Indexed OCR Text
Pages 421-440
أنه لم يشرحه فقال : الإحصاء لأسمائه تعالى هو العمل بها لا عدّها وحفظها فقط ؛ لأنه قد يعدها المنافق والكافر وذلك غير نافع له . قال المؤلف : والدليل على أن حقيقة الإحصاء والحفظ في الشريعة إنما هو العمل قوله - عليه السلام - في وصف الخوارج : (( يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية)) فبين أن من قرأ القرآن ولم يعمل به لم ترفع قراءته إلى الله ، ولا جازت حنجرته ، فلم يكتب له أجرها وخاب من ثوابها كما قال تعالى : ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ (١) يعني: أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله - تعالى . وكما قال ابن مسعود لرجل: إنك في زمان كثير فقهاؤه [ قليل ](٢) قراؤه [ تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع فيه حروفه ، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه ] (٣) تحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده . فذم [ من ] (٣) حفظ الحروف وضيع العمل ولم يقف عند الحدود ، ومدح من عمل بمعاني القرآن وإن لم يحفظ الحروف ، فدل هذا على أن الحفظ والإحصاء المندوب إليه هو العمل . ويوضح هذا أيضًا ما كتب به عمر بن الخطاب إلى عماله : إن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه . ولم يرد عمر بحفظها إلا المبالغة في إتقان العمل بها من إتمام ركوعها وسجودها [وإكمال] (٤) حدودها لا حفظ أحكامها وتضييع العمل بها، والله الموفق. (١) فاطر : ١٠ . (٢) في ((الأصل)): كثير. والمثبت من (( هـ). (٤) في ((الأصل)): وأكمل. والمثبت من ( هـ)). (٣) من ( هـ )). - ٤٢١ - : باب : السؤال بأسماء الله والاستعاذة بها فيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( إذا جاء أحدكم فراشه فلينفضه بصفة ثوبه ثلاث مرات ، وليقل: [ باسمك ] (١) ربي وضعت جنبي وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها. بما تحفظ به عبادك الصالحين )) . وفيه: حذيفة: (( كان النبي - عليه السلام - إذا أوى إلى فراشه قال : اللهم باسمك أحيا وأموت . وإذا أصبح قال : الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور » . وفيه: ابن عباس: قال: قال رسول الله وَ الر: ((لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال : بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا . فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدًاً)). وفيه : عدي: (( سألت النبي - عليه السلام - فقلت : أرسل كلابي المعلمة ؟ فقال : إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله ، فأمسكن فكل ... )) الحديث . وفيه : عائشة: (( قالوا : يا رسول الله ، إن هنا أقوامًا حديث عهدهم بشرك يأتونا بلحمان لا ندري أيذكرون اسم الله عليها أم لا ؟ قال : اذكروا [أنتم] (٢) اسم الله وكلوا)). وفيه : أنس: (( ضحى النبي - عليه السلام - بكبشين يسمي ويكبر)). وفيه : جندب: (( أن النبي - عليه السلام - قال يوم النحر: من ذبح قبل أن يصلي، فليذبح مكانها أخرى ، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله )) . (١) في ((الأصل)): باسم. (٢) من (( هـ، ن)). - ٤٢٢ - وفيه ابن عمر: قال النبي - عليه السلام -: (( لا تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله )) . غرضه في هذا الباب أن يثبت أن الاسم هو المسمى في الله على ما ذهب إليه أهل السنة ، وموضع الاستدلال منه قوله - عليه السلام -: (باسمك ربي وضعت جنبي ، وبك أرفعه )) وقوله في حديث حذيفة: « باسمك أحيا وأموت )) ومعناه : بإقدارك إياي على وضع جنبي وضعته ، وبإقدارك إياي على رفعه أرفعه ، وبإحيائك أحيا وبإماتتك أموت ، فحذف - عليه السلام - باسمك ربي وضعت جنبي ، ثم قال : وبك أرفعه ، فذكر الاسم مرة ، ولم يذكره أخرى ، فدل أن معنى قوله : باسمك . معنى قوله : بك ؛ إذ لو كان ذكره للاسم يفيد غير ما يفيد ترك ذكره لتخالف المعنيان ، ولوجب أن يكون اسمه غيره وذلك محال؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون قوله -عليه السلام -: باسمك وضعت جنبي كقوله : بغيرك وضعت جنبي . وقوله : وباسمك أحيا وأموت: بغيرك أحيا وأموت. وهذا كفر بالله - تعالى .. ويكون قوله : وبك