Indexed OCR Text

Pages 41-60

ولذلك دعا النبي - عليه السلام - لأصحابه ألا يموتوا في غير المدينة
التي هاجروا إليها لله - تعالى - فقال: (( اللهم أمض لأصحابي
هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة .
يرثي له رسول الله أن مات بمكة )) فتوجع رسول الله حين مات بمكة
في الأرض التي هاجر منها . وذكر البخاري أن سعد بن خولة شهد
بدرًا ، ثم انصرف إلى مكة ومات بها ، وأنه من المهاجرين .
وقوله : (( يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها [شعف](١)
الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن )) من أعلام نبوته عليه السلام
لأنه أخبر عما يكون في آخر الزمان .
وفيه أن اعتزال الناس عند الفتن والهرب عنهم أفضل من مخالطتهم
وأسلم للدين ، وسأذكر تفسير [ شعف ] (١) الجبال في حديث أبي.
سعيد في كتاب الرقاق في باب العزلة [ راحة من خلطاء السوء ] (٢).
باب : التعوذ من الفتن
فيه : أنس: (( سألوا النبي - عليه السلام - حتى أحفوه بالمسألة فصعد
النبي - عليه السلام - ذات يوم المنبر فقال : لا تسألوني عن شيء إلا
بينت لكم، فجعلت أنظر يمينًا وشمالاً فإذا كل رجل رأسه في ثوبه يبكي،
فأنشأ رجل كان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه ، فقال : يا نبي الله ، من
أبي؟ قال : أبوك حذافة . ثم أنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام
(١) في ((الأصل)): شعب. والمثبت من (( هـ)).
(٢) من (( هـ )).
- ٤١ -

دينا وبمحمد وَّه رسولا، نعوذ بالله من سوء الفتن. فقال عليه السلام:
ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط ، إنه صورت لي الجنة والنار حتى
رأيتهما دون الحائط ... )) الحديث .
[٤/ ق١٥٧ -ب]
وقال [ قتادة ] (١) يذكر هذا الحديث / عند هذه الآية : ﴿ يا أيها
الذین آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ (٢)، وقال: (( کل
رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي فقال : عائذًا بالله من سوء الفتن . أو أعوذ
بالله من سوء الفتن ))
وقال [ معتمر ] (٣) ، عن أبيه، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي - عليه
السلام -: (([ عائداً] (٤) بالله من شر الفتن)).
قال صاحب الأفعال : أحفى الرجل في السؤال : ألح ، وفي
التنزيل ﴿ إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ﴾ (٥) أي : يلح عليكم فيما
يوجبه في أموالكم، ولما ألحوا على النبي ◌َّ في المسألة كره مسائلهم
وعز على المسلمين ما رأوا من الإلحاح على النبي ◌َطلال والتعنيت له ،
وتوقعوا عقوبة الله أن تحل بهم ؛ ولذلك بكوا ، فمثل الله له الجنة
والنار، وأراه كل ما يسأل عنه في ذلك الوقت، فقال: ((لا
تسألوني عن شيء إلا بينت لكم)) وقال للرجل: ((أبوك حذافة))
وروي أنّ أم ابن حذافة قالت له : (( يا بني ما رأيت ابنًا أعق منك
(أن)(٦) تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء الجاهلية
[فتفضحها](٧) على أعين الناس. فقال ابنها: (( والله لو ألحقني بعيدٍ
أسود للحقت به)).
(١) في (( الأصل)): سعد بن عبادة. وفي ((هـ)): سعد عن قتادة. والمثبت من ((ن))!
(٣) في ((الأصل)): معمر، والمثبت من (( هـ، ن))
(٢) المائدة : ١٠١ .
(٤) في (( الأصل)) عائذ والمثبت من (( هـ، ن)).
(٥) محمد : ٣٧ .
(٦) في صحيح مسلم (٤/ ١٨٣٣: رقم ٢٣٥٩): أأمنت أن.
(٧) في ((الأصل)): ففضحتها. والمثبت من (( هـ)) وصحيح مسلم.
- ٤٢ -

