Indexed OCR Text

Pages 1-20

نَ جَ عَلَ التَومدى
يَأِْمَامِ الحَافِظِ
◌َّيْ الِّين أبي الفَرْجِ عَبْد الرحْ بِنْ أَخْ البَفَادِيّ
الشَّهِير
بِابْنِ رَجَب الحَنْبَكِيّ
٧٣٦ - ٧٩٥ هـ
تَحْقِيمٌ وَتَعْليم
أ.د. مُؤرُ الدِّينِ عِثْر
دَارُ السَّلامِ
للطباعة والنشر وَالتوزيع والترجمة

فَ عَلُ التَّقْدِي
زيرتك
الجُزْءُ الأَوَّلُ
◌ِبْرِمَامِ الحَافِظِ
زَيْ الّينِ أَبِي الفَرْجِ عَبْد الرحْنِ بْ أَحْمَ البَغْدَادِيّ
الشَّهِير
بِابْنِ رَجَب الحَتْبَلِيّ
٧٣٦ - ٧٩٥ هـ
تَحْقِيمُ وَتَعْلِيمُ
أ.د.نور الدِّين عِشْر
دَارُ السَّلامِ
للطباعة والنشر وَالتوزيع والترجمَة

1
0
13

شَحُ على التَّقْدِيّ

كَافَةُ حُقُوق الطّبْعِ وَالنّشْرِ وَالتَّجَمَةُ مَحْفُوظَة
لِلِنَّاشِرٌ
دَارُ السَّلَم لِلطَبَاعَةِ وَالنَّشِوَالتَّوْزِيعِ وَالتََّّ
لصاحبها
عَبْدالقادر محمود البكار
الطَّبَعَةِ الثَّالِثَّة
لدار السلام وهي الثامنة
١٤٣٧ هـ / ٢٠١٦ م
بطاقة فهرسة
فهرسة أثناء النشر إعداد الهيئة المصرية العامة لدار
الكتب والوثائق القومية - إدارة الشؤون الفنية
الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي.
شرح علل الترمذي / تأليف زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن
ابن أحمد البغدادي [ ابن رجب الحنبلي - مستعار]؛ تحقيق
وتعليق نور الدين عتر . - ط ١ . - القاهرة: دار السلام للطباعة
والنشر والتوزيع والترجمة ، ٢٠١٢م .
٢ مج ؛ ٢٤ سم .
تدمك ٠ ٠٢٢ ٢١٤ ٩٧٧ ٩٧٨
١ - الحديث - سنن الترمذي .
٢ - الحديث - شرح .
٣ - الحديث علل .
أ - ابن رجب، عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السلامي
البغدادي الدمشقي ، ١٣٣٥ - ١٣٩٣ ( شارح).
ب - عتر ، نور الدين ( محقق ، معلق ) .
٢٣٥,٣
ج العنوان .
دَارُ السَّلامِ
للطباعة والنشر وَالتوزيع والترجمَة
ش.م.م
تأسست الدار عام ١٩٧٣م وحصلت
على جائزة أفضل ناشر للتراث لثلاثة
أعوام متتالية ١٩٩٩م ، ٢٠٠٠م ،
٢٠٠١°م هي عمر الجائزة تتويجًا لعقد
ثالث مضى في صناعة النشر
جمهورية مصر العربية - القاهرة - الإسكندرية
الإدارة : القاهرة : ٤٠ شارع أحمد أبو العلا - المتفرع من شارع نور الدين بهجت -
الموازي لامتداد شارع مكرم عبيد - مدينة نصر
هاتف : ٢٢٨٧٣٢٤٦ - ٢٢٧٠٤٢٨٠ - ٢٢٧٤١٥٧٨ (٢٠٢ + )
فاكس : ٢٢٧٤١٧٥٠ (٢٠٢ + )
المكتبة : فرع الأزهر: ١٢٠ شارع الأزهر الرئيسي - هاتف : ٢٥٩٣٢٨٢٠ (٢٠٢ +)
المكتبة : فرع مدينة نصر : ١ شارع الحسن بن علي متفرع من شارع علي أمين امتداد شارع
مصطفى النحاس - مدينة نصر - هاتف : ٢٠٨٠٢٨٧٦ (٢٠٢ + )
فاكس : ٢٠٨٠٢٦٨٠ ( ٢٠٢ + )
المكتبة : فرع الإسكندرية : ١٢٧ شارع الإسكندر الأكبر - الشاطبي بجوار جمعية الشبان المسلمين
هاتف : ٥٩٣٢٢٠٥ فاكس : ٥٩٣٢٢٠٤ (٢٠٣ + )
بريديًّا : القاهرة: ص.ب ١٦١ الغورية - الرمز البريدي ١١٦٣٩
البريد الإلكتروني : info@dar-alsalam.com
موقعنا على الإنترنت : www.dar-alsalam.com

