Indexed OCR Text

Pages 341-360

الأمر بسؤال العلماء والبحث عن العلم ؛ بقوله تعالى : ﴿ فاسألوا
أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾ (١) .
فالجواب عنه أن [ الذي ] (٢) أمر الله عباده بالسؤال عنه هو ما ثبت
وتقرر وجوبه مما يجب عليهم العمل به ، والذي جاء فيه النهي هو ما
لم يتعبد الله عباده به ، ولم يذكره في كتابه ، وقد سئل ابن عباس عن
قوله تعالى : ﴿ لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ﴾ (٣) الآية قال: ما
لم يذكر في القرآن فهو مما عفا الله عنه ، ألا ترى أن الله لم يجب
اليهود عن سؤالهم عن الروح لما لم يكن مما لهم به الحاجة إلى
علمه، وكان من علم الله الذي لم يطلع عليه أحدًا فقال لنبيه وَليهِ:
﴿قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ (٤) . فنسبهم
تعالى في سؤالهم عما ( لم ) (٥) ينبغي لهم السؤال عنه إلى قلة
العلم، وقال مالك : قيل وقال هو هذه الأخبار والأراجيف في رأيي ،
أعطى فلان كذا ومنع كذا بقوله : ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض
ونلعب﴾(٦). فهؤلاء يخوضون، رواه عنه أشهب في جامع المستخرجة.
وأما قول بعض اليهود حين سألوه عن الروح : لا تسألوه يسمعكم
ما تكرهون . فإنما قال ذلك لعلمه أنهم كانوا معنتين والمعنت من
عقوبته أن يخاطب / بما يكره .
[٤/ق ٢١٠- ١]
وأما قوله عليه السلام في حديث أنس: (( لن يبرح الناس يسألون:
(١) النحل : ٤٣، الأنبياء : ٧ .
(٣) المائدة : ١٠١ .
(٥) في (( هـ)): لا .
(٢) من (( هـ ).
(٤) الإسراء : ٨٥ .
(٦) التوبة : ٦٥.
- ٣٤١ -

هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله ؟ )) هذا من السؤال الذي لا
يحل وقد جاء هذا الحديث بزيادة فيه من حديث أبي هريرة أن النبي
-عليه السلام - قال: (( لا يزال الشيطان يأتي أحدكم فيقول : من
خلق كذا من خلق كذا ، حتى يقول : من خلق الله ، فإذا وجد ذلك
أحدكم فليقل: آمنت بالله)). وفي حديث آخر : فذلك (( صريح
الإيمان)) . رواه أبو داود حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا زهير ،.
حدثنا سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة (( أن النبي - عليه السلام -
جاءه ناس من أصحابه فقالوا : يا رسول الله ، نجد في أنفسنا الشيء
يعظم أن نتكلم به ما نحب أن لنا الدنيا [وأنا] (١) تكلمنا به ، فقال
النبي - عليه السلام -: أو قد وجدتموه ، ذلك صريح الإيمان )).
وقد ذكر ابن أبي شيبة من حديث الأعمش ، عن ذر ، عن عبد الله
ابن شداد ، عن ابن عباس قال: (( جاء رجل إلى النبي - عليه
السلام- فقال : إني أحدث نفسي بالأمر لأن أكون حممة أحب إلي
من أن أتكلم به . فقال له رسول الله : الحمد لله الذي رده إلى
الوسواس )) .
فإن قيل : كيف سمّى هذه الخطرة الفاسدة من خطرات الشيطان:
على القلب صريح الإيمان ؟ قال الخطابي : يريد أن صريح الإيمان هو
الذي يعظم ما تجدونه في صدوركم ويمنعكم من قول ما يلقيه الشيطان
في قلوبكم ولولاه لم يتعاظموه ، ولم ينكروه ولم [ يرد ](٢) أن
الوسوسة نفسها صريح الإيمان ، وكيف تكون إيمانًا وهي من قبل.
الشيطان وكيده ، ألا تراه وخلي حين سئل عن هذا قال: ((الحمد
[لله](٢) الذي رد کیده إلى الوسوسة)) .
وفيه وجه آخر ، قال المهلب: قوله : ((صريح الإيمان)) يعني :
الانقطاع في إخراج الأمر إلى ما لا نهاية له فلابد عند ذلك من إيجاب
(١) في ((الأصل)): وإن. والمثبت من ( هـ)).
(٢) من (( هـ )).
- ٣٤٢ -

