Indexed OCR Text
Pages 201-220
بلساني سبعين مرةً، وذلك لأن ملكًا لا يكتبها ، وبشرًا لا يسمعها))
والصواب في ذلك ما صح به الحديث عنه عليه السلام أنه قال: (( من
همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة)) والهم بالحسنة إنما هو فعل
العبد بقلبه. دون سائر الجوارح ، كذكر الله بقلبه ، فالمعنى الذي به
يصل الملكان الموكلان بالعبد إلى علم ما يهم به بقلبه ؛ هو المعنى الذي
[ به] (١) يصل إلى علم ذكر ربه بقلبه ، ويجوز أن يكون جعل الله
[لهما] (٢) إلى علم ذلك سبيلاً كما جعل لكثير من أنبيائه السبيل إلى
كثير من علم الغيب ، وقد أخبر الله عن عيسى ابن مريم أنه قال لبني
إسرائيل : ﴿وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم﴾ (٣) وقد
أخبر نبينا عليه السلام بكثير من علم الغيب ، قالوا : فغير مستنكر أن
يكون الكاتبان الموكلان بابن آدم ، قد جعل لهما سبيلاً إلى علم ما في
قلوب بني آدم من خير أو شرٌّ، فيكتبانه إذا حدث به نفسه أو عزم
عليه .
وقد قيل : إن ذلك بريح يظهر لهما من القلب ، سئل أبو معشر
عن الرجل يذكر الله بقلبه ، كيف يكتب الملك ؟ قال : يجد الريح .
وسأذكر اختلاف السلف في أي الذكرين أعظم ثوابًا الذكر الذي هو
بالقلب أو الذكر الذي هو باللسان عند قوله عليه السلام عن الله
-تعالى - : (((وإن ) (٤) ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي)) في
باب قوله تعالى : ﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ (٥) في كتاب الاعتصام.
#
(١) من ((هـ).
(٢) في (( الأصل)): لها. والمثبت من (هـ)).
(٣) آل عمران : ٤٩ .
(٤) في (( هـ)) : إذا .
(٥) آل عمران: ٢٨، ٣٠.
- ٢٠١ -
باب : ما يتقى من محقرات الذنوب
فيه: أنس قال: ((إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر
إن كنا [نعدها] (١) على عهد رسول الله (18/8 من الموبقات)) قال [ أبو
عبد الله ] (٢) : يعني المهلكات .
قال المؤلف : إنما كانوا يعدون الصغائر من الموبقات لشدة خشيتهم
لله، وإن لم تكن لهم كبائر، ألا ترى أن إبراهيم بَلو إذا سئل:
الشفاعة يوم القيامة يذكر ذنبه ، وأنه كذب ثلاث كذبات ، وهي قوله.
في زوجته : هذه أختي . وهي أخته في الدين ، وقوله : إني سقيم .
أي : سأسقم ، وقوله : فعله كبيرهم هذا . يعني الصنم ، فرأى ذلك
عليه السلام من الذنوب ، وإن كان لقوله وجه صحيح ، فلم يقنع من
نفسه إلا بظاهر يطابق الباطن ، وهذا غاية الخوف.
والمحقرات إذا كثرت صارت كبائر بالإصرار عليها والتمادي فيها ،
وقد روى ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن يزيد بن أبي
حبيب، عن أسلم أبي [ عمران ] (٣) أنه سمع أبا أيوب يقول: إن
الرجل ليعمل الحسنة فيثق بها ويغشى المحقرات ، فيلقى الله يوم القيامة
وقد أحاطت به خطيئته ، وإن الرجل ليعمل السيئة ، فما يزال منها
مشفقًا حذرًا حتى يلقى الله يوم القيامة آمنًا .
وذكر أسد بن موسى عن ابن مسعود قال : إياكم ومحقرات
الذنوب، فإنها تجتمع حتى تهلك صاحبها، وإن رسول الله وَ له قد
ضرب لنا مثلاً كمثل ركب نزلوا بأرض فلاة ، فلم يجدوا فيها حطبًا ،
فانطلق كل واحدٍ منهم ، فجاء يعود حتى اجتمعت أعواد ، :
(١) فى ((الأصل)): لنعهدها. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): أبو عبيد الله. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): عمار. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٠٢ -
فأوقدوا نارًا أنضجت ما جعل فيها )) ورواه سهل بن سعد عن النبي -
عليه السلام - وقال أبو عبد الرحمن الحبلي : مثل الذي يجتنب
الكبائر ويقع في المحقرات ، كرجل لقاه سبع فاتقاه حتى نجا منه ، ثم
لقيه فحل إيل فاتقاه فنجا منه ، فلدغته نملة فأوجعته ، ثم أخرى ، ثم
أخرى حتى اجتمعن عليه فصرعنه ، وكذلك الذي يجتنب الكبائر ويقع
في المحقرات . وقال أبو بكر الصديق : إن الله يغفر الكبائر فلا
تيئسوا، ويعذب على الصغائر فلا تغتروا .
