Indexed OCR Text
Pages 381-400
باب : أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ فيه: عمرو بن العاص: ((أنه سمع رسول الله وَلي يقول: إذا حكم الحاكم فاجتهد ، فأصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)). قال ابن المنذر : وإنما يكون الأجر للحاكم المخطئ إذا كان عالمًا بالاجتهاد والسنن ، وأما من لم يعلم ذلك فلا يدخل في معنى الحديث ، يدل على ذلك ما رواه الأعمش ، عن سعيد بن عبيدة ، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله وَله: ((القضاة ثلاثة: قاضيان في النار ، وقاض في الجنة ، فقاض قضى بغير الحق وهو يعلم، فذلك في النار ، وقاض قضى وهو لا يعلم فأهلك حقوق الناس فذلك في النار ، وقاض قضى بالحق ، فذلك في الجنة)). قال ابن المنذر : إنما يؤجر على [ اجتهاده ] (١) في طلب الصواب لا على الخطأ، ومما يؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وداود وسليمان﴾ (٢) الآية. قال الحسن : أثنى على سليمان ولم يذم داود . وذكر أبو التمام المالكي أن مذهب مالك أن الحق في واحد من أقاويل المجتهدين ، وليس ذلك في جميع أقاويل [ المختلفين ] (٣) وبه قال أكثر الفقهاء. قال : وحكى ابن القاسم أنه سأل مالكًا عن اختلاف الصحابة ، فقال: مخطئ ومصيب وليس الحق في جميع أقاويلهم . قال أبو بكر ابن الطيب : اختلفت الروايات عن أئمة الفتوى في هذا الباب كمالك وأبي حنيفة والشافعي : فأما مالك ، فالمروي عنه منعه المهدي من حمله الناس على العمل والفتيا بما في الموطأ ، وقال له : دع الناس [ يجتهدون ] (٤) وظاهر هذا إيجابه على كل مجتهد القول بما يؤديه الاجتهاد إليه ، ولو رأى أن الحق في قوله فقط ، أو قطع عليه لكان الواجب عليه (١) في ((الأصل)): اجتهاد. والمثبت من ((هـ)). (٣) في ((الأصل)): المختلف. والمثبت من ((هـ). (٤) في ((الأصل)): يجتهدوا. والمثبت من ((هـ)). (٢) الأنبياء : ٧٨ . - ٣٨١ - المشورة على السلطان [ بالعمل ] (١) به ، ويبعد أن يعتقد مالك أن كل مجتهد مأمور بالحكم والفتيا باجتهاده ، وإن كان مخطئًا في ذلك ، وذكر عن أبي حنيفة والشافعي [ القولين ] (٢) جميعًا. [ واحتج] (٣) من قال: إن الحق في واحد من أقاويل المجتهدين بقوله عليه السلام: (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)) .. قالوا : وهذا نص على أن في المجتهدين وفي الحاكمين مخطئًا ومصيًا ، قالوا : والقول بأن كل مجتهد مصيب يؤدي إلى كون الشيء حلالا حرامًا وواجبًا ندبًا ويلزم الحاكم اعتقاد كونه حلالا إذا رأى ذلك بعض أهل الاجتهاد ، وحرامًا إذا رأى ذلك غيره ، وأن تكون الزوجة محللة محرمة ، والمال ملك الإنسان وغير ملك له إذا اختلف في ذلك أهل الاجتهاد . واحتج كل من قال : كل مجتهد مصيب ، فقالوا : اتفق الكل من الفقهاء على أن فرض كل عالم الحكم والفتيا بما أداه الاجتهاد إليه ، وما هو الحق عنده وفي غالب ظنه ، وأنه حرام عليه أن يفتي ويحكم بقول مخالفة ، ولو كان في الأقاويل المختلف فيها ما هو خطأ وخلاف دين الله لم يجز أن تجمع الأمة على أنه فرض القائل به ؛ لأن إجماعها على ذلك إجماع على خطأ ، وقد نهى الله عنه وشرع خلافه . ولو جاز أن يكون أحدهما مخطئًا لأدى ذلك إلى أن الله تعالى أمر أحدهما بإصابة عين الباطل ، وفي هذا القولُ بأن الله أمر بالباطل ، وإذا فسد هذا مع كونه مأمورًا بالاجتهاد وجب كونه بفتياه ممتثلا أمر ربه وطائعًا له ومصيبًا عند الله، فثبت أن الحق مع كل واحد منهما بدليل قوله تعالى : ﴿إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾ (٤) ومع قيام الدليل على أن طاعة الباري إنما كانت طاعة لأمره بها كما أن المعصية كانت معصية لنهيه عنها . (١) في ((الأصل)): والعمل. والمثبت من ((هـ)). (٣) في ((الأصل)): فاحتج، والمثبت من ((هـ)). (٢) من (( هـ ))". (٤) الأعراف : ٢٨ - ٣٨٢ - ۔۔ ۔۔ وقد أجاب الشافعي عن هذا الحديث في الرسالة بنحو هذا فقال : لو كان في الاجتهاد خطأ وصواب / في الحقيقة لم يجز أن يثاب على (٤/ ٢١٧٥-ب] أحدهما أكثر ( من ) (١) الآخر ؛ لأن الثواب لا يجوز فيما لا يسوغ ولا في الخطأ الموضوع إثمه عنا . وقال ابن الطيب : هذا الخبر يدل على أن كل مجتهد مصيب أولى وأقرب ؛ لأن المخطئ لحكم الله والحاكم بغيره مع الأمر له به لا يجوز أن يكون مأجورًا على الحكم بالخطأ بل أقصى حالاته أن يكون إثمه موضوعًا [ عنه ] (٢) فأما أن يكون بمخالفة حكم الله مأجوراً فإنه باطل باتفاق ، والنبي - عليه السلام - قد جعله مأجورًا ، فدل ذلك على أن هذا ليس بخطأ في شيء من الأحكام وجب عليه ولزمه الحكم به . ويحتمل أن يكون معناه إذا اجتهد في البحث والطلب للنص فأصابه وحكم بموجبه فله أجران : أحدهما على البحث والطلب ، والآخر على الحكم بموجبه ، وأراد بقوله : (( إن حكم فأخطأ)) أي : أخطأ الخبر ، بأن لم يبلغه مع الاجتهاد في طلبه ، ثم حكم باجتهاده المخالف لحكم النص كان مخطئًا للنص ومصيبه لا محالة في الحكم ؛ لأن الحكم بالاجتهاد عند ذلك هو فرضه . ولهذا كان يقول عمر عندما كان يبلغه الخبر : لولا هذا لقضينا فيه برأينا . ولم يقل له أحد من الصحابة : لو قضيت فيه برأيك ولم يبلغك الخبر لكنت بذلك عاصيًا ، ولم أردت أن تقضي بالرأي وهذا الخبر كان موجودًا ، فدل إمساك الكل عن ذلك أن فرض الحاكم والمجتهد الحكم والفتيا برأيه ، وإن خالف موجب الخبر ، فإذا بلغه تغيرَ عند ذلك فرضُهُ ولزمه الحكم بموجبه . ولا نقول : إن كل مجتهد مصيب إلا في الفروع ومسائل الاجتهاد (١) في ((هـ)): مما يثاب على. (٢) من (( هـ )). - ٣٨٣ - التي يجوز للعامي فيها التقليد ، وأما القول بوجوب الصلوات الخمس والصيام والحج [وكل ] (١) فرض يثبت العمل به بالتواتر والاتفاق فأصل من أصول الدين الذي يحرم خلافه كالتوحيد والنبوة وما يتصل بها ... باب : الحجة على من قال إن أحكام النبي تيار كانت ظاهرة وما كان يغيب بعضهم من مشاهدة النبي وأمور الإسلام فيه : أبو موسى : (( أنه استأذن على عمر فوجده مشغولا فقال عمر : : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ؟ ائذنوا له . فقال : ما حملك على ما صنعت ؟ فقال : إنا كنا نؤمر بهذا . قال : فائتني على هذا ببينة أو لأفعلن بك . فانطلق إلى مجلس من الأنصار ، فقالوا : لا يشهد إلا أصاغرنا . فقام أبو سعيد الخدري فقال : كنا نؤمر بهذا . فقال عمر : خفي عليّ هذا من أمر النبي - عليه السلام - ألهاني الصفق بالأسواق )). وفيه : أبو هريرة : « إنکم تزعمون أن أبا هريرة یکثر الحديث عن النبي - عليه السلام - والله الموعد، إني [ كنت ] (٢) امراً مسكينًا ألزم النبي -عليه السلام - على [ملء](٣) بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق ، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم ، فشهدت رسول الله و لر ذات يوم وقال: من بسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه فلن ينسى شيئًا سمعه مني ، فبسطت بردة كانت عليّ ، فوالذي بعثه بالحق ، ما نسیت شیئاً سمعته منه ) . هذا الباب يرد به على الرافضة [ وقوم] (٤) من الخوارج زعموا بأن أحكام (١) في (( الأصل)): وكان. والمثبت من (( هـ )) .. (٣) في ((الأصل)): ما في، والمثبت من ((هـ، ن). (٤) في ((الأصل)): وقومًا، والمثبت من (هـ). .(٢) من (( هـ، ن)). - ٣٨٤ - النبي وسننه منقولة عنه نقل تواتر ، وأنه لا سبيل إلى العمل بما لم ينقل نقل تواتر ، وقولهم في غاية الجهل بالسنن وطرقها ، فقد صحت الآثار أن أصحاب النبي وَ ل أخذ بعضهم السنن من بعض ورجع بعضهم إلى ما رواه غيره عن النبي - عليه السلام - وانعقد الإجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد ، وبطل قول من خرج عن ذلك من أهل البدع ، هذا أبو بكر الصديق على مكانه لم يعلم النص في الجدة حتى أخبره محمد بن مسلمة والمغيرة بالنص فيها ، فرجع إليه، وأخذ عمر بن الخطاب بما رواه عبد الرحمن بن عوف في حديث الوباء ، فرجع إليه ، [ وكذلك أخذ أيضًا عمر بما رواه أبو موسى في دية الأصابع ، فرجع إليه ] (١) وأخذ أيضًا عمر بما رواه المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في دية الجنين ، ورجع عمر إلى أبي موسى وأبي سعيد في الاستئذان ، وابن عمر يحكى عن رافع بن خديج النهي عن المخابرة فرجع إليه، والصحابة ترجع إلى قول عائشة: (( إذا التقى الختانان وجب الغسل)) وأيضًا ترجع إليها في أن النبي وَّ كان يصبح جنبًا من جماع غير احتلام ثم يصوم . وأبو موسى يرجع إلى حديث ابن مسعود في ابنة وابنة ابن / وأخت وهذا الباب أكثر من أن (٤/ ٢١٨٥-١] يحصى . * باب: من رأى ترك النكير من النبي ◌َل حجة لا من غيره فيه : ابن المنكدر: (( رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن صياد الدجال. قلت : تحلف بالله ؟ قال : إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي فلم ينكره النبي ◌َِّرِ )). (١) من ((هـ)). - ٣٨٥ - [ قال المؤلف: ] (١) ترك النكير من النبي - عليه السلام حجة وسنة يلزم أمته العمل بها لا خلاف بين العلماء في ذلك ؛ لأنّ النبي -عليه السلام - لا يجوز أن يرى أحدًا من أمته يقول قولا أو يفعل فعلا محظورًا [ فيقره عليه ] (٢) لأن الله - تعالى - فرض عليه النهي عن المنكر ، فإذا كان كذلك علم أنه لا يرى أحدًا عمل شيئًا فيقره عليه إلا وهو مباح له ، وثبت أن إقرار النبي - عليه السلام - عمر على حلفه أن ابن صياد الدجال إثبات أنه الدجال ، وكذلك فهم جابر بن عبد الله من يمين عمر : فإن اعترض بما روى من قول عمر للنبي : دعني أضرب عنقه. فقال: ((إن يكن هو فلن تسلط عليه ، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله )) فهذا يدل على شكه عليه السلام فيه ، وترك القطع عليه أنه الدجال . قيل : عن هذا جوابان : أحدهما أنه يمكن أن يكون هذا الشك منه عليه السلام كان متقدمًا ليمين عمر أنه الدجال ، ثم أعلمه الله أنه الدجال فلذلك ترك إنكار يمينه عليه لتيقنه بصحة ما حلف عليه . الوجه الآخر : أن الكلام وإن خرج مخرج الشك فقد يجوز أن يراد به التيقن والقطع كقوله : ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ (٣) وقد علم تعالى أنه لا يقع منه [ الشرك ] (٤) . وإنما خرج منه هذا عليه السلام على المتعارف عند العرب في تخاطبها قال الشاعر : أيا ظبية الوعساء بين جلاجل [ بين] (٥) النقا [ آأنت] (٦) أم أُم سالم (١) من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): يقره. والمثبت من (( هـ )). (٣) الزمر : ٦٥ . (٤) في ((الأصل)): الشك. والمثبت من ((هـ). (٥) في ((الأصل)): وبين. والمثبت من (( هـ)). (٦) في ((الأصل)): أنت. والمثبت من (( هـ)). - ٣٨٦ - فأخرج كلامه مخرج الشك مع كونه غير شاك في أنها ليست بأم سالم ، وكذلك خرج كلامه عليه السلام مخرج الشك لطفًا منه [بعمر] (١) في صرفه عن عزمه على قتله ، وقد ذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر قال : لقيت ابن صياد يومًا ومعه رجل من اليهود ، فإذا عينه قد طفت وهي خارجة مثل عين الجمل ، فلما رأيتها قلت : أنشدك الله يا ابن صياد ، متى طفت عينك ؟ قال : لا أدري والرحم . فقلت : كذبت ، لا تدري وهي في رأسك ؟ قال : فمسحها ونخر ثلاثًا فزعم اليهودي أني ضربت بيدي على صدره وقلت له : أخساً فلن [ تعدو ] (٢) قدرك ، فذكرت ذلك لحفصة [ فقالت] (٣): اجتنب هذا الرجل ، فإنا نتحدث أن الدجال يخرج عند غضبة يغضبها . فإن قيل : هذا كله يدل على الشك في أمره . قيل : إن وقع الشك في أنه الدجال الذي يقتله عيسى ابن مريم وَ لله، فلم [يقع الشك] (٤) في أنه أحد الدجالين الذين أنذر بهم النبي - عليه السلام - من قوله: (( إن بين يدي الساعة دجالين كذابين أزيد من ثلاثين)) فلذلك لم ينكر على عمر يمينه - والله أعلم - لأن الصحابة قد اختلفوا في مسائل : فمنهم من أنكر على مخالفه قوله ، ومنهم من سكت عن إنكار ما خالف اجتهاده ومذهبه ، فلم يكن سكوت من سكت رضا بقول مخالفة ، إذ قد يجوز أن يكون الساكت لم يبن له وجه الصواب في المسألة وأخرها إلى وقت آخر ينظر فيها ، وقد يجوز أن يكون سكوته ليبين خلافها في وقت آخر إذا كان ذلك أصلح في المسألة . فإن اعترض أن سكوت البكر حجة عليها . (١) في (( الأصل)): لما. والمثبت من ((هـ)). (٢) في ((الأصل)): تعد. والمثبت من ((هـ)). (٣) في ((الأصل)): فقال. والمثبت من (( هـ)). (٤) من ( هـ)). - ٣٨٧ - قيل : ليس هذا بمفسد لما تقدم ؛ لأن من شرط كون سكوتها حجة عليها تقديم الإعلام لها بذلك ؛ فسكوتها بعد الإعلام أنه لازم لها رضا منها وإقرار . # باب : الأحكام التي تعرف بالدلائل [ و](١) كيف معنى الدلالة وتفسيرها وقد أخبر النبي - عليه السلام - أمر الخيل وغيرها ، ثم سئل عن الحمر، فدلهم على قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾(٢). وسئل عن الضب فقال: ((لا آكله ولا أحرمه )) وأكل على مائدة [٢١٨٥/٤ -ب] [النبي](١) / - عليه السلام - الضب، فاستدل ابن عباس على أنه ليس بحرام. وفيه : أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام - : (( الخيل لثلاثة: لرجل أجر [ ولرجل ] (٣) ستر، وعلى رجل وزر ... )) الحديث ((وسئل النبي عن الحمر ، فقال : ما أنزل الله عليّ فيها إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: ﴿[فمن] (٤) يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ (٢))). وفيه : عائشة: (( أن امرأة سألت النبي عن الحيض كيف تغتسل منه؟ قال : تأخذي فرصة مسکة فتوضئي بها . قالت : كيف أتوضأ بها يا رسول الله ؟ قال : توضئي . قالت : کیف أتوضأ بها؟ قال : توضئي بها. قال عائشة : فعرفت الذي يريد النبي - عليه السلام - فجذبتها إلي فعلمتها)). وفيه: ابن عباس: ((أن أم حفيد أهدت للنبي وَ ل ◌َ سمنًا وأقطًا وأضبًا (١) من (( هـ ، ن)). (٢) الزلزلة : ٧ . (٣) في ((الأصل)): وعلى رجل، والمثبت من (( هـ، ن )). (٤) في ((الأصل، هـ)): من. وهي رواية أبي ذر الهروي. - ٣٨٨ - فدعا بهن النبي - عليه السلام - فأكلن على مائدته ، فتركهن النبي کالمتقذر له ، ولو كان حرامًا ما أكل على مائدته ولا أمر بأكله )». وفيه : جابر : قال النبي - عليه السلام - : (( من أكل ثومًا أو بصلا فليعتزلنا - أو ليعتزل مسجدنا - وليقعد في بيته . وأنه أُتي ببدر- قال ابن وهب يعني: طبقًا فيه خضرات من بقول - فوجد لها ريحًا فسأل عنها ، فأخبر بما فيها من البقول ، فقال : قربوها فقربوها إلى بعض أصحابه كان معه ، فلما رآه كره أكلها قال : كل ، فإني أناجي من لا تناجي )) . وعن ابن وهب : بقدر فيه خضرات . وفيه : جبير بن مطعم: (( أن امرأة أتت النبي - عليه السلام - وكلمته بشيء فأمرها بأمر ، فقالت : أرأيت يا رسول الله ، إن لم أجدك ؟ قال : إن لم تجديني فائتي أبا بكر )) زاد الحميدي عن إبراهيم ابن سعد كأنها تعني : الموت . قال المهلب وغيره : هذا كله بيِّن في جواز القياس والاستدلال وموضع الاستدلال على أن في الحمر [ أجرًاً] (١) قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ (٢) فحمل عليه السلام الآية على عمومها استدلالا بها . وأما استدلال ابن عباس أن الضب حلال بأكله على مائدته عليه السلام بحضرته، ولم ينكره ولا منع منه بقوله: ((ولا أحرمه)). فيحتمل أن يكون استدلالا لا نصًا لاحتمال قوله عليه السلام: ((ولا أحرمه» الندب إلى ترك أكله ، فلما أكل بحضرته استدل ابن عباس بذلك على أنه لم يحرمه ولا ندب إلى تركه ، ويحتمل أن يكون نصًا؛ لأن قوله : ((ولا [ أحرمه ] (٣))) فلا يتضمن الندب إلى ترك أكله فيكون نصًا في تحليله. (١) في ((الأصل)): أجر. والمثبت من ((هـ)). (٢) الزلزلة : ٧ . (٣) من (( هـ)). - ٣٨٩ - وأما حديث الحائض فهو استدلال صحيح ؛ لأن السائلة لم تفهم غرض النبي ص84* حين أعرض عن ذكر موضع الأذى والدم حياء منه ** ولم تدر أن [ التتبع] (١) لأثر الدم بالخرقة سمي توضؤًا فقهمت ذلك عائشة من إعراضه فهو استدلال صحيح . وأما حديث جابر في الثوم والبصل فهو نص منه وَّة على جواز أكله بقوله: (( كل ، فإني أناجي من لا تناجي)). وأما حديث المرأة فهو استدلال صحيح استدل النبي بظاهر قولها : فإن لم أجدك . أنها أرادت الموت ، فأمرها بإتيان أبي بكر . فإن قيل : فليس في ظاهر قولها دلالة على الموت . قيل له : قد يمكن أنه [ اقترن بسؤالها ] (٢) إن لم أجدك؟ حالة من الأحوال ، وإن لم يمكن نقلها دلته عليه السلام على مرادها ، فوكلها إلى أبي بكر ، وفي هذا دليل على استخلاف أبي بكر ، وقد أمر الله عباده بالاستدلال والاستنباط من نصوص الكتاب والسنة وفرض ذلك على العلماء القائمين به . * باب : قول النبي عليه السلام لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فيه: عبد الرحمن (( سمع معاوية يحدث رهطًا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان [ من أصدق ] (٣) هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن [ أهل ] (٤) الكتاب ، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب)). وفيه : أبو هريرة قال: (( كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ومؤلف: (( لا تصدقوا (١) في ((الأصل)): المتبع. والمثبت من ((هـ)). (٢) في ((الأصل)): أقرن سؤالها. والمثبت من (( هـ). (٣) في ((الأصل)): أصدق من. والمثبت من ((هـ، ن)). (٤) من (( ن )) - ٣٩٠ - أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا : ﴿ آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ﴾ (١) الآية)). وفيه : ابن عباس قال : (( كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسوله أحدث تقرءونه محضًا لم يشب ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا : هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم (٢) لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم)). قال / المهلب: قوله عليه السلام: (( لا تسألوا أهل الكتاب عن (٤/ ٢١٩٥-١] شيء )) إنما هو في الشرائع لا تسألوهم عن شرعهم فيما لا (نعرفه)(٢) من شرعنا لنعمل به ؛ لأن شرعنا مكتف بنفسه وما لا نص فيه عندنا ففي النظر والاستدلال ما يقوم الشرع منه . وأما سؤالهم عن الأخبار المصدقة لشرعنا ، وما جاء به نبينا - عليه السلام - من الأخبار عن الأمم السالفة فلم ننه عنه . فإن قيل : فقد أمر الله رسوله بسؤال أهل الكتاب فقال تعالى : ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ﴾ (٣) . قيل : ليس هذا بمفسد لما تقدم من النهي عن سؤالهم ؛ لأنه عليه السلام لم يكن شاكًا ولا مرتابًا ، وقال أهل التأويل : الخطاب للنبي وَ ليه والمراد به: غيره من الشكاك كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ﴾ (٤) وتقديره : إن كنت أيها السامع في شك مما أنزلنا على نبينا . كقولهم : إن كنت ابني فبرني . وهو يعلم أنه ابنه . (١) العنكبوت : ٤٦ . (٣) يونس : ٩٤ . (٢) في (( هـ ) : نص فيه . (٤) الطلاق : ١ . - ٣٩١ - فإن قيل : فإذا كان المراد بالخطاب غير النبي - عليه السلام - فكيف يجوز سؤال الذين يقرءون الكتاب مع جحدهم النبوة ؟ ففيه قولان : أحدهما : سل من آمن من أهل الكتاب کابن سلام، وكعب الأحبار . عن ابن عباس والضحاك ، ومجاهد وابن زيد . الثاني : سلهم عن صفة النبي ◌َّ المبشر به في كتبهم ، ثم انظر ما يوافق تلك الصفة . -- . باب : النهي [على] (١) التحريم إلا ما تعرف [إباحته ] (٢) وكذلك الأمر نحو قوله حين أحلوا : أصيبوا من النساء قال جابر: ولم يعزم عليهم ولكنه أحلهن لهم. وقالت أم عطية : نھینا عن اتباع الجنائز ولم یعزم علينا فيه : جابر: (( أهللنا أصحاب النبي - عليه السلام - في الحج خالصًا ليس معه عمرة فقدم النبي - عليه السلام - صبح رابعة مضت من ذي الحجة، فلما قدمنا أمرنا النبي - عليه السلام - أن نحل ، وقال : أحلوا، وأصيبوا من النساء . قال جابر : ولم يعزم عليهم، ولكنه أحلهن لهم ، فبلغه أنا نقول : لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نحل إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني ، فقام النبي - عليه السلام - فقال: قد علمتم أني أتقاكم الله ، وأصدقكم ، وأبركم ولولا هديي لحللت كما تحلون فحلوا ، فلو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت . فحللنا وسمعنا وأطعنا )) . وفيه : عبد الله المزني: قال النبي - عليه السلام - : ((صلوا قبل صلاة المغرب . قال في الثالثة: لمن شاء . كراهية أن يتخذها الناس سنة)) . (١) في ((الأصل)): عن. والمثبت من ((هـ)). (٢) من (( هـ ، ن )). - ٣٩٢ - وفيه : جندب: قال النبي - عليه السلام -: (( اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم ، فإذا [ اختلفتم ] (١) فقوموا عنه)). وفيه : ابن عباس: (( لما حضر [النبي (وَلٌ] (٣) وفي البيت رجال (منهم) (٣) عمر بن الخطاب قال: هلم أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده، قال عمر بن الخطاب : إن النبي - عليه السلام - غلبه الوجع ، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله . واختلف أهل البيت واختصموا ، فمنهم من يقول : قربوا يكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده . ومنهم من يقول ما قال عمر . فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي قال : قوموا عني . قال عبيد الله : فكان ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم)) (٤). اختلف العلماء في هذا الباب فذكر ابن الباقلاني ، عن الشافعي أن النهي عنده على التحريم والإيجاب وقاله كثير من الناس ، وقال الجمهور من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي وجميع أهل