٥
◌ِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَـ
بِشِـ
مقدمة الطبعة الأولى الجديدة
الحمدُ لله ربِّ العالمينَ وأفضلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التَّسليمِ على سيِّدنا محمَّد
وآله وصَخْبهِ ومن تَبِعَهُم بِإِحسان إلى يومِ الدِّين .
أما بعد :
فإِن (( شرح علل الترمذي)) للإمام الحافظِ عبد الرَّحمن بنِ رجبٍ
الحنبليِّ رضي الله عنه ، كتابٌ فريدٌ في بابه ، لِمَا تميَّز به في موضوعاتِهِ ،
وفي أَسْلُوبِه :
هو شرحٌ لأوَّلِ مصنَّفٍ في أصُولِ انتقاد الحديثِ ((العلل الصغير
للترمذي )) ، ثمَّ هو كتابٌ فريدٌ في تقريرِ أصُولِ علمِ العِلَلِ ، اشتملَ في
ثناياهُ على فوائدَ لا يُستَغْنى عنها ، ولا يرسخُ طالبُ الحديثِ في هذا
العلمِ ، ما لم يَسْتَحْفِظْ هذا الكتابَ ، ويَسْتَظْهِرْهُ عن ظهرِ قلبٍ .
وشرح العلل هذا جزءٌ من شرحٍ كبير لـ ((جامع الترمذي)»، تلف وفُقد ،
لكن حُفِظَ هذا الجزءُ كرامةً من الله تعالى للحافظ ابن رجب، وكرامة
لطلاب العلم عامةً، وطلاب الحديث خاصةً؛ فإنه كتابٌ متميزٌ، لم يسبق
لمثله سابقٌ، ولا لحق به لاحق.
وقد تميَّز عَمَلُنا فيه بغاية الدِّقَّةِ في الثَّحقيقِ ، وغايةِ الإِفادة في
التَّعليقِ ، وغايةِ الصِّحَّة في الإِخراج الطّباعي ، كما شهد بذلك إِخوانُنا
علماءُ هذا الشأنِ في البلادِ العربيّة والإِسلاميَّة ؛ ولله الحمد .
وكانت خدمة هذا المرجع القيم، عملاً غير عادي، فقد كان معظم

٦
تصدير المحقق لـ((شرح علل الترمذي))
المراجع الرئيسة مخطوطاً، والوصول إليها عسير، فيسر الله لنا اجتياز
العقبات، وزخرت حواشي التعليق بالمخطوطات .
ثم إنا تابَعْنا الخُطْوَ في زيادةِ هذه المزايا، بما دلَّنا عليه تدريسُنا للكتابِ
في خَلْقَةٍ خاصَّة لخريجي كليَّةِ الشَّريعةِ وطلبةِ علمِ الحديث ، وحلقاتٍ
طلَّبِ الدِّراسات العُليا ، وبمقابلته الجديدة على الأصل المخطوط .
كما أننا أضَفْنا إلى العزوِ للمخطوطات، العزوَ لمطبوعِها، تسهيلاً
للمراجعة، وليطَّلعَ المدققُ على قصورِ التحقيقِ، فيما قصَّر من تحقيق هذه
المخطوطات.
وها نحن نقدِّمُه أَكثرَ إِفادةً في الثَّعليقِ ، وأكثرَ ضبطاً في التَّحقيقِ،
وأوفى شَكْلاً وضبطاً، وأَنْورَ وضوحاً وخطاً، رجاء أن يكون موافقا لما
يجبه مؤلفه، لو كان بين أظهرنا، وأن يكون عملنا في حرز القبول والرضا
عند الله تعالى .
أسألُ الله تعالى التَّوفيقَ لما يحبُّه ويرضاه ، والامتنانَ بالتقبُّل مِنْ فَضْلِهِ
ورُحماه ، إِنَّه خيرُ مسؤولٍ ، وجوده خيرُ مأمولٍ .
وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصَحْبهِ وسلَّم وعلى سائرِ الأنبياء
والمرسلينَ ، والحمدُ لله ربِّ العالمين .
دمشق: ٢/ ربيع الثاني / ١٤٢١ هـ.
٣ / ٧ / ٢٠٠٠م.
ثم ٢٣ جمادى الأولى / ١٤٢٩ هـ.
٢٠٠٨/٥/٢٨ م.
کتبهُ
خادمُ القرآنِ الكريم وعُلُومِهِ
والحديثِ النّبوي وعلومهِ
نور الدین عتر

