Indexed OCR Text

Pages 541-560

وأما قولهم : إن الإيمان يصح أن يقال بالفارسية ، فالجواب أن
الإيمان يقع بالاعتقاد دون اللفظ ؛ ولهذا جاز اللفظ بالشهادتين بكل
لغة ؛ لأن المقصود منه يحصل ؛ إذ أصله التصديق بالشريعة ، وإذا
قرئ بالفارسية سقط المعجز، الذي هو النظم والتأليف ، فإن قيل :
أنتم [ تجوزونه ] (١) بالفارسية إذا لم يقدر على العربية ؛ فينبغي ألا
يفترق الحكم ، قيل : إنما أجزناه للضرورة ، وليس ما جاز مع
الضرورة يجوز مع القدرة ، ولو كان كذلك لجاز التيمم مع وجود
الماء، ولجاز ترك الصلاة مع القدرة ؛ لأنه يسقط مع العذر .
باب : قول النبي عليه السلام : الماهر بالقرآن مع الكرام
البررة ، وقال زينوا القرآن بأصواتكم
فيه : أبو هريرة: ((قال : ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت
بالقرآن یجهر به » .
وفيه: عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، قالت: (( والله ما كنت
أظن أن الله ينزل في شأني وحيا يتلى ، ولشأني في نفسي كان أحقر من
أن يتكلم الله فىّ بأمر يتلى، فأنزل الله: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك﴾ (١)
العشر الآيات )» .
فيه : البراء: (( سمعت النبي - عليه السلام - يقرأ في العشاء بالتين
والزيتون ، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا - أو قرآنًا - منه)) .
وفيه: ابن عباس: ((كان النبي # متوار بمكة ، وكان يرفع صوته
(١) في ((الأصل)): تجوزوه. والمثبت من ((هـ)).
(٢) النور : ١١ - ٢٠ .
- ٥٤١ -

بالقرآن ، فإذا سمعه [المشركون ] (١) سبوا القرآن ومن جاء به ، فقال الله
لنبيه: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ (٢) )) .
وفيه : أبو سعيد قال لابن أبي صعصعة: (( إني أراك تحب الغنم
والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة ، فارفع صوتك
بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد
له يوم القيامة ، سمعته من النبي - عليه السلام)).
وفيه: عائشة: (( كان النبي - عليه السلام - يقرأ القرآن ورأسه في
حجري وأنا حائض )).
قال المهلب : المهارة بالقرآن : جودة التلاوة له بجودة الحفظ ، فلا
يتلعثم في قراءته ، ولا يتغير لسانه [ بتشكك ] (٣) في حرف أو قصة
مختلفة النص ، وتكون قراءته سمحة بتيسير الله [ له ] (٤) كما يسره
على الملائكة الكرام البررة ، فهو معها في مثل حالها من الحفظ،
وتيسير التلاوة ، وفي درجة الأجر إن شاء الله ، فيكون بالمهارة عند
الله كريمًا برًا ، وكأن البخاري أشار بهذه الترجمة وما ضمنها من
الأحاديث في حسن الصوت ، إلى أن الماهر بالقرآن هو الحافظ له مع
[٤/ ٥ ٢٤٥-١) حسن الصوت به ، ألا تراه أدخل بأثر ذكر الماهر قوله عليه السلام /
(( زينوا القرآن بأصواتكم)) فأحال عليه السلام على الأصوات التي
تتزين بها [التلاوة في الأسماع، لا الأصوات التي ] (٥) تمجها
الأسماع لإنكارها ، وجفائها [ على ] (٦) حاسة السمع ، وتألمها بقرع
الصوت [المنكر] (٧) وقد قال تعالى: ﴿إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾(٨)
(١) في ((الأصل)): المشركين. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٢) الإسراء: ١١٠. (٣) في ((الأصل)): فيشكك. (٤) من (( هـ ))
(٥) بياض بالأصل. والمثيت من (( هـ)) .
(٧) طمس بالأصل. والمثبت من (( هـ)).
(٦) في ((الأصل)): مع .
(٨) لقمان : ١٩
- ٥٤٢ -

لجهارته - والله أعلم - وشدة قرعه للسمع ، وفي إتباعه أيضًا لهذا
المعنى [ بقوله] (١): ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت
بالقرآن)) ما يقوي قولنا ويشهد له ، وقد تقدم في فضائل القرآن ،
ونزيده هاهنا وضوحًا ، فنقول : إن الجهر المراد في قوله : (( يجهر به))
هو إخراج الحروف في التلاوة عن مساق المحادثة بالأخبار ، بإلذاذ
أسماعهم بحسن الصوت وترجيعه لا الجهر المنهي عنه الجافي على
السامع، [ كما قال عز وجل للنبي وَطله: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا
تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا﴾ (٢)، و] (٣) كما قال تعالى في
النبي: ﴿ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض﴾ (٤) وقوله :
﴿أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ (٤) دليل أن رفع الصوت على
المكالم بأكثر من صوته من الأذى له ، والأذى خطيئة .
ويدل على أن المقاومة في مقدار المتكلمين معافاة من الخطأ ، إلا في
النبي وبَّ وحده، فمنع الله من مقاومته في الآية، توقيرًا له وإعظامًا،
وقد روي لفظ الترجمة عن النبي - عليه السلام - من حديث قتادة ،
عن زرارة بن أوفى ، عن سعيد بن هشام ، عن عائشة قالت : قال
رسول الله وَل4 *: ((الذي يقرأ القرآن وهو به ماهر مع السفرة الكرام
البررة ، والذي يقرأ القرآن وهو يشتد عليه فله أجران)).
وتأويل قوله : (( أجران )) والله أعلم - تفسيره حديث ابن مسعود :
« من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات ، فيضاعف الأجر لمن
يشتد عليه حفظ القرآن فيعطي بكل حرف عشرون حسنة ،
(١) فى ((الأصل)): لقوله. والمثبت من (( هـ)).
(٣) من (( هـ)).
(٢) الإسراء : ١١٠ .
(٤) الحجرات : ٢ .
- ٥٤٣ -