أرفعه ، وقوله : الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور يراد به الله فيكون بعض الدعاء لله وصرف الأمر [فيه] (١) إليه ، ويكون بعض الدعاء وصرف الأمر فيه إلى غير الله ، وهذا كفر صريح لا يخفى ، ومما يدل على أن اسم الله هو قوله سبحانه : ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ (٢) أي: سبح / ربك العظيم (٤/ ٥ ٢٢٤ - ب] ونزهه باسمائه الحسنى ، ولو كان اسمه غيره لكان الله أمر نبيه بتنزيه معنى هو غير الله وهذا مستحيل، ومما يدل على ذلك قوله تعالى : ﴿تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ﴾ (٣) في قراءة من قرأ ﴿ذو﴾ (١) من (( هـ)). (٣) الرحمن : ٧٨ . (٢) الواقعة : ٧٤ ، ٩٦ . - ٤٢٣ - وذو وصف الاسم لا شك فيه فإذا قد وصف الاسم بالجلال والإكرام، وهذا خلاف قول القدرية التي تزعم كون كلامه محدثاً ، وأنه تعالي لم يزل غير ذي اسم ولا صفة حتى خلق الخلق وخلق كلامه فسماه خلقه بأسماء محدثة وسمى نفسه بمثلها ، وهذا بين الفساد بما قدمناه أنه تعالى [ لا يجوز ] (١) أن يأمر نبيه بتنزيه غيره . فإن قال قائل : فإن قلتم : إن اسم الله هو هو فما معنى قوله عليه. السلام: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً)) وكيف تكون الذات الواحدة تسعة وتسعين [ شيئًا) (١) ؟! قالوا : وهذا كفر ممن قال به ، فيأن من هذا الحديث أن اسمه غيره . فالجواب أنه لو كان اسمه غيره لم يأمر نبيه بتنزيه مخلوق غيره على ما قدمناه ، ونرجع إلى تأويل الحديث فنقول : إن المراد بقوله : تسعة وتسعين اسمًا التسمية ؛ لأنه في نفسه واحد والاسم یکون بمعنیین یکون بمعنى المسمى ، ويكون بمعنى التسمية التي هي كلامه فالذي بمعنى المسمى يقال فيه : هو المسمى ، والذي بمعنى التسمية لا يقال فيه: هو المسمى، ولا هو غيره ، وإنما لم نقل فيه : هو المسمى ؛ لاستحالة كون ذاته تعالى كلامًا وساده مسده ولم نقل فيه أيضاً : هو غيره ؛ لأن تسميته لنفسه كلام له ولا يقال في كلامه أنه غيره . ومعنى الترجمة [ معنى ] (٢) قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ (٣). فأمر بدعائه بها ووصفه لها بالحسنى يقتضي نفي تضمن كل اسم منها نقيض ما يوصف أنه حسن ، ونقيض الحسن قبيح (١) من ((هـ ). (٣) الأعراف: ١٨٠. (٢) في ((الأصل)): اسمًا. والمثبت من (( هـ)). - ٤٢٤ - لا يجوز على الله ، ومعنى هذا أن عالمًا من اسمائه يقتضي علمًا ينفي نقيضه من الجهل وقادرًا يقتضي قدرة تنفى نقيضها من العجز ، وحيا يقتضي حياة تنفي ضدها من الموت، وكذلك سائر صفاته كلها ففائدة، كل واحدة منها خلاف فائدة الأخرى ، فأمر تعالى عباده بالدعاء بأسمائه كلها لما يتضمن كل اسم منها ويخصه من الفائدة ليجتمع للعباد الداعين له بجميعها فوائد عظيمة ، ويكون معبودًا بكل معنى . وقال ابن قتيبة : صنفة الثوب حاشيته التي لا هدب فيها ، ووقع في كتاب الدعاء : ((فلينفضه بداخلة إزاره)). يريد : ما ولى جسمه من إزاره وقد تقدم في كتاب الدعاء . باب : ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله وقال خبيب : وذلك في ذات [ الإله ] (١) فذكر الذات باسمه . فيه : أبو هريرة: (( بعث النبي - عليه السلام - عشرة ، منهم خبيب [الأنصاري](٢) [فأخبرني عبيد الله ] (٣) بن عياض أن ابنة الحارث أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسى يستحد بها ، فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه قال خبيب : ما أبالي حين أقتل مسلماً على أي شق كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع فقتله [ ابن ] (٢) الحارث وأخبر النبي - عليه السلام - خبرهم يوم أصيبوا )) . (١) في ((الأصل)): الله. والمثبت من ((هـ، ن)). (٢) من (( هـ، ن)). (٣) في ((الأصل)) : فأخبر هبة الله . - ٤٢٥ - اعلم أن أسماء الله - تعالى - على ثلاثة أضرب : ضرب منها يرجع إلى ذاته ووجوده فقط لا إلى معنى يزيد على ذلك كقولنا : شيء وموجود وذات ونفس . والضرب الثاني : يرجع إلى إثبات معان قائمة به تعالى هي صفات له كقولنا : حي وقادر وعالم ومريد ، يرجع ذلك كله إلى حياة وقدرة. وعلم وإرادة ؛ لأجلها كان حيا قادرًا عالمًا مريداً . والضرب الثالث : يرجع إلى صفات من صفات أفعاله كقولنا : خالق ورازق ومحيى ومميت ، يرجع