Indexed OCR Text

Pages 61-80

وروى الشافعي أنا عمي محمد بن علي عن هشام بن عروة عن
أبيه قال: ((إني أسمع الحديث أستحسينه، فما يمنعني من ذكره إلا
كراهة أن يسمعه سامع فيقتدي به ، أسمعه من الرجل لا أثق به قد
حدثه عمن أثق به ، وأسمعه من الرجل أثق به فيحدثه عمن
لا أثق به )) .
وقد روي عن زيد بن أسلم أنه قال : (( إن هذا العلم دين فانظروا
من تأخذون دينكم )). خرّجه ابن حبان، وخرّجه أيضاً من كلام
الحسن ، وأنس بن سيرين ، والضحاك بن مزاحم ، والنخعي . وخرّجُه
أيضاً باسناد لا يصح عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما (١).
= ((حدثنا محمد حدثنا عفان حدثنا خالد بن الحارث قال حدثنا عمران
ابن حُدَيْر قال حدثني ابن رتبيل أن التيمي ذكر عن محمد بن سيرين أنه قال :
من زار قبراً أو صلى إليه أو تعلمه فقد برىء منه الذمة . قال عمران: فقلت
لمحمد عند أبي مجلز: إن رجلاً ذكر عنك أنك قلت: "مَنْ زار قبراً أو صلى
إليه أو تعلمه فقد برىء الله منه . قال فقال أبو مجلز كنت أحسبك أنك أشد
أققا. قال: إذا لقيت صاحبك فأقره السلام . وأخبره أنه قد كذب . ولكن
هو يكره . قال: فرأيت سليمان عند أبي مجلز قال : فذكرت له. فقال: سبحان
الله إنما حدثفيه مؤذن لنا. ولم أظنه يكذب)) .
ابن رتبيل: صالح بن رتبيل، بمثناه ساكنة، وموحدة مكسورة،
بعدها ياء . تبصير المنتبه ص ٥٩٢ .
(١) انظر تخريجها عمن ذكر في المجروحين لابن حبان ج ١ ص ١٥-١٦.
وأخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ج ١/١/ ص ١٥-١٦ من طرق عن
ابن سيرين والضحاك وأنس بن سيرين وفي بعض طرقه عن محمد بن سيرين بلفظ:
«كان يقال: إنما هذه الأحاديث ... )) وأخرجه الخطيب في الكفاية ص ١٢١ -=
- ٦١ -

وخرجه ابن عَدِيٍّ من وجوه مرفوعاً إلى النبي محمدٍِّ، ولا
يصح منها شيء .
وروى أبو نعيم من طريق إسحاق بن بشر (١) الرازي قال قال
ابن المبارك: ((ليس جودة الحديث في قرب الاسناد ، ولكن جودة
الحديث في صحة الرجال )).
وخرّج الحاكم في المدخل (٢) باسناده عن ضَمْرة عن ابن شوذب عن
مطر الوراق في قوله تعالى (( أو أثارة من علم)) قال : إسناد الحديث .
=١٢٢ عن محمد بن سيرين وأنس بن سيرين والضحاك بن مزاحم وعلي بن بي طالب.
وهذا بمجموعة يدل ويثبت أن علماء الصحابة ثم التابعين متفقون على أن
لا يؤخذ العلم والحديث إلا عمن يوثق به ديناً وحفظاً، حتى شاعت هذه القاعدة،
وذلك يدل أيضاً على وجود الجرح والتعديل في عصر الصحابة. وقد تكلم من
الصحابة في الرجال عبد الله بن عباس)، وعبادة بن الصامت ، وأنس بن مالك،
وغيرهم ، وكان قليلاً لقلة الضعف وندرته، ثم ازداد في عصر التابعين ، وهكذا
بحسب مقتضيات كل عصر .
(١) في الأصل ((بشير)) قومناه من المغني في الضعفاء وميزان الاعتدال.
وإسحاق بن بشر هذا صدوق .
(٢) ((المدخل الى كتاب الاكليل)، ص ٢.
- ٦٢ -