ولأجر الماهر أضعاف هذا إلى ما لا يعلم مقداره ؛ لأنه مساو للسفرة
الكرام البررة ، وهم الملائكة)) وفي هذا تفضيل الملائكة على بني آدم،
وقد تقدم .
وكذلك لم يسند البخاري قوله عليه السلام: ((زينوا القرآن
بأصواتكم )) ورواه شعبة ومنصور ، عن طلحة بن مصرف ، عن عبد
الرحمن بن عوسجة ، عن البراء بن عازب ، عن النبي - عليه
السلام- وقوله: (( زينوا القرآن بأصواتكم)) تفسير قوله عليه السلام:
(( ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) لأن تزيينه بالصوت لا يكون إلا
بصوت يطرب [سامعيه ] (١) ويلتذون [ بسماعه ] (٢) وهو التغني الذي
أشار إليه النبي ، وهو الجهر الذي قيل في الحديث ، يجهر به بتحسين
الصوت الملين [ للقلوب ] (٣) من القسوة إلى الخشوع ، وهذا التزيين.
الذي أمر به عليه السلام أمته .
وإلى هذا أشار أبو عبيد فقال : مجمل الأحاديث التي جاءت في
حسن الصوت بالقرآن ، إنما هو [ من ] (٤) طريق التحزين والتخويف
والتشويق ، وقال : إنما نهى أيوب شعبة أن يحدث بقوله عليه السلام:
((زينوا القرآن بأصواتكم)) لئلا يتأول الناس فيه الرخصة من رسول الله
في هذه الألحان المبتدعة .
وفسر أبو سليمان الخطابي الحديث بتفسير آخر ، قال : معنى قوله
عليه السلام : ((زينوا القرآن بأصواتكم)) أي زينوا أصواتكم بالقرآن
على مذهبهم في قلب الكلام ، وهو كثير في كلامهم ، يقال :
عرضت الناقة على الحوض: أي [ عرضت ] (٥) الحوض على الناقة ،
(١) في ((الأصل)): سامعه. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): سماعه، والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)): القرب. والمثبت من ((هـ)). (٤) من (( هـ).
(٥) في ((الأصل)): أعرضت. والمثبت من (( هـ)).
- ٥٤٤ -

وإنما تأولنا الحديث على هذا المعنى ؛ لأنه لا يجوز على القرآن وهو
كلام الخالق أن يزينه صوت مخلوق .
وقال شعبة : نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث . وهكذا رواه
سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي بَّ قال:
((زينوا أصواتكم بالقرآن)) [ والمعنى: أشغلوا أصواتكم بالقرآن](١)،
والهجوا بقراءته ، واتخذوه شعارًا .
ولم يرد تطريب الصوت به والتزيين [ له ] (١)، إذ ليس ذلك في
وسع كل أحد ، لعل من الناس من يريد [ التزيين ] (٢) له ، فيفضي
ذلك به إلى التهجين ، وهذا معنى قوله عليه السلام: (( ليس منا من
لم يتغن بالقرآن)» إنما هو أن يلهج بتلاوته كما يلهج الناس بالغناء
والطرب عليه .
[ وهكذا ] (٣) فسره أبو سعيد بن الأعرابي، سأله عنه إبراهيم ابن
فراس فقال : كانت العرب تتغنى بالركباني ، وهو النشيد بالتمطيط [
والمد ] (٤) ، إذا ركبت الإبل ، وإذا جلست في الأفنية ، وعلى أكثر
أحوالها ، فلما نزل القرآن أحب النبي أن يكون القرآن هجيرهم ،
مكان [ التغني ] (٥) بالركباني .
قال المؤلف : والقول الأول هو الذي عليه الفقهاء ، وعليه تدل
الآثار ، وما اعتل به الخطابي من أن كلام الله لا يجوز / [ أن يزينه (٤/ق٢٤٥ -ب]
صوت مخلوق ، فقد نقضه بقوله: (( وليس ] (٦) التزيين في وسع كل
أحد ، لعل من الناس من يريد التزيين فيقع في التهجين )) فقد نفى عنه
التزيين وأثبت له التهجين ، وهذا خلف من القول .
(٢) في ((الأصل)): التزين. والمثبت من ((هـ)).
(١) من (( هـ)).
(٣) فى ((الأصل)): وهذا. والمثبت من ((هـ)).
(٤) فى ((الأصل)): واللذاذ. والمثبت من (( هـ).
(٥) في ((الأصل)): الغنى. والمثبت من (هـ).
(٦) بياض في ((الأصل)). والمثبت من (هـ )).
- ٥٤٥ -