[٤/ق١٨٦-١]
/ باب : الأعمال بالخواتيم وما يخاف منها
فيه : سهل: ((نظر النبي 14 إلى رجل يقاتل المشركين - وكان من
أعظم الناس غناءً عنهم - فقال : من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل
النار فلينظر إلى هذا ، فتبعه رجل ، فلم يزل على ذلك حتى جرح
فاستعجل الموت ، فقال بذبابة سيفه فوضعه بین ثدییه فتحامل عليه حتى
خرج من بين كتفيه ، فقال النبي - عليه السلام - : إن العبد ليعمل فيما
يرى الناس عمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار ، ويعمل فيما يرى الناس
عمل أهل النار، وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم )).
قال المؤلف : في تغييب الله عن عباده خواتيم أعمالهم حكمة بالغة
وتدبير لطيف ، وذلك أنه لو علم أحد خاتمة عمله لدخل الإعجاب
والكسل من علم أنه يختم له بالإيمان ، ومن علم أنه يختم له بالكفر
يزداد غيًا [وطغيانًا) (١) وكفرًا فاستأثر الله - تعالى - [بعلم](١) ذلك
ليكون العباد بين خوف ورجاء ، فلا يعجب المطيع الله بعمله ولا
(١) من (( هـ).
- ٢٠٣ -
ييأس العاصي من رحمته ، ليقع الكل تحت الذل والخضوع لله
والافتقار إليه ، وقال حفص بن حميد : قلت لابن المبارك : رأيت
رجلاً قتل رجلاً ، فوقع في نفسي أني أفضل منه . فقال عبد الله :
أمنك على نفسك أشد من ذنبه .
قال الطبري : ومعنى قوله : إن أمنه على نفسه أنه من الناجين عند
الله من عقابه أشد من ذنب القاتل ؛ لأنه لا يدري إلى ما يؤول إليه
أمره وعلى ما يموت ، ولا يعلم أيضًا حال القاتل إلى ما يصير إليه ،
لعله يتوب فيموت تائبًا فيصير إلى عفو الله ، وتصير أنت إلى عذابه
لتغير حالك من الإيمان بالله إلى الشرك به ، فالمؤمن في حال إيمانه وإن
كان عالمًا بأنه محسن فيه - غير عالم على ما هو ميت عليه ، وإلى ما
هو صائر إليه ، فغير جائز أن يقضي لنفسه ، وإن كان محسنًا بالحسنى
عند الله ، ولغيره وإن كان مسيئًا بالسوء ، وعلى هذا مضى خيار السلف .
باب : العزلة راحة من خلطاء السوء
فيه : أبو سعيد: ((جاء أعرابي إلى النبي - عليه السلام - فقال : يا.
رسول الله ، أي الناس خير ؟ قال : رجل جاهد بنفسه وماله ، ورجل في
شعب من الشعاب ، یعبد ربه ، ويدع الناس من شره )) .
وفيه : أبو سعيد: قال النبي ◌َ لتر: (( يأتي على الناس زمان خير مال
المسلم الغنم ، يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر ، يفر بدينه من
الفتن)).
فيه أن اعتزال الناس عند ظهور الفتن والهرب عنهم أسلم للدين من
مخالطتهم ، ذكر علي بن معبد ، عن الحسين بن واقد قال : قال
- ٢٠٤ -
النبي - عليه السلام - : ((إذا كانت سنة ثمانين ومائة فقد أحللت
لأمتي العزبة والعزلة والترهب في رءوس الجبال )).
وذكر علي بن معبد عن [ عبد الله بن المبارك ] (١) عن مبارك بن
فضالة، عن الحسن يرفعه إلى رسول الله وَل قال: ((يأتي على
الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه ، إلا من فرّ بدينه من شاهق إلى
شاهق وجحر إلى جحر ، فإذا كان ( كذلك ) (٢) لم تنل المعيشة إلا
بمعصية الله ، فإذا كان ( كذلك ) (٢) حلت العزلة ، قالوا : يا رسول
الله ، كيف تحل العزلة وأنت تأمرنا بالتزويج؟ قال: إذا كان
(كذلك)(٢) كان هلاك الرجل على يدي أبويه ، فإن لم یکن له أبوان
کان هلاکه على يدي زوجته ، فإن لم تكن له زوجة كان هلاكه على
يدي ولده ، فإن لم يكن له ولد كان هلاكه على يدي القرابات
والجيران . قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : يعيرونه بضيق
المعيشة ويكلفونه ما لا يطيق ، فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك
فيها )) .
وقال صاحب العين : شعف الجبال : رءوسها ، وكذلك شعف
الأثافي ، وشعفة كل شيء : أعلاه ، ومواقع القطر : بطون الأودية ،
[والشعب] (٣): ما انفرج بين جبلين ، عن صاحب العين.