كلام الأئمة في الرجال
قال الترمذي رحمه الله :
(حدثنا أحمد بن عَبْدَةَ نا وَهَبُ بنُ زَمْعَةَ عن عبد الله بن المبارك:
أنه ترك حديث الحسن بن عمارة، والحسن بن دينار، وإبراهيم بن محمد
الأسلمي، ومقاتل بن سليمان، وعثمان البُرِّي، ورَوْحٍ بن مسافر وأبي شيبةً
الواسطي، وعمرو بن ثابت، وأيوب بن خوط، وأيوب بن سويد ،
ونصر بن طريف أبي جُزَي(١)، والحكّم، وحبيب بن حُجْر. والحَكَمُ
روى له حديثاً في كتاب الرقائق ثم تركه، وحبيب لا أدري .
قال أحمد بن عبدة وسمعت عبدان يقول: كان عبد الله بن المبارك
قرأ أحاديث بَكْرٍ بن خُنَيْسٍ، فكان آخِرأَ إذا أتى عليها أعرض
عنها ولم يذكرها.
حدثنا أحمد ثنا أبو وهب قال سموا لعبد الله بن المبارك رجلاً (٢)
(١) كذا في الأصل والجرح والتعديل واللسان. وفي الميزان ((أبو جز)).
(٢) أول نسخة دار الكتب المصرية، التي نشير إليها بالحرف (ب).
- ٦٣ -

[ب-٣] يُتْهَمُ في الحديث، فقال: ((لأن أقطع الطريقَ أحبُ إليّ
من أن أحدث(١) عنه»).
(٢) قال الامام أحمد: ثنا حسن بن عيسى قال: ((ترك (٣) ابن
المبارك الحسن بن دينار ، وعَمْرو بن ثابت ، وأيوب بن خوط ،
ومحمد بن سالم ، وعبيدة (٤) والسريّ بن اسماعيل»، يعني أنه
ترك الحديث عنهم .
وذكر حَرْبُ الكَرماني في كتابه قال: (( بلغني أن ابن المبارك
ترك حديث عباد بن كثير ، والحسن بن دينار ، والحسن بن عمارة ،
وروْح بن مسافر، وابن سمعان، وعمرو بن ثابت )) .
وقال ابن المبارك: ((مايَسْوى حديث عباد بن كثير عندي
كفأ من تراب )» .
وهؤلاء الذين سماهم الترمذي في روايته (٥) مشهورون بالضعف ،
وقد سبق ذكرهم مفرقاً في الكتاب في مواضع متعددة (٦) .
(١) في ب ((أروي)). والمثبت في الأصل والنسخ المطبوعة.
(٢) أول نسخة دار الكتب الظاهرية التي تشير اليها بالحرف ( ظ ) .
(٣) في ب , قال ؛ وهو سهو .
(٤) هو عُبّيدة بن مُعَشِّب ((الضرير، ضعيف، واختلط بآخرة، من
الثامنة، ماله في البخاري سوى موضع واحد في الأضاحي ) ج ٧ ص ١٠١
معلقاً وعلى سبيل المتابعة . روى له خت د ت ق .
(٥) في ب ((رواته)) وهو تصحيف .
(٦) سيبين الشارح هنا الكلام في كل واحد من هؤلاء الرواة. وقد حققنا-
- ٦٤ -

وإبراهيم بن محمد الأسلمي : هو ابن أبي يحيى المدني .
وعثمان البُرْيّ: هو بصري [آ - ١٤] ضعيف معتزلي أحاديثه
مناكير، قال أحمد: ((حديثه منكر، وكان رأيُه رأي سوء)).
وأبو شيبة الواسطي: هو إبراهيم بن عثمان، جدّ بني أبي شيبة .
وعمرو بن ثابت : هو ابن أبي المقدام الكوفي .
وأيوب بن سويد : هو الرملي (١) :
وأما الحَكَم: فالظاهر أنه ابن عبد الله بن سَعْدٍ الأيلي ، وقد حكى
البخاري وابن حِبَّان وغيرهما عن ابن المبارك أنه كان يحمل (٢) عليه.
وحكى ابن أبي حاتم عن أبيه أن ابن المبارك كان تركه ، وكذا ذكر
ابن عدي في ترجمة الحكم الأيلي ( عن الحسين بن يوسف نا أبو عيسى
الترمذي نا أحمد بن عبدة نا وهب بن زمعة عن عبد الله بن المبارك ) (٣)
أنه ترك حديث الحكم .
وأما حُبَيْب بن حجر فهو حُبَيْب بن حجر بالتشديد (٤)،
تصغیر حَبیب ، کذا قاله يزيد بن هارون وموسى بن إسماعيل ، ورويا
البحث فيهم في تعليقنا على كتاب المغني في الضعفاء فارجع إليه ، وكلهم متروك
شديد الضعف. إلا من علقما بالتنبيه عليه هنا بغير ذلك . وعثمان البرّي كما قال
الشارح رحمه الله تعالى .
(١) ((أبو مسعود الحميري السيباني، صدوق يخطىء من التاسعة)). تقريب.
(٢) في ب ((يحتمل)) وهو تصحيف.
(٣) في ظ موضع القوسين: ((أسند عن ابن المبارك ٠٠)). وسقط قوله
(( نا أحمد بن عبدة)» من ب.
(٤) في ظ ((فبالتشديد، لم يكرر («هو حبيب بن حجر)).
٥ - شرح العلل
- ٦٥ -