وفي هذا الحديث فضل عمر بن الخطاب وفهمه، ومكانه من الحماية
عن الدين والذّب عن رسول الله إذ قال: (( رضينا بالله ربا وبالإسلام
دينًا ومحمد نبيًا)) ومنع من [ تعنيته ] (١) والإلحاح عليه ؛ لأن الله
-تعالى - قد أمر بتعزيره وتوقيره وألا يرفع الصوت فوق صوته ،
واستعاذ بالله من شر الفتن ، وكذلك استعاذ النبي بالله من شر الفتن ،
واستعاذ من فتنة المحيا والممات ، وإن كان قد أعاذه الله تعالى من كل
فتنة ، وعصمه من [ شرها ] (٢) ليسن ذلك لأمته ، فتستعيذ مما استعاذ
منه نبينا - عليه السلام - وهذا خلاف [ ما ] (٣) يروى عن بعض من
قصر علمه أنه قال : اسألوا الله الفتنة فإنها حصاد المنافقين ، وزعم أن
ذلك مروي عن رسول الله ، وهو حديث لا يثبت ، والصحيح خلافه
من رواية أنس وغيره عن النبي - عليه السلام - .
باب : قول النبي عليه السلام الفتن من قبل المشرق
فيه: ابن عمر: (( أن النبي - عليه السلام - قام إلى جنب المنبر فقال : الفتنة
هاهنا الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان . أو قال : قرن الشمس )).
وقال ابن عمر مرةً: (( أنه سمع النبي - عليه السلام - وهو مستقبل
المشرق يقول : ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان)) .
وفيه : ابن عمر قال النبي - عليه السلام -: (( اللهم بارك لنا في يمننا
وفي شامنا . قالوا : يا رسول الله ، وفي نجدنا . فأظنه قال في الثالثة :
هناك الزلازل والفتن ، وبها يطلع قرن الشيطان )) .
وقيل لابن عمر : (( حدثنا عن القتال في الفتنة والله - تعالى - يقول :
(١) في ((الأصل)): معتبته. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في (( الأصل)): ذلك. والمثبت من ((هـ)).
(٣) من (( هـ)).
- ٤٣ -

وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ (١) قال : هل تدري ما الفتنة ، ثكلتك
أمك؟ إنما كان محمد ولم يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم
فتنةً، وليس بقتالكم على الملك )) .
قال المؤلف : قال الخطابي: [ القرن ] (٢) في الحيوان يضرب به
المثل فيما لا يحمد من الأمور ، كقوله عليه السلام في الفتنة وطلوعها
من ناحية المشرق : ((ومنه يطلع قرن الشيطان)) وقال في الشمس أنها
تطلع بين قرني الشيطان ، والقرن : الأمة من الناس يُحدثون بعد فناء
آخرين ، قال الشاعر :
إذا ما مضى القرن الذي أنت منهم
وخلفت في قرن فأنت غريب
وقال غيره : كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر فأخبر عليه السلام أن
الفتنة تكون من تلك الناحية ، وكذلك كانت الفتنة الكبرى [ التي](٣)
كانت مفتاح فساد ذات البين وهي مقتل عثمان - رضي الله عنه -
وكانت سبب وقعة الجمل وصفين ، ثم ظهور الخوارج في أرض نجد
والعراق وما وراءها من المشرق ، ومعلوم أن البدع إنما ابتدأت من
المشرق ، وإن كان الذين اقتتلوا بالجمل وصفين بينهم كثير من أهل
الشام والحجاز فإن ( الفتنة ) (٤) وقعت في ناحية المشرق ، وكان ذلك
[ سببًا) (٥) إلى افتراق كلمة المسلمين وفساد نيات كثير منهم إلى يوم
القيامة ، وكان رسول الله يحذر من ذلك ويعلمه قبل وقوعه ، وذلك
دليل على نبوّتّه .
(١) البقرة : ١٩٣ .
(٢) من ( هـ)).
(٣) في (( الأصل، هـ)): الذي. والمثبت هو الصواب.
(٤) في (( هـ)): المقتلة
(٥) في ((الأصل)): سبب. والمثبت من ٥ هـ).
- ٤٤ -

باب : الفتنة التي تموج كموج البحر
/ وقال ابن عيينة عن خلف بن حوشب : كانوا يستحبون أن يتمثلوا [١٥٨٥/٤-١]
بهذه الأبيات عند الفتن :
تسعى بزينتها لكل جهول
الحرب أول ما تكون فتيةً.
ولت عجوزاً غير ذات حليل
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها
شمطاء ينكر لونها وتغيرت مكروهةً للشم والتقبيل
فيه : حذيفة: (( قال عمر : أيكم يحفظ قول رسول الله في الفتنة ؟ قال
: فتنة الرجل في أهله وماله ، وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . قال : ليس عن ذلك أسألك، ولكن
التي تموج كموج البحر . قال : ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين ،
إن بينك وبينها بابًا مغلقًا . قال عمر : أيكسر الباب أم يفتح ؟ قال : بل
يكسر . قال: إذًّا لا يغلق أبداً. قلت : أجل . قلنا لحذيفة: أكان عمر
يعلم الباب ؟ قال : نعم، كما أعلم أن دون غد ليلة ، وذلك أني حدثته
حديثًا ليس بالأغاليط . [ فهبنا ] (٢) أن نسأله من الباب ، فأمرنا مسروقًا
، فسأله : من الباب ؟ فقال : الباب عمر)) .
وفيه : أبو موسى: (( خرج النبي - عليه السلام - إلى حائط من حوائط
المدينة لحاجته ، وخرجت في أثره ، فلما دخل الحائط جلست على بابه،
وقلت : لأكونن اليوم بواب النبي عليه السلام ولم يأمرني ، فذهب النبي
وقضى حاجته وجلس على قف البئر ، فكشف عن ساقيه فدلاهما في
البئر ، فجاء أبو بكر يستأذن عليه ليدخل ، فقلت : كما أنت
حتى أستأذن لك . فوقف ، فجئت إلى النبي فقلت : يا نبي الله
(١) في ((الأصل)): مهيبًا. والمبت من ((هـ، ن)).
- ٤٥ -