*
*
باب : رفع الأمانة
فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: ((إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة . قال:
(١) في ((الأصل)): علي بن المبارك. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في (( هـ)): ذلك.
(٣) في ((الأصل)): والشعف. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٠٥ -
[٤//١٨٦-ب] كيف إضاعتها يا رسول الله؟ / قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله
فانتظر الساعة )) .
وفيه: حذيفة قال: ((حدثنا رسول الله صل حديثين ، رأيت أحدهما ،
وأنا أنتظر الآخر ، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم
علموا من القرآن ، ثم علموا من السنة ، وحدثنا عن رفعها قال : ينام
الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر [ الوكت](١)
ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على
رجلك فنفط فتراه منتبرًا وليس فيه شيء ، فيصبح الناس يتبايعون ، ولا
يكاد أحد يؤدي الأمانة فيقال : إن في بني فلان رجلاً أمينًا ، ويقال
للرجل ما أعقله وما أظرفه [وما أجلده ] (٢) وما في قلبه مثقال حبة من
خردل من إيمان ... )) الحديث .
وفيه : ابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال: ((إنما الناس كإيل مائة
لا تكاد تجد فيها راحلة » .
قال المؤلف : حديث أبي هريرة وحذيفة من أعلام النبوة ؛ لأنه عليه.
السلام ذكر فيهما فساد أديان الناس وتغير أماناتهم ، وقد ظهر كثير من
ذلك .
وقوله: ((إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة)) هو كلام مجمل أحب
الأعرابي السائل النبي - عليه السلام - شرحه له فقال له : ( كيف
إضاعتها يا رسول الله ؟ قال : إذا أسند الأمر إلى غير أهله )) فأجابه
عليه السلام بجواب عام دخل فيه تضييع الأمانة ، وما كان في معناها
مما لا يجري على طريق الحق ، كاتخاذ العلماء
(١) في ((الأصل، هـ)): الكوكب. والمثبت من ((ن)). (٢) من (( هـ ، ن)).
- ٢٠٦ -
الجهال عند موت أهل العلم ، واتخاذ ولاة الجور وحكام الجور عند
غلبة الباطل وأهله ، وقد ذكر ابن أبي شيبة من حديث المقبري عن أبي
هريرة قال : قال النبي - عليه السلام -: (( سيأتي على الناس سنوات
خدّاعات يصدق فيها الكاذب ، ويكذب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها
الخائن ، ويخون فيها الأمين ، وينطق الرويبضة. قيل : وما الرويبضة؟
قال : الرجل التافه في أمر العامة )) وقد رأينا أكثر هذه العلامات وما
بقي منها فغير بعيد ، روى ابن عيينة عن عبد العزيز بن رفيع قال :
سمعت شداد بن معقل قال : سمعت ابن مسعود يقول : أول [ ما
تفقدون ] (١) من دينكم الأمانة ، وآخر ما تفقدون الصلاة .
وروى يونس بن يزيد ، عن الزهري ، عن الصنابحي ، عن حذيفة
قال : لتنقضن عُرى الإسلام عروة عروة ، ويكون أول نقضه الخشوع.
وقد تقدّم [ معنى حديث حذيفة وما فيه من غرائب اللغة في باب إذا
بقي في حثالة من الناس ] (٢) في كتاب الفتن .
وقوله : ((الناس كابل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة)) يريد عليه
السلام أن الناس كثير والمَرْضِي منهم قليل ، كما أن المائة من الإبل لا
تكاد تصاب فيها الراحلة الواحدة وهذا الحديث إنما يراد به القرون
المذمومة في آخر الزمان ، ولذلك ذكره البخاري في رفع الأمانة ، ولم
يرد به وَخلي زمن أصحابه وتابعيهم ؛ لأنه قد شهد لهم بالفضل فقال :
(( خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم
يجيء بعدهم قوم يخونون ولا يؤتمنون ، ويشهدون ولا يستشهدون ،
وينذرون ولا يوفون ... )) الحديث، فهؤلاء أراد بقوله: ((الناس
كإبل مائة )) والله الموفق .
(١) في ((الأصل)): يفقد. والمثبت من (( هـ)). (٢) من (( هـ)).
- ٢٠٧ -
باب : الرياء والسمعة
فيه : جندب قال النبي - عليه السلام - : « من سمع سمع الله به ، ومن
يُرائي يرائي الله به ».