الظاهر: النهي عن الشيء يدل على فساد المنهي عنه . قال المؤلف : وهذا يدل على أنه عندهم على التحريم والإيجاب ، وكذلك الأمر عند الدهماء من الفقهاء وغيرهم موضوع الإيجاب المأمور وحتمه إلا أن يقوم الدليل على أنه ندب ، وحكى أبو التمام عن مالك أن الأمر عنده على الوجوب ، وإلى هذا ذهب البخاري في هذا الباب إلى أن النهي والأمر على الوجوب إلا ما قام الدليل على خلاف ذلك فيه ، وذهبت الأشعرية إلى أن النهي لا يقتضي التحريم ؛ بل يتوقف [فيه ] (٥) إلى أن يرد الدليل . قال ابن الطيب : وقال هذا فريق من الفقهاء . قال : وقال (١) في ((الأصل)): اختلفت. والمثبت من (( هـ، ن)). (٢) من (( هـ ، ن )). (٣) فى ((هـ، ن)): فيهم. (٤) زاد في (( هـ، ن)) قبل هذا الحديث والذي قبله باب كراهية الاختلاف وصنيع المؤلف يقتضي أنهما في باب واحد . (٥) من (( هـ)). - ٣٩٣ - كثير من أصحاب الشافعي : إن الأمر موضوع للندب إلى الفعل فإن اقترن به ما يدل على كراهية تركه من ذم أو عقاب كان واجبًا ، وقال .. (٢١٩٥/٤- ب] به كثير من الفقهاء ، واستشهد / عليه الشافعي بقوله تعالى : ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ (١) وأمثاله مما ورد الأمر به على سبيل الندب. قال ابن الطيب: وقد دل بعض كلامه على أن مذهبه الوقف. وقال أبو الحسن الأشعري وكثير من الفقهاء والمتكلمين : إنه محتمل للأمرين . قال ابن الطيب : وهذا الذي نقول به . قال غيره : والحجة للجماعة أن النهي على التحريم أنه موجب اللغة ومقتضاها ، فإن من فعل ما نهي عنه استحق اسم العصيان ؛ لأنه لا ينهى إلا عن قبيح قبل النهي ، وعما هو له كاره ، وقد فهمت الأمة تحريم الزنا، ونكاح المحرمات، والجمع بين الأختين، وتحريم بيع الغرر ، وبيع ما لم يقبض بمجرد نهي الله - تعالى - ونهي رسوله عن ذلك لا شيء سواه. قال أبو التمام : وأما الحجة لوجوب الأمر فإن الله - تعالى - أطلق أوامره في كتابه ولم يقرنها بقرينة ، وكذلك فعل النبي - عليه السلام - فعلم أن إطلاق الأمر يقتضي وجوبه ، ولو افتقر إلى قرينة لقرنت به . والعرب لا تعرف القرائن ، وإنما هو شيء أحدثه متأخرو المتكلمين فلا يجوز أن يقال: إن [ لفظ ] (٢) الأمر لا تأثير له في اللغة وأنه يحتاج إلى قرينة ، وقد قال تعالى : ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴾ (٣) فوجب بهذا الوعيد حمل الأمر على الوجوب . وحجة الذين قالوا بالوقف وطلب الدليل على المراد بالأمر أن الأمر قد يرد على معان ، فالواجب أن ينظر فإن وجد ما يدل على غير الواجب حمل عليه ، وإلا فظاهره الوجوب ؛ لأن قول القائل: افعل (١) البقرة : ٢٨٢ . (٣) النور : ٦٣ . (٢) في (( الأصل)): لفظة. والمثبت من ( هـ )) - ٣٩٤ - لا يفهم منه لا تفعل ولا افعل إن شئت ، إلا أن يصله بما يعقل به التخيير ، فإذا عدم ذلك وجب تنفيذ الأمر ، واحتجوا على وجوب طلب الدليل والقرينة على المراد بالأمر ، فقالوا : اتفق الجميع على جنس الاستفهام [ عن ] (١) معنى الأمر إذا ورد هل هو على الوجوب أو الندب ؟ ولو لم يصلح استعماله فيه لقبح الاستفهام عنه ؛ لأنه لا يحسن أن يستفهم هل أريد باللفظ ما لا يصلح إجراؤه عليه [ إذ] (٢) لا يصلح إذا قال القائل: رأيت إنسانًا. أن يقال له : هل رأيت إنسانًا أو حماراً . وحسن أن يقال له : أذكرًا رأيت أم أنثى لصلاح وقوعه عليهما . وقد ثبت قبح الاستفهام مع القرائن الدالة على المراد بالمحتمل من اللفظ، وإنما يسوغ الاستفهام مع التباس الحال وعدم القرائن الكاشفة عن المراد. قال المؤلف : وما ذكر البخاري في هذا الباب من الآثار يبطل هذا القول؛ لأنه عليه السلام حين أمرهم بالحل وإصابة النساء بين لهم أن أمره إياهم بإصابة النساء ليس على العزم ، ولولا بيانه ذلك لكانت إصابتهم للنساء واجبة عليهم ( وكذلك ) (٣) بين لهم عليه السلام بنهيه النساء عن اتباع الجنائز أنه لم يكن نهي عزم ولا تحريم ، ولولا بيانه ذلك لفهم من النهي بمجرده التحريم ، وكذلك بين لهم أيضًا أن أمره لهم بالصلاة قبل المغرب ، وأمره لهم بالقيام عن القراءة عند الاختلاف ليس على الوجوب ؛ لأنه أمرهم بالائتلاف على ما دل عليه القرآن وحذرهم الفرقة . فإذا حدثت شبهة توجب المنازعة فيه أمرهم بالقيام عن الاختلاف ولم يأمرهم بترك قراءة القرآن (إذا اختلفوا في تأويله لإجماع