلّني في ((إِرشاد
الساري)) ج١ ص ٤٥٥: ((إِن نقض شعرها إِن كان لغُسْل الإِحرام وهو سنة،
فلغسل الحيض أولى ، لأنه فرض )) انتهى .
والجمهورُ على أَنَّ نقضَ المرأة شعرها للغسلِ الواجبِ سنةٌ وليس بفرضٍ .
(٤) أخرجه أبو داود ج١ ص١٦٥ والنسائي ج٢ ص١٤١ -١٤٢ وابن ماجه ج١
ص٢٧٦ ، كلهم من حديث أبي هريرة . وقد أعلَّ أبو داود هذه الجملةَ ،
وتعقّبه المنذريُّ بثقةٍ راويها، وأَنَّ مسلماً أخرجها في (( صحيحه)) في رواية
لحديث أبي موسى الأشعري ج٢ ص١٥. وانظر للتوسع (( نصب الراية » ج٢
ص١٦ - ١٧ .
(٥) ((فما)) ظ .

١٤٩
فصل في الرواية بالمعنى
زكاةَ الفطرِ فصَخَّفَ ((نؤدِّيه)) فقال: (( نُوَرِّثه))(١)، ثم فسَّرَه مِنْ
عِنْده فقال: ((يعني الجَدَّ))(٢).
كلُّ هذا تصرُّفٌ سيىءٌ لا يجوزُ مثلهُ .
فأمّا الروايةُ بلفظٍ آخرَ لا يختلُّ(٣) به المعنى فهو الذي ذكرَ
التِّرمذيُّ جوازَه عندَ أهلِ العلمِ ، وذكرَهُ عمَّن ذكرَهُ من السَّلف .
ورُوِيَ عن الحسنِ أَنَّهُ استدلَّ لذلكَ بأَنَّ الله يقُصُّ قصَصَ القرون
السَّالفةِ بغيرِ لغاتها .
وروى قتادةُ عن زُرَارةَ بن أوفى قال: (( لقيتُ عدَّةً من أصحابِ
النبيِّ وََّ، فاختلفوا عَلَيَّ(٤) في اللفظِ، واجتمعوا في المعنى)).
وقد (٤) رُوِيَ إِجازةُ ذلك أيضاً عن عائشةَ ، وأبي سعيد الخدريِّ ،
وابنِ عباس ، وفي أسانيدِها نظر .
وروي معناهُ عن ابنِ مسعود وأبي الدَّرداء وأنس أنهم كانوا
يحدِّثون عن النبيِّ وَّة، ثم يقولون: ((أو نحو هذا أو شبهه))،
وكان يقول أنسٌ(٥): ((أو كما قال)).
(١) (( نوريه )) ب ، تصحيف .
(٢) الحديثُ في الصَّحيحين وغيرهما بلفظ (( كنا نخرجُ زكاةَ الفطر .. )) وكأن لفظَ
(( نؤديه)) رواه راويه على المعنى، أي: نؤدّي صاعَ الطعام، ثم جاء أخرُ
فصَّحفه .
(٣) (( لا يحيل)) ظ .
(٤) ((علي))، ((قد ))، ليسا في ظ وب.
(٥) ((وكان أنس يقول)) ظ وب.