قال المؤلف: قوله: ((من سمع )) معناه من سمع بعمله الناس
وقصد به اتخاذ الجاه والمنزلة عندهم ، ولم يرد به وجه الله ، فإن الله
- تعالى - يسمع به خلقه ، أي يجعله حديثًا عند الناس الذي أراد نيل
المنزلة عندهم بعمله ، ولا ثواب له في الآخرة عليه ، وكذلك من
راءى بعمله الناس راءى الله به ، أي أطلعهم على أنه فعل ذلك لهم
ولم يفعله لوجهه ، فاستحق على ذلك سخط الله وأليم عقابه ، وقد
جاء في الحديث عن النبي - عليه السلام - أنه قال: ((يقال للعبد يوم
القيامة : فعلت كذا وكذا ليقال فقد قيل ، اذهبوا به إلى النار)) .
قال الطبري : فإن قال قائل : كيف يسلم من الرياء في العمل
الظاهر ، وقد روي عن عمر وعثمان وابن مسعود وجماعة من السلف
أنهم كانوا يتهجدون من الليل في مساجدهم بحيث يعلم ذلك من
فعلهم معارفهم ، وكانوا يتذاكرون إظهار المحاسن من أعمالهم مع ما
تواترت به / الآثار أن أفضل العمل ما استّسر به صاحبه ، وذلك على
نوعين : فأما من كان إمامًا يقتدى به [ويُستن] (١) بعمله ، عالمًا بما
الله عليه في فرائضه ونوافله ، قاهرًاً لكيد عدوه ، فسواء عليه ما ظهر
من عمله وما خفي منه ؛ لإخلاصه نيته لله وانقطاعه إليه بعمله ، بل
إظهاره ما يدعو عباد الله إلى الرغبة في مثل حاله من أعماله السالمة
أحسن إن شاء الله تعالى . وإن كان ممن لا يقتدى به ، ولا يأمن من
عدوه قهره، ومن هواه غلبته حتى يفسد عليه عمله ؛ فإخفاؤه
[٤/ ق١٨٧ - ١]
-
(١) في ((الأصل)): ويستسن، والمثبت من ((هـ)).
- ٢٠٨ -
النوافل أسلم له ، وعلى هذا كان السلف الصالح ، روى حماد ،
عن ثابت ، عن أنس ، عن النبي - عليه السلام -: (( سمع رجلاً
يقرأ ويرفع صوته بالقرآن [ فقال ] (١): أواب . وسمع آخر يقرأ
فقال: مرائي . فنظروا فإذا الأوّاب المقداد بن عمرو )) وروى الزهري ،
عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: (( أن عبد الله بن حذافة صَلّى فجهر
بالقراءة، فقال له رسول الله وَله: يا ابن حذافة ، لا تسمعني
وأسمع الله )). قال [وهيب ] (٢) ابن الورد: لقي عالم عالمًا هو
فوقه في العلم ، فقال : يرحمك الله ما الذي أخفي من عملي ؟ قال:
حتى يظن بك أنك لم تعمل حسنةً قط إلا الفرائض . قال : يرحمك
الله فما الذي أعلن ؟ قال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وقال الحسن : لقد أدركت أقوامًا ما كان أحدهم يقدر على أن يُسر
عمله فيعلنه ، قد علموا أن أحرز العملين من الشيطان عمل السرّ ،
قال : وإن كان أحدهم ليكون عنده الزور وإنه ليصلي وما يشعر به زوره .
وكان عمل الربيع بن خثيم سرًاً كان يقرأ في المصحف ، ويدخل
عليه الداخل فيغطيه . وقال بشر بن الحارث : لما ودع الخضر داود
-عليهما السلام - قال له: ( ستر الله ) (٣) عليك طاعته . وروي عن
ابن سيرين قال : نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته ،
وكان عمر يرفع صوته ، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا ؟ قال :
أناجي ربي وقد علم حاجتي . قيل : أحسنت . وقيل لعمر : لم
تصنع هذا ؟ قال : أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان . قال : أحسنت .
فلما نزلت : ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك
سبيلاً﴾ (٤) قيل لأبي بكر : ارفع شيئًا ، وقيل لعمر : اخفض شيئًا .
فهؤلاء الأئمة المقتدى بهم .
(١) من (( هـ ).
(٢) في (( الأصل)): وهب وهو تحريف، والمثبت من (( هـ)) وهو من رجال التهذيب.
(٤) الإسراء : ١١٠ .
(٣) تكّررت في ((الأصل)).
- ٢٠٩ -
باب : من جاهد (١) نفسه في طاعة الله
فيه: معاذ قال: (( بينا أنا رديف رسول الله {4* ليس بيني وبينه إلا آخرة
الرحل ، فقال : يا معاذ . قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك - ثلاث
مرات - قال : هل تدري ما حق الله على عباده ؟ قلت : الله ورسوله
أعلم. قال : حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا . ثم سار
ساعةً ، فقال : يا معاذ هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه ؟
قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق العباد على الله ألا يعذّبهم)).