أبو بكر يستأذن عليك . فقال : ائذن له وبشره بالجنة فدخل ، فجاء عن
[يمين] (١) النبي عليه السلام فكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فجاء.
عمر ، فقلت : كما أنت حتى أستأذن لك ، فقال النبي - عليه السلام -:
ائذن له وبشره بالجنة ، فجاء عن يسار النبي - عليه السلام - ، [ فکشف
عن ساقيه ودلاهما في البئر ، فامتلاء القُف فلم يكن فيه مجلس ] (١).
ثم جاء عثمان ، فقلت : كما أنت حتى أستأذن لك ، فقال النبي مثل:
ائذن له وبشرة بالجنة ( مع ) (٢) بلاء يصيبه ، فدخل فلم يجد معهم
مجلسًا ، فتحوّل حتى جاء مقابلهم على شفة البئر ، فكشف عن ساقيه ،
ثم دلاهما في البئر ، فجعلت أتمنى أخًا لي ، وأدعو الله أن يأتي )) قال ابن
المسيب : فتأولت ذلك قبورهم اجتمعت هاهنا ، وانفرد قبر عثمان )) .
وفيه : أبو وائل : (( قيل لأسامة: ألا تكلم هذا؟ قال : قد كلمته ما
(لم) (٣) أفتح بابًا أكون أول من [ يفتحه ] (٤) وما أنا بالذي أقول لرجل
بعد أن يكون أميرًا على رجلين - أنت خير ، بعدما سمعت رسول الله
يقول : يجاء برجل فيطرح في النار فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه ،
فيطيف به أهل النار ، فيقولون : أي فلان، ألست كنت تأمر بالمعروف ،
وتنهى عن المنكر ؟ فيقول : إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله ، وأنھی
عن المنكر وأفعله )» .
وفيه : أبو بكرة قال: (( لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل ، لما بلغ النبي
أن فارسًا ملكوا ابنة كسرى قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأةً».
وفيه : أبو مريم: (( لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث
(١) من ((هـ، ن)) إلا أنه في ((ن)) فدلاهما .
(٢) في (( هـ، ن)): معها .
(٣) في ( هـ ، ن)): دون أن .
(٤) في ((الأصل)): يفتتحه. والمثبت من ((هـ، ن)).
- ٤٦ -

علي إلى عمار بن ياسر وحسن بن علي ، فقدما علينا الكوفة فصعدا
المنبر ، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه ، وقام عمار أسفل من
الحسن ، فاجتمعنا إليهما ، فسمعت عمارًا يقول : إن عائشة قد سارت
إلى البصرة ، والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة ، ولكن الله
ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي )» .
وقال مرةً : (( ولكنها مما ابتليتم به )) يعني عائشة .
وفيه : أبو وائل : (( دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمّار حين بعثه
علي إلى أهل الكوفة يستنفرهم ، فقالا : ما رأيناك أنيت أمرًا أکره عندنا
من إسراعك في هذا الأمر منذ أسلمت . فقال عمار : ما رأيت منكما
منذ ( أسلمنا ) (١) أمرًا أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر،.
وكساهما حلةً حلةً، ثم راحوا إلى المسجد )) وروي أيضًا قال أبو مسعود
- وكان موسرًا - : يا غلام هات حُلتين ، فأعط إحداهما أبا موسى
وأعط الأخرى عمارًا، وقال: روحا فيهما إلى الجمعة)).
قال المؤلف : حديث حذيفة وأبي موسى من أعلام النبوة ؛ لأن
فيهما الإخبار عما يكون من الفتن والغيب ، وذلك لا يعلم إلا بوحي
من الله .
وقال الخطابي : إنما كان يسأل حذيفة عن الشر ليعرف موضعه
فيتوقاه ، وذلك أن الجاهل بالشر أسرع إليه وأشد وقوعًا فيه / وروي (١٥٨٥/٤ -ب]
عن بعض السلف أنه قيل له : إن فلانًا لا يعرف الشر . قال : ذاك
أجدر أن يقع فيه ، ولهذا صار عامّة ما يروى من أحاديث الفتن وأكثر
ما يذكر من أحوال المنافقين ونعوتهم منسوبة إليه ومأخوذة عنه .
وقال غيره : وإنما ( تنكب ) (٢) حذيفة حين سأله عمر عن الفتنة
(١) في (( ن)) : أسلمتما .
(٢) في ( هـ )) : نكب .
- ٤٧ -