١٥٠
شرح علل الترمذي
وهو أيضاً قولُ عَمْرو بن دينارٍ ، وابنِ أبي نَجِيْح ، وعمرو بن
مُرَّة ، وجعفر بنِ محمد ، وحمَّادِ بن زيد ، ويحيى بنِ سعيد ، ويزيدَ
ابنِ هارونَ ، وابنٍ عُيَيْنَة ، وأبي زُرْعَة . وحُكِيَ عن أكثرِ الفقهاءِ ،
ورُوِيَ فيه أحاديثُ مرفوعةٌ لا يصحُ شيءٌ منها .
وكان ابنُ عمر - رضي الله عنه - يشدِّد في اتّباع لفظِ الحديثِ ،
وينهى عن تغير شيءٍ (١) منه، وكذلك محمدُ بن سيرين ،
والقاسمُ بن محمد ، ورجاءُ بن حَيْوَةَ . وهو قولُ مالكٍ في حديثٍ
النبيِّ وَِّ خاصةً، دون حديثٍ غيرِه ، ورُوي عنه أنه قال :
((أستحبُّ ذلك)). وحكى الإِمامُ أحمدُ عن وكيع أنه كان يحدِّث
على المعنى ، وأَنَّ ابنَ مهدي كان يشَبعُ الألفاظَ ويتعاَهَّدها .
ورخّصَ طائفةٌ في النقصِ في الحديثِ للشكِّ فيه ، دونَ الزيادةِ ،
منهم : مجاهدٌ ، وابنُ سيرين . وروي أيضاً عن مالكٍ أَنَّهُ كان يتركُ
منه كلَّ ماشكَّ فيه(٢) .
وقد قال ابنُ حِبَّان في أوائلِ كتابِ ((الضُّعفاءِ))(٣): ((الثقةُ
الحافظُ إِذا حَدَّثَ من حِفْظِهِ وليسَ بفقيهِ لا يجوزُ عندي الاحتجاجُ
بخبرهِ ، لأنَّ الحفاظَ الذينَ رأيناهم أكثرُهم كانوا يحفظونَ الطرقَ
(١) ((شيء)) سقط من ب. وقوله ((تغير)) كذا في الأصول، والمراد ((تغيير)).
(٢) انظر تخريجَ ما ذكره الشارحُ - رحمه الله تعالى - من الآثار في كتاب ((الكفاية))
ص١٩٨ - ٢١١ و((الإِلماع)) للقاضي عياض ص١٧٤ -١٧٨، فقد أتى الشارح
بزبدتها .
(٣) تحت عنوان (( الجنس الرابع)) أي: من حديث الثقات ج١ ص٧٨ . وقد نقلَ
الحافظُ ابنُ رجب - رحمه الله تعالى - الفصلَ بتمامه .

١٥١
فصل في الرواية بالمعنى
والأسانيدَ دونَ المتونِ ، ولقد كنّا [آ-٣٢] نجالُسهم برهةً من دهرِنا
على المذاكرةِ ، ولا أراهم يذكرونَ من متنِ الخبرِ إِلا كلمةً واحدةً
يشيرونَ إِليها .
وما رأيتُ على أَديمِ الأرضِ مَنْ كانَ يُحْسِنُ صناعةَ السُّنَنِ ويحفظُ
الصِّحَاحَ بألفاظِها ، ويقومُ بزيادةِ كلِّ لفظةٍ زادَ في الخبرِ ثقةٌ حتى كأَنَّ
السننَ نُصْبَ عينيه إِلا محمدَ بنَ إِسحاقَ بنِ خُزَيْمَةَ فقط .
فإِذا كانَ الثقةُ الحافظُ لم يكن [ب -١٨] بفقيهٍ وحَدَّثَ من حفظِهِ
ربَّما قَلَبَ المتنَ وغيَّرَ المعنى، حتى يُذْهِبَ الخبرَ عن معنى ما جاءً
فيه ، ويَقْلِبَه إِلى شيءٍ ليسَ منه ، وهو لا يعلمُ . فلا يجوزُ عندي
الاحتجاجُ بخبرِ مَنْ هذا نعتُه إِلا أن يحدِّثَ من كتابٍ ، أو يوافقَ
الثقات فيما يرويه(١) من متونِ الأخبارِ)). انتهى .
وفيما ذكرَهُ نظَرٌ ، وما أظنه سُبِقَ إِليه ، ولو فُتِحَ هذا البابُ لم
يُخْتَجَّ بحديثٍ انفردَ به عامةُ حفَّاظِ المحدِّثين كالأعمشِ وغيرِهِ ،
ولا قائلَ بذلك(٢).
(١) ((يروونه)) ظ وب.
(٢) الذي يظهرُ لي أَنَّ كلامَ ابن حِبَّان موافقٌ لهذا. ومرادُه بقوله ((ليس بفقيه ))
المعنى اللغوي أي : فاهم للمعنى وما يُحيلُه ، لا الفقه بمعنى استنباطِ
الأحكام ، بدليلٍ ما أردفَهُ بعدُ من الصِّفاتِ ، ويدُلُّ له أيضاً تصرُّفُ ابنٍ حبان
نفسهِ في تصحيحِ الأحاديثِ ، فقد دَرَجَ على ما شَرَطَهُ المحدِّثون بل تَنَزَّلَ ،
حتى عدُّوه متساهلاً ، ، لكنَّ العجبَ أَنَّ ابن حِبَّان ذكر فصلاً آخر قال فيه :
((الفقيهُ إِذا حَدَّثَ من حفظه وهو ثقةٌ في روايته لا يجوزُ عندي الاحتجاجُ
بخبره ، لأنه إِذا حدَّثَ من حفظه فالغالبُ عليه حفظُ المتونِ دونَ الأسانيدِ .. »
ص٧٨-٧٩ .