عنه، وكناه يزيد أبا حجر، وكناه موسى أبا يحيى ، وهو قيسي
بصري ، وقال ابن المبارك : هو حبيب أو حبيب، شك في ضبطه
وهو يروي عن ثابت البناني والأزرق بن قيس .
وقد ذكرنا له حديثاً في كتاب الأدب ، في باب السلام على
الصبيان ، وروى عنه أيضاً وكيع ويونس ورّوْح وابن المبارك ،
وكناه روح أبا حجر أيضاً ، وذكره ابن حبان في ثقاته.
وقال يحيى بن معين: ((ليس به بأس)).
وقد ذكر ابن عدي أن ابن المبارك إنما ترك حْبَيْبَ بن حَبيب أخا
حمزة الزيات، فانه ذكره في كتابه (١) ثم قال: (( نا حسين بن يوسف
البندار ثنا أبو عيسى الترمذي ثنا أحمد بن عبدة الآملي نا وهب
بن زمعة عن ابن المبارك أنه ترك حُبَيَبَ بن حَبِيب ، وذكر
عن ابن معين أنه قال: ((لا أعرفه)). وعن عثمان بن أبي شيبة
أنه روى عنه وقال: ((كان ثقة)). وقد وثقه ابن معين في رواية
أخرى عنه، ويعقوب بن شيبة، وقال: ((ليس ممن يعتمد على
تثبته))، وقال أبو زرعة: ((واهي الحديث)).
وقد تكلم ابن المبارك في غير هؤلاء ، فذكر مسلم في مقدمة
كتابه عن إسحاق بن راهويه قال : سمعت بعض أصحاب عبد الله .
قال : قال ابن المبارك: ((نِعْمَ الرجلُ بقية لولا أنه يكني الأسامي،
ويسمي الكنى (١٢ ، قال : كان دهراً يحدثنا عن أبي سعيد الوحاظي
(١) التكامل في الضعفاء ورقة ١٠٦ /٢.
(٢) كذا في ظ وب . أثبتناه لأنه أوفق بسياق مسلم في مقدمة صحيحه=
-٦٦ -

فنظرنا فاذا هو عبد القدوس)) .
قال مسلم ونا أحمد بن يوسف الأزدي سمعت عبد الرزاق
يقول: ((ما رأيتُ ابن المبارك يفصح بقوله كذاب إلا لعبد القدوس
فاني سمعته(١) يقول له: كذاب)).
قال : (٢) وحدثني محمد بن عبد الله بن قُهْزّاذَ (٣) قال سمعت
أبا إسحاق الطالقاني يقول : سمعت ابن المبارك يقول : لو خيْرْتُ
بين أن أدخُلَ الجنة وبين أن ألقى عبد الله بن مُحَرَّر لاخترتُ أن
ألقاه ثم أدخلَ الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحبَّ إلي منه)).
قال : وسمعت الحسن بن عيسى يقول: قال لي ابن المبارك :
((إذا قدمتَ على جَرير فاكتب علمه كله، إلا حديث ثلاثة:
لا تكتب حديث عُبَيْدَةَ بن مُعَتّبٍ، والسَّريّ بن إسماعيل ،
ومحمد بن سالم (٤))) .
=ص ٢٠. وفي الأصل: ((يسمي الكنى ويكني الأسامي كان دهراً .. الخ)).
وهذا قدح من ابن المبارك في بقية بالتدليس . والمثال المذكور من
تدليس الشيوخ.
وبقية هو ابن الوليد الحمصى صدوق كثير التدليس عن الضعفاء . مات سنة
سبع وتسعين ومائة، وله سبع وثمانون عاماً. روى له خت م ( متابعة) عه.
انظر المغني في الضعفاء رقم ٩٤٤.
(١) (( فاني سمعته)) ليس في ظ وب .
(٢) مقدمة مسلم ص ٢١ .
(٣) ((قهران)» ب . وهو تصحيف .
(٤) مقدمة صحيح مسلم ص ٢١.
- ٦٧ ~