فجاوبه عن فتنة الرجل في أهله وماله [ وولده وجاره ] (١) ولم يجاوبه
عن الفتنة الكبرى التي تموج كموج البحر لئلا يغمه ويشغل باله ، ألا
ترى قوله لعمر: (( ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين فإن بينك
وبينها بابًا مغلقًا)) ولم يقل له أنت الباب ، وهو يعلم أن الباب عمر ،
فإنما أراد حذيفة ألا يواجهه بما يشق عليه ويهمه ، وعرض له بما فهم
عنه عمر أنه هو الباب ولم يصرح له بذلك ، وهذا من حسن أدب
حذيفة - رضي الله عنه .
قال المهلب : فإن قال قائل : فمن أين علم عمر أن الباب إذا كسر
لم يغلق أبدًا. فالجواب : أنه استدل عمر على ذلك ؛ لأن الكسر لا
يكون إلا غلبةً ، والغلبة لا تكون إلا في الفتنة ، وقد علم عمر وغيره.
من النبي - عليه السلام - أنه سأل ربه ألا يجعل بأس أمته بينهم.
فمنعها، فلم [ يزل ] (٢) الهرج إلى يوم القيامة ، وروى معمر، عن
أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي الأشعث الصنعاني ، عن أبي
[أسماء] (٣) الرحبي، عن شداد بن أوس ، عن النبي - عليه السلام-
قال: (( إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة))
[وفيه ] (٤) أن الصحابة كان يأخذ بعضهم العلم عن بعض، ويصدق بعضهم
بعضًا ، وكلهم [عدول] (٥) رِضَّى ، وهم خير أمة أخرجت للناس .
وفي حديث أبي موسى البُشرى بالجنة لأبي بكر وعمر وعثمان ، إلا
أنه قال في عثمان (( مع بلاء يصيبه )) وكان ذلك البلاء أنه قتل مظلومًا
شهيدًا . فإن قيل : فكيف خص عثمان بذكر البلاء ؛ وقد أصاب عمر
مثله ؛ لأنه طعنه أبو لؤلؤة فمات من طعنته [ شهيدًاً ] (٦) كما مات.
عثمان شهيدًا ؟ فالجواب : أن عمر وإن كان مات من الطعنة شهيدًاً ،
(٢) في ((الأصل)): يزال. والمثبت من (( هـ))
(١) من (( هـ )).
(٣) في ((الأصل)": إسحاق. والمثبت من ((هـ)).
(٤) في ((الأصل)): وهو. والمثبت من (( هـ)).
(٦) في ((الأصل)): شهيد. والمثبت من (( هـ ))
(٥) فى (( هـ)): عدل .
- ٤٨ -

فإنه لم يمتحن بمثل محنة عثمان من تسلط طائفة باغية متغلبة عليه ،
ومطالبتهم له أن ينخلع من الإمامة ، وهجومهم عليه في داره ،
وهتكهم ستره ، ونسبتهم إليه الجور والظلم وهو بريء عند الله من كل
سوء ، بعد أن منع الماء مع أشياء كثيرة يطول إحصاؤها ، وعمر لم
يلق مثل هذا ، ولا تسوّر عليه أحد داره ، ولا هتك ستره ، ولا قتله
من شهد شهادة التوحيد فيحاجه بها عند الله يوم القيامة ؛ ولذلك
حمد الله عمر على ذلك ، فكان الذي أصاب عثمان من البلاء غير
قتله بلاء شدیدًا لم يصب عمر مثله .
قال المهلب: وأما قول أبي وائل: (( قيل لأسامة: ألا تكلم هذا
الرجل " يعني عثمان بن عفان ليكلمه في شأن الوليد ؛ لأنه ظهر عليه
ريح نبيذ وشهر أمره ، وكان أخا عثمان [ لأمه ] (١) ، وكان عثمان
يستعمله على الأعمال ، فقيل لأسامة : ألا تكلمه في أمره ؛ لأنه كان
من خاصة عثمان ، وممن يخف عليه ، فقال : قد كلمته فيما بيني
وبينه، وما دون أن أفتح بابًا أكون أوّل من يفتحه ، يريد لا أكون أوّل
من يفتح باب الإنكار على الأئمة علانيةً فيكون بابًا من القيام على أئمّة
المسلمين فتفترق الكلمة وتتشتت الجماعة ، كما كان بعد ذلك من تفرق
الكلمة بمواجهة عثمان بالنكير ، ثم عرفهم أنه لا يداهن أميرًا أبدًا
[بل](١) ينصح له في السر جهده بعدما سمع النبي يقول في الرجل
الذي كان في النار كالحمار يدور برحاه ، من أجل أنه كان يأمر
بالمعروف ولا يفعله وينهى عن الشر ويفعله يعرفهم أن هذا الحديث
جعله ألا يداهن أحدًا ، يتبرأ إليهم مما ظنوا به من سكوته عن عثمان
في أخيه .
(١) من (( هـ ).
- ٤٩ -