١٥٢
شرح علل الترمذي
اللَّهم إِلا أن يُعْرَفَ من أحدٍ أَنَّهُ كانَ لا يقيمُ مُتونَ الأحاديثِ ،
فَيُتَوقَّفَ حينئذٍ فيما انفردَ به . فأما مجرد هذا الظَّنِّ فيمن ظهرَ حفظُه
وإِتقانهُ فلا يكفي في رَدِّ حديثِهِ (١). واللهُ أعلمُ(٢). [ظ -١٢٣].
(١) انظر الحاشية ٢ في الصفحة السابقة.
(٢) مسألةُ الروايةِ بالمعنى من المسائلِ الهامَّةِ في علومِ الحديثِ دارتْ حولها
مناقشاتٌ كثيرةٌ، انظر للتوسع فيها ((توجيه النظرِ)) للعلاّمة الشيخ طاهر
الجزائري ص٢٩٨ -٣١٢ = ٦٧١ - ٧١٠ (بتحقيق وتعليق الأستاذ الشيخ
عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى) فقد استوفى خلافَ المذاهبِ وأدلتها
وناقشها مناقشةً قَيِّمة . وقد حققنا البحثَ فيها من مختلف المصادِرِ مع
الاختصارِ في كتابنا ((منهج النقد في علوم الحديث)) ، وأضفنا للبحثِ دفعَ
ما أثيرَ من شبهات المستشرقين وأعداء المحدثين فانظره ص٢٠١ وما بعدها .

١٥٣
فصل في الرواية بالمعنى
٥ تفاضُلُ أهلِ العِلْمِ بالِحِفْظِ والإِثْقَانِ ٥
قال أبو عيسى الترمذيُّ رحمهُ اللهُ :
( وإِنما تفاضَلَ أهلُ العلمِ بالحفظِ والإِتقانِ والتََّبِّتِ عندَ
السَّماءِ ، مع أنه لم يَسلَمْ منَ الخطأ والغلطِ كبيرُ أحدٍ(١) من
الأئمَّة مع حفظهم :
حدثنا محمدُ بن حُمَيْد الرازيُّ ثنا جَرِيرٌ عن عُمارة بن القَعْقَاعِ
قال : قال لي إِبراهيمُ النَّخَعيُّ: (( إِذا حدَّثتني فحدِّثني عن أبي
زُرْعَةَ بن عمرو بن جَرِير ، فإِنَّهُ حدَّثني مرَّةً بحديثٍ ، ثم سألتُه
بعدَ ذلك بسِنِيْنَ(٢) فلم يَخْرِمُ منه حَرْفاً)) .
ثنا أبو حفص عَمرو بنُ علي ثنا يحيى بنُ سعيدِ القَطَّان عن
سفيانَ عن منصور قال : قلتُ لِإِبراهيمَ النَّخَعي: (( ما لسالم بن
أبي الجَعْد أَتمَّ حديثاً منكَ؟)) قال: ((لأنَّهُ كانَ يَكْتُبُ)).
حَدَّثنا عبدُ الجبّارِ بنُ العلاءِ ثنا سفيانُ بن عُيَيْنَةً قال : قال
(١) (( كثيراً جداً)) ب ، وهو تصحيف.
(٢) (( بسنتين)) ب .