ولو كان المعنى زينوا أصواتكم بالقرآن كما زعم هذا القائل ؛
الدخل في الخطاب من كان قبيح الصوت وحسنه ، ولم يكن للحسن
الصوت فضل على غيره، ولا عرف للحديث معنى، ولما [ ثبت أن](١)
1
النبي - عليه السلام - قال لأبي موسى الأشعري - حين سمع قراءته
وحسن صوته - : (( لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود )) .
وثبت أن عقبة بن عامر كان حسن الصوت بالقرآن ، فقال له عمر
ابن الخطاب : اقرأ سورة كذا ، فقرأها عليه ، فبكى عمر وقال : ما
كنت أظن أنها نزلت . فدل ذلك أن التزيين للقرآن إنما هو تحسين
الصوت به [ ليعظم ] (٢) موقعه من القلوب ، وتستميل مواعظه
النفوس ، ولا ينكر أن يكون القرآن يزين صوت من أدمن قراءته ،
وآثره على حديث الناس ، غير أن جلالة موقعه من القلوب ، والتذاذ
السامعين به لا يكون إلا مع تحسين الصوت به .
وقوله في حديث أبي سعيد : « ارفع صوتك بالنداء )» ففيه دليل أن
رفع الصوت وتحسينه بذكر الله في القرآن وغيره من أفعال البر ؛ لأن
في ذلك تعظيم أمر الله ، والإعلان بشريعته ، وذلك يزيد في
التخشع، وترقيق النفوس .
قال المهلب : وأما حديث عائشة أن النبي - عليه السلام - كان يقرأ:
القرآن ورأسه في حجرها وهي حائض، ففيه معنى ما ترجم به من
معنى المهارة بالقرآن ؛ لأنه كان قد يسرّ الله [ عليه ] (٣) قراءته حتى
كان يقرأه على كل أحواله لا يحتاج أن يتهيأ له بقعود ، ولا بإحضار
حفظه ؛ لاستحكامه فيه ، فلا يخاف عليه توقفًا ؛ فلذلك كان يقرؤه
راكباً وماشيًا وقاعدًاً وقائمًا ولا يتأهب لقوة حفظه ومهارته عليه السلام،
(١) في ((الأصل)): سئل. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): لعظم. والمثبت من (( هـ )).
(٣) من (( هـ).
- ٥٤٦ -

ومنه أن المؤمن لا ينجس كما قال عليه السلام ، وأن وصف المؤمن
بالنجاسة إنما هو إخبار عن حال مباشرة الصلاة ، ونقض غسله
ووضوئه ، ألا ترى سماع عائشة قراءة الرسول وهي حائض ،
والسماع عمل من أعمال المؤمنين مدخور لهم به الحسنات ورفع
الدرجات .
باب: قوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾ (١)
فيه عمر : (( سمعت [ هشام بن حكيم ] (٢) يقرأ سورة الفرقان في حياة
رسول الله على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله فكدت أساوره في
الصلاة ، فصبرت حتی سلم فلبته بر دائه ... )) فذكر الحديث إلى قوله :
((إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه)).
وقد تقدم في فضائل القرآن .
قال المهلب : ومعنى قوله : ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن ﴾ (١) ما
تيسر على القلب حفظه من آياته ، وعلى اللسان من لغاته ، وإعراب
حركاته ، كما فسره النبي في هذا الحديث .
ونذكر في هذا الموضع ما لم يمض في فضائل القرآن إن قال قائل :
إذا ثبت أن القرآن أنزل على سبعة أحرف فكيف ساغ للقراء تكثير
الروايات وقراءتهم بسبعين رواية وبأزيد من مائة ؟
قال المهلب : فالجواب : أن عثمان لما أمر بكتابة المصاحف التي
بعث بها إلى البلدان أخذ كل إمام من أئمة القراء في
(١) المزمل : ٢٠ .
(٢) في ((الأصل، هـ)): حكيم بن هشام. والمثبت من (( ن)).
- ٥٤٧ -

كل أفق نسخته ، فما انفك له من سوادها وحروف مدادها فما وافق
قراءته التي كان يقرأ لم يمكنه مفارقته لقيامه من سواد الحفظة ، وأنه
كان عنده فيه رواية إلى أحد من الصحابة ، مع أنه لم تكن النسخ التي
بعث بها عثمان مضبوطة بشكل لا يمكن تعديه ، ولا تحقيق هجاء يعين
معانيه ؛ إذ كانوا يسمحون في الهجاء بإسقاط الألف من كلمه لعلمهم.
بها استخفافًا لكثرة تكرر هذا كألف العالمين والمساكين ، وكل ألف
[هي ] (١) في المصحف ملحقة بالحمرة.
وقال يزيد الرقاشي : كان في المصحف [ كانوا ] (١) : كنوا ،.
وقالوا : قلوا، فزدنا فيها ألفًا، [ يريد ] (٢) جماعة القراء حين
جمعهم الحجاج ، وكذلك ما زادوا في الخط وقد كان في المصحف :
((ماء غير يسن)) فردها الحجاج مع جماعة القراء ﴿آسن﴾ وفي
الزخرف : « معایشهم ، فردها ﴿ معيشتهم ﴾
[٤/ ق٢٤٦ -٢]
فكل تأول من / ذلك الخط ما وافق قراءته كيفما كان من طريق
الشكل [ وحركات الحروف مما يبدل المعنى ، وقد يجوز أن يكون
ذلك] (٣) من وهل الأقلام ، ويدل على ذلك استجلاب الحجاج
[مصحف أهل المدينة ورد مصاحف البصرة والكوفة إليه ] (٣) وإبقاء ما
لا يغير معنى ، وما له وجه جائز من وجوه ذلك المعنى وصار [ خط
مصحف أهل المدينة سُنّة متبعة] (٤) لا يجوز فيها التغيير؛ لأنها القراءة
المنقولة سمعًا ، وأن ( الستة ) (٥) المتروكة قطعًا لذريعة الاختلاف ما:
وافق منها المنفك من سواد الخط لأهل الأمصار فتواطئوا عليها جوز
-
(١) من ((هـ)). (٢) كلمة غير واضحة في ((الأصل)). والمثبت من (( هـ ).
(٣) بياض في ((الأصل)). والمثبت من ((هـ)).
(٤) طمس في ((الأصل)). والمثبت من (( هـ )).
(٥) في (( هـ)): الست).
- ٥٤٨ -