فإن قال قائل : فإن الإنكار على الأمراء في العلانية من السنة لما
روى سفيان عن علقمة بن مرثد ، عن طارق بن شهاب: ((أن رجلاً
سأل النبي - عليه السلام - أي الجهاد أفضل ؟ قال : كلمة حق عند
سلطان جائر)) .
قال الطبري : قد اختلف السلف قبلنا في تأويل هذا الحديث فقال
بعضهم: إنما عنى النبي وَ 18 بقوله: ((كلمة حق عند سلطان جائر)).
إذا أمن على نفسه القتل أو أن يلحقه من البلاء ما لا قبل له به ، هذا
مذهب أسامة بن زيد، وروي ذلك عن ابن مسعود [وابن عباس] (١)
وحذيفة ، وروي عن مطرف بن الشخير أنه قال: والله [لو ] (١) لم
يكن لي دين حتى أقوم إلى رجل معه ألف سيف فأنبذ إليه [ كلمة ](٢)
فيقتلني إن ديني إذًا لضيق .
[٤/ ق١٥٩-٦]
وقال آخرون : الواجبُ على من / رأى منكرًا من ذي سلطان أن
ينكره علانيةً وكيف أمكنه ، روي ذلك عن عمر بن الخطاب وأبيّ بن
كعب ، واحتجوا بقوله عليه السلام : (( من رأى منكم منكراً فليغيره
بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف.
الإيمان)) وبقوله: ((إذا هابت أمتي أن تقول للظالم : يا ظالم ، فقد
تودع منهم )) .
وقال آخرون : من رأى من سلطانه منكرًا فالواجب عليه أن ينكره
بقلبه دون لسانه ، واحتجوا بحديث أم سلمة عن النبي - عليه السلام-
أنه قال: (( يستعمل عليكم أمراء بعدي ، تعرفون وتنكرون، فمن كره
فقد برئ ، ومن أنكر فقد سلم ، ولكن من رضي وتابع ، قالوا : يا
رسول الله، أفلا نقاتلهم ؟ قال: لا، ما صلوا)).
قال الطبري : والصّواب [ أن الواجب ] (١) على كل من رأى
(٢) فى ((الأصل)): كلمته. والمثبت من ( هـ)).
(١) من ((هـ).
- ٥٠ -

منكرًا أن ينكره إذا لم يخف على نفسه عقوبة لا قبل له بها ؛ لورود
الأخبار عن النبي وَّ بالسمع والطاعة للأئمة ، وقوله عليه السلام :
((لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه . قالوا : وكيف يذل نفسه ؟ قال :
يتعرض من البلاء ما لا يطيق)).
فإن قال قائل في حديث أسامة : فكيف صار الذين كان يأمرهم
بالمعروف وينهاهم عن المنكر [ معه في النار وهو لهم بالمعروف آمر ،
وعن المنكر] (١) ناه ؟ قيل: لم يكونوا أهل طاعة ، وإنما كانوا أهل معصية.
وأما حديث أبي بكرة فإن في ظاهره توهية لرأي عائشة في الخروج .
قال المهلب : وليس كذلك لأن المعروف من مذهب أبي بكرة أنه
كان على رأي عائشة وعلى الخروج معها ، ولم يكن خروجها على نيّة
القتال ، وإنما قيل لها : اخرجي لتصلحي بين الناس فإنك أمهم ولم
يعقوك بقتال . فخرجت لذلك ، وكان نية بعض أصحابها إن ثبت لهم
البغي أن يقاتلوا التي تبغي ، وكان منهم أبو بكرة ولم يرجع عن هذا
الرأي أصلا وإنما تشاءم بقول الرسول وَّ في تمليك فارس امرأة أنهم
يغلبون ؛ لأن الفلاح في اللغة البقاء ؛ لا أن أبا بكرة وهّن رأي
عائشة، ولا في الإسلام أحد يقوله إلا الشيعة ، فلم يرد أبو بكرة
بكلامه إلا أنهم يغلبون إن قوتلوا ، وليس الغلبة بدلالة على أنهم على
باطل ؛ لأن أهل الحق قد يُغلبون ، وتكون لهم العاقبة كما وعد
[الله](١) المتقين ، وذلك عيان في أصحاب النبي - عليه السلام - يوم
حنين وأحد ، وجعل الله لهم العاقبة ، كما جعلها لمن غضب لعثمان
وأنف من قتله وطلب دمه ، وليس في الإسلام أحد يقول : إن عائشة
دعت إلى أمير معها ، ولا عارضت عليًا في الخلافة، ولا نازعته لأخذ
الإمارة ، وإنما أنكرت عليه منعه من قتلة عثمان ، وتركهم دون أن يأخذ
منهم حدود الله ودون أن يقتصّ لعثمان منهم ، لا غير ذلك ، فهم الذين
خشوها وخشوا على أنفسهم (فورّشوا ) (٢) ودسوا في جمع عائشة من
(١) من ((هـ). (٢) التوريش: التحريش. انظر لسان العرب (٣٧١/٦).
- ٥١ -