الأمة على قراءة القرآن] (٢) لمن فهمه ولمن لم يفهمه، فدل أن قوله: ((قوموا (١) فى ((الأصل)): على. والمثبت من (( هـ)). (٣) مكررة بالأصل . (٢) من (( هـ ). - ٣٩٥ - عنه)) على وجه الندب لا على وجه التحريم للقراءة عند الاختلاف. وكذلك رآى عمر في ترك كتاب رسول الله لهم حين غلبه الوجع من أجل تقدم العلم عنده وعند جماعة المؤمنين أن الدين قد أكمله الله، وأن الأمة قد اكتفت بذلك ، فلا يجوز أن يتوهم أن هناك ! شيئًا بقي ] (١) على النبي تبليغه فلم يبلغه لقوله تعالى : ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ﴾ (٢). وبقوله : ﴿ فتول عنهم فما أنت بملوم﴾ (٣) وقد أنبأنا الله أنه أكمل به الدين فقال : ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (٤). وإذا ثبت هذا بان قوله - عليه السلام -: (( هلموا أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده)) محمول على ما أشار به عمر بأنه قول من [ قد غلبه](٥) الوجع وشغل بنفسه ، واكتفى بما أخبر الله - تعالى - به من إكمال الدين، وبان بهذا مقدار علم عمر وتبريزه على ابن عباس فكل أمر [ لله] (٦) - تعالى - [وللرسول ] (٧) لم يكن واجبًا على العباد قد جاء معه من بيان النبي - عليه السلام - بتصريح أو بدليل ما فهم به أنه على غير اللزوم. وقد فهم الصحابة ذلك من فحوى خطابه عليه السلام وكل أمر [٤/ ٢٢٠٥-١) عري عن دليل يخرجه عن الوجوب، وجب حمله على الوجوب / ؛ إذ لو كان مراد الله به غير الوجوب لبينه النبي - عليه السلام - لأمته، فوجب أن يكون ما عرى من بيانه عليه السلام أنه على غير الوجوب غير مفتقر إلى طلب دليل أو قرينة [ أن المراد ] (٨) به الوجوب ؛ لقيام لفظ الأمر بنفسه ، وكذلك ما عري من نهيه عليه السلام من دليل (١) في ((الأصل)): بقي شيء. والمثبت من ((هـ)). (٣) الذاريات : ٥٤ . (٢) المائدة : ٦٧ . (٤ ) المائدة : ٣ (٥) في ((الأصل)): شغله. والمثبت من ((هـ)). (٦) في ((الأصل)): الله. والمثبت من (( هـ)). (٧) في (( الأصل)): والرسول. والمثبت من (( هـ)). (٨) في ((الأصل)): إن أريد. والمثبت من (( هـ)). - ٣٩٦ - يخرجه عن التحريم وجب حمله على التحريم كحكم الأمر سواء ، على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء . ووقع في بعض الأمهات في هذا الباب باب النهي عن التحريم [وهو غلط من الناسخ والصواب فيه باب النهي على التحريم] (١) يعني أن النهي محمول على التحريم إلا ما علمت إباحته على حديث أم عطية . باب: قوله تعالى: ﴿ وأمرهم شورى بينهم﴾ (٢) ﴿وشاورهم في الأمر﴾ (٣) وأن المشاورة قبل العزم [ والتبيين ] (٤) ؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ (٣) فإذا عزم الرسول لم يكن لبشر التقدم بين يدي الله ورسوله ، وشاور النبي عليه السلام يوم أحد أصحابه في المقام أو الخروج فرأوا له الخروج، [ فلما] (٥) لبس لأمّتَه وعزم قالوا: أقم. فلم يمل إليهم بعد العزم ، وقال : لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله . وشاور عليًا وأسامة فيما رمى أهل الإفك عائشة ، فسمع منهما حتى نزل القرآن ، فجلد الرامين ولم يلتفت إلى منازعتهم ، ولكن حكم بما أمر الله ، وكانت الأئمة بعد (النبي ) (٦) عليه السلام يستشيرون [ الأمناء ] (٧) من أهل العلم في الأمور المباحة، ليأخذوا بأسهلها ، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم (يعدوه)(٨) إلى غير اقتداء بالنبي وَلمر ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة، فقال عمر : كيف تقاتل وقد قال النبي عليه السلام : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها . فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع الله ، ثم تابعه بعد عمر ، فلم يلتفت أبو بكر إلى [مشورة ] (٩) (١) من (( هـ). (٣) آل عمران : ١٥٩. (٢) الشورى : ٣٨ . (٤) في ((الأصل)): والنسق. والمثبت من (( هـ، ن)) . (٥) في ((الأصل)): فما. والمثبت من (( هـ، ن)). (٦) مكررة بالأصل . (٧) في (( الأصل)): الأشياخ. والمثبت من (( هـ، ن)). (٨) في ((هـ، ن)): يتعدوه. (٩) في ((الأصل)): مشاورة. والمثبت من ((هـ)). - ٣٩٧ - عمر ؛ إذ كان عنده حكم النبي في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة ، وأرادوا تبديل الدين وأحكامه . وقال عليه