قال : وحدثني محمد بن عبد الله بن قْهْزاذَ أخبرني علي بن
حسين بن واقد قال قال عبد الله بن المبارك: قلت لسفيان الثوري:
إن عباد بن كثير من تعرف (١) حاله ، فإذا حدث جاء بأمر عظيم ،
فترى أن أقول للناس : لا تأخذوا عنه ؟ قال سفيان: بلى. قال:
عبد الله: فكنت إذا كنتُ في مجلس ذُكِرَ فيه (٢) عباد. أثنيت (٣)
عليه في دينه، وأقول: ((لا تأخذوا عنه)).
قال الترمذي رحمه الله :
(أخبرني موسى بن حزام، نا يزيد بن هارون قال: ((لا يحل لأحد
أن يروي عن سليمان بن عمرو النخعي الكوفي)) ).
سليمان هذا هو أبو داود النخعي، [ ب - ٣] وهو مشهور
بالكذب ووضع الحديث . وقال أحمد: ((كان كذاباً ، سنل شريك
عنه فقال : ذاك كذاب النخع)) .
وقال ابن معين: ((كان أكذب الناس» .
وقال قتيبة: ((هو معروف بالكذب)) . ونسبه إلى (الوضع)(٤)
(١) ((يُعرف)). ب.
(٢) قوله ((فيه) من مقدمة صحيح مسلم ص ١٣.
(٣) (( أتثبت)) ب ، تصحيف.
(٤) بياض في ظل. وفي ب ((إلى الكذب إسحاق ... )) ليس فيها ((أحمد)).
- ٦٨ -

أحمد وإسحاق ويحيى وغيرهم. قال ابن عدي: ((أجمعوا على
[ظ - ١١٢] أنه يضع الحديث)) (١).
قال التر مذي رحمه الله :
( حدثنا محمود بن غيلان (٢) ثنا أبو يحيى الحمانى سمعت أبا حنيفة
يقول: (( مارأيتُ أحداً (٣) أكذبَ من جابر الجُعْفِيّ، ولا أفضلَ
من عطاء بن أبي رباح»
سمعت الجارود يقول سمعت وكيعاً يقول: ((لولا جابر الجُعْفي
لكان أهلُ الكوفةِ بغيرِ حديث، ولولا حمادٌ لكان أهلُ الكوفة
بغير فقه)» ) .
هذا يوجد في بعض النسخ ولا يوجد في بعض .
وجابر الجعفي قد سبق ذكره مستوفى" في أبواب الأذان .
وما ذكره وكيع غلوُ غيرُ مقبول ، فأين أبو إسحاق ، والأعمش،
(١) في ب ((أنه متروك الحديث)). بياض في ظ. ولفظ ابن عدي في
الكامل ورقة ١٥٣ /٢: ((اجتمعوا على أنه يضع الحديث)).
(٢) ((علان)» ب. وهو تصحيف .
(٣) قوله ((أحداً)) ليس في ظ.
- ٦٩ -

ومنصور (١) وغيرهم من أهل الثقة والصدق والأمانة ، وأين إبراهيم
وغيره من أهل الفقه والعلم ؟! وإسقاط هذا من الكتاب أولى (٢)،
مع أن الترمذي قد ذكره في غير هذا الموضع من (٣) كتابه أيضاً.
(١) هؤلاء من أعلام الحديث الحفاظ الأثبات في العراق: أبو إسحاق هو عمرو
ابن عبد الله الهمداني الكوفي، التابعي، والأعمش هو سليمان بن مِهْران الأسدي
الكاهلي ، ومنصور هو ابن المعتمر السلمي، وثلاثتهم من أئمة التابعين. وإبراهيم.
الآتي ذكزه هو ابن يزيد النخعي الامام الكبير، وكلهم لهم تراجم في تذكرة
الحفاظ ، وغيرها .
(٢) ((أوفى)، ب. وهو تصحيف .
(٣) ((في كتابه )» ب. وانظر ج ١ ص ٤٠١ ( فضل الأذان).
- ٧٠ -