خالق لا خالق له ، لأن المفكر يجد المخلوقات كلها لها [ خالق ] (١)
بأثر الصنعة فيها والحدث الجاري عليها والله - تعالى - بخلاف هذه
الصفة لمباينته صفات المخلوقين ، فوجب أن يكون خالق الكل ، فهذا
هو صريح الإيمان ، لا البحث الذي هو من كيد الشيطان المؤدي إلى هذا
الانقطاع ليحير العقول ، فنبه عليه السلام على موضع كيده [وتحييره](٢).
قال غيره : فإن وسوس الشيطان فقال : ما المانع أن يخلق الخالق
نفسه . قيل له : هذه وسوسة ينقض بعضها بعضا ؛ لأن بقولك يخلق
قد أوجبت وجوده تعالى ، وبقولك نفسه قد أوجبت عدمه ، والجمع
بين كونه موجودًا ومعدومًا معًا تناقض فاسد ؛ لأن من شرط الفاعل
[تقدم](٣) وجوده على وجود فعله فيستحيل كون نفسه فعلاً له ؛
لاستحالة أن يقال إن النفس تخلق النفس التي هي هو [ وهذا بين ] (٤)
في حل هذه الشُّبه وهو صريح الإيمان .
وقال غيره : إن سأل سائل عن حديث سعد وزيد بن ثابت ،
فقال: في هذين الحديثين دلالة على أن الله تعالى يفعل شيئًا من أجل
شيء ( وسببه ) (٥) ، وهذا يؤدي إلى قول القدرية .
فالجواب أنه قد ثبت أن الله على كل شيء قدير ، وأنه بكل شيء
عليم ، وأنه لا يكون من أفعاله التي انفرد بالقدرة عليها ولا تدخل
تحت قدرة العباد ، ولا تكون من مقدورات العباد التي هي كسب لهم
وخلق لله إلا والله مريد لجميع ذلك ، فسواء كان آمرًا بذلك عباده أو
ناهيًا لهم عنه ، فغير جائز أن يقال أنه ( فعل ) (٦) فعلاً من أفعاله
بسبب من الأسباب أو من أجل داع يدعوه إلى فعله ؛
(١) في ((الأصل)): خالقًا. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): وتحسره. والمثبت من (( هـ).
(٣) في ((الأصل)): تقديم. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): وهو أبين، والمثبت من (( هـ).
(٥) في (( هـ )): وبسببه.
(٦) مكررة (( بالأصل)).
- ٣٤٣ -

لأن السبب والداعي فعل من أفعاله ، والقول أنه فاعل بسبب يفضي
إلى تعجيزه لحاجته إلى ما لا يصح وقوعه من فعله إلا بوقوع غيره
تعالى الله عن ذلك ، فإذا فسد ذلك وجب حمل قوله عليه السلام :
((إن أعظم المسلمين جُرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من
أجله)). على غير ظاهره وصرفه إلى أن الله - تعالى - فاعل بسؤال
السائل الذي نهاه عنه ، ومقدر أن يحرم الشيء المسئول عنه إذا وقع
السؤال فيه، كل ذلك قد سبق به القضاء والقدر [ لا أن ] (١) السؤال
موجب للتحريم وعلة له .
وكذلك قوله عليه السلام: (( ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم»
يعني : من كثرة مطالبتكم بالخروج إلى الصلاة حتى خشيت أن تكتب
عليكم عقابًا لكم على كثرة ملازمتكم لي في مداومة الصلاة بكم ، لا
أن [ ملازمتهم ] (٢) له موجبة لكتاب الله [ عليهم ] (٣) الصلاة ؛ لما
ذكرناه من أن الملازمة والكتب فعلان لله تعالى غير جائز وقوع أحدهما
شرطًا في وقوع الآخر ، ولو وقعت الملازمة ووقع كتاب الصلاة عليهم
[٤/ ق٢١٠-با لكان ذلك مما قد سبق به القضاء / والقدر في علم الله.
وإنما نهاهم عليه السلام عن مثل هذا وشبهه تنبيهًا لهم على ترك
الغلو في العبادة وركوب القصد فيها ؛ خشية الانقطاع والعجز عن
الإتيان بما طلبوه من الشدة في ذلك ، ألا ترى قوله تعالى فيمن فعل
مثل ذلك : ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ (٤) ففرضت عليهم ، فعجزوا.
عنها فأصبحوا بها كافرين وكان عليه السلام رءوفًا بالمؤمنين
(١) في ((الأصل)): لأن. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): ملازمتكم. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): عليكم. والمثبت من ((هـ)).
(٤ ) المائدة : ١٠٢ .
- ٣٤٤ -

رفيقًا بهم ، وقد تقدم مثل حديث زيد من رواية عائشة في [ أبواب](١)
قيام الليل في كتاب الصلاة ، وذكرنا في توجيهه ما لم يذكر في هذا
الباب فتأمله هناك .
فإن قيل : فإذا حمل قوله عليه السلام: (( إن أعظم المسلمين جرمًا
من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجله )) على غير ظاهره فما
وجه ذلك وإثم الجرم به ؟ !! قيل : هو على ما تقرر علمه من نسبة
اللوم والمكروه إلى من تعلق بسبب من فعل ما يلام عليه ، وإن قل
تحذيرًاً من موافقته له فعظم جرم فاعل ذلك لكثرة الكارهين لفعله .
وعرض الحائط : وسطه ، وكذلك عرض البحر وعرض النهر
وسطهما ، واعترضت [ عرضه ] (٢) نحوت نحوه عن صاحب العين.
*
باب : الاقتداء بأفعال النبي عليه السلام
فيه : ابن عمر: (( اتخذ النبي - عليه السلام - خاتمًا من ذهب ، فاتخذ
الناس خواتيم من ذهب فقال النبي - عليه السلام - : إني اتخذت خاتمًا
من ذهب . فنبذه وقال : لن ألبسه أبدًا. فنبذ الناس خواتيمهم)).
قال أبو تمام المالكي ، وأبو بكر بن الطيب : ما كان من أفعال
الرسول بيانًا [ لمجمل ] (٣) كالصلاة، والصيام ، والحج ، وما دعا
إلى فعله كقوله : (( خذوا عني مناسككم ، وصلوا كما رأيتموني
أصلي)) . فلا خلاف بين العلماء أنها على الوجوب ، واختلفوا فيما
كان منها واقعًا موقع القرب لا على وجه البيان والامتثال لتمثيل
[أمر](٤) لزمه، فقال مالك وأكثر أهل العراق : إنها على الوجوب ،
(١) في ((الأصل)): ثواب. والمثبت من ( هـ)).
(٢) من (( هـ ).
(٣) في ((الأصل)): لجملة. والمثبت من ((هـ)).
(٤) في ((الأصل)): من. والمثبت من ( هـ).
- ٣٤٥ -