يقول لهم : إن علیا یقاتلكم فخذوا حذركم وشكوا سلاحكم وعبثوا
حربكم ، وقالوا لعلي : إنهم يريدون أن [ يخلعوك ] (١) ويقاتلوك
على الإمارة ، ثم استشهدوا بما يرونه من أخذ أصحاب الجمل بالحزم
وتعبئتهم الصفوف وشك السلاح ثم يقولون له : هل يفعلون ذلك إلا
لقتالك حتى حرّكوه ، وكانوا أول من رمى فيهم [ بالسّهام ] (٢).
وضربوا بالسيوف والرماح حتى اشتبك القتال ووقع ما راموه ، وكان
في ذلك خلاصهم مما خشوه من اجتماع الفريقين على الاستقادة لعثمان
منهم ، هذا أحسن ما قيل في ذلك .
وأما حديث أبي موسى وأبي مسعود حين دخلا على عمار ، فإن
عمارًا بعثه علي إلى الكوفة ليستنفرهم ، فجرى بينهم ما جرى من
تقبيح رأي عمار وإسراعه في الفتنة بالخروج وكشف الوجه [وقد ] (٣).
علم نهي النبي عن حمل السلاح على المسلمين ، ثم توبيخ عمار لأبي
موسى وأبي مسعود على قعودهما عن ذلك ، وكل فريق منهم مجتهد
له وجه في الصّواب ، وكان اجتماعهم عند أبي مسعود بعد أن خطب
عمار الناس على المنبر بالنفير ، وكان أبو مسعود كثير المال [ جواداً] (٤).
وكان ذلك يوم جمعة فكساهما حلتين ليشهدا بها الجمعة ؛ لأن عمارًا كان
في ثياب السفر وهيئة الحرب فكره أن يشهد الجمعة في تلك الثياب، وكره.
أن يكسوه بحضرة أبي موسى ولا يكسو أبا موسى ؛ لأنه كان كريمًا .
والقف : ما ارتفع عن الأرض ، عن صاحب العين .
(١) في ((الأصل)): يمنعوك. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): بالسلاح. والمثبت من ((هـ).
(٣) في ((الأصل)): فقد. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في (( الأصل)): جواد. والمثبت من (( هـ)).
- ٥٢ -

باب : إذا أنزل الله بقوم عذابًا
/ فيه: ابن عمر قال النبي - عليه السلام -: ((إذا أنزل الله بقوم عذابًا (١٥٩٥/٤ -ب)
أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم)).
قال المؤلف: هذا الحديث يبين حديث زينب بنت جحش: (( أنها
قالت : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم ، إذا كثر
الخبث)) فيكون إهلاك جميع الناس عند ظهور المنكر والإعلان
بالمعاصي، ودلّ قوله: (( ثم بعثوا على أعمالهم )» أن ذلك الهلاك
العام يكون طهرةً للمؤمنين ونقمةً للفاسقين وقد تقدّم [ هذا في أول
كتاب الفتن ] (١) .
باب: قول النبي وَّ الحسن بن علي إن ابني هذا سيد
ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين
فيه : إسرائيل: (( أنه جاء إلى ابن شبرمة فقال : أدخلني على عيسى
أعظه. فكأن ابن شبرمة خاف عليه فلم يفعل . قال : حدثنا الحسن قال :
لما سار الحسن بن علي إلى معاوية بالكتائب قال عمرو بن العاص
لمعاوية: أرى كتيبةً لا تولي حتى تدبر أخراها . قال معاوية: من لذراري
المسلمين ؟ فقال : أنا . فقال عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة :
[نلقاه فنقول] (٢) له: الصلح. قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة
يقول: بينا النبي يخطب جاء الحسن فقال : إن ابني هذا سيد ، ولعل الله
أن يصلح به بين فئتين من المسلمين )) .
وفيه : حرملة مولى أسامة قال: ((أرسلني أسامة إلى علي بن أبي
(١) من (( هـ )).
(٢) في ((الأصل)): تلقياه فتقولا. وفي ((هـ)): تلقاه فتقولا. والمثبت من (( ن)).
- ٥٣ -