لهم تأويلهم فيه بما وافق روايتهم عن صحابي لخشية التحزب الذي منه
هربوا ، ولكثرة من اتبع القراء في تلك الأمصار من العامة [ غير ] (١)
المأمونة عند منازعتها ، فهذا وجه تجويز العلماء أن يقرأ بخلاف أهل
المدينة [وبروايات ] (٢) كثيرة .
وأما ما ذكر من قراءة ابن مسعود فهذا تبديل كلمة بأخرى كقوله :
صيحة واحدة﴾ (٣) قرأها هو: ((زقية واحدة)) و﴿ بيضاء لذة
للشاربين﴾ (٤) [قرأها: ((صفراء)) ] (٥) فهذا تبديل اللفظ والمعنى ،
ولذلك أجمعت الأمة على ترك القراءة بها ، ولو سمح في تبديل
السواد لما بقي منه إلا الأقل ، لكن الله حفظه علينا من تحكم المتأولين
وتسلط أيدي [ الكاتبين ] (٦) على تبديل حرف بحرام إلى حلال ،
وحلال بحرام ، وكلمة عذاب برحمة ، ورحمة بعذاب ، ونهي بأمر ،
وأمر بنهي ، ( وإنما هو ) (٧) ذلك مما هو جائز في كلام العرب من
نصب وخفض ورفع مما لا یحیل معنى ولا حرج فيه.
وقد روى البغوي : ( حديث ) (٨) محمد بن زياد ، حدثنا ابن
شهاب الخياط ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن عمرو بن شعيب ، عن
أبيه ، عن جده قال: (( جلس ناس من أصحاب النبي - عليه السلام -
على بابه، فقال بعضهم : إن الله قال في آية كذا كذا ، وقال بعضهم:
لم يقل كذا . فخرج رسول الله كأنما فقئ [ في ] (٥) وجهه حب
الرمان وقال : أبهذا أمرتم ؟ إنما ضلت الأمم في مثل هذا ، انظروا ما
(١) في ((الأصل)): عند. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): وتركوا آيات. والمثبت من (( هـ).
(٤) الصافات : ٤٦ .
(٣) يس : ٢٩ . وغيرها.
(٥) من (هـ)).
(٦) في (( هـ )) : الكائدين .
(٧) في ((هـ)»: وأما سوى.
(٨) في (( هـ)) : حدثنا .
- ٥٤٩ -

أمرتم به فاعملوا به ، وما نهيتم عنه فانتهوا )) فدل هذا أنه لم يك في
السبع الذي نزل بها القرآن ما يحيل الأمر والنهي عن مواضعه ، ولا
يحيل الصفات عن مواضعها ؛ لأنها مأمور باعتقادها ومنهي عن قياسها
على المعاني ؛ لأنه تعالى برئ من الأشباه والأنداد ، وبقيت حركات
الإعراب مستعملة لما انفك من سواد الخط في المجتمع عليه ، وعلى:
هذا استقر أمر [ القراءات] (١) عند العلماء .
باب: قوله تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر﴾(٢)
وقال عليه السلام : كل ميسر لما خلق له مُهيأ .
فيه : عمران قلت: (( يا رسول الله، ففيم يعمل العاملون ؟! قال: كل
میسر لما خلق له )) .
وروى علي معناه عن النبي - عليه السلام - قد تقدم في كتاب
القدر .
وتيسير القرآن للذكر هو تسهيله على اللسان ، ومسارعته إلى القراءة
حتى أنه ربما سبق اللبان إليه في القراءة فيجاوز الحرف إلى ما بعده ،
ويحذف الكلمة حرصًا على ما بعدها .
وقوله : ﴿ فهل من مذكر ﴾ (٢) أي: متفكر ومتدبر لما يقرأ ومستيقظ
لما يسمع، يأمرهم أن يعتبروا ، ويحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بمن ..
هلك من الأمم قبلهم، وأصله : مذتكر ، مفتعل من الذكر ، أدغمت
الذال في التاء ، ثم قلبت دالا ، وأدغمت الذال في الدال ؛ لأنها
أشبه بالدال من التاء .
(١) في ((الأصل)): الإعراب. والمثبت من ((هـ)).
(٢) القمر : ١٧ .
- ٥٥٠ -