٧
تصدير
شرح علل
التّرمذي
بقلم المُحقِق
نور الدِّين عِتر

٩
مقدمة الطبعة الأولى
مِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَـ
يسـ
مقدمة الطبعة الأولى
الحمدُ لله الموفَّقِ إِلى ما فيه الخير ، الفاتح لما استَغْلَقَ ، والميسِّرِ
لكلٍ أمرٍ ، وصلى اللهُ على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلَّمَ تسليماً .
أما بعدُ :
فإِنَّ (( شرحَ عِلَلِ التِّزْمِذِيِّ)» للإِمامِ الحافظِ عبدِ الرحمنِ بنِ رجبٍ
الحنبلى ( المُتَوَفَّى سنة ٧٩٥هـ) مرجعٌ فريدٌ بين كُتُبِ هذا العلمِ علمٍ
الحديثِ الذي اختصَّ اللهُ به هذهِ الأمَّةَ ، فَحَفِظَتْ بواسِطَتِهِ الحديثَ النبويَّ
من الخَلْطِ فيه أو الدَّسِّ، سواء في ذلك مَثْنُه (( كتاب العِلَلَ)» للإِمامِ
الترمذيِّ ، أو شرحُهُ للإِمامِ ابنِ رَجَب .
ذلك لأنَّ الإِمامَ الترمذيَّ هو أحد أعلامِ الرَّادِ لهذا العلمِ ، وكتابُه
((العِلَل)) هذا هو أوَّلُ تأليفٍ يَصِلُ إِلينا في ذلك، مما يجعلُ نشرَهُ وكشفَ
النِّقابِ عن معانيِهِ ومعارفِ عملاً عِلميّاً على غايةٍ من الأهميّة .
وأما شرحُ العِلَلِ للحافظِ ابنِ رَجَبٍ فَيَمْتَازُ على كلِّ ما عَرَفْنَاهُ من
الشُّروحِ ببحثِهِ العِلْمي الشَّاملِ ، ونفسَهِ الطويلِ في جَلاءِ علومٍ كتابِ العِلَلِ
ومقاصِدِهِ ، وبنَهْجِهِ العلميِّ الفَرِيدِ ، الذي لا يكتفي ببيانِ القواعدِ
وتفصيلها وتحريرِها ، كما دَرَجَ عليه المتأخرونَ ، بل يَدْعَمُهَا بالشَّواهِدِ
من أقوالِ أئمةِ العلمِ ، كالإِمامِ أحمدَ ، وعليٍّ بن المَدِيْنِيِّ، والبُخَاريِّ ،

١٠
تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي)
ومُسْلمٍ ، وأبي داودَ ، وأمثالِهِم .. كما يُكثرُ من الاستشهادِ بتَصَرُّفاتِهِم
التي يطبّقُونَ فيها تلكَ الأَصُولَ ، فجمع بذلك بين النظرية والتطبيق،
وذلك تميّزٌ مبین .
كذلكَ يمتازُ شرحُ الحافظ ابن رجبٍ بما أتْبَعَ بِهِ شَرْحَهُ للعِلَلِ من قواعدَ
كليَّةٍ في نَقْدِ الحديثِ تفرَّدَ بها الكتابُ ، كما تفرَّدَ بما أتى به من أصولٍ في
علم العللِ ، هذا العلم الذي هو قِمَّةُ البحثِ النقديٍ في فَنِّ الحديثِ ، مما
يجعلُ هذه الأَصولَ تقعُ من علمِ الحديثِ موقعَ الرأسِ من الجسدِ ، لما
اشتملتْ عليه من الفوائدِ الجليلةِ .
وهكذا أصبحَ الكتابُ بشرحِهِ نصَّ الترمذيِّ وبيانِهِ تلكَ القواعدَ في
أصولِ العللِ: ((أحسنَ شرح صنَّقْهُ العلماءُ ، لأوَّلِ تأليفٍ في هذا الفنِّ
الجليلٍ))، واحتلَّ مكانةً على غايةٍ قُصْوئ من الأهمِّيَّةِ ، لمُبْتَغِي هذا العلمِ،
حتى إِنَّهُ - ولسنا نُغَالي ولا نُبَالِغُ - لا غِنى لطالبِ الحديثِ عن أن يودعَ
فوائدَ هذا الكتابِ سُويداءَ قلبهِ، ليكونَ على استحضارٍ لها في عمله العلميِّ.
ويرجعُ عَهْدي بهذا الشرحِ إِلى أمدٍ بعيدٍ ، حيثُ كنتُ أَفَدْتُ منه في
إِعدادٍ أَطْرُوحَتي عن الإِمامِ الترمذيِّ (١) ، فيما يتعلقُ بشرح مصطلحاتٍ
الترمذيِّ ، وذكرتُ هذا الشرحَ في ضِمْنِ المراجعِ الأساسيةِ التي سردتُها
في مقدمةِ مؤلفي ذاكَ .
غير أني - في إِفادتي هذه - إِنما أخذتُ بما هَدى إليه البحثُ العلميُّ ،
واقتبستُ من ((شرح العِللِ)) في ضوءِ ذلكَ ، كما يَلْحِظُ المُنْصِفُ الذي له
خِبْرٌ وذَوْقٌ في هذا العلمِ .
(١) وهي (( طريقة الترمذي في جامعه والموازنة بينه وبين الصحيحين))، وقد وسَّعَ
المؤلفُ هذه الأطروحةَ ، وزاد فيها دراساتٍ عن مؤلفاتِ الترمذيِّ ، وطبعت
بعنوان: ((الإِمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصَّحيحين)).