رواية الضعفاء والرواية عنهم *
قال [أبو عيسى] رحمه الله:
( سمعت أحمد بن الحسن يقول: كنا عند أحمد بن حنبل فذكروا
من تجب عليه الجمعةُ، فدكَرَ فيه عن بعض أهل العلم من التابعين
وغيرهم، فقلت: ((فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث)) (١). فقال:
عن النبي صلى الله عليه وسلم!؟ قلت: نعم، حدثنا حجاج بن نُصَيْر أنا
المعارك بن عباد عن عبد الله بن سعيد المقبريُ عن أبيه عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الجمعةُ على مَنْ آواهُ الليلُ
إلى أهله))، قال (١) فغضب أحمد وقال: «استغْفِرْ رَبَّكَ، استغفر
ربك)»، مرتين.
قال أبو عيسى: وإنما فعلَ أحمدُ هذا لأنه لم يصدق هذا عن
الي صلى الله عليه وسلم لضعف إسنادِه، ولأنه لا يعرفه عن
النبي صلى الله عليه وسلم. والحجاجُ بن نُصَيْرٍ يُضَعَّفُ في الحديث.
وعبدالله (٢) بن سعيد المقبريُ ضعفه يحيى بن سعيد القطانُ جداً
(١) قوله ((حديث)) وقوله ((قال)) ليسا في ب.
(٢) بياض في ب موضع قوله ((الحديث وعبد الله)).
- ٧١ .-

في الحديث .
فكل من رُويَ عنه حديث من يُتَّهَمُ أو يُضَعَّفُ لغفلته أولكثرةُ
خطئه ولا يُعرفُ ذلك الحديثُ إلا من حديثه فلا يُحْتَجْ بِهِ)
هذه الحكاية عن أحمد بن الحسن (٢) عن أحمد بن حنبل قد
ذكرها الترمذي أيضاً في كتاب الجمعة (٣)، وسبق ذكر هذا الحديث
هناك وبيان ضعفه، وفيه ثلاثة من الضعفاء : حجاج بن نُصَيْر
الفساطيطي، ومُعارِكُ بن عَبَّاد (٤)،
وعبد الله بن سعيد المقبري وهو أبو عباد ، وقد سبق ذكر.
وذكرُ حجاج. أيضاً ومعاركٍ في الكتاب في غير موضع ، وكان
الثوري يروي عن أبي عباد هذا ويقول : «استبان لي كذبه في
مجلس )) ، وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه ، وقال يحيى
ابن معين: ((لا يكتب حديثه». وقال البخاري: « تركوم»
وأما ما ذكره الترمذي أن الحديث إذا انفرد به من هو مُتَّهم
بالكذب، أو [ من] هو ضعيف في الحديث لغفلته وكثرة خطئه ولم
يُعْرَفْ ذلك الحديث إلا من حديثه فانه لا يحتج به : فمراده أنه
(١) ((وكثرة)) نسخة الأصل، ويرجح المثبت ماسيأتي أنه يجوز رواية
حديث من كثرت غفلته في غير الاحكام .
(٢) (الحسين)» ظ وب. مع أنها في الموضع السابق ((الحسن)) في النسختين.
وسقط (( حنيل)» من ب.
(٣) في ( باب ماجاء من كم تُؤْتى الجمعة) ج ٢ ص ٣٧٦ -٠٣٧٧
(٤) حجاج ومعارك ضعيفان، وهما من رواه الترمذي .
- ٧٢ -

لا يحتج به في الأحكام الشرعية، والأمور العِلمِيَّة ، وإن كان
قد يروى حديثٌ بعض هؤلاء في الرقائق والترغيب والترهيب ،
فقد رخص كثير من الأئمة في رواية الأحاديث الرقاق ونحوها عن
الضعفاء (١) . منهم ابن مهدي وأحمد بن حنبل.
وقال رَوّاد (٢) بن الجراح سمعت سفيان الثوري يقول:
(( لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين
بالعلم الذين يعرفون الزيادة والنقصان، [ ١ - ١٦ ] ولا بأس بما
سوى ذلك من المشايخ » .
[ و] (٣) قال ابن أبي حاتم ثنا أبي نا عبدة قال : قيل
لابن المبارك - وروى عن رجل حديثا - فقيل : هذا رجل ضعيف!
فقال : يحتمل أن يُرْوَى عنه هذا القدر أو مثلُ هذه الأشياء .
قلت لعَبْدة: مثلُ أي (٤) شيء كان ؟ قال: في أدب في موعظة في
زهد .
وقال ابن معين في موسى بن عُبَيْدة (٥) يُكتَبْ من حديثه
(١) في ظ ((عنهم)) وفي ب بياض، وسيوضح الشارح مَن يُرْوى عنه ذلك
من الضعفاء .
(٢) في ب (داود)) وهو تصحيف. وروّاد هذا هو ((أبو عصام، صدوق
اختلط بآخرة فترك ، وفي حديثه عن الثوري ضعف شديد، من التاسعة / ق ».
(٣) زيادة من ظ. وانظر الجرح والتعديل ج١١ ص ٣٠ - ٣١)، وفيه:
(( حدثني أبي ... )).
(٤) ((أي)) سقط من ب .
(٥) موسى بن عبيدة الربّذي، عابد مشهور، ضعيف، ولا سيما في عبدالله
ابن دينار ، روى له ت ق، مات سنة ٠١٥٣
- ٧٣ -