إلا أن يمنع من ذلك دليل ، وهو قول ابن سريج وابن [خيران ] (١) من
أصحاب الشافعي ، وقال بعض أصحاب الشافعي : إنها على الندب
وإن المتأسى به فيها مندوب إليه إلا أن يقوم دليل على وجوبها ، وقال
كثير من أهل الحجاز والعراق وأصحاب الشافعي : إنها على الوقف
إلا أن يقوم دليل على كونها ندبًا أو ( إباحة ) (٢) أو محظورة. قال
أبو بكر بن الطيب: وبهذا نقول . ( واحتج ) (٣) لذلك بأنه لما كانت
القربة الواقعة محتملة لكونها فرضًا ونفلاً لم يجز أن يكون الفعل منه
دليلاً على أننا [ متعبدون ] (٤) بمثله ، ولا على كونه واجبًا علينا دون
كونه نفلاً ؛ لأن فعله مقصور عليه دون متعد إلى غيره ، وأمره لنا ونهيه
متعديان إلى الغير والغرض فيهما امتثالهما فافترقا .
وحجة من قال : إنها على الوجوب . أن النبي - عليه السلام -
خلع خاتمه ، فخلعوا خواتيمهم وأنه خلع نعليه في الصلاة ، فخلعوا
نعالهم ، وأنه أمرهم [ عام ] (٥) الحديبية بالتحلل فوقفوا ، فشكا ذلك
إلى أم سلمة فقالت له : اخرج إليهم واذبح واحلق . ففعل ذلك ،
فذبحوا وحلقوا اتباعًا لفعله ، فعلم أن الفعل آكد عندهم من القول ،
وقال لأم سلمة حين سألتها المرأة عن القبلة للصائم: ((ألا أخبرتيها
أني أقبّل وأنا صائم » . وقال للرجل مثل ذلك ، فقال: إنك لست
مثلنا . فقال: (( إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله )) .
فدل هذا على أن الأسوة واقعة إلا ما منع منه الدليل ، ويدل
على ذلك أنه لما نهاهم عن الوصال قالوا : إنك تواصل . قال :
((إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقى)). فلولا أن لهم الاقتداء به
لقال لهم : وما في مواصلتي ما يبيح لكم فعل ذلك
(١) في ((الأصل)): خير، والمثبت من ((هـ)).
(٢) في (( هـ)) : مباحة:
(٣) في (( هـ)): واحتجوا .
(٤) في ((الأصل)): متعبدين. والمثبت من (( هـ )).
(٥) في ((الأصل)): على. والمثبت من ( هـ)).
- ٣٤٦ -

وأفعالي مخصوصة بي ، فلم يقل لهم ذلك ، ولكن بين لهم المعنى
في اختصاصه بالمواصلة ، وهو أن الله يطعمه ويسقيه ، وأنهم بخلافه
في ذلك، وكذلك خص الله الموهوبة أنها خالصة له من دون أمته ،
ولولا ذلك لكانت مباحًا لهم .
باب : ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين
لقوله تعالى : ﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا
على الله﴾ (١) الآية
فيه : أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: (( لا تواصلوا . قالوا :
إنك تواصل . قال : إني لست مثلكم ، إني أبيت فيطعمني ربي ويسقين ... ))
الحديث ثم رأوا الهلال فقال : لو تأخر لزدتكم، كالمنكل لهم)) .
وفيه عليّ: ((أنه خطب / [وعليه سيف ] (٢) وفيه صحيفة معلقة (٤/ ٢١١٥-٢)
فقال : والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله ، وما في هذه
الصحيفة ... )) وذكر الحديث .
وفيه: عائشة: (( صنع النبي - عليه السلام - شيئًا ترخص فيه ، وتنزه
عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي - عليه السلام - فحمد الله ، ثم قال: ما بال
أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له
خشية )) .
وفيه : ابن أبي مليكة: (( كاد الخيران أن يهلكا - أبو بكر وعمر - لما
قدم على النبي - عليه السلام - وفد بنى تميم أشار أحدهما بالأقرع ابن
حابس الحنظلي أخي بني مجاشع ، وأشار الآخر
(١) النساء : ١٧١ .
(٢) فى ((الأصل)): بسيف. والمثبت من ((هـ)).
- ٣٤٧ -