قال المؤلف : جهاد المرء نفسه هو الجهاد [ الأكبر ] (٢) وحرب
العدو الأضر قال تعالى : ﴿ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن
الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾ (٣) وروي عن النبي - عليه السلام - أنه
قال لأصحابه ، وقد انصرفوا من الجهاد : أتيتم من الجهاد الأصغر إلى
الجهاد الأكبر . قالوا : وما الجهاد الأكبر يا رسول الله ؟ قال : :
مجاهدة النفس )) .
وقال سفيان الثوري : ليس عدوك الذي إن قتلته كان لك به
[أجر] (٤)، إنما عدوك نفسك [ التي ] (٥) بين جنبيك، فقاتل هواك
أشد مما تقاتل عدوك
وقال أويس القرني لهرم بن حيان : ادع الله أن يصلح قلبك
[ونيتك](٢) فإنك لن تعالج شيئًا هو أشدّ عليك منهما، بينما قلبك
مقبل إذ هو مدبر ، فاغتنم إقباله قبل إدباره ، والسلام عليك . وقال :
علي بن أبي طالب : أول ما تفقدون من دينكم جهاد
(١) زاد بالأصل: عن . ولا معنى لها .
(٢) من (( هـ)).
(٣) النازعات: ٤٠ - ٤١. (٤) في (( الأصل)): أجرًا. والمثبت من ( هـ).
(٥) في ((الأصل)): الذي والمثبت من (( هـ)).
-٢١٠ -
أنفسكم . وقد يكون جهاد النفس منعها الشهوات المباحة توفيراً لها في
الآخرة ؛ لئلا تدخل في معنى قوله : ﴿ أذهبتم طيباتكم في حياتكم
الدنيا﴾ (١) الآية، وعلى هذا جرى سلف الأمّة ، وقال سالم
الخواص : أوحى الله إلى داود : لا تقرب الشهوات ، فإني خلقتها
الضعفاء خلقي ، فإن أنت قربتها ، أهون ما أصنع بك أسلبك حلاوة
مناجاتي ، يا داود ، قل لبني إسرائيل ، لا تقربوا الشهوات ، فالقلب
المحجوب بالشهوات حجبت صوته عني .
[ قد تقدم معنى قوله : ((هل تدري ما حق الله على عباده )) في
باب من أجاب بلبيك وسعديك في كتاب الاستئذان ، وسنأتي بزيادة
في بيانه في باب قوله تعالى : ﴿وكان عرشه على الماء ﴾ (٢) في كتاب
الاعتصام إن شاء الله تعالى ] (٣).
*
[٤/ ق ١٨٧ -ب)
/ باب : التواضع
فيه: أنس قال: « كانت ناقة النبي - عليه السلام - لا تُسبق ، فجاء
أعرابي على قعود له فسبقها ، فاشتد ذلك على المسلمين وقالوا : سبقت
العضباء ! !فقال النبي - عليه السلام - : إن حقًّا على الله ألا يرفع شيئًا
من الدنیا إلا وضعه )».
وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( إن الله - تعالى - قال:
من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ
مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحببته، فكنت
سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله
و
(١) الأحقاف : ٢٠ .
(٣) من (( هـ)).
(٢) هود : ٧ .
- ٢١١ -
التي يمشي بها ، فإن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنّه، وما ترددت
عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن ، يكره الموت وأنا أكره مساءته)) .
[ قال المؤلف ] (١): في حديث أنس [ بيان ] (١) مكان الدنيا عند
الله من الهوان والضعة ، ألا ترى قوله عليه السلام: (( إن حقًا على
الله ألا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه )) فنبّه بذلك أمته عليه السلام
على ترك المباهاة والفخر بمتاع الدنيا ، وأن [ ما ] (١) كان عند الله في
منزلة الضعة ، فحق على كل ذي عقل الزهد فيه وقلة المنافسة في
طلبه، وترك الترفع والغبطة بنيله ؛ لأن المتاع به قليل والحساب عليه طويل .
وفي حديث أبي هريرة من معنى الباب أن التقرب إلى الله بالنوافل
حتى تستحق المحبة منه تعالى لا يكون ذلك إلا بغاية التواضع والتذلل
له . وفيه أن النوافل إنما يزكو ثوابها عند الله لمن حافظ على فرائضه وأداها .
ورأيت لبعض الناس أن معنى قوله تعالى: (( فأكون عينيه اللتين
يبصر بهما وأذنيه ويديه ورجليه)) قال: وجه ذلك أنه لا يحرك جارحة
من جوارحه إلا في الله ولله ، فجوارحه كلها تعمل بالحق ، فمن كان
كذلك لم تُردّ له دعوة .
وقد جاء في فضل التواضع آثار كثيرة ، روى الطبري من حديث
شعبة ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال :
قال رسول الله وَله: ((ما تواضع رجل إلا رفعه الله بها درجةً)) وعن
عكرمة ، عن ابن عباس أن النبي - عليه السلام - قال: (( ما من بني
آدم أحد إلا وفي رأسه سلسلتان : إحداهما في السماء السابعة ، والأخرى في
الأرض السابعة، فإذا تواضع رفعه الله بالسلسلة التي في السماء،
--
(١) من ((هـ)).