الرقاق (١)).
وقال ابن عيَيْنَةَ: ((لا تسمعوا من بَقِيَّة ما كان في سُنَّةٍ،
واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره )) .
وقال أحمد في ابن إسحاق : ((يُكْتَب عنه المغازي وشبهها)).
وقال ابن معين في زياد البكاني (٢): ((لا بأس به في المغازي،
وأما في غيرها فلا » .
وإنما يُرْوَى في الترهيب والترغيب والزهد والآداب أحاديث
أهلِ الغفلة [ ب - ٤] الذين لا يتَهَمون بالكذب، فأما أهل التهمة
فيُطْرَحُ حديثهم، كذا قال ابن أبي حاتم وغيره (٣).
وظاهر ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه يقتضي أنه لا تروى
أحاديث الترغيب والترهيب إلا عمن تُرْوى عنه الأحكام (٤).
(١) في ظ و ب ((الرقائق)).
قلت : والمعنى واحد ، وهو ما يرقق القلب ويزكي النفس من المواعظ .
(٢) في ب ((البناني)) وهو تصحيف. انظر ترجمته في المغني برقم ٢٢٣٥
والتقريب ج ١ ص ٢٦٨.
(٣) انظر ماذكره من آثار في الجرح والتعديل ص ٣٠ و ٣٢ و ٣٣،
وانظر الكفاية ص ١٣٣ - ١٣٤ ( باب التشدد في أحاديث الأحكام والتجوز في
فضائل الأعمال ). وفي ظ وب ((كذا ذكره .. )).
(٤) قال مسلم رحمه الله تعالى في مقدمة صحيحه ص ٦ - ٧ :
( وبعد: يرحمك الله، فلولا الذي رأينا من سوء صنيع كثير من نصب
نفسه محدثاً، فيما يلزمهم من طرح الأحاديث الضعيفة والروايات المنكرة، وتركهم
الاقتصار على الأحاديث الصحيحة المشهورة - مما نقله الثقات المعروفون بالصدق=
- ٧٤ -

و الأمانة - بعد معرفتهم وإقرارهم بألسنتهم أن كثيراً مما يقذفون به إلى الأغبياء
من الناس هو مستنكر، ومنقول عن قوم غير مرضيّين، ممن ذم الرواية عنهم
أئمة أهل الحديث ...
ولكن من أجل ما أعهناك من نشر القوم الأخبار المنكرة بالأسانيد الضعاف
المجهولة وقذفهم بها إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبها، خَفَ على قلوبنا إجابتك
إلى ما سألت .
واعلم وفقك الله تعالى أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح
الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين، أن لا يروي منها إلا ماعرف
صحة مخارجه والستارة في ناقليه ، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التشُهم،
والمعاندين من أهل البدع.
والدليل على أن الذي قلنا من هذا هو اللازم ، دون ماخالفه قول الله جل
ذكره: ((يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيشّوا أن تصيبوا قوماً بجهالة
فتصبحوا على مافعلتم نادمين)). وقال جل ثناؤه: ((ممن ترضون من الشهداء)).
وقال عز وجل: ((وأشهدوا ذوَيْ عدل منكم)).
فدل بما ذكرنا من هذه الآي أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول ، وأن
شهادة غير العدل مردودة .
والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه ، فقد يجتمعان في
أعظم معانيها، إِذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم ، كما أن شهادته
مردودة عند جميعهم، ودلت السنة على نفي رواية المنكر من الأخبار، كنحو
دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق ، وهو الأثر المشهور عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (من حدث عني بحديث يُرَى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين). انتهى
وقد وقع عند مسلم في مقدمته مايدل على أن مراده من الكلام الذى أشار
إليه ابن رجب من كان شديد الضعف من المتهمين بالكذب ونحوهم، أنهم هم الذين يترك=
- ٧٥ -