السلام : من بدل دينه فاقتلوه. وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولا كانوا أو شبابًا وكان وقافًا عند كتاب الله . فيه: عائشة: (( حين قال لها أهل الإفك ، ودعا النبي عليًا وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله ، فأما أسامة فأشار بالذي يعلم من براءة أهله ، وأما علي فقال : لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير ، وسل الجارية تصدقك ... )) الحديث . اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر الله نبيه أن يشاور أصحابه ، فقالت طائفة : أمر الله أن يشاورهم في مكائد الحروب وعند لقاء العدو تطييبًا لنفوسهم وتألفًا لهم على دينهم وليروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم ، وإن كان الله قد أغناه عن رأيهم بوحيه . روي هذا عن قتادة والربيع وابن إسحاق . وقال آخرون : إنما أمر بمشورتهم فيما لم يأته فيه وحي ، ليبين لهم صواب الرأي . روي ذلك عن الحسن البصري والضحاك قالا : ما أمر الله نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم ، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشورة من الفضل. قال الحسن: وما شاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم. وقال آخرون : إنما أمره الله بمشاورة أصحابه مع غناه عنهم بتدبيره تعالى له وسياسته إياه ؛ ليستن به من بعده ويقتدوا به فيما ينزل بهم من النوازل. قال سفيان الثوري: وقد [ سن ] (١) رسول الله الاستشارة في غير موضع ، استشار أبا بكر وعمر في أسارى بدر ، واستشار أصحابه في يوم الحديبية . (١) في ((الأصل)): بين .. والمثبت من (( هـ). - ٣٩٨ - وأما قوله تعالى : ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ (١) قال قتادة: أمر الله نبيه إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله . قال المهلب : وامتثل هذا النبي عليه السلام فقال: (( لا ينبغي لنبي لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله )) أي : ليس ينبغي له إذا عزم أن ينصرف ؛ لأنه نقض التوكل الذي شرط الله مع العزيمة ، فلبسه لأمته دال على العزيمة ، وفي أخذ النبي - عليه السلام - بما أمره الله من الرأي بعد المشورة حجة لمن قال من الفقهاء أن الأنبياء يجوز لهم الاجتهاد فيما لا وحي عندهم فيه. وقد تقدم بيان ذلك قبل هذا . وفيه من الفقه : أن للمستشير والحاكم أن يعزم من الحكم على غير ما قال به مشاوره إذا كان من أهل الرسوخ في العلم ، وأن يأخذ بما يراه كما فعل النبي - عليه السلام - في مسألة عائشة / فإنه شاور (٤/ ق٢٢٠ -ب) عليًا وأسامة ، فأشار عليه أسامة بإمساكها ، وأشار عليه علي بفراقها ، فلم يأخذ بقول أحدهما وتركها عند أهلها حتى نزل القرآن فأخذ به ، وكذلك فعل أبو بكر الصديق فإنه شاور أصحابه في مقاتلة من منع الزكاة ، وأخذ بخلاف ما أشاروا به عليه من ترك قتالهم لما كان عنده متضحًا من قول النبي - عليه السلام - : ((إلا بحقها )) وفهمه هذه النكتة مع ما يعضدها من قوله : (( من غير دينه فاقتلوه)). وأما قول البخاري: فكان الأئمة بعد النبي - عليه السلام - يستشيرون الأمناء من أهل العلم ، فبذلك تواصى العلماء والحكماء . قال سفيان الثوري : ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة ومن يخشى الله، فإذا أشار أحد برأي سأله : من أين قاله ؟ فإن اختلفوا أخذ بأشبههم قولا بالكتاب والسنة ، ولا يحكم بشيء حتى يتبين له حجة يجب الحكم بها . (١) آل عمران : ١٥٩. - ٣٩٩ - وقول البخاري : فإذا وضح الكتاب والسنة يعني : إن وجد فيهما نص لم يتعدوه ، وإن لم [ يوجد ] (١) نص وسعهم الاجتهاد. وقال الشافعي : وإنما يؤمر الحاكم بالمشورة ؛ لأن المشير ينبهه لما يغفل عنه ويدله من الأخبار على ما يجهله ، فأما أن يقلد مشيراً فلم يجعل الله هذا لأحد بعد رسول الله عليه . وقال أبو الحسن بن القابسي : قوله : فجلد الرامين لها . لم يأت فيه بإسناد وذكره [ غيره مسنداً] (٢) وقوله: فسمع منهما. يعني: فسمع قول علي وأسامة على اختلافهما فيه . وقوله : لم يلتفت إلى تنازعهم . يعني : عليًا وأسامة ، وأراد : تنازعهما . وأظن الألف سقطت من الكتّاب . # (١) في ((الأصل)): يجد. والمثبت من ( هـ). (٢) في ((الأصل)): غير مسند. والمثبت من ((هـ)). - ٤٠٠ -