بذلك إلى خلق ورزق وحياة وموت ، وذلك كله فعل له تعالى . فأما إثباته ذاتًا وشيئًا ونفسًا فطريقه السمع، وقد سمع النبي وَل قول خبیب ( وذلك في ذات الإله » فلم ينكره ، فصار طريق العلم به التوقيف من الرسول وَ #* وذاته هو هي ، ومعنى قوله في ذات الإله : أي في دين الله وطاعته ، فجميع هذه الأضرب الثلاثة أسماء لله في الحقيقة كان منها ما يتضمن صفة ترجع إلى ذاته أو إلى فعل من أفعاله : أم لا ، فكل صفة اسم لله - تعالى - وليس كل اسم صفة . [٤/ ق٢٢٥-١] ومذهب أهل / السنة أنه محال أن يقال في صفات ذاته أن كل واحدة منها غير الأخرى، كما استحال القول عندهم بأنها غيره تعالى؛ لأن حد الغيرين ما جاز وجود أحدهما مع عدم الآخر ، ولما لم يجز على شيء من صفاته عدم [ إحداها ] (١) مع وجود سائرها استحال. وصفها بالتغاير كما استحال وصفه بأنه غيرها ؛ لقيام الدليل على استحالة وجوده تعالى مع عدم صفاته ، التي هي حياته وعلمه وقدرته. وسائر صفات ذاته، وليس كذلك صفات أفعاله ؛ لأن أفعاله متغايرة يجوز وجود بعضها مع عدم سائرها كالرزق والإحياء والإماتة ، وسائر (١) في (الأصل)): إحداهما. والمثبت من (( هـ)). - ٤٢٦ - صفات أفعاله التي تتضمنها أسماء له أطلقها تعالى على نفسه كرازق وخالق ومحيي ومميت وبديع ، وما شاكل ذلك ، فهذه كلها أسماء له تعالى سمى نفسه بها ، وتسميته : قوله ، وقوله ليس غيره كسائر صفات ذاته، ومتضمن هذه الأسماء متغاير على ما ذكرنا وغير له تعالى لقيام الدليل على وجوده في أزله مع عدم جميع أفعاله . باب : قوله تعالى : ﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ (١) وقوله تعالى : ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ (٢) فيه: عبد الله قال النبي -عليه السلام - : (( ما من أحد أغير من الله، ومن [أجل] (٣) ذلك حرم الفواحش، وما أحد أحب إليه المدح من الله )) . وفيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( لما خلق الله الخلق كتب في كتابه - هو يكتب على نفسه وهو وضع عنده على العرش - : إن رحمتي تغلب غضبي )) . فيه: أبو هريرة قال - عليه السلام -: (( يقول الله - تعالى - : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً ، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت منه باعًا ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة )) . قوله : ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ (١)، وقوله: ﴿ولا أعلم ما في نفسك﴾ (٢) وما ذكر في [ الأحاديث ] (٤) من ذكر النفس ، فالمراد به إثبات نفس لله، والنفس لفظة تحتمل معان ، والمراد بنفسه تعالى ذاته، فنفسه ليس بأمر يزيد [ عليه ] (٥) ، فوجب أن تكون نفسه (١) آل عمران: ٢٨، ٣٠. (٢) المائدة: ١١٦. (٣) من (( هـ، ن)). (٤) في ((الأصل)): الحديث. والمثبت من (( هـ)). (٥) في (( الأصل)): علي. والمثبت من ((هـ). - ٤٢٧ - هي هو ، وهذا إجماع ، وللنفس وجوه أخر لا حاجة بنا إلى ذكرها؛ إذ الغرض من الترجمة خلاف ذلك . ". أما قوله وَّل: ((ما أحد أغير من الله)). فليس هذا موضع الكلام فيه ، وسيأتي . وأما قوله: ((وضع عنده.)) فعند في ظاهر اللغة تقتضي أنها. للموضع ، والله يتعالى عن الحلول في المواضع ؛ لأن ذلك من صفات الأجسام إذ الحالّ في موضع لا يكون بالحلول فيه بأولى منه بالحلول في غيره إلا لأمر يخصه حلوله فيه ، والحلول فيه عرض من الأعراض يفنى [بمجيء حلول آخر] (١) يحل به في غير ذلك المكان .. والحلول محدث والحوادث لا تليق به تعالى ، لدلالتها على حدث من قامت به فوجب صرف ((عند)) عن ظاهرها إلى ما يليق به تعالى، وهو أنه أراد - عليه السلام - إثبات علمه بإثابة من سبق علمه أنه عامل بطاعته ، وعقاب من سبق علمه بأنه عامل بمعصيته . ((وعند)) وإن كان وضعها في اللغة للمكان فقد يتوسع فيها فتجعل لغير المكان كقوله عليه السلام: («أنا عند ظن عبدي بي» ولا مكان هناك. وأما قوله: ((إن رحمتي تغلب غضبي)). فقد تقدم أن رحمته تعالى إرادته لإثابة المطيعين له وغضبه إرادته لعقاب العاصين له ، وإذا كان ذلك كذلك كان [ معنى ] (٢) قوله: (( إن رحمتي تغلب غضبي ) إن إرادتي ثواب الطائعين لي هي إرادتي ألا أعذبهم ، وهو معنى قوله: تعالى: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (٣) فإرادته