قال التر مذي رحمه الله :
( وقدروى غيرُ واحد من الأئمة عن الضعفاء وبينوا أحوالهم
للناس :
= حديثهم ولا يُروى عنهم ، فارجع إلى كلامه .
وانظر قوله بعد ذلك ( ص ٢٢): ((إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي
بتحليل أو تحريم ، أو أمر أو نهي ، أو ترغيب أو ترهيب ، فإذا كان الراوي
لها ليس بمعدن للصدق والأمانة ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ، ولم يبين
مافيه لغيره ممن جهل معرفته كان آثماً بفعله ذلك غاشاً لعوام المسلمين)». اهـ.
وبهذا ننتهى إلى أن مذهب مسلم هو مذهب الجمهور الذي قرره علماء أصول
الحديث . والله أعلم.
ثم إنه وقع في كلام مسلم الذي سقناه لك قوله: (( والمعاندين من أهل
البدع)) ، يعني أنه لا يُروى عنهم.
قال شبير أحمد العثماني في فتح الملهم شرح صحيح مسلم ج ١ ص ١٢١ :
((هذا مذهب مسلم رحمه الله. والخلاف في المبتدع الذي لا يُحكم بكفره،
ولا يبيح الكذب لنصرة مذهبه: قيل: يقبل . وقيل: لا . وثالثها: يقبل
إلا الداعية لمذهب، فلا يقبل، وهو الأعدل الصحيح)). انتهى كلامه.
قلت : هذا الأعدل الصحيح هو مذهب مسلم ، ومذهب البخاري أيضاً ،
فإن في صحيحيهما جملة من مرويات المبتدعة غير الدعاة، مما يدل على أن المذهب
عندهماذلك . انظر علوم الحديث للامام ابن الصلاح ص ١٠٤.
- ٧٦ -

حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن المنذر الباهلي ثنا يعلى بن عبيد قال:
قال لنا سفيان الثوري(١): ((اتقوا الكلي، قال: فقيل له: فإنك تروي
عنه؟ قال : أنا أعرف صدقه من كذبه » .
وأخبرني محمد بن اسماعيل حدثني (٢) يحيى بن معين ثنا عفان عن
أبي ◌َوانه قال: «لما ماتَ الحسنُ البصريّ(٣) رحمه الله اشتهيتُ
كلامَهُ، فَتَبَعْتُه عن أصحاب الحسن، فأتيت به أبان بن أبي عيَّاشٍ،
فقرأه عليّ كلَّه عن الحسن، فما أُسْتَحِلُّ أن أرويَ عنه شيئاً)).
قال أبو عيسى : وقد روى عن آبان بن أبي عيَّاش غيرُ واحد من
الأئمة، وإن كان فيه من الضعف والغفلة ما وصفه (٤) أبو عوانة وغيرُه،
فلا تَغْتَرُ وا برواية الثقات عن الناس ، لأنه يُروى عن ابن سيرين
أنه قال: ((إنَّ الرجل ليحدثني فما أنهمه، ولكن أتهم من فوقه)).
وقد روى غير واحد عن ابراهيم [ظ - ١١٣] النخعى أن
عبد الله بن مسعود كان يقنتُ في وتره قبل الركوع، وروى أبان
(١) قوله ((الثوري)) ليس في ب .
(٢) في ظ ((ثنا). وقوله ((يحيى)، ليس في ب. والمثبت في كل
طبعات الترمذي .
(٣) في ظ ((ما لمات الحسن رحمه الله)) وهو سهو ظاهر.
(٤) ((وصفه به)) ظ وب، وهذه الزيادة ليست في طبعات الترمذي.
- ٧٧ -