١١
مقدمة الطبعة الأولى
كما يلاحظُ أَنَّ في أُطروحتي أبواباً كاملةً مُبتكرةً في دراسةِ الترمذيِّ لم
يسبِقْ أن عُقِدَتْ في أيِّ تأليفٍ سابقٍ أُلُّف عن الإِمام الترمذيِّ، أو شرحٍ
صُنِّفَ على جامِعِهِ . ومن أمثلةِ هذه الأبوابِ: ((صَنْعةُ الإِسنادِ في جامع
الترمذي))، و((الفوائدُ الإِسناديةُ))، و((فِقْهُ التِّرمذيِّ))، وغيرُ ذلكَ مما
يشكِّلُ القِسمَ الأكبرَ من الأطروحةِ، مما جعلها نموذجاً يُحتذى .
وقد حرصتُ في عملي في تحقيقِ هذا الكتابِ الجليلِ (( شرح علل
الترمذي )) على ضبط نَصِّهِ مصحَّحاً جدّاً، وعلى استكمالِ فوائدِ الكتابِ
في التعليقِ عليه ، وذلك لأهميَّتِهِ البالغةِ ، ورجعتُ في كلِّ ذلكَ إِلى
المراجعِ المُعْتَبرةِ ، والمصادرِ الأصليةِ ، كما يجدهُ القارىءُ .
ولكنْ لما أني توسعتُ في أطروحتي في دراسةِ الموضوعاتِ المُشْتَرَكَةِ
بينها وبين (( شرحِ العللِ)) ثم قمتُ بدراسةٍ مُحَقَّقَةٍ لكلِ أصولِ علمٍ
الحديثِ في كتابي ((منهجُ النقدِ في علومِ الحديثِ ))، فقد اعتمدتُ على
أبحاثي في كتابيَّ هذين ، وأحلتُ القارىء عليهما ، وذلك لاستكمالٍ
الفائدةِ ، مع مراعاة الاختصارِ .
كذلك اعتمدتُ في الرواةِ على المراجع عامةً ، واعتمدتُ في الرواةِ
المتكَلَّم فيهم على كتابِ ((المُغْنِي في الضُّعفاءِ)) للإِمامِ الذهبيِّ، وعلى
تعليقاتي عليه ، التي حقّقتُ فيها الحكمَ في مواضعِ الخِلافِ .
ولو أننا أطلقنا العِنانَ للتطويلِ في التعليقِ ، لجاءَ التعليقُ شرحاً على
((شرحِ العللِ)) يفوقه بأكثرَ من ضِعْفِهِ، لكنْ راعينا الاختصارَ مع الإِحالةِ
على المراجع لمن أرادَ التوسُعَ ، حتى نستوفي خدمةَ الكتابِ دونَ
تطويل .
وإِننا إِذ نقدِّمُ ((شرحَ العللِ)) هذا لعلماءِ الحديثِ وطُلَّبه ، نكونُ قد
تابعنا خَطْوَنا في خِدْمَةِ ((جامعِ التِّرمذيِّ)) ، التي قدمناها في أطروحتنا ،