بهم اليسر هي إرادته ألا يريد بهم العسر، وما كان ما أراد من ذلك بهم، ولم يكن ما لم يرده فعبر عليه السلام عن هذا المعنى بقوله: ((إن رحمتي تغلب: (١) في ((الأصل)): حلول آخر يجيء. والمثبت من (( هـ)). (٣) البقرة : ١٨٥. (٢) في ((الأصل)): يعني. - ٤٢٨ - غضبي )) وتسبق غضبي ، فظاهر قوله يفيد أن رحمته وغضبه معنيان أحدهما غالب للآخر وسابق له ، وإذا ثبت أن إرادته واحدة وصفة من صفات ذاته ، وأن رحمته وغضبه ليستا بمعنى أكثرمن إرادته التي هي متعلقة بكل ما يصح [ كونه ] (١) مرادًا وجب صرف كلامه عن ظاهره؛ لأن إجراء الكلام على ظاهره يقتضي / حدث إرادته لو كانت (٢٢٥٥/٤ -ب] له إرادات كثيرة متغايرة . وقوله : (( في ملأ خير منهم)) هذا نص من النبي - عليه السلام - أن الملائكة أفضل من بني آدم ، وهو مذهب جمهور أهل العلم وعلى هذا شواهد من کتاب الله منها قوله تعالى : ﴿ ما نھاکما ربکما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ﴾ (٢) ولا شك أن الخلود أفضل من الفناء فكذلك الملائكة أفضل من بني آدم وإلا فلا يصح معنى الكلام . وأما وصفه تعالى بأنه يتقرب إلى عبده ووصف العبد بالتقرب إليه ووصفه بإتيانه هرولة، فإن التقرب والإتيان والمشي والهرولة [محتملة](٣) الحقيقة والمجاز ، وحملها على الحقيقة يقتضي قطع المسافات وتواتي الأجسام ، وذلك لا يليق بالله - تعالى - فاستحال حملها على الحقيقة ، ووجب حملها على المجاز ؛ لشهرة ذلك في كلام العرب ، فوجب أن يكون [ وصف العبد ] (٤) بالتقرب إليه شبرًا وذراعًا وإتيانه ومشيه معناه : التقرب إليه بطاعته وأداء مفترضاته ، ويكون تقربه تعالى من عبده وإتيانه هرولة عبارة عن إثابته على طاعته وقربه من رحمته ، ويكون معنى قوله تعالى: (( أتيته هرولة )) أي : أتاه ثوابي مسرعًا. قال الطبري : وإنما مثل القليل من الطاعة بالشبر من الدنو منه (١) في ((الأصل)): بكونه. والمثبت من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): محتمل. والمثبت من (( هـ)). (٤) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): وصفًا للعبد . (٢) الأعراف : ٢٠ : - ٤٢٩ - والضعف من الكرامة والثواب بالذراع ، فجعل ذلك دليلا على مبلغ كرامته لمن أكرم على طاعته أن ثواب عمله له على عمله الضعف ، وأن إكرامه عليه مجاوز حده إلى ما بينه عز وجل . فإن قيل: فما معنى قوله: (( إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي؟)) قيل : معنى ذلك : وإذا ذكرني بقلبه مخفيًا ذلك عن خلقي ذكرته برحمتي وثوابي مخفيًا ذلك عن خلقي حتى لا يطلع عليه أحد منهم ، وإذا ذكرني في ملأ من عبادي ، ذكرته في ملأ من خلقي أكثر منهم وأطيب . قال الطبري : فإن قيل : أي الذكرين أعظم ثوابًا الذكر الذي هو بالقلب ، أو الذكر الذي هو باللسان ؟ قيل: قد اختلف السلف في ذلك، فروي عن عائشة أنها قالت : لأن أذكر الله في نفسي أحب إليّ أن أذكره بلساني سبعين مرة . وقال آخرون : ذكر الله باللسان أفضل . روي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: ما دام قلب الرجل يذكر الله - تعالى - فهو في صلاة، وإن كان في السوق ، وإن تحرك بذلك اللسان والشفتان فهو أعظم . قال الطبري : والصواب عندي أن إخفاء النوافل أفضل من ظهورها لمن لم يكن إمامًا يقتدى به ، وإن كان في محفل اجتمع أهله لغير ذكر الله أو في سوق وذلك أنه أسلم له من الرياء ، وقد روینا من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي -عليه السلام- أنه قال: (( خير الرزق ما يكفي، وخير الذكر الخفي )) [ ولمن ] (١) كان بالخلاء أن يذكر الله بقلبه ولسانه؛ لأن شغل جارحتين بما يرضي الله -تعالى- أفضل من شغل (١) في (( الأصل)): ومن. والمثبت من ((هـ)). - ٤٣٠ - جارحة واحدة ، وكذلك شغل ثلاث جوارح أفضل من شغل جارحتين، وكلما زاد فهو أفضل - إن شاء الله تعالى . باب : قوله تعالى: ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه﴾ (١) فيه جابر: (( لما نزلت على النبي ◌ِّ: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم﴾ (٢) قال - عليه السلام - : أعوذ بوجهك ﴿أو من تحت أرجلكم﴾ (٢) قال - عليه السلام - : أعوذ بوجهك قال : ﴿ أو يلبسكم شيعًا﴾ (٢) قال النبي - عليه السلام -: هذا أيسر)). [ إستدلاله ] (٣) من هذه الآية والحديث على أن الله - تعالى - وجهًا هو صفة ذاته لا يقال : هو هو ، ولا هو غيره بخلاف قول المعتزلة ، ومحال أن يقال : هو جارحة كالذي نعلمه من الوجوه ، كما لا يقال : هو تعالى فاعل وحي وعالم ، كالفاعلين والأحياء والعلماء الذين نشاهدهم ، وإذا استحال قياسه على المشاهدين [فالحكم] (٤) له بحكمهم مع مشاركتهم له في التسمية كذلك يستحيل الحكم لوجهه الذي هو صفة ذاته بحكم الوجوه التي نشاهدها ، وإنما لم يجز أن يقال: إن وجهه جارحة لاستحالة وصفه بالجوارح لما فيها من أثر الصنعة ، ولم يقل في وجهه أنه هو لاستحالة كونه تعالى وجهًا ، وقد أجمعت الأمة على أنه لا يقال: يا وجه ، اغفر لي، ولم يجز أن يكون وجهه غيره ؛ لاستحالة [ مفارقته ] (٥) له بزمان أو مكان أو عدم أو وجود ، فثبت أن له وجهًا لا كالوجوه ؛ لأنه ليس كمثله شيء . * (١) القصص : ٨٨ . (٢) الأنعام : ٦٥ . (٣) في ((الأصل)): استدلالا. والمثبت من ( هـ)). (٤) في ((الأصل)): والحكم. والمثبت من ((هـ)). (٥) في ((الأصل)): مفارقة. والمثبت من ( هـ)). - ٤٣١ - [٤/ ق٢٢٦ -١] / باب قوله تعالى: ﴿ولتصنع على عيني ﴾ (١) يعني : تغذى. وقوله تعالى: ﴿تجري بأعيننا﴾ (٢) فيه : ابن عمر: ((ذكر الدجال عند النبي - عليه السلام - فقال : إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور - وأشار بيده إلى عينه - وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى )). وفيه : أنس: قال النبي - عليه السلام -: (( ما بعث الله من نبي إلا أنذر قومه الأعور الكذاب ، إنه اعور وإن ربكم ليس بأعور ، مكتوب بين عينيه : كافر)) . [ استدلاله ] (٣) من هذه الآية والحديث على أن لله صفة سماها عينًا ليست هو ولا غيره ، وليست كالجوارح المعقولة [ بيننا ] (٤) ؛ لقيام الدليل على استحالة وصفه بأنه ذو جوارح وأعضاء . خلافًا لما تقوله المجسمة من أنه [ جسمٌ ] (٥) لا کالأجسام ، واستدلوا على ذلك بهذه الآيات كما استدلوا بالآيات المتضمنة لمعنى الوجه واليدين ، ووصفه لنفسه بالإتيان والمجيء والهرولة في حديث الرسول ، وذلك كله باطل وكفر من متأوله ؛ لقيام الدليل على تساوي الأجسام في دلائل الحدث القائمة بها واستحالة كونه من جنس المحدثات ، إذْ المحدث إنما كان محدثًا من حيث هو متعلق بمحدث أحدثه ، وجعله بالوجود أولى منه بالعدم .. فإن قالوا : الدليل على صحة ما نذهب إليه من أنه تعالى جسم قوله عليه السلام : (( إن الله ليس بأعور - وإشارته إلى عينه بيده - وأن المسيح الدجال أعور عين اليمنى)) ففي إشارته إلى عينه بيمينه تنبيه منه على أن عينه كسائر الأعين . (١) طه : ٣٩ . (٢) القمر : ١٤ . (٣) في (( الأصل)): استدلالا. والمثبت من (( هـ)). (٥) في ((الأصل)): جسمًا. والمثبت من (( هـ)). (٤) من ( هـ )) - ٤٣٢ - قلنا : تقدم في دليلنا استحالة كونه جسمًا؛ لاستحالة كونه محدثًا، وإذا صح ذلك وجب صرف قوله عليه السلام وإشارته إلى عينه إلى معنى يليق به تعالى وهو نفي النقائص والعور عنه ، وأنه ليس كمن لا يرى ولا يبصر ، بل هو منتف عنه جميع النقائص والآفات التي هي أضداد السمع والبصر وسائر صفات ذاته التي يستحيل وصفه بأضدادها؛ إذ الموصوف بها تارة وأضدادها أخرى محدث مربوب ، لدلالة قيام الحوادث به على [ محدثه ] (١). باب : قوله تعالى: ﴿ هو الله الخالق البارئ المصور﴾ (٢) فيه : أبو سعيد: (( أنهم أصابوا سبايا في غزوة بني المصطلق ، فأرادوا أن يستمتعوا بهن ولا يحملن ، فسألوا النبي - عليه السلام - عن العزل . فقال : ما عليكم ألا تفعلوا ؛ فإن الله قد كتب من هو خالق إلى يوم القيامة)) وقال أبو سعيد مرة عن النبي - عليه السلام - : (( ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها )). الكلام في معنى قوله تعالى : ﴿ الخالق﴾ من وجهين : أحدهما أن يكون بمعنى المبدع والمنشئ لأعيان المخلوقات ، وهذا معنى لا يشاركه فيه أحد من خلقه ، ولم يزل الله مسميًا لنفسه خالقًا ورازقًا على معنى أنه سيخلق وسيرزق ، لا على معنى أنه خلق الخلق في أزله لاستحالة قدم الخلق . والثاني : أن يكون الخلق بمعنى التصوير ، وهذا أمر يصح مشاركة الخلق فيه له ، فالخلق المذكور في هذا الباب بمعنى الإبداع والاختراع (١) في ((الأصل)): حدثه. والمثبت من ((هـ)). (٢) الحشر : ٢٤ . - ٤٣٣ - الأعيان السموات والأرض ، والخلق بمعنى التصوير في قوله تعالى : ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ﴾ (١) أي: تصور لا تخترع" ومنه. قول الشاعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري باب : قوله تعالى ﴿ لما خلقت بيدي ﴾ (٢) فيه : أنس : قال عليه السلام: (( يجمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيأتون آدم فيقولون : يا آدم ، أما ترى الناس ؟ خلقك الله بيده ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء ، اشفع لنا إلى [ ربنا ] (٣) حتى يريحنا من مكاننا هذا . فيقول: لست هناك - ويذكر لهم خطيئته التي أصاب - ولكن اثتوا نوحاً فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض . فيأتون نوحًا فيقول : لست هناك - ويذكر خطيئته التي أصاب - ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن . فيأتون إبراهيم ، فيقول : لست هناك - ويذكر لهم خطاياه التي أصابها - ولكن ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة وكلمه ٤٦/ ٢٢٦-ب) تکلیمًا فيأتون موسى فيقول : لست هناك / - [ ویذکر لهم خطيئته التي أصاب + ولکن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه فيأتون عيسى فيقول - لست هناكم ] (٤) ولكن ائتوا محمدًا [عبداً] (٥) غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر [ فيأتوني ] (٦) فأنطلق فأستأذن على ربي ويؤذن لي عليه ، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدًا، فيدعني ما شاء (١) المائدة : ١١٠ . (٢) سورة ص : ٧٥ . (٣) في ((الأصل)): ربك. والمثبت من ((هـ، ن)). (٤) من (( هـ ، ن )) (٥) في (( الأصل)): عبد الله. والمثبت من ((هـ، ن)). (٦) في ((الأصل)): فيأتون. والمثبت من (( هـ، ن)). - ٤٣٤ - الله أن يدعني ، ثم يقال : ارفع محمد، قل تسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع. فأحمده بمحامد علمنيها ربي ، ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدًا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقال : ارفع محمد ، وقل تسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع. فأحمد ربي بمحامد علمنيها [ ربي، ثم أشفع ](١) فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة ، [ ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال : ارفع محمد ، وقل تسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع . فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة] (١) ثم أرجع فأقول: يا رب ما بقى في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود . قال عليه السلام: [ يخرج ] (٢) من النار من قال: لا إله إلا الله . وكان [ في قلبه ] (٣) من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله . وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ، ثم يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله. وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة )) . وفيه : أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام - : (( يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار . وقال : أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض، فإنه لم يغض ما في يده، وقال : عرشه على الماء وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع )) . وفيه : ابن عمر : قال النبي - عليه السلام -: (( إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين، وتكون السموات بيمينه ، ثم يقول : أنا الملك )). وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( يقبض الله الأرض)). (١) من ((هـ، ن)). (٢) في ((الأصل)): فخرج، والمثبت من (( هـ، ن)). (٣) في ((الأصل)): فيه. والمثبت من (( هـ، ن)). - ٤٣٥ - وفيه : عبد الله : « أن یهودیًا جاء إلى النبي - عليه السلام - فقال: يا محمد ، إن الله يمسك السموات على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع والخلائق على إصبع ، ثم يقول: أنا الملك . فضحك رسول الله ﴾﴾ حتی بدت نواجذه ، ثم قرأ: ﴿ وما قدروا الله حق قدره﴾ (١) وقال عبد الله مرة: فضحك النبي ◌َ ◌ّ تعجبًا وتصديقًا له )) . استدلاله من قوله تعالى : ﴿ لما خلقت بيدي﴾ (٢) وسائر أحاديث الباب على إثبات يدين [ لله ] (٣) هما صفتان من صفات ذاته ليستا بجارحتين بخلاف قول المجثمة المثبتة أنهما [ جارحتان ] (٤) وخلاف قول القدرية [ النفاة ] (٥) لصفات ذاته ، ثم إذا لم يجز أن يقال: إنهما جارحتان لم يجز أن يقال : إنهما قدرتان ، ولا إنهما نعمتان ؛. لأنهما لو كانتا قدرتين لفسد ذلك من وجهين : أحدهما : أن الأمة أجمعت من بين ناف لصفات ذاته ، وبين مثبت لها أن الله - تعالى - : ليس له قدرتان بل له قدرة واحدة في قول المثبتة ، ولا قدرة له في قول النافية لصفاته ؛ لأنهم يعتقدون كونه قادرًا لنفسه لا بقدرة والوجه الآخر أن الله - تعالى - قال لإبليس : ﴿ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين ﴾ (٢) قال إبليس مجيبًا له. : أنا خير منه . فأخبر بالعلة التي من أجلها لم يسجد ، وأخبره تعالى بالعلة التي لها أوجب عليه السجود ، وهو أن خلقه بیدیه ، فلو كانت اليد القدرة التي خلق آدم بها وبها خلق إبليس لم يكن لاحتجاجه. (١) الأنعام : ٩١ . (٢) سورة ص : ٧٥ . (٣) في ((الأصل، هـ)): الله. والمثبت أليق للسياق. (٤) في ((الأصل)): جارحتين. والمثبت من ((هـ). (٥) ((من ((هـ))، وفي (( الأصل)) غير واضحة. - ٤٣٦ - تعالى عليه بأن خلقه بما يوجب عليه السجود معنى ؛ إذ إبليس مشارك لآدم فيما خلقه به تعالى من قدرته ، ولم يعجز إبليس بأن يقول له : أي رب ، وأي فضل له عليّ وأنا خلقتني بقدرتك كما خلقته ؟ ولم يعدل إبليس عن هذا الجواب إلى أن يقول : أنا خير منه ؛ لأنه خلقه من نار وخلق آدم من طين، [ فعدول ] (١) إبليس عن هذا الاحتجاج مع وضوحه دليل على أن آدم خصه الله - تعالى - من خلقه بیدیه بما لم یخص به إبليس . وكيف يسوغ للقدرية القول بأن اليد هنا القدرة مع نفيهم للقدرة ؟! وظاهر الآية مع هذا يقتضي يدين، فينبغي على الظاهر إثبات قدرتين، وذلك خلاف [ للأمة. و] (٣) لا يجوز أن يكون المراد باليدين نعمتين لاستحالة خلق المخلوق بمخلوق مثله ؛ لأن النعم مخلوقة كلها وإذا استحال كونهما جارحتين ، وكونهما نعمتين ، وكونهما قدرتین ثبت أنهما يدان صفتان لا كالأيدي والجوارح المعروفة عندنا ، اختص آدم بأن خلقه بهما من بين سائر خلقه تكريمًا له وتشريفًا . وفي هذا الحديث دليل على إثبات شفاعة النبي - عليه السلام - لأهل الكبائر من أمته خلافًا لقول من أنكرها من المعتزلة والقدرية والخوارج ، وهذا الحديث في غاية الصحة والقوة تلقاه المسلمون بالقبول إلى أن حدث أهل العناد والرد لسنن الرسول ، وفي كتاب الله - تعالى - ما يدل على صحة الشفاعة قوله تعالى إخبارًا عن الكفار؛ إذ قيل لهم : ﴿ما سلککم في سقر قالوا / لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسکین و کنا نخوض مع اخائضین و کنا نكذب بیوم الدین حتى أتانا اليقين ﴾ (٣) فأخبروا عن أنفسهم بالعلل التي من أجلها سلكوا في سقر، ثم قال تعالى ] (٤): ﴿ فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ (٥) [٤/ق٢٢٧ -٢] (١) في ((الأصل)): عدل. والمثبت من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): الأمة. والمثبت من ((هـ)). (٣) المدثر : ٤٢ - ٤٧ . (٥) المدثر : ٤٨ . (٤) في (( الأصل)) : عالمين . وهذا خطأ . - ٤٣٧ - زجراً لأمثالهم من الكافرين وترغيبًا للمؤمنين في الإيمان لتحصل لهم به شفاعة الشافعين ، وهذا دليل قاطع على ثبوت الشفاعة . فإن عارض الشفاعة معارض بقوله عليه السلام : ((من قتل نفسه بحديدة عذب بها في نار جهنم خالداً ، ومن تحسی سمًا الحديث . قيل له : يمكن الجمع بين هذا الحديث ، وحديث الشفاعة بوجوه صحاح : فيجوز أن يكون [ فيمن ] (١) قتل نفسه [ و] (٢) أنفذ الله عليه الوعيد بأن خلده في النار مدة أكثر من مدة من خرج بالشفاعة ، ثم خرج من النار بعد ذلك بمدة بشفاعة النبي - عليه السلام - بما في قلبه من الإيمان المنافي للكفر ؛ لأن الخلود الأبدي الدائم إنما يكون في الكفار [ الجاحدين ] (٣) وما جاء في كتاب الله من ذكر الخلود للمؤمنين كقوله تعالى : ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها﴾ (٤) فإنما يراد [ بالتخليد ] (٥) تطويل المدة عليه في العذاب ولا يقتضي التأبيد كما يقتضي خلود الكافرين ، ويحتمل أن