ابن أبي عياش عن ابراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود
أن التي صلى الله عليه وسلم كان يقنتُ في وتره قبل الركوع ، هكذا
روى سفيان الثوري عن أبان (١) بن أبي عياش، وروى بعضهم
عن أبان بن أبي عياش بهذا الاسناد نحو هذا وزاد فيه: قال عبد الله
ابن مسعود: ((وأخبرتني أمي أنها باتت عند النبي صلى الله عليه وسلم
فرأت النبي صلى الله عليه وسلم يقنتُ في وتره قبل الركوع)).
قال أبو عيسى: أبان بن أبي عياش - وإنْ كان قد وصف بالعبادة
والاجتهاد - فهذه حاله في الحديث، والقوم كانوا أصحابَ حفظ ،
فرُب رجلٍ - وإن كان صالحاً - لا يقيمُ الشهادة ولا يحفظها.
فكلُ مَنْ كان متهماً في الحديث بالكذب ، أو كان مغَفّلاً يخطىء
الكثير فالذي اختاره أكثر أهل الحديث من الأئمة أن لا يُشْتَغَلَ
:
بالرواية عنه(٣)، ألاترى أن عبدالله بن المبارك حدث عن قوم من
أهل العلم ، فلما تبين له أمرهم ترك الرواية عنهم.
أخبرني موسى بن حزام سمعتُ صالح بن عبد الله يقول: « كنا
عند أبي مُقاتِل السمر قندي"، فجعل يروي عن عَوْنِ بنِ أبي شدَّاه
(١) قوله ((أبان) ليس في ب .
(٢) في ب «ألا تستعمل الرواية عنهم)). وهو تصحيف.
- ٧٨ -

الأحاديث الطوال التي كان - يروي(١) في وصية لقمان"، وقتل سعيد
ابن جُبَيْر وما أشبهَ هذه الأحاديث . فقال ابن أخ لأبي مُقاتل.
(يا عمُ لا تَقُل حدثنا فإنك لم تسمع (٣) هذه الأشياء)). قال: ((يا بني،
هو كلامٌ حسن ..
وسمعتُ الجارود يقول: كنا عند أبي معاويةً، فذُكِرَ له حديثُ
أبي مقاتل عن سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي ظبيان قال :
سُئل عليٌّ عن كُور الزنابير قال: ((لا بأس به، هو بمنزلة صيد البحر))
فقال (٣) أبو معاوية: ما أقول: إن صاحبكم كذاب، ولكنَّ هذا
الحديث [٢- ١٧] كذبٌ).
ما ذكره الترمذي رحمه الله يتضمن مسائل من علم الحديث :
احداها : ان رواية الثقة عن رجل
لاتدل على توثيقه
فان كثيراً من الثقات رووا عن الضعفاء، كسفيان الثوري وشعبة
وغيرهما، وكان شعبة يقول: ((لو لم أحدثكم إلا عن الثقات لم
أحدثكم إلا عن نفر يسير) .
قال يحيى القطان: ((إن لم(٤) أرو إلا عمن أرضى ما رويت" عن
(١) ((كانت تروى» ظ .
(٢) و لا تسمع )) ب ، وهو سبق قلم.
(٣) في ب (( قال)).
(٤) في ظ (( لو لم)).
- ٧٩ -

خمسة أو نحو ذلك » .
وقد اختلف الفقهاءُ وأهل الحديث في رواية الثقة عن رجل
غير معروف، هل هو تعديل له أم لا ؟ وحكى أصحابنا عن أحمد
في ذلك روايتين . وحكوا عن الحنفية أنه تعديل ، وعن الشافعية
خلاف ذلك . والمنصوص عن أحمد يدل على أنه من عرف منه
أنه لا يروي إلا عن ثقة فروايته عن إنسان تعديل له ، ومن لم
يُعْرِف منه ذلك فليس بتعديل، وصَرَّح بذلك طائفة من المحققين من
أصحابنا وأصحاب الشافعي .
قال أحمد - في رواية الأثرم -: ((إذا روى الحديث عبد الرحمن
ابن مَهدي عن رجل (١) فهو حجة، ثم قال : كان عبد الرحمن أولاً
يتساهل في الرواية عن غير واحدٍ ثم تشدد (٢) بعد، وكان يروي
عن جابر (٣) ثم تركه)).
وقال في رواية (٤) أبي زرعة: ((مالك بن أنس إذا
[ ب - ٥ ] روى عن رجل لا يعرف فهو حجة)).
وقال في(٥) رواية ابن هانيء: ((ما روى مالك عن أحد إلا وهو
ثقة، كل من روى عنه مالك فهو ثقة)).
(١) قوله: ((عن رجل)) ليس في ظ. وفي ب بياض في موضع
((عبد الرحمن)) .
(٢) في ب (( يتسائل الرواية عن غير واحد ثم شدد)).
(٣) هو جابر بن يزيد الجعفي، السابق ذكره، ويأتي مزيد بحث فيه أيضاً.
(٤) في ب ((وفي رواية)). ليس فيها لفظ ((قال)).
(٥) في ب ( من ) .
- ٨٠ -