- ٢١٢ -
وإذا أراد أن يرفع رأسه وضعه الله )) وقالت عائشة : إنكم لتغفلون عن
أفضل العبادة : التواضع .
قال الطبري : والتواضع من المحن التي امتحن الله بها عباده
المؤمنين، لينظر كيف طاعتهم [ إياه ] (١) فيها ، ولما علم تعالى من
مصلحة خلقه في ذلك في عاجل دنياهم وآجل أخراهم ، فمصلحة
الدنيا به لو استعمله الناس لارتفع - والله أعلم - الشحناء بينهم
والعداوة ، واستراحوا من تعب المباهاة والمفاخرة والتذوا بما قسم لهم،
وكان لهم فيه صلاح ذات البين وارتفاع الحسد والشح .
روى النعمان بن بشير عن النبي - عليه السلام - أنه قال :
((للشيطان مَضَال وفخوخ ، منها البطر بأنعم الله ، والفخر بعطاء الله،
والتكبر على عباد الله )).
وتواضعه عليه السلام معلوم لا يحصى ، ومنه أنه لما دخل مكة
جعل الناس يقولون : هو هذا ، هو هذا ، فجعل يُحني ظهره على
الرحل ويقول: ((الله أعلى وأجل)) وهذه سيرة السلف المهديين.
روى سفيان ، عن أيوب الطائي ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن
شهاب قال : لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة ، فنزل عن بعيره
ونزع خفيه ، فأمسكهما بيده ، وخاض الماء ومعه بعيره ، فقال له أبو
عبيدة : لقد صنعت اليوم صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض . فصكّ في
صدره وقال : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ، إنكم كنتم أذلّ الناس
وأحقر الناس ، فأعزكم الله بالإسلام ، فمهما تطلبون العز في غيره
يذلكم الله .
(١) من (( هـ).
- ٢١٣ -
--
وروى ابن وهب بإسناده عن أبي هريرة أنه أقبل في السوق يحمل
حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان فقال : أوسع الطريق للأمير .
فقيل له : تكفى ، أصلحك الله . فقال : أوسع الطريق ، والحزمة
عليه . وعن عبد الله بن سلام أنه خرج من حائط له بحزمة حطب
يحملها فقيل له : لقد كان في ولدك وعبيدك من يكفيك هذا . قال :
[٤/ ١٨٨-١] أردت أن أجرب قلبي هل ينكر هذا . وعن سالم بن عبد الله أنه /
كان يخرج إلى السوق فيشتري حوائج نفسه ، وكان الربيع بن خثيم
يكنس الحشّ بنفسه ، فقيل له : إنك تكفى هذا . فقال : أحب أن
آخذ نصيبي من المهنة . ولو تقصينا تواضعهم - رضي الله عنهم -
لطال به الكتاب ، وفیما ذكرناه دليل على ما تركناه - إن شاء الله
- ٢١٤ - .
كتاب فضائل القرآن
باب : کیف نزول الوحي وأول ما نزل
قال ابن عباس : المهيمن الأمين ، القرآن أمين على كل كتاب قبله .
فيه : عائشة وابن عباس: (( لبث النبي - عليه السلام - بمكة عشر سنين
ينزل عليه القرآن ، وبالمدينة عشراً)).
وقال أبو عثمان: (( أنبئت أن جبريل أتى النبي - عليه السلام - وعنده
أم سلمة ، فجعل يتحدث ، فقال النبي - عليه السلام - لأم سلمة : من
هذا؟ أو كما قال. قالت: هذا دحية. [ فلما قام قالت ] (١): والله ما
حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبي بخبر جبريل أو كما قال )) .
وفيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( ما من الأنبياء نبي إلا
أعطي ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله
إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة )) .
وفیه أنس: « أن الله تابع على رسوله قبل وفاته حتى توفاه أکثر ما كان
الوحي ، ثم توفی ێ# بعد)».
وفيه: جندب: ((اشتكى النبي ◌َّ﴾ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة
فقالت : يا محمد ، ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، فأنزل الله - تعالى -:
﴿والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى﴾ (٣).
(١) من ((ن)) وفى ((الأصل، هـ)): قالت فلما قام.
(٢) الضحى : ١ - ٣ .
- ٢١٥ -
[ قال المؤلف: ] (١) معنى هذا الباب إثبات نزول الوحي على
النبي - عليه السلام - وأن جبريل عليه السلام نزل ( عليه به ) (٢)،
ومصداق هذه الأحاديث في قوله تعالى : ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين
نزل به الروح الأمين على قلبك ﴾ (٣).