١٢
تصدیر المحقق لـ «شرح علل الترمذي»
فقد خَدَمَتْهُ أطروحتنا من حيث طريقتُهُ وخصائصها الفنية ، وفقهُهُ ،
والدفاعُ عن حُجِّيَّةِ أحكامه على الأحاديثِ بالقَبولِ أو الردِّ ، وشرحُ
مصطلحاتِهِ ، وتحقيقُ مَوْقِعِها بين مصطلحاتِ المحدِّثين ، وهو أوَّلُ بحثٍ
حديثيٍّ مقارَن. وقدمنا ((شرحَ العللِ)) هذا مرجِعاً جليلاً في خدمةٍ
(( جامع الترمذيِّ)) من جانب القواعدِ العِلمية وشرحِ المصطلحاتِ .
كذلك فإِنَّا نقدِّمُ بعملنا هذا مَرجِعاً فريداً في أصولِ علمِ العِلَلِ ، كثيرٍ
القواعدِ الهامةِ ، غزيرِ الفوائدِ التي لا توجدُ في غيرِهِ ، مما يُثْري مكتبةَ
عِلمِ الحديثِ ، ويَزِيدُ غِنَاها (١).
واللهُ تعالى هو وليُّ التوفيقِ ، ومنه كلُّ هدايةٍ وإِکرامٍ .
وكَتَبَهُ
نورُ الدِّین عِثْر
خادمُ القرآنِ وعلومِهِ والحديثِ وعلومِهِ
کلیةُ الشَّریعةِ - جامعةُ دمشق
(١) ويتم هذه الفوائد كتابنا الجديد الذي صدر مؤخراً ((لمحات موجزة في أصول
علل الحديث))، فانظره فإنه مهم لكل حديثيّ.

١٣
ترجمة الإمام الترمذي مصنف العلل
الإِمامُ أبو عيسَىُ التِّرمِذِيِّ
هو محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرةَ بنِ موسى بنِ الضَّحَّاكِ ، أبو عيسى
السُّلَمِي الضَّرير البوغي التِّرمذيّ ، الحافظُ الإِمامُ المُجْمَعُ عليه .
ولد سنة (٢٠٩) تسْع ومائتين، وتُوفِّي سنة (٢٧٩) تِسْع وسبعين
ومائتين ، ومناقبُه كثيرةٌ ، والبحثُ في تاريخِهِ ، وعلمهِ ، وطريقتِهِ
العلميةِ ، وأثرهِ الكبيرِ في هذا العلمِ طويلٌ متعددُ الجوانبِ ، وقد دَرَسْناه
في كتابنا ((الإِمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصَّحيحين)).
فتكتفي هنا بنُذَةٍ مختصَرَةٍ في عُلُوّ قَدَمِهِ فِي عِلْمِ الحديثِ والعِلَلِ ، بمناسبةٍ
كتابةِ مقدمةٍ لشرحٍ عِلَّلِهِ .
فنقولُ وبالله التوفيق :
أُوتي الترمذيُّ من المَوْهبةِ ، والصِّفاتِ ، والأخلاقِ ، والفضائلِ
ما جعلَهُ من أَفْذاذِ العُلماءِ ، وأئمَّةِ علمِ الحديثِ .
كانَ قويَّ الحافظةِ ، حاضرَ الذُّهنِ، يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في الحِفْظِ
والضَّبْطِ (١) ، وقد حَدَّثَ هُوَ عَنْ نفسِهِ أَنَّ أحدَ الشيوخ ألقى عليه أربعينَ
حديثاً من غرائبٍ حديثِهِ امتحاناً له، قال الترمذي: (( فَقَرأْتُ عليه من أوَّلِهِ
إلى آخره كما قرأ، ما أخطأتُ في حَرْفٍ، فقال لي: ما رأيتُ مِثْلَكَ)) (٢).
(١) ((شروط الأئمة الستة للمقدسي)) ص١٧، و((تذكرة الحفاظ)) للذهبي
ص٦٣١. و((تهذيب التهذيب)) ج٩ ص٣٨٨ .
(٢) انظر ((التذكرة)) ص ٦٣٥، ((وشروط الأئمة الستة)) ص١٧-١٨، و((تهذيب =