بغيره ، فقال أبو بكر لعمر : إنما أردت خلافي . فقال عمر : ما أردت
خلافك . فارتفعت أصواتهما عند النبي - عليه السلام - فنزلت : ﴿ يا
أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾(١) الآية. فكان
عمر إذا حدث النبي بحديث حدثه کأخي [السرار ، لا ] (٢) يسمعه حتى
يستفهمه )).
وفيه عائشة : (( أن النبي - عليه السلام - قال في مرضه : مروا أبا بكر
فليصل بالناس)) إلى قوله: ((إنكن لأنتن صواحب يوسف.
الحديث.
وفيه حديث مالك بن أوس: (( أن العباس وعليًا جاءا إلى عمر يطلبان
ميراثهما من النبي - عليه السلام - وتنازعهما في ذلك مع عمر ... ))
الحديث بطوله .
--
قال المهلب في قوله : ﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا
تقولوا على الله إلا الحق﴾ (٣) الغلو : مجاوزة الحد . فهذا يدل أن
البحث عن أسباب الربوبية من نزغات الشيطان ، ومما يؤدي إلى
الخروج عن الحق ؛ لأن هؤلاء غلوا في الفكرة حتى آل بهم الأمر أن
جعلوا الآلهة ثلاثة ، وأما الذين غلوا في الصيام فهو اتباعهم للوصال
بعد أن نهاهم النبي - عليه السلام - فعاقبهم بأن زادهم مما تعمقوا به.
وقول علي: (( ما عندنا إلا كتاب الله ، وما في هذه الصحيفة ))
فإنه أراد به تبكيت من تنطع [ وجاء ] (٤) بغير ما في كتاب الله وغير ما
في سنة رسول الله [ فهو مذموم .
وحديث القبلة للصائم الذي تنزه قوم عنها وترخص فيها النبي
﴿ *](٥) فذمهم بتعمقهم ومخالفته عليه السلام .
(١) الحجرات : ٢ .
(٢) في ((الأصل)): السر أو لا. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) النساء : ١٧١ .
(٤) في (الأصل)): ردًا. والمثبت من (( هـ)).
(٥) سقط من ((الأصل))، والمثبت من (( هـ)).
- ٣٤٨ -

وقصة بني تميم لما آل التنازع بين أبي بكر وعمر إلى المخاشنة في
التفاضل بين الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ، ورمى بعضهم بعضًا
بالمناواة والقصد إلى المخالفة والفرقة ، كذلك ينبغي أن تذم كل حالة
تخرج صاحبها إلى افتراق الكلمة واستشعار العداوة.
وقوله: ((مروا أبا بكر يصلي بالناس)) . ذم عائشة لتعمقها في
المعاني التي خشيتها من مقام أبيها في مقام رسول الله مما روي عنها
أنها قصدته بذلك ، وذكرتها في كتاب الصلاة ، وذم حفصة أيضًا ؛
لأنها أدخلتها في المعارضة للنبي - عليه السلام - ، وكذلك كراهية
رسول الله مسائل اللعان وعيبه لها هو نص في هذا الباب ؛ لأنه خشي
أن ينزل من القرآن ما يكون تضييقًا ، فنزل فيه اللعان وهو وعيد عظيم
وسبب إلى عذاب الآخرة لمن أراد الله إنفاذه عليه .
وحديث العباس وغلي خشى أن يئول ما ذم من تنازعهما إلى انقطاع
الرحم التي بينهما بالمخاصمة في هذا المال الموقوف لا سيما بعدما نص
عليهم حديث رسول الله ، فلم ينتهيا عن طلب هذا الوقف ليلياه كما
كان يليه الخليفة من توزيعه حيث يحب ، وانفرادهما بالحكم [ وقد
تقدم الكلام في معناه في كتاب فرض الخمس من كتاب الجهاد والحمد
الله كثيرًاً ] (١).
*
(١) في ((الأصل)): وقد تقدم في كتاب الخمس. والمثبت من (( هـ ).
- ٣٤٩ -

باب : إثم من آوى محدثًا رواه عليّ عن النبي عليه السلام
فيه أنس: (( حرم النبي - عليه السلام - المدينة ، فقال : لا يقطع
شجرها، ومن أحدث فيها حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وقال موسى ابن أنس عن أبيه : أو آوى محدثًّا)).
في هذا الحديث فضل عظيم للمدينة ، وذلك تغليظ الوعيد بلعنة الله
والملائكة والناس أجمعين لمن أحدث فيها حدثًّا أو آوى محدثًّا ، وفي
حديث علي: (( لا يقبل منه صرف ولا عدل)) . ذكره في آخر كتاب
الحج، ودل الحديث على أنه من آوى أهل المعاصي والبدع أنه شريك
في الإثم ، وليس يدل الحديث على أن من أحدث حدثًا أو آوى
محدثًّا في غير المدينة أنه غير متوعد ولا ملوم على ذلك؛ [ لتقدم ] (١)
العلم بأن من رضي فعل قوم وعملهم أنه منهم، وإن كان بعيدًا عنهم.
فهذا الحديث نص في تحذير (٢) فعل شيء من المنكر في المدينة وهو
دليل في التحذير من [ إحداث ] (٣) مثل ذلك في غيرها، وإنما
خصت المدينة بالذكر في هذا الحديث ؛ لأن اللعنة على من أحدث فيها:
[٤/ ٥ ٢١١-ب] حدثًّا أشد والوعيد له آكد ؛ لانتهاكه ما حذر / عنه ، وإقدامه على
مخالفة رسول الله وَ ◌ّل فيما كان يلزمه من تعظيم شأن المدينة التي
شرفها الله بأنها منزل وحيه وموطن نبيه وَله، ومنها انتشر الدين في
أقطار الأرض فكان لها بذلك فضل مزيّة على سائر البلاد ، وقد تقدم
[اختلاف العلماء فيما يجوز قطعه من شجر المدينة، وما يجوز من
الصيد في حرمها ] (٤) في آخر كتاب الحج .
(١) في ((الأصل)): لتعدى. والمثبت من ((هـ)).
(٢) زاد في ((الأصل)): في . وهي مقحمة.
(٣) في ((الأصل)): أحدث. والمثبت من (( هـ).
(٤) من (( هـ )
- ٣٥٠ -