وقال أهل التفسير : الروح الأمين جبريل .
وذكر أبو عبيد عن يزيد بن هارون ، عن داود بن أبي هند ، عن
عكرمة ، عن ابن عباس قال : أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء
الدنيا في ليلة القدر ، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة ، وقرأ :
﴿وقرآنًا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً﴾ (٤).
وقال أبو عبيد : وحدثنا ابن [ أبي ] (١) عدي ، عن داود بن أبي
هند قال : قلت للشعبي : ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ (٥)،
أما نزل عليه القرآن في سائر السنة إلا في شهر رمضان ؟ قال : بلى ،
ولكن جبريل كان يعارض محمدًا بما نزل عليه في سائر السنة في شهر
رمضان .
وذكر أبو عبيد بإسناده عن جابر بن عبد الله قال : أول شيء نزل
من القرآن : ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ (٦).
وقال ابن عباس : ﴿اقرأ باسم ربك﴾ (٧) هي أول شيء نزل على
محمد .
وهو قول مجاهد وزاد: ﴿ن والقلم﴾ (٨).
وأما آخر القرآن نزولاً فقال عثمان بن عفان : كانت براءة من آخر
(١) من ( هـ)).
(٣) الشعراء : ١٩٢ - ١٩٤ .
(٢) في (( هـ)): عليه به .
(٤) الإسراء : ١٠٦ .
(٥) البقرة : ١٨٥ .
(٦) المدثر : ١ - ٢ .
(٧) العلق : ١ .
(٨) القلم : ١ .
- ٢١٦ -
القرآن نزولاً ، وقال البراء آخر آية نزلت : ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم
في الكلالة ﴾ (١) .
وقال ابن عباس: آخر ما [ أنزل ] (٢) على رسول الله - عليه
السلام - آية الربا. وقال عطاء وابن شهاب آخر القرآن عهدًا بالعرش
آية الربا وآية الدين ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾ (٣).
(واختلف) (٤) في مدة بقاء النبي بمكة ، فروى أبو سلمة عن ابن
عباس وعائشة في هذا الباب: أنه عليه السلام أقام بمكة عشر سنين.
وذكر البخاري في كتاب مبعث النبي ◌َّ في باب الهجرة من رواية
عكرمة وعمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه وَلّ أقام بمكة ثلاث عشرة
سنة يوحى إليه .
ولم يختلف في مدة بقائه عليه السلام بالمدينة أنه كان عشراً ،
وسيأتي في كتاب الاعتصام الكلام في حديث أبي هريرة إن شاء الله .
باب : نزل القرآن بلسان قريش والعرب
وقول الله تعالى ﴿ قرآنًا عربيًا﴾ (٥) ﴿ بلسان عربي مبين﴾(٦)
فيه : أنس بن مالك قال : فأمر عثمان زيد بن ثابت ، وسعيد بن
العاص، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن
ينسخوها في المصاحف وقال لهم : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في
عربية من عربية القرآن ، فاكتبوها بلسان / قريش، فإن القرآن نزل (١٨٨٥/٤ -ب]
بلسانهم [ ففعلوا ] (٧) .
(١) النساء : ١٧٦ .
(٢) في ((الأصل)): نزل. والمثبت من ( هـ)).
(٣) البقرة : ٢٨١ .
(٤) في (( هـ)) : واختلفت.
(٥) الزمر : ٢٨ .
(٦) الشعراء : ١٩٥ .
(٧) من ((هـ، ن)) وفي ((الأصل)) : ففعل.
- ٢١٧ -
وفيه: يعلى بن أمية كان يقول: (( ليتني أرى النبي - عليه السلام -
حين ينزل عليه الوحي ، فلما كان النبي بالجعرانة وعليه ثوب قد أظل
عليه ومعه ناس من أصحابه ، إذ جاءه رجل [ متضمخ ] (١) بطيب فقال:
یا رسول الله ، کیف تری في رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بطيب
فنظر النبي ساعةً فجاءه الوحي ، فأشار عمر إلى يعلى أن تعال ، فأدخل
رأسه، فإذا هو محمر الوجه يغط كذلك ساعة ، ثم سري عنه فقال : أين
الذي سألني عن العمرة آنفًا ؟ فالتمس الرجل فجيء به إلى النبي - عليه
السلام - فقال : أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات ، وأما الجُبة
فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك .
قال المهلب : في حديث أنس عن عثمان بن عفان معنى الترجمة
فإن قال قائل : فما وجه حديث يعلى بن أمية في هذا الباب ؟
قيل : معناه أن الوحي كله من قرآن وسنة نزل بلسان العرب قريش
وغيرهم من طوائف العرب كلها ، وأنه عليه السلام لم يخاطب من
الوحي كله إلا بلسان العرب ، وبه تكلم النبي للسائل له عن الطيب
[للمحرم] (٢) وبين هذا قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا
بلسان قومه ﴾ (٣).