باب: قوله تعالى: ﴿بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ﴾(١)
والطور وكتاب مسطور في رق منشور﴾(٢)
قال قتادة : يسطرون : يخطون ، مكتوب في أم الكتاب : جملة
الکتاب ، وأصله ما يلفظ ما یتکلم من شيء إلا کتب عليه ، وقال ابن
عباس : يكتب الخير والشر . يحرفون : يزيلون ، وليس أحد يزيل لفظ
كتاب من [ كتب ] (٣) الله تعالى ، ولكنهم يحرفونه يتأولونه على غير
تأويله ، دراستهم : تلاوتهم واعية : حافظة . تعيها : تحفظها ﴿ وأوحي
إليّ هذا القرآن لأنذركم به﴾ (٤) يعني: أهل مكة ﴿ومن بلغ﴾ (٤):
هذا القرآن، فهو له نذير .
فيه: أبو هريرة: قال عليه السلام: (( لما قضى الله الخلق ، كتب عنده
كتابًا : غلبت - أو قال : سبقت - رحمتي غضبي ، وهو عنده فوق
العرش. وقال مرة / [ عن النبي وقالفيه: إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق (٢٤٦٥/٤-ب)
الخلق : إن رحمتي سبقت غضبي ] (٥) وهو مكتوب عنده فوق العرش.
قال [ أهل التفسير: ﴿بل هو قرآن مجيد﴾ (١) أي: كريم على الله
تعالى ﴿في لوح محفوظ ﴾] (٥) وهو أم الكتاب عند الله .
وقرأ [ نافع: ((محفوظ)) بالرفع من نعت ((قرآن)) المعنى: بل
هو قرآن مجيد ] (٥) محفوظ في لوح. وقرأه غيره: (( محفوظ))
بالخفض من نعت اللوح ، واختلف أهل التأويل في قوله : ﴿والطور
(١) البروج : ٢١ - ٢٢ .
(٢) الطور: ١ - ٣ .
(٣) في ((الأصل)): كتاب. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٤) الأنعام : ١٩ .
(٥) بياض بالأصل. والمثبت من (( هـ)).
- ٥٥١ -

وكتاب مسطور في رق منشور ﴾ (١) قال الحسن : هو القرآن في أيدي
السفرة. وقال الزجاج: الكتاب هاهنا ما أثبت على بني آدم من أعمالهم.
قال المهلب: وما ذكره النبي وَل من سبق رحمة الله لغضبه فهو
ظاهر ؛ لأن من غَضُبَ اللهُ عليه من خلقه لم يخيبه في الدنيا من
رحمته ورأفته ، بأن رزقه ونعمه وخوله مدة عمره أو وقتًا من دهره ،
ومكنه من آماله وملاذه ، وهو لا يستحق بكفره ومعاندته غير أليم
العذاب ، فكيف رحمته [ بمن ] (٢) آمن به واعترف بذنوبه ، ورجا
غفرانه ، ودعاه تضرعًا وخفية ؟ .
وقد قال بعض المتكلمين : إن رحمته تعالى لم تنقطع عن أهل النار
[المخلدين] (٣) الكفار، إذ من قدرته أن يخلق لهم عذابًا يكون عذاب
النار لأهلها رحمة وتخفيفًا بالإضافة إلى ذلك العذاب .
باب : قوله تعالى: ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾(
(٤)
﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾(٥)
ويقال للمصورين : أحيوا ما خلقتم ﴿ إن ربكم الله الذي خلق
السموات والأرض ﴾ (٦) الآية .
وقال ابن عيينة : بين الله الخلق من الأمر بقوله : ﴿ألا له الخلق
والأمر﴾ (٦) وسمى النبي - عليه السلام - الإيمان عملا ، قال أبو ذر
وأبو هريرة: (( سئل النبي - عليه السلام -: أي الأعمال أفضل ؟ قال:
إيمان بالله، وجهاد في سبيله، وقال: ﴿جزاءً بما كانوا يعملون﴾(٧)
(١) الطور: ١ - ٣.
(٢) في ((الأصل)): من، والمثبت من ((هـ)).
(٥) القمر : ٤٩
(٤ ) الصافات : ٩٦ .
(٣) في (( هـ )): الملحدين
(٧) السجدة : ١٧ .
(٦) الأعراف : ٥٤ .
- ٥٥٢ -