باب : ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس
وقوله تعالى : ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم ﴾ (١)
فيه: عبد الله بن [عمرو] (٢): (( قال النبي - عليه السلام - : إن الله لا
ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه ( منكم ) (٣) مع
قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال فيستفتون فيفتون برأيهم
فيضلون ويضلون )) .
وفيه : أبو وائل : « شهدت صفین ، فسمعت سهل بن حنیف یقول: يا
أيها الناس ، اتهموا رأیکم علی دینکم لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو
أستطيع أن أرد أمر رسول الله لرددته ، وما وضعنا سيوفنا على عواتقنا
إلى أمر [ يفظعنا ] (٤) إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه غير هذا الأمر . وقال
أبو وائل : شهدت صفين وبئست الصفون )) .
قال الطبري : روى مبارك بن فضالة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ،
عن ابن عمر ، عن عمر قال : يا أيها الناس اتهموا الرأي على الدين.
کقول سهل سواء .
قال المهلب [وغيره ] (٥): إذا كان [ الرأي] (٦) والقياس على
أصل من كتاب الله وسنة رسول الله أو إجماع الأمة فهو محمود ،
وهو الاجتهاد والاستنباط الذي أباحه الله للعلماء ، وأما الرأي المذموم
والقياس المتكلف المنهي عنه ، فهو ما لم يكن على هذه الأصول ؛ لأن
ذلك ظن ونزغ من الشيطان ، والدليل على صحة هذا قوله تعالى :
﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ (١) . قال ابن عباس : لا تقل ما
ليس لك به علم . وقال قتادة : لا تقل رأيت ولم تر ، وسمعت ولم
(١) الإسراء: ٣٦. (٢) في ((الأصل)): عمر. والمثبت من (( هـ، ن).
(٣) في (( هـ ، ن)) : منهم .
(٤) في ((الأصل)): يضعطنا. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٥) من (( هـ).
(٦) ليست واضحة بالأصل .
- ٣٥١ -

تسمع ، وعلمت ولم تعلم . وأصل القفو العضه والبهت ، فنهى الله.
عباده عن قول ما لا علم لهم به ، فإنه سائل السمع والبصر والفؤاد
عما قال صاحبها فتشهد عليه جوارحه بالحق ، ومثل هذا قوله عليه
السلام: (( إن الله يقبض العلم بقبض العلماء فيبقى ناس جهال فيفتون
برأيهم فيضلون ويضلون )) . ألا ترى أنه وصفهم بالجهل ، فلذلك
جعلهم ضالين ( هو ) (١) خلاف الذين قال فيهم : ﴿ لعلمه الذين
يستنبطونه منهم ﴾ (٢)، وأمر بالرجوع إلى قولهم .
[ قال الطبري] (٣): فإن قيل : فإن قول سهل بن حنيف ، وعمر
ابن الخطاب : اتهموا الرأي . يرد قول من استعمل الرأي في الدين ،
وأنه لا يجوز شيء من الرأي والقياس لأنهم أخطئوا يوم أبي جندل في
مخالفتهم رسول الله وَلور في صلحه المشركين ، ورده لأبي جندل لأبيه
وهو يستغيث ، وكان قد عذب في الله ، وهم يظنون أنهم محسنون
في مخالفة رسول الله .
قيل : وجه قولهما : اتهموا الرأي الذي هو خلاف لرأي رسول
الله وأمره على الدين ، الذي هو نظير آرائنا التي كنا خالفنا بها رسول
الله يوم أبي جندل ، فإن ذلك خطأ ، فأما الاجتهاد والاستنباط من
كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة فذلك هو الحق الواجب والفرض.
اللازم لأهل العلم، وبنحو هذا جاءت الأخبار عن النبي وَّةٍ، وعن
جماعة الصحابة والتابعين ، روى ابن عمر أن النبي - عليه السلام -
لما انصرف من الأحزاب قال: (( لا يصلين أحد العصر إلا في بني
قريظة فأبطأ ناس فتخوفوا فوت الصلاة ، فصلوا ، وقال آخرون : لا.
نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله وَ له، وإن فاتنا العصر، فما عنف
(١) في (( هـ ): هم.
(٣) من (( هـ )).
(٢) النساء : ٨٣.
- ٣٥٢ -