١٤
تصدیر المحقق لـ ((شرح علل الترمذي)» .
طافَ التِّرمذيُّ في البلادِ ، وسَمِعَ خلقاً كثيراً من الخُرَاسانيين ،
والعِراقيين ، والحِجازيين ، وغيرِهم ، وشاركَ شيخَه البخاريَّ في كثيرٍ من
شيوخِهِ، كما عُنِيَ بلَقِيِّ الأئمَّةِ الكِبَارِ ، الذين إليهم المنتهى في حفظ
الحديثِ ، ودرايتهِ ونَقْدِهِ ، فأخذَ عَنْهم وتعمَّقَ في البحثِ ، وأخذَ يُناظِرُهم
ويُباحِثُهم ، كما ذكرَ هو ذلكَ في إِفادته من الإِمامِ البخاريِّ والدارميِّ(١).
فبرزَ بذلكَ نبوغُه وتَقَدَّمَ إِلى مِخرابِ الإِمامةِ في الحديثِ وعِلَلِهِ غيرَ
مُدَافَعٍ .
وقد أثنى العلماءُ عليه بالإِمامةِ في علم الحديثِ وعلله :
قال فيه السَّمعاني(٢): ((إِمامُ عصرهِ بلا مُدافعة، صاحبُ
التَّصَانيف)).
وقال ابن خَلِّكان(٣): ((وهو تلميذُ أبي عبد الله محمد بن إسماعيلَ
البخاريٍّ . وشاركَهُ في بعض شيوخه )) .
وقالَ الصَّلاحُ الصَّفَديُّ(٤): ((وأخذَ علمَ الحديثِ عن أبي عبدِ اللهِ
البخاريِّ )).
وقال الذَّهبيُ(٥): ((وتفقَّ في الحديثِ بالبخاريِّ)).
ولا يخفى رسوخُ البخاريٍّ في عِلَلِ الحديثِ وتقدُّمُه على أهلِ عصرهِ
في ذلك ، وقد ورثَ ذلك عنه الترمذيُّ ، بالإِضافةِ إِلى ما تلقَّاهُ عن غيرهِ
التهذيب )) ج٩ ص٣٨٨-٣٨٩.
=
في (( كتاب العلل)) ص٣١ .
(١)
في (( الأنساب )) ورقة ١٩٥.
(٢)
في (( وفيات الأعيان )) ج٣ ص ٤٠٧ .
(٣)
في (( نكت الهميان في نكت العميان )» ص ١٧٠ .
(٤)
(٥) في (( تذكرة الحفاظ )) ص ٦٣٤.

١٥
ترجمة الإمام الترمذي مصنف العلل
من الأئمةِ ، حتى كان خيرَ مَنْ خَلَفَ البخاريَّ .
قال الحافظُ عمر بن علك(١): ((ماتَ البخاريُّ فلم يخلُّفْ بخراسانَ
مثل أبي عيسى في العلمِ والحفظِ والورعِ والزهدِ ، بكى حتى عَمِيَ وبقي
ضريراً سنين )) .
وقال الحافظُ العالمُ أبو سعيد الإِدريسيُّ(٢): ((أحدُ الأئمةِ الذين
يُقتدى بهم في علمِ الحديثِ ، صنَّفَ الجامعَ والتواريخَ والعِلَلَ تصنيفَ
رجلٍ عالمٍ متقنٍ ، كان يُضربُ به المثلُ في الحفظِ » .
وقال عليٍّ بن محمد بن الأثير المؤرخُ(٣): ((أحدُ الأئمةِ الذين يُقتدى
بهم في علمِ الحديثِ )) .
وقال الحافظُ المِزِّيُّ (٤): ((أحدُ الأئمةِ الحفاظِ المبرِّزين، ومَنْ نفعَ
اللهُ به المسلمينَ )).
وقال الذَّهبيُّ(٥): ((محمدُ بن عيسى بن سَوْرة الحافظُ العَلَم ، أبو
عيسى الترمذيُّ ، صاحبُ الجامع ، ثقةٌ مجمَعٌ عليه )).
وقال المباركُ بن الأثير في ((جامع الأصول)) (٦) ، وطاش كبري زاده
في ((مفتاح السعادة)) (٧): ((وهو أحدُ العلماءِ الحفّاظِ الأعلام ، وله في
الفقهِ يدٌ صالحٌ )).
(١) المرجع السابق .
(٢) (( شروط الأئمة الستة)) ص١٧ و((تهذيب التهذيب)) ج٩ ص٣٨٨ .
(٣)
في كتابه (( اللباب فى تهذيب الأنساب)) ج١ ص١٧٤ .
في (( تهذيب الكمال في أسماء الرجال)» ج١٠ ورقة / ٢٢/ وجه١.
(٤)
في (( ميزان الاعتدال في نقد الرجال ) ج ٣ ص٦٧٨ .
(٥)
(٦)
ج١ ص ١٩٣ .
(٧) ج٢ ص١١ .