يكون تأويل الحديث من قتل نفسه على وجه الاستحلال والردة فجزاؤه ما ذكر في الحديث ؛ لأن فاعل ذلك كافر لا محالة ، ويشهد لهذا ما قاله قبيصة في البخاري في تأويل قوله عليه السلام: ((فسحقًا سحقًا)). قال: هو في المرتدين . وقد سلمت طائفة من المعتزلة شفاعة الرسول على وجه دون وجه لما لم يمكنها رد الأحاديث الواردة فيها لانتشارها وقبول الأمة لها ولشهادة ظواهر كتاب الله لها ، فقالوا : تجوز شفاعته عليه السلام للتائب من الكبائر ، ولمن أتى صغيرة مع اجتنابه الكبائر أو (١) في ((الأصل)): قبل. والمثبت من ((هـ). (٢) من (( هـ) . (٤ ) النساء : ٩٣ (٣) في ((الأصل)): الخالدين، والمثبت من ( هـ)). (٥) في (( الأصل)): بالخلود. والمثبت من (( هـ ). - ٤٣٨ - مؤمن لا ذنب له ( لتباب ) (١)، وهذا كله فاسد على أصولهم لاعتقادهم أن الله يستحيل منه تعذيب التائب من كبيرته [ أو ] (٢) فاعل الصغائر إذا اجتنب الكبائر ، أو تأخير [ ما ] (٣) استحق الذي لا ذنب له من الثواب ؛ لأنه لو عذب من ذكرنا وأخر ثواب الآخر ولم يوف التائب والمجتنب للكبائر مع فعله الصغائر ثوابه على أعماله، لكان ذلك خارجاً عن الحكمة وظالمًا ، وذلك من صفات المخلوقين. [ و] (٣) إذا كان هذا أصلهم، فإثباتهم الشفاعة على هذا الوجه لا معنى له فبطل قولهم ولزمهم الشفاعة على الوجه الذي تقول به أهل السنة والحق ، وهذا بين والحمد لله . وأما ذكر الأنبياء - عليهم السلام - في [ حديث ] (٤) الشفاعة لخطاياهم ، فإن الناس اختلفوا هل يجوز وقوع الذنوب منهم ؟ فأجمعت الأمة على أنهم معصومون في الرسالة ، وأنه لا تقع منهم الكبائر ، واختلفوا في جواز الصغائر عليهم فأطبقت المعتزلة والخوارج على أنه لا يجوز وقوعها منهم ، وزعموا أن الرسل لا يجوز أن تقع منهم ما ينفر الناس [عنهم](٣) وأنهم معصومون من ذلك . وهذا باطل لقيام الدليل مع التنزيل وحديث الرسول : (( أنه ليس كل ذنب كفرًا)). وقولهم : إن الباري تجب عليه عصمة الأنبياء - عليهم السلام - من الذنوب [ فلا ] (٥) ينفر الناس عنهم بمواقعهم لها هو فاسد بخلاف القرآن له ، وذلك أن الله - تعالى - قد أنزل كتابه وفيه متشابه مع سابق علمه أنه سيكون ذلك سببًا لكفر قوم ، فقال تعالى : ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ﴾ (٦) وقال (١) كذا في (( الأصل، هـ)). (٢) في ((الأصل)): و. والمثبت من ( هـ)). (٣) من (( هـ)). (٤) في ((الأصل)): ذكر. والمثبت من (( هـ). (٥) في ((الأصل)): كي. والمثبت من (( هـ)). (٦) آل عمران : ٧ . - ٤٣٩ - تعالى: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية [ والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر ] (١) ﴾ (٢). فكان التبديل الذي هو النسخ سببًا لكفرهم كما كان إنزاله متشابهًا سببًا لكفرهم ، وقال أهل السنة : جائز وقوع الصغائر من الأنبياء ، واحتجوا بقوله تعالى مخاطبًا لرسوله : ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ (٣) فأضاف إليه الذنب ، وقد ذكر الله في كتابه ذنوب الأنبياء فقال تعالى : ﴿ وعصی آدم ربه فغوى ﴾ (٤) وقال نوح لربه : ﴿إن ابني من أهلي﴾ (٥) فسأله أن ينجيه، وقد كان تقدم إليه تعالى فقال : ﴿ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون﴾(٦) وقال إبراهيم: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم. الدين ﴾ (٧) وفي كتاب الله تعالى من ذكر خطايا الأنبياء ما لا خفاء به، وقد تقدم الاحتجاج في هذه المسألة في كتاب الدعاء في باب قول النبي: ((اللهم اغفر لي ما قدمت وأخرت)). ما لم أذكره هاهنا . فإن قال قائل : ما معنى قول آدم : ولكن ائتوا نوحًا ؛ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض . وقد تقدم آدم قبله ؟ [٤/ق٢٢٧-ب] فالجواب أن آدم لم يكن رسولا ؛ لأن الرسول / يقتضي مرسلا إليه في وقت الإرسال وهو أهبط إلى الأرض وليس فيها أحد . فإن قيل : لما تناسل منه ولده وجب أن يكون رسولا إليهم ؟ قيل : إنما أهبط عليه السلام إلى الأرض وقد علمه الله أمر دينه وما. يلزمه من طاعة ربه فلما حدث ولده بعده حملهم على دينه ، وما هو (١) ليست بالأصل . (٤) طه : ١٢١ . (٢) آل عمران : ٧ . (٥) هود : ٤٥ . (٣) النحل : ١١٠. (٧) الشعراء : ٨٢ . (٦) هود : ٣٧، المؤمنون : ٢٧ . ! - ٤٤٠ -