وقال وفد عبد القيس للنبي #1 : مرنا بجمل من الأمر إن عملنا بها
دخلنا الجنة، فأمرهم بالإيمان والشهادة ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ،
فجعل ذلك كله عملاً .
فيه: أبو موسى قال: (( أتيت النبي - عليه السلام - في نفر من
الأشعريين نستحمله، فقال : والله لا أحملكم ... )) وذكر الحديث إلى
قوله: (( لست أنا حملتكم، [ ولكن ] (١) الله حملكم ... )) إلى آخره .
وفيه : ابن عباس: (( قدم وفد عبد قيس على النبي چ18 فقالوا : مرنا
بجمل من الأمر إن عملنا بها دخلنا الجنة وندعو إليها من وراءنا ، فقال :
آمركم بالإيمان بالله : شهادة أن لا إله إلا الله ... )) الحديث .
وفيه : عائشة : قال النبي عليه السلام: ((إن أصحاب هذه الصور
يعذبون يوم القيامة ، يقال لهم : أحيوا ما خلقتم )» .
وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: ((قال الله: ومن أظلم
ممن [ذهب] (٢) بخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، وليخلقوا حبة أو شعيرة)).
قال المهلب : غرضه في هذا الباب إثبات أفعال العباد
وأقوالهم خلقًا لله - تعالى - كسائر الأبواب المتقدمة ، واحتج
بقوله: ﴿والله خلقكم وما تعملون ﴾ (٣) ثم فصل بين الأمر بقوله
للشيء : كن ، وبين خلقه قطعًا للمعتزلة القائلين بأن الأمر هو
الخلق، وأنه إذا قال للشيء: كن . معناه أنه كونه نفيًا [ منهم ] (٤)
للكلام عن الله خلافًا لقوله : ﴿وكلم الله موسى تكليمًا ﴾ (٥) وقد
تقدم [بيان الرد عليهم في باب: المشيئة والإرادة ] (٦) ثم زاد في
(١) من (( هـ ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): كذب. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) الصافات : ٩٦ .
(٤) في ((الأصل)): عنهم. والمثبت من (( هـ)).
(٥) النساء : ١٦٤ .
(٦) من ( هـ)).
- ٥٥٣ -

[ بيان] (١) الأمر فقال: ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات
بأمره﴾ (٢) فجعل الأمر غير خلقه لها ، وغير تسخيرها الذي هو عن
أمره ، ثم ذكر قول ابن عيينة أنه فصل بين الخلق والأمر وجعلهما
[شيئين] (٣) بإدخال حرف العطف بينهما ، والأمر منه تعالى قول ، ..
وقوله صفة من صفاته غير مخلوق .
ثم بين لك أن قول الإنسان بالإيمان وغيره قد سماه رسول الله عملا
حين سئل: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله . والإيمان قول باللسان،
واعتقاد بالقلب ، وعمل بالجوارح ، وكذلك أمره وفد عبد القيس حين.
سألوه أن يدلهم على ما إن عملوه دخلوا الجنة فأمرهم بالإيمان
بالقلب، والشهادة باللسان ، وسائر أعمال الجوارح .
فثبت أن كلام ابن آدم بالإيمان وغيره عمل من أعماله وفعل له ،
وأن كلام الله المنزل بكلمة الإيمان غير مخلوق ، ثم بين لك أن أعمالنا
كلها مخلوقة لله - تعالى - خلافًا للقدرية الذين يزعمون أنها غير
[٤/ ٢٤٧٥-١] مخلوقة له تعالى بقوله في حديث أبي موسى / لست أنا حملتكم
على الإبل بعد أن حلف لهم أن ما عندي [ ما أحملكم عليه ، وإنما
الله هو الذي حملكم عليها ، ويسرها لكم ] (٤) فأثبت ذلك كله فعلا
لله - تعالى - ، وهذا بين لا [ إشكال فيه .
وقوله في حديث عائشة : ((يقال ] (٤) للمصورين : أحيوا ما
خلقتم)) فإنما نسب خلقها إليهم [توبيخًا لهم وتقريعًا لهم في مضاهاتهم
الله - عز وجل - في خلقه فبكتهم] (٤) بأن قال لهم: فإذ قد شابهتم
بما صورتم مخلوقات الرب ، فأحيوا ما خلقتم كما أحيا هو تعالى ما
خلق فينقطعون بهذه المطالبة حين لا يستطيعون نفخ الروح في ذلك .
(١) في ((الأصل)): شأن. والمثبت من ((هـ )).
(٣) في ((الأصل)): شيئان. والمثبت من (( هـ)).
(٤) بياض بالأصل. والمثبت من ((هـ)).
(٢) الأعراف : ٥٤ .
- ٥٥٤ -

ومثل هذا قوله في حديث أبي هريرة: قال الله -تعالى -: ((ومن
أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي )) يريد يصور صورة تشبه خلقي فسمى
فعل الإنسان في تصوير مثالها خلقًا له توبيخًا له على تشبهه بالله فيما
صور فأحكم وأتقن على غير مثال احتذاه ولا من شيء قديم ابتداه ،
بل أنشأ من معدوم ، وابتدع من غير معلوم ، وأنتم صورتم من
خشب موجود وحجر غير مفقود على شبه معهود مضاهين له ،
وموهمين الأغمار أنكم خلقتم كخلقه ، فاخلقوا أقل مخلوقاته
وأحقرها الذرة المتعدية في أدق من الشعر ، وأنفذ منكم بغير آلة في
نحت الحجر فتتخذه مسكنًا وتدخر فيه قوتها نظرًا في معاشها ، أو
اخلقوا حبة من هذه الأقوات التي خلقها الله لعباده ، ثم يخرج منها
زرعًا لا يشبهها نباته ، ثم يطلع منها بقدرته من جنسها بعد أن أعدم
شخصها عددًا من غير نوع نباتها الأخضر قدرة بالغة لمعتبر ،
و[إعجازًا] (١) لجميع البشر.
باب : قراءة الفاجر والمنافق
وأصواتهم وتلاوتهم لا تجاوز حناجرهم
فيه: أبو موسى: قال - عليه السلام -: ((مثل المؤمن الذي يقرأ
القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب ، والذي لا يقرأ القرآن
كالتمرة طعمها طيب ولا ربح لها ، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن
كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن
کمثل احنظلة طعمها مر ولا ريح لها )) .
وفيه: عائشة: (( سأل [ أناس ] (٢) النبي - عليه السلام - عن الكهان
(١) في ((الأصل)): إعجاز، والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): الناس. والمثبت من ((هـ ، ن)).
- ٥٥٥ -