فهذا حتم من الله تعالى [ لكل أمة ] (٤) بعث إليها [ رسولاً ] (٢)
ليبين لهم ما أنزل إليهم من ربهم ، فإن عزب معناه على بعض من
سمعه ؛ بينه الرسول له بما يفهمه المبين له ، ودل قول عثمان :
(١) في ((الأصل)): مضمخ. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) إبراهيم : ٤ .
(٢) من ((هـ)).
(٤) في ((الأصل)): للأمة. والمثبت من ((هـ)).
- ٢١٨ -
إذا اختلفتم في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش ، فإنه نزل
بلسانهم على تشريف قريش على سائر الناس وتخصيصهم بالفضيلة
الباقية إلى الأبد حين اختار الله إثبات وحيه الذي هدى به من الضلالة
بلغتهم ( تعبيره ) (١) بلسانهم وحسبك بهذا من شرف باق .
قال أبو بكر بن الطيب : ومعنى قول عثمان : فإنه نزل بلسان
قريش، يريد معظمه وأكثره ، ولم تقم دلالة قاطعة على أن القرآن
بأسره منزل بلغة قريش فقط ، وأنه لا شيء فيه من لغة غيرهم ؛ فإنه
قد ثبت أن في القرآن همزًا كثيرًاً [وثبت ] (٢) أن قريشًا لا تهمز وثبت
فيه كلمات وحروف هي خلاف لغة قريش ، وقد قال تعالى : ﴿ إنا
جعلناه قرآنًا عربيًا﴾ (٣). ولم يقل قرشيًا، وهذا يدل أنه منزل بجميع
لسان العرب ؛ وليس لأحد أن يقول [أراد] (٤) قريشًا [ من العرب
دون غيرها ، كما أنه ليس له أن يقول أراد لغة عدنان ] (٢) دون
قحطان ، أو ربيعة دون مضر ؛ لأن اسم العرب يتناول جميع هذه
القبائل تناولاً واحداً .
ولو ساغ لمدع أن يدعي أنه أراد قبيلة من قبائل العرب لساغ لآخر أن
يقول : إن قوله أنه منزل بلسان قريش أنه أريد [ به ] (٢) قبيلة من قريش
دون غيرها ، ومن قال هذا فقد ظهر تخليطه .
وقد قال سعيد بن المسيب : نزل القرآن بلغة هذا الحي من لدن
هوازن وثقيف إلى ضربه .
[وقال] (٢) ابن عباس: نزل القرآن بلغة قريش ولسان خزاعة،
وذلك أن الدار كانت واحدة، و[قد ] (٢) قال عليه السلام: ((أنا
أفصحكم لأني من قريش ، ونشأت في بني سعد بن بكر )) .
(١) في ((هـ)): تقييده .
(٣) الزخرف : ٣ .
(٢) من (( هـ)).
(٤) في (( الأصل)): أن. والمثبت من ( هـ ).
- ٢١٩ -
فلا يجب لذلك أن يكون القرآن منزلاً بلغة بني سعد بن بكر ؛ بل
لا يمتنع أن ينزل بلغة أفصح العرب [وبلغة ] (١) من هو دونهم في
الفصاحة ؛ إذا كانت فصاحتهم غير متفاوتة .
وقد جاءت الروايات بأن النبي - عليه السلام - كان يقرأ بلغة قريش.
وغير لغتها .
فروى ابن أبي شيبة عن الفضل بن أبي خلدة قال : سمعت أبا
العالية يقول : قرئ القرآن على النبي عليه السلام من [ خمسة ] (٢).
رجال فاختلفوا في اللغة فرضي قراءتهم كلها .
وكانت بنو تميم [ أعرب ] (٣) القوم ، فهذا يدل أنه كان يقرأ بلغة
تميم وخزاعة وأهل لغات مختلفة ، قد أقر جميعها ورضيها .
باب : جمع القرآن
فيه: زيد بن ثابت: (( أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة ، فإذا عمر
ابن الخطاب عنده ، قال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد
[استحر ] (٤) يوم اليمامة بقراء القرآن ، وإني أخشى إن استحر القتل
بالقراء في المواطن ؛ فيذهب كثير من القرآن ، وإني أرى أن تأمر بجمع
القرآن. قلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله وَله؟! قال
عمر: هذا والله خير . فلم يزل عُمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك
ورأيت في ذلك الذي رأى عمر . قال زيد : قال أبو بكر : إنك رجل
شاب عاقل لا نتهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله و لتر؛ فتتبع القرآن
[٤/ ق١٨٩-١) فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل / جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما
(١) في ((الأصل)): ولغة. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): كان خمس. والمثبت من ( هـ)).
(٣) في (( الأصل)): عرب. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): اشتجر. والمثبت من (( هـ، ن).
- ٢٢٠ -