طالب وقال : إنه [ سيسألك] (١) الآن فيقول: ما خلف صاحبك ؟
[فقل ] (٢) له: يقول لك : لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون
معك فيه ، ولكن هذا أمر لم أره [ فلم ] (٣) يعطني شيئًا، فذهبت إلى
حسن وحسين وابن جعفر (فأوقروا) (٤) إلى راحلتي)).
قال المؤلف : فيه فضل السعي بين المسلمين في حسم الفتن
والإصلاح بينهم وأن ذلك مما تستحق به السيادة والشرف ، وقول
معاوية: (( من لذراري )) يدل على أنه كره الحرب وخشي سوء عاقبة
الفتنة ؛ ولذلك بعث عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة إلى
[الحسن ] (٥) بن علي يسأله الصلح ، فأجابه الحسن بن علي رغبةً فيه
وحقنًا لدماء المسلمين وحرصًا على رفع الفتنة ، وقد تقدم في الصلح .
وأما قول إسرائيل لابن شبرمة [ أدخلني على عيسى أعظه يعني : عيسى
ابن موسى، فخاف عليه ابن شبرمة من ذلك ، فدل أن مذهب ابن
شبرمة] (٦) أن من خاف على نفسه لا يلزمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وأما حديث أسامة فإنه أرسل مولاه إلى علي بن أبي طالب يعرفه أنه
من أحبّ الناس إليه وأنه يحب مشاركته في السراء والضراء ، ويعتذر إليه
من تخلفه عن الحرب [ معه ] (٦)، وأنه لا يرى ذلك لما روي عنه: ((أن
النبي - عليه السلام - لما بعثه إلى الحرقة أدرك رجلا بالسيف فقال له
الرجل : لا إله إلا الله ، فقتله فأخبر النبي بذلك ، فقال له : يا أسامة قتلته
بعدما قال : لا إله إلا الله . فقال : يا رسول الله إنما قالها تعوّدًا .
(١) في ((الأصل)): يسألك. والمثبت من ((هـ، ن).
(٢) في ((الأصل)): فقال. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) من (( ن)).
(٤) في ((الأصل)): فأقروا. والمثبت من (( هـ ))
(٥) في ((الأصل)): الحسين. والمثبت من (( هـ).
(٦) من (( هـ)).
:- ٥٤ -

فقال رسول الله : أقتلته بعدما قال : لا إله إلا الله ؟ فما زال يكررها
حتى تمنيت ( أن ) (١) لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم)) فآلى أسامة
على نفسه أن لا يقاتل مسلمًا أبدًا ، فلذلك قعد عن عليّ - رضي الله
عنه - في الجمل وصفين .
باب : إذا قال عند قوم شيئًا ثم خرج فقال بخلافه
فيه: نافع: (( لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه
وولده ، فقال : إني سمعت النبي - عليه السلام - يقول : ينصب لكل
غادر لواء يوم القيامة ، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله ،
وإني لا أعلم غدرًا أعظم من أن يبايع [ رجل ] (٢) على بيع الله
ورسوله، ثم ينصب له القتال ، وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه ولا تابع
في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه )) .
وفيه [ أبو] (٣) المنهال: (( لما كان ابن زياد ومروان بالشام ، ووثب ابن
الزبير بمكة ووثب القراء بالبصرة ، فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة
الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره جالسًا في ظل عليّة فأنشأ أبي
يستطعمه الحديث . فقال : يا أبا برزة ألا ترى ما وقع فيه الناس ؟ فأول شيء
سمعته تكلم به : إني أحتسب عند الله أني أصبحت ساخطًا على أحياء قريش،
إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال التي قد علمتم من القلة والذلة
والضلالة ، وإن الله / أنقذكم بالإسلام ويمحمد حتى بلغ بكم ما ترون ، [٤/ ق ١٦٠-١]
وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم ، إن ذلك الذي بالشام ، والله إن
(١) في (( هـ )) : أني.
(٢) في ((الأصل، هـ)): رجلا. والمثبت من (( ن)).
(٣) من (( هـ ، ن)).
- ٥٥ -