١٦
تصدير المحقق لـ ((شرح علل الترمذي))
وهذه كتبُه التي ألَّفها تشهدُ له بذلك ، وقد سمعتَ ثناءَ العلماءِ عليها ،
والشهادةَ للترمذيِّ بها .
وقد وجدنا له بعد التَّبُّعِ المؤلفات الآتية :
١- كتابه العظيم ((الجامع)) المشتهر باسم (( سُنن الترمذي)).
٢ - ((الشَّمائِل النبويَّة)) المعروف بشمائل التِّرمذي.
٣- ((العِلَل المفرد)) أو ((العِلَل الكبير)).
٤ - (( العِلَل)) الذي في آخر الجامع.
٥ - ((الزهد)) (المفرد)، قال الحافظُ ابن حجر: ((ولم يقعْ لنا))(١).
٦ ـ ((التّاريخ)) (٢).
٧ - ((أسماء الصَّحابة)) (٣).
٨- (( الأسماء والكُنى)) (٤) .
٩ - كتاب في الآثارِ الموقوفةِ ، أشار إليه الترمذيُّ في آخرِ الجامع (6)
(١) ((تهذيب التهذيب)) ج٩ ص٣٨٩.
(٢) ((الفهرست)) لابن النديم ج١ ص٢٣٣ و((هدية العارفين)) للبغدادي ج٢
ص١٩. وانظر ما يأتي ص ٢٣ .
(٣) ((البداية)) لابن كثير ج١١ ص ٦٧ .
(٤) تهذيب التهذيب الموضع السابق .
(٥) في مطلع كتاب ((العلل)) ص٣١ حيثُ قال بعد أن ذكرَ أسانيدَه في نقلِ مذاهبٍ
الفقهاء : ((وقد بيَّنا هذا على وجهِهِ في الكتاب الذي فيه الموقوفُ )).
ويبدو من كلام الحافظ ابن رجب الآتي في شرح العلل (ص٣٢) أنه لم يقف
عليه، فقد قال : ((وكأنهُ رحمه الله له كتاب مصنَّف أكبرُ من هذا ، فيه
الأحاديث المرفوعة ، والآثار الموقوفة مذكورة كلها بالأسانيد )) . فعبر بقوله :
((وكأنه))، مما يدل على ما قلنا : إِنه لم يقف عليه .

١٧
العلل للإمام الترمذي
العِلَل للإِمامِ التِّرمذي
تعريفُ العِلَّةِ :
العِلَّةُ: مفرد، جمعه : عِلَل. (والعِلَّةُ ) . بكسرِ العينِ وتشديد
اللّمِ المفتوحةِ تطلقُ في اللغةِ على معانٍ متعددة، يمكنُ إِرجاعُها إِلى
أصلٍ واحدٍ، هو: (( معنى يحل بالمحل فيتغير به حال المحل )).
ومنه سُمِّي المرضُ علةً، لأن بحلوله يتغيرُ الحالُ من القوَّةِ إِلى
الضَّعفِ، (عَلَّ) الرجلُ ( يَعِلُّ) بكسر العين ( عَلّ ) فهو عليلٌ.
وتطلقُ العِلَّةُ أيضاً على الحَدَثِ يشغَل صاحبَهُ عن حاجتِهِ ، فيقالُ : لم
أفعلْ كذا لِعلَّةِ كذا ..
وتطلقُ العِلَُّ على السَّبَبِ . فيقال : هذه ◌ِلَّتُه أي سببُه، وهذا علةٌ
لهذا أي سببٌ له(١) .
وأما في اصطلاح المُحدِّثين: فالعِلَّةُ: ((سببٌ خفيٌ يقدحُ في صِحَّةٍ
الحديثِ وظاهرهُ السَّلَامةُ منهُ )) .
(١) انظر مادة (علل) في ((القاموس المحيط)) للفيروز آبادي، وشرحه ((تاج
العروس)) للزَّبيدي ج٨ ص٣٢-٣٣، و((لسان العرب)) ج١١ ص٤٧١، طبع
بيروت ، و( مختار الصحاح)) للرازي ص٤٥١، و(( المعجم الوسيط )) ج٢
ص٦٢٣ -٦٢٤ .