:
رسول الله (وَ ل أحد الفريقين)) . وهذا الخبر نظير خبر سهيل بن
حنيف، ومن حرص يوم أبي جندل على القتال اجتهادًا منهم ورسول
الله يرى ترك قتالهم في أنه لم يؤثمهم كما لم يؤثم أحد الفريقين : لا
الذين صلوا قبل وصولهم إلى بني قريظة ؛ لأن معنى ذلك كان عندهم
ما لم يخشوا فوت وقتها ، وكذلك لم يؤثم أيضًا الذين لم يصلوا
حتى فاتهم وقتها إلى أن صاروا إلى بني قريظة ؛ لأن معنى أمره عليه
السلام بذلك كان عندهم لا يصلوها إلا في بني قريظة ، وإن فاتكم
وقتها ، فعذر كل واحد منهم لهذه العلة ، وروى سفيان، عن / [٤/ ق-٢١٢-١]
[الشيباني عن] (١) الشعبي، عن شريح ((أنه كتب إلى عمر بن
الخطاب يسأله ، فكتب إليه : أن اقض بما في كتاب الله ، فإن لم يكن
في كتاب الله ففي سنة رسول الله ، فإن لم يكن فبما قضى
الصالحون، فإن لم يكن فإن شئت تقدم وإن شئت تأخر ، ولا أرى
التأخر إلا خيرًا لك ، والسلام )).
وروى هشيم، حدثنا سيار، عن الشعبي قال: (( لما بعث عمر
شريحًا على قضاء الكوفة قال : انظر ما تبين لك في كتاب الله ولا
تسأل عنه أحدًا ، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول
الله وَله وما لم يتبين لك في السنة (فاجتهد رأيك ) (٢) فقد أنبأت هذه
الأخبار عن عمر أن معنى قوله: اتهموا الرأي على الدين . أنه الرأي الذي
وصفنا ؛ لأنه محال أن يقول : اتهموه واستعملوه ، لأن النهي عن الشيء
والأمر به في حالة واحدة [ ينقض] (٣) بعضه بعضاً، ولا يجوز أن يظن ذلك
بعمر ونظرائه ، ويزيد ذلك بيانًا (٤) روى مجاهد ، عن الشعبي ، عن
(١) من (( هـ)).
(٢) مكررة ((بالأصل)).
(٣) في ((الأصل)): ينقضه. والمثبت من ((هـ)).
(٤) زاد هنا ((بالأصل)): و. وهي زيادة مقحمة .
- ٣٥٣ -

عمرو بن حريث قال: قال عمر بن الخطاب: (( إياكم وأصحاب
الرأي فإنهم أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها ، فقالوا
بالرأي ، فضلوا وأضلوا)). فقد بين هذا القول من عمر [ أنه ] (١)
أمر باتهام الرأي فيما خالف أحكام رسول الله وَ له وسنته، وذلك أنه
قال: ((إنهم أعداء السنن أعيتهم أن يحفظوها)).
وأخبر أنه لما أعياهم حفظ سنن رسول الله قالوا بآرائهم وخالفوها،
جهلا منهم بأحكام رسول الله وسننه وذلك هو الجرأة على الله بما لم
يأذن به في دينه ، والتقدم بين يدي رسول الله ، فأما اجتهاد الرأي في
استنباط الحق من كتاب الله وسنة رسوله فذلك الذي أوجب الله على
العلماء فرضًا، وعمل به المسلمون بمحضر من رسول الله وَّي ، فلم
يعنفهم ولا نهاهم عنه ؛ إذ كان هو الحق عنده والدين ، واقتفى أثرهم
فيه الخلف من بعدهم ، روي ذلك عن ابن مسعود ، وابن عباس،
وروى أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمارة ، عن عبد الرحمن بن
يزيد ، قال ابن مسعود: (( ومن عرض له منكم قضاء فليقض بما في
كتاب الله ، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه
وَل ، فإن جاءه أمر ليس في سنة نبيه فليقض بما قضى به الصالحون ،
فإن جاءه ما ليس في ذلك ، فليجتهد رأيه ، ولا يقل : إني أرى وإني
أخاف فإن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ، فدع ما
يريبك إلى ما لا يريبك)).
!
وقد تقدم حديث سهل في أخر كتاب الجهاد ومر فيه من معناه ما لم
أذكره هنا خوف التكرار .
وقول أبي وائل: ((وبئست الصفون)). سمى المكان بالجمع المسلم كما
سمي الرجل يزيدين أو عمرين فيجريه في حال التسمية به مجراه في
(١) من ( هـ).
- ٣٥٤ -

حال الجمع ، وما كان من الواحد عن بناء الجمع فإعرابه كإعراب
الجمع كقولك دخلت فلسطين وهذه [ فلسطون ] (١) وأتيت قنسرين
وهذه قنسرون ، وأنشد المبرد :
[ والمستعاب ] (٢) بقضائها
وشاهدنا الحل والياسمون
ومن هذا قول الله - تعالى : ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما
أدراك ما عليون﴾ (٣) فيه مذهب [ آخر ] (٤) للعرب وهو أن يعربوا
النون ويجعلوها بالياء في كل حال كقولك : هذه السلحين ، ومررت
بالسلحين ، ورأيت السلحين .
باب : ما كان النبي عليه السلام يسأل فيما لم ينزل عليه الوحي
فيقول لا أدري أو لا یجیب حتى ينزل عليه ولم يقل برأي ولا
قياس ، لقوله: ﴿ بما أراك الله﴾ (٥) وقال ابن مسعود: سئل النبي { 10.
عن الروح فسكت حتی نزلت الآية .
فيه: جابر: (( مرضت فجاءني النبي - عليه السلام يعودني وأبو
بكر وهما ماشيان فأتياني وقد أغمي عليّ ، فتوضأ النبي ثم صب
وضوءه عليّ فأفقت ، فقلت : يا رسول الله ، كيف أقضي في مالي ؟
فما أجابني بشيء حتى نزلت آية ( المواريث ) (٦) )).
قال المهلب : هذا الباب ليس على العموم في أمر النبي - عليه
السلام - ؛ لأنه قد علم أمته كيفية القياس والاستنباط في مسائل لها أصول
ومعاني في كتاب الله ومشروع سنته ؛ ليريهم كيف يصنعون فيما عدموا فيه
(١) في ((الأصل)): فليسطون. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): والمسعات. والمثبت من ((هـ).
(٣) المطففين : ١٨ - ١٩ .
(٤) من (( هـ)).
(٥) النساء : ١٠٥ .
(٦) في (( هـ ، ن)) : الميراث.
- ٣٥٥ -