يقاتل إلا على الدنيا ، وإن ذلك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا،
وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا)).
وفيه : حذيفة قال: (( إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي - عليه
السلام - کانوا یومئذ پسرون ، والیوم یجهرون )) .
وقال مرةً: (( إنما كان النفاق على عهد رسول الله ، وإنما اليوم فإنما هو
الكفر بعد الإيمان » .
قال المؤلف : معنى الترجمة إنما هو في خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية
ورجوعهم عن بيعته وما قالوا له ، وقالوا بغير حضرته [خلاف](١) ما.
قالوا بحضرته ، وذلك أن ابن عمر بايع يزيد بن معاوية فقال عنده
بالطاعة لخلافته ، ثم خشي على بنيه وحشمه النكث مع أهل المدينة
حين نكثوا بيعة يزيد، فجمعهم ووعظهم وأخبرهم أن النكث أعظم الغدر ..
وأما قول أبي برزة: (( إني أحتسبُ عند الله أني أصبحت ساخطًا
على أحياء قريش)) فوجه موافقته الترجمة أن هذا [ قول ] (٢) لم يقله.
عند مروان حين بايعه بل بايع واتبع ، ثم سخط ذلك لما بعد عنه ،
وكأنه أراد منه أن يترك ما نوزع فيه للآخرة ولا يقاتل عليه كما فعل
عثمان فلم يقاتل من نازعه ، بل ترك ذلك لمن قاتله عليه ، وكما فعل
الحسن بن علي حين [ ترك ] (٣) القتال لمعاوية حين نازعه أمر الخلافة.
فسخط أبو برزة من مروان [ تمسكه ] (٤) بالخلافة والقتال عليها ، فقد
تبين أن قوله لأبي المنهال وابنه بخلاف ما قال لمروان حين بايع له ، وأما
يمينه أن الذي بالشام إن يقاتل إلا على الدنيا ، فوجهه أنه كان يريد أن يأخذ
بسيرة عثمان و[ الحسن ] (٥) رضي الله عنهما ، وأمّا يمينه على الذي
بمكة - يعني ابن الزبير - فإنه لما وثب بمكة بعد أن دخل فيما دخل فيه
(١) من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): قولا. والمثبت من (( هـ)).
(٣) فى ((الأصل)): تارك .. والمثبت من ((هـ)).
(٤) فى ((الأصل)): مسكه. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): والحُسين. والمثبت من ((هـ ))
- ٥٦ -

المسلمون جعله نكثًا منه وحرصًا على الدنيا ، وهو في هذه أقوى رأيًا
منه في الأولى ، وكذلك القراء بالبصرة ؛ لأنه كان رحمه الله لا يرى
الفتنة في الإسلام أصلا ، فكان يرى أن يترك صاحب الحق حقه لمن
نازعه فيه لأنه مأجور في ذلك ، وممدوح بالإيثار على نفسه ، وكان
يريد من المقاتل له أن لا يقتحم النار في قيامه وتفريقه الجماعة وتشتيته
الكلمة ، ولا يكون سببًا لسفك الدماء واستباحة الحرم أخذًا بقوله عليه
السلام : ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار )) فلم
ير القتال البتة .
وأما حديث حذيفة وقوله: (( إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد
النبي بَّه)» لأنهم كانوا يسرون قولهم فلا يتعدّى شرهم إلى غيرهم،
وأما اليوم فإنهم يجهرون بالنفاق ويعلنون بالخروج على الجماعة
ويورثون بينهم ويحزبونهم أحزابًا ، فهم اليوم شر منهم حين لا
يضرون بما يسرونه .
ووجه موافقته للترجمة أن المنافقين بالجهر وإشهار السلاح على الناس
هو القول بخلاف ما قالوه حين دخلوا في بيعة من بايعوه من الأئمة ؛
لأنه لا يجوز أن يتخلف عن [ بيعة من ] (١) بايعه [الجماعة] (٢)
ساعة من الدهر ؛ لأنها ساعة جاهليّة ، ولا جاهليّة في الإسلام ،
وقد قال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ (٣).
فالتفرق محرّم في الإسلام وهو الخروج عن طاعة الأئمة . وأما قول
أبي برزة [ واحتسابه ] (٤) سخطه على أحياء قريش عند الله، فكأنه
قال : اللهم إني لا أرضى ما تصنع قريش من التقاتل على الخلافة ،
فاعلم ذلك من نيتي، وأني أسخط فعلهم واستباحتهم للدماء
(١) من (( هـ )).
(٢) في ((الأصل)): من الجماعة. والمثبت من ((هـ)