١٨
تصدیر المحقق لـ ((شرح علل الترمذي))
وقد تُطْلَقُ العِلَّةِ عندهم على سببٍ غيرِ قادحٍ ، كما نبَّهوا عليه في
مصادرٍ علومِ الحديث(١) .
وَالحديثُ المعلَّلُ : هو الحديثُ الذي اطُّلِعَ فيه على سببٍ خَفِيٍّ يقدحُ
في صحته وظاهرُه السلامةُ منه . كرفع موقوفٍ أو وصلٍ مُرسَلٍ ، أو وهمِ
واهمٍ بغير ذلك .
وعِلمُ العِلَلِ علمٌ بهذه الأسباب والقوادح ، التي تَنْشَأُ عن الوهم .
وهو أوسعُ من الحديث المُعَلَّلِ ، يتناولُ كل فنٌّ من فنون الحديث ، من
علوم الرُّواة أو المتون أو الأسانيد .
ويتميَّز كتابُ الحافظِ ابنِ رجبٍ هذا في جزئه الثاني بضبط الطُرقِ
المُوصِلةِ لكشف العِلَلِ ، وبما أوردَ مِن الشَّواهدِ الغزيرةِ التي أَغْنَت
الكتاب ، وأعطته مزيَّةً تطبيقيَّةً لا نظيرَ لها ، إضافةً إلى مزيته في الرِّواية
النظريّة التي تفرَّد بها .
تَصْنِيفُ العِلَل :
كتابُ العِلَلِ هو الكتابُ الذي يجمعُ الأحاديثَ المعلَّلةَ ، ويُيَّنُ فيه علةُ
كلِّ حديثٍ ، ثم قد يكونُ على ترتيبِ الأبوابِ الفقهيةِ ، وقد يُصنَّفُ على
ترتيبِ المسندِ مع بيانِ عِللِ الأحاديثِ .
قال في ((التقريبٍ)) وشرحِهِ(٢): ((ومن أحسَنِهِ - أي التصنيفِ في
الحديثِ - تصنيفهُ أي الحديثِ معلَّلاً ، بأن يجمعَ في كلِّ حديثٍ أو بابٍ
(١) كما في ((علوم الحديث)) لابن الصلاح ص ٨٤، وشَرْحَي ((الألفية)) للعراقي
والأنصاري ج١ ص٢٣٧_٢٣٨ و((تدريب الراوي)) ص١٦١، و(( شرح شرح
النخبة)) لعلي القاري ص ١٣٠-١٣١، وغيرها.
(٢) ((التقريب)) للنووي، وشرحه ((تدريب الراوي)) للسيوطي ص ٣٥٥.

١٩
العلل للإمام الترمذي
طُرُقَهُ ، واختلافَ رواتِهِ ، فإِنَّ معرفةَ العِللِ من أجَلِّ أنواع الحديثِ ،
والأَوْلَى جعلهُ على الأبوابِ ليسهُلَ تناوُله، وقد صنَّفَ يعقَوَبُ بن شيبةً
مستَدَهُ معلَّلاً فلم يتم . قيلَ: ولم يتم مسندٌ معلِّل قطُ، وقد صنَّفَ
بعضُهم مسندَ أبي هريرةَ معلّلاً في مائتي جُزء )) .
وقال الحافظُ ابن رجبٍ في أواخرِ شرحِهِ هذا لعللِ التِّرمذيِّ(١):
(( فصلٌ : قد ذكرنا في كتابِ العلمِ فضِلَ علمٍ عِلَلِ الحديثِ وشَرَفَه
وعزتَه ، وقلةَ أهلِهِ المتحقِّقينَ بِهِ من بين الحفّاظِ والمحدِّثين ، وقد صُنَّفَت
فيه كتبٌ كثيرةٌ مفردَةٌ، بعضُها غيرُ مرتَّبةٍ كالعِلَلِ المنقولةِ عن يحيى
القطَّانِ ، وعليٍّ بن المَدِيني ، وأحمد ، ويحيى ، وغيرِهم ، وبعضُها
مرتبة . ثم منها ما رُتُّبَ على المسانيد كـ((عِلل الدَّارقُطني))، وكذلك
((مسندُ علي بن المديني))، و((مسند يعقوب بن شيبة)) هما في الحقيقةِ
موضوعانِ لعلل الحديثِ ، ومنها ما هو مرتبٌ على الأبوابِ كـ« عِللِ ابن
أبي حاتم))، و((العِلَل)) لأبي بكر الخلَّل الحنبلي، وكتاب ((العلل))
للترمذيِّ ، أوله مرتبٌ وأواخره غير مرتب)). انتهى.
إِلى آخرِ ما هنالك مما لا نطيلُ به ههنا ، فإنه ليسَ هو موضوع كتاب
(( العلل )) الذي نقدِّم له، كما ستعرفهُ بَيّناً إِن شاءَ اللهُ تعالى .
كتابا « العِلَل)» للإِمام التِّرمذي :
أبحاثُ التِّرمذيِّ في العلل أبحاثٌ جليلةٌ دقيقةٌ ، هي شاهدُ صدقٍ على
إِمامته ، وتقدُّمِه في علمِ الحديثِ عامة وفي العللِ خاصة ، حتى أشادَ
العلماءُ بها ، وأثنوا عليها .
وللإِمام الترمذي كتابان في العلل :
(١) ص ٨٠٥ - ٨٠٦.