النصوص ؛ إذ قد علم أن الله - تعالى - لابد أن يكمل له الدين .
(٤/ ٥ ٢١٢- ب) والقياس: هو تشبيه ما لا حكم فيه بما فيه حكم في / المعنى فشبه عليه
السلام الحمر بالخيل (١)، فقال : ما أنزل على فيها شيء غير هذه
الآية الفاذة الجامعة : ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال
ذرة شراً يره﴾(٢) وشبه دين الله بدين العباد في اللزوم، وقال للتي
أخبرته أن أباها لم يحج: ((أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت
قاضيته ؟ فالله أحق بالقضاء )) وهذا هو نفس القياس عند العرب ،
وعند العلماء بمعاني الكلام .
وأما سكوت النبي حتى نزل عليه الوحي ، فإنما سكت في أشياء
معضلة ليست لها أصول في الشريعة فلابد فيها من إطلاع الوحي ،
ونحن الآن قد فرغت لنا الشرائع واكتمل لنا الدين ، وإنما ننظر ونقيس
على موضوعاتها فيما أعضل من النوازل .
وقد اختلف العلماء : هل يجوز للأنبياء الاجتهاد ؟ فقالت طائفة :
لا يجوز لهم ذلك ولا يحكمون إلا بوحي منه . وقال آخرون : يجوز
أن يحكموا بما يجري مجرى الوحي من منام وشبهه . قال أبو التمام
المالكي : ولا أعلم فيه نصًا لمالك ، والأشبه عندي جوازه لوجود ذلك
من رسول الله لله والاجتهاد علو درجة وكمال فضيلة والأنبياء أحق
الناس بها ؛ بل لا يجوز أن ( يمتنعوا ) (٣) منها لما فيها من جزيل
الثواب ، وقال تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (٤). والأنبياء.
أفضل أولي الأبصار وأعلمهم ، وقد ثبت عنه عليه السلام أنه اجتهد
في أمر الحروب وتنفيذ الجيوش ، وقدر الإعطاء للمؤلفة قلوبهم وأمر
بنصب العريش يوم بدر في موضع ، فقال له الحباب بن المنذر :
أبوحي نصبته هنا أم برأيك ؟ فقال : بل برأيي. قال: الصواب نصبه بموضع
(١) وذلك أنه سئل عن الخيل فقال هي لثلاثة : لرجل أجر ، ولرجل ستره وعلى
رجل وزر وسئل عن الحمر وذكر الحديث .
(٢) الزلزلة : ٧، ٠٨ ١
(٤) الحشر : ٢ .
(٣) في (( هـ)) : ينعوا .
- ٣٥٦ -

كذا . فسماه النبي - عليه السلام - : ذا الرأيين . فعمل برأيه ولم
ينتظر الوحي وحكم بالمفاداة والمن على الأسرى يوم بدر بعد المشورة ،
وقال تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ (١) . ولا تكون المشورة إلا فيما
لا نص فيه . وروي أنه عليه السلام أراد أن يضمن لقوم من الأعراب
ثلث ثمر المدينة ، فقال له سعد بن معاذ : والله يا رسول الله كنا
كفارًا فما طمع أحد أن يأخذ من ثمارنا شيئًا ، فلما أعزنا الله بك
نعطيهم ثلث ثمارنا ! فعمل بذلك رسول الله ، وقد ذكر الله في
كتابه قصة داود وسليمان حين اجتهدا في الحكم في الحرث ، ولا
يجوز أن يختلفا مع ما فيه من نص موجود .
باب : تعليم النبي عليه السلام أمته من الرجال والنساء
مما علمه الله ليس برأي ولا تمثیل
فيه: [ أبو] (٢) سعيد: ((جاءت امرأة إلى النبي - عليه السلام -
فقالت : يا رسول الله ، ذهب الرجال بحديثك ، فاجعل لنا من نفسك
يومًا نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله . قال : اجتمعن [ في ] (٢) يوم كذا
وكذا، في مكان كذا وكذا . فاجتمعن ، فأتاهن فعلمهن مما علمه الله ،
ثم قال : ما منكن امرأة تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة إلا كان لها
حجابًا من النار . قالت امرأة منهن : يا رسول الله ، أو اثنين ؟ فأعادتها
مرتين . قال : واثنين واثنين [واثنين] (٢))).
قال المهلب : فيه من الفقه أن العالم إذا أمكنه أن يحدث بالنصوص
عن الله ورسوله فلا يحدث بنظره ولا قياسه ، هذا معنى
(١) آل عمران : ١٥٩ .
(٢) من (٥ هـ ، ن)).
- ٣٥٧ -