فقال : إنهم ليسوا بشيء . قالوا : يا رسول الله ، إنهم يحدثون بالشيء
يكون حقًّا قال النبي وَّ: تلك الكلمة من الحق يحفظها الجني
[فيقرقرها] (١) في أذن وليه كقرقرة الدجاجة ، فيخلطون فيها أكثر من
مائة كذبة )) .
وفيه : أبو سعيد قال عليه السلام : (( يخرج ناس من قبل المشرق
يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من
الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه . قيل : ما
سيماهم؟ قال : التحليق [ أو ] (٢) التسبيد)).
معنى هذا الباب أن قراءة الفاجر والمنافق لا ترتفع إلى الله ولا تزكو
عنده ، وأنما يزكو عنده ويرتفع إليه من الأعمال ما أريد به وجهه ،
وكان عن نية وقربة إليه تعالى ، ألا ترى أنه شبه الفاجر الذي يقرأ
القرآن بالريحانة، ريحها طيب وطعمها مر حين لم ينتفع ببركة القرآن،
ولم يفز بحلاوة أجره فلم يجاوز الطيب حلوقهم من موضع الصوت،
ولا بلغ إلى قلوبهم ذلك الطيب ؛ لأن طعم قلوبهم مر وهو النفاق
المستسر كما استسر طعم الريحانة في عودها مع ظهور رائحتها وهؤلاء
هم الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية .
وأما قوله : (( ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه )) فهذا
الحديث أخرجهم من الإسلام ، وهو بخلاف الحديث الذي قال فيه
عليه الصلاة السلام: ((ويتمارى في الفوق)) لأن ذلك التماري أبقاهم
في الإسلام .
وهذا الحديث أخرجهم من الإسلام ؛ لأن السهم لا يعود إلى فوقه
بنفسه أبدًا ، فيمكن أن يكون هذا الحديث في قوم عرفهم النبي - عليه.
(١) في ((الأصل)): فيقرها. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): و. والمثبت من ((هـ، ن)).
-٥٥٦ -

السلام - بالوحي أنهم يمرقون قبل التوبة ، وقد خرجوا ببدعتهم وسوء
[تأويلهم] (١) إلى الكفر ، ألا ترى أنه عليه السلام وسمهم بسيما
خصّهم بها من غيرهم وهو التسبيد أو التحليق ، كما وسمهم بالرجل
الأسود الذي إحدى [ يديه ] (٣) مثل ثدي المرأة، وهم الذين قتل
علي بالنهروان حين قالوا : إنك ربنا ، فاغتاظ عليهم وأمر بحرقهم
بالنار فزادهم الشيطان فتنة فقالوا : الآن أيقنا أنك ربنا ؛ إذ لا يعذب
بالنار إلا الله فثبت بذلك كفرهم ، وقد قال بعض العلماء : إن من
وسمه النبي وَل بتحليق أو غيره أنه لا يستتاب / [ إذا وجدت فيه [٢٤٧٥/٤-ب]
السيما ، ألا ترى أن عليا - رضي الله عنه - لم ينقل ] (٣) عنه أنه
استتاب أحدًا منهم . وقد روى علي عن النبي - عليه السلام - [ أنه
قال: ((أينما لقيتموهم فاقتلوهم ] (٣) فإن في قتلهم أجر لمن قتلهم ،
وقال : لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد )) .
وأما حديث [ الكهان فإنما ذكره في ] (٣) هذا الباب لقوله عليه
السلام فيهم: (( ليسوا بشيء)) وإن كان في كلامهم شيء من [الحق
والصدق ] (٣) فإنهم يفسدون تلك [ الكلمة ] (٤) من الصدق بمائة
كذبة أو أكثر ، فلم ينتفعوا [ بتلك الكلمة ] (٥) من الصدق لغلبة
الكذب عليهم ، كما لم ينتفع المنافق بقراءته لفساد عقد قلبه .
وأما قوله: ((فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة)) أي يضعها
في الأذن بصوت شبيه بقرقرة الدجاجة .
قال الأصمعي : قرقر البعير قرقرة إذا صفا ورجع .
وقد روي : كقرقرة الزجاجة ، وكلا الروايتين صواب ، ويدل على
(١) في (( الأصل)): تأملهم. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): ثدييه. والمثبت من ((هـ)).
(٣) بياض في ((الأصل)). والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): المرة. والمثبت من ((هـ)).
(٥) في ((الأصل)): تلك المرة. والمثبت من (( هـ).
- ٥٥٧ -