الترجمة ؛ لأن النبي - عليه السلام - حدثهم حديثًا عن الله لا يبلغه
قياس ولا نظر ، وإنما هو توقيف ووحي ، وكذلك ما حدثهم به من
سنته فهو عن الله أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ (١).
وقال ◌َله: ((أوتيت الكتاب ومثله معه)) قال أهل العلم : أراد بذلك
السنة التي أوتي . وفيه سؤال الطلاب العالم أن يجعل لهم يومًا
يسمعون فيه عليه العلم ، وإجابة العالم إلى ذلك ، وجواز الإعلام
بذلك المجلس للاجتماع فيه ، وترجم له في كتاب العلم هل يجعل
للنساء يومًا على حده في العلم .
باب: قول النبي عليه السلام: (( لا تزال طائفة من أمتي
ظاهرين على الحق )) وهم أهل العلم
فيه : المغيرة: (( قال النبي - عليه السلام - : لا تزال طائفة من أمتي
ظاهرین حتی یأتیهم أمر الله وهم ظاهرون » .
[٤/ ق٢١٣-١]
وفيه: معاوية: (( قال النبي - عليه السلام - : لن يزال أمر / هذه الأمة
مستقيمًا حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله - تعالى )) .
قال المؤلف: إن قيل: إن قوله وَّل: ((لا تزال طائفة من أمتي
ظاهرين على الحق )) لفظه لفظ الخصوص في بعض الناس دون بعض،
وقال في حديث معاوية: (( لن يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم
الساعة)) .
فعم الأمة وهذا معارض للحديث الأول ، مع ما يقوّي ذلك مما
رواه محمد بن بشار قال: ثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس قال:
(١) النجم : ٣.
- ٣٥٨ -

(( لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله)) وما رواه شعبة عن
علي بن الأقمر ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال : قال رسول
الله وَله: (( لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس )) وهذه أخبار
معارضة لحديث معاوية .
قال الطبري : ولا معارضة بين شيء منها ، بل بعضها يدل على
صحة بعض ، ولكن بعضها خرج على العموم ، والمراد به
الخصوص، فقوله: (( لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله))،
و (( لا تقوم إلا على شرار الناس )) يعني: في موضع كذا دون موضع
كذا ، فإن به طائفة من أمتي لا يضرهم من خالفهم وهم الذين عنى بقوله
وَله: ((لن يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا)) يريد: في موضع دون موضع.
فإن قيل : وما الدليل على ذلك ؟
قيل : هو أنه لا يجوز ، وأن يكون في الخبر ناسخ ولا منسوخ ،
وإذا ورد منه القولان من أن من أمته طائفة على الحق ، وأن الساعة لا
تقوم إلا على شرار الخلق بالأسانيد الصحاح ، وكان غير جائز أن
توصف الطائفة التي على الحق بأنها شرار الناس ، وأنها لا توحد
الله، على أن الموصوفين بأنهم شرار الناس غير هؤلاء الموصوفين بأنهم
على الحق ، وقد بين ذلك أبو أمامة في حديثه حدثنا أحمد بن الفرح
الحمصي قال : ثنا ضمرة بن ربيعة ، عن يحيى بن أبي عمرو
الشيباني، عن عمرو بن عبد الله الحمصي ، عن أبي أمامة الباهلي أن
النبي وَ لّ قال: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق،
لعدوّهم قاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك . قيل : يا رسول
الله ، وأين هم ؟ قال : ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس . فثبت أنه
ليس أحد هذه الأخبار معارضًا لصاحبه .
- ٣٥٩ -

٠٠
باب : قوله تعالى: ﴿أو يلبسكم شيعًا﴾ (١)
فيه: جابر: (( لما نزلت على النبي وله: ﴿قل هو القادر على أن يبعث
عليكم عذابًا من فوقكم ﴾ (١) قال : أعوذ بوجهك ﴿ أو من تحت
أرجلكم ﴾ (١) قال : أعوذ بوجهك . فلما نزلت ﴿أو يلبسكم شيعًا
ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ (١) قال: هاتان أهون وأيسر)). ذكر
المفسرون في قوله تعالى : ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا.
من فوقكم﴾ (١) قالوا : يحصبكم بالحجارة ، أو يغرقكم بالطوفان
الذي غرق به قوم نوح ﴿ أو من تحت أرجلكم﴾ (١): الخسف الذي
نال قارون ومن خسف به ، وقيل : الربح ﴿ أو يلبسكم شيعًا﴾ (١)
يعني : يخلط أمركم فيجعلكم مختلفي الأهواء ، يقال : لبست عليكم
الأمر ألبسته إذا لم أبينه ، ومعنى شيعًا أي : فرقًا ، لا نكون شيعة.
واحدة . ﴿ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ (١) يعني: بالحرب والقتل،
ويروى أن النبي ◌َّر سأل ربه - عز وجل - أن لا يستأصل أمته
بعذاب، ولا يذيق بعضهم بأس بعض ، فأجابه عز وجل في صرف
العذاب ولم يجبه في أن لا يذيق بعضهم بأس بعض. وأن لا تختلف ؛
فلذلك قال وَل: ((هاتان أهون وأيسر)) أي: الاختلاف والفتنة أيسر
من الاستئصال والانتقام بعذاب الله ، وإن كانت الفتنة من عذاب الله لكن
هي أخف؛ لأنها كفارة للمؤمنين ، أعاذنا الله من عذابه ونقمه .
باب : من شبه أصلا معلومًا بأصل مبين
فبين رسول الله وَالر [حكمها] (٢) ليفهم السائل
فيه: أبو هريرة: أن أعرابيًا أتى النبي ◌َّه فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا ..
(١) الأنعام : ٦٥.
(٢) من (( هـ ، ن)).
- ٣٦٠ -