صحة الرواية بالزجاجة رواية من روى : كما تقر القارورة ؛ لأن
القرقرة قد تكون في الزجاجة عند وضع الأشياء فيها كما تقرقر
الدجاجة أيضًا ، وكما تكون القراقر في البطن ، ووقع في كتاب بدء
الخلق : فيقرها في أذن وليه كما تقر القارورة ، والمعنى فيه : أن
الشياطين تقر الكلمة في أذن الكاهن كما يقر الشيء في القارورة ،
وهذا على الاتساع كقوله تعالى : ﴿بل مكر الليل والنهار﴾ (١)
والمعنى: بل مكرهم في الليل والنهار [ لأن القارورة لا تقر ، وإنما يقر
فيها كما لا يكون المكر الليل والنهار ] (٢) وإنما يكون فيهما .
قال صاحب الأفعال : قررت الماء في السقاء : صببته فيه ،
وأقررته وقررت الخبر في أذنه أقره قرًّا : أودعته فيها . وعن أبي زيد:
أقره - بكسر القاف . وقال الأصمعي : يقال : قر ذلك في أذنه يقر
قرًا إذا صار في أذنه فيكون معناه أنه يقر الكلمة في أذن الكاهن من غير
صوت، وفي حديث القرقرة أنه يضعها بصوت ، فدل اختلاف لفظ
الحديثين أنه مرة يضعها في أذن الكاهن بصوت ، ومرة بغير صوت ..
[وقوله ] (٣): (( سيماهم التحليق أو التسبيد)) شك من المحدث
في أي اللفظين قال عليه السلام ، ومعناهما متقارب .
· قال صاحب العين : سبد رأسه : استأصل شعره . والتسبيد أن
ینبت شعره بعد أيام
باب : قوله تعالى: ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾(٤)
وأن أعمال بني آدم وأقوالهم توزن
وقال مجاهد : القسطاس : العدل بالرومية . ويقال : القسط مصدر
المقسط ، وهو العادل فأما القاسط فهو الجائر .
(١) سبأ : ٣٣.
(٢) من (( هـ).
(٣) في ((الأصل)): وقولهم. والمثبت من ((هـ)). (٤) الأنبياء : ٤٧
- ٥٥٨ -
--

قال أبو هريرة: قال النبي : ((كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ،
خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان : سبحان الله وبحمده ، سبحان
الله العظيم)) .
قال الزجاج : القسط : العدل ، المعنى : ونضع الموازين ذوات
القسط ، وقسط مثل عدل مصدر يوصف به ، يقال : ميزان قسط ،
وميزانان قسط وموازين قسط .
وأجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان ، وأن أعمال العباد توزن يوم
القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان [وتمثل ] (١) الأعمال بما يوزن ،
وخالف ذلك المعتزلة وأنكروا الميزان وقالوا : الميزان عبارة عن العدل.
وهو خلاف لنص كتاب الله، وقول رسول الله وَله .
قال المهلب : فأخبر الله - تعالى - أنه يضع الموازين لتوزن أعمال
العباد بها ، فيريهم أعمالهم ممثلة في الميزان لأعين العاملين ؛ ليكونوا
على أنفسهم شاهدين قطعًا [ لحججهم ] (٢) وإبلاغًا في إنصافهم عن
أعمالهم الحسنة ، وتبكيتًا لمن قال أن الله لا يعلم كثيراً مما يعملون ،
وتقصيًا عليهم لأعمالهم المخالفة لما شرع لهم ، وبرهانًا على عدله
علی جمیعهم ، وأنه لا يظلم مثقال حبة من خردل حتی یعترف کل بما
قد نسيه من عمله، ويميز ما عساه قد [ احتقره ] (٣) من فعله. ويقال
له عند اعترافه : كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا .
وقوله : (( [ ثقيلتان ] (٤) في الميزان)) يدل أن تسبيح الله وتقديسه
من أفضل النوافل ، وأعظم الذخائر عنده تعالى ، ألا ترى / قوله (٢٤٨٥/٤-١)
عليه السلام: (( حبيبتان إلى الرحمن )).
(١) في ((الأصل)»: وتمثل. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): بحججهم. والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)): أحقره. والمثبت من ( هـ).
(٤) في ((الأصل)): ثقيلان. والمثبت من (( هـ).
- ٥٥٩ -
-

وقول البخاري: ويقال : القسط مصدر [ المقسط فإنما أراد] (١).
المصدر المحذوف الزوائد ، كالقدر مصدر قدرت إذا حذفت زوائده ،
قال الشاعر :
وإن تهلك فذلك [ كان ] (٢) قدري
:
بمعنى : تقديري محذوف زوائده ، ورده إلى الأصل ، ومثله كثير ،
وإنما تحذف العرب زوائد المصادر لترد الكلام إلى أصله ، ويدل عليه
ومصدر المقسط : الجاري على فعله الإقساط (٣).
(١) طمس بالأصل. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): حين والمثبت من (( هـ)).
(٣) كتب الناسخ تم الكتاب والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد
وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وافق الفراغ منه على يد أضعف عباد الله
وأرجاهم لثوابه العبد الفقير إلى رحمة الله أبو بكر بن أبي الفضل بن عامر
الحلبي عفا الله عنه ورحمه وغفر له ولوالديه ولجميع المسلمين ، وكان الفراغ من
نسخه لعشر خلون من شهر شعبان المبارك من شهور سنة ثمان وسبعين
وستمائة، حامدًا لله ومصليا على نبيه وخير خلقه محمد وآله وصحبه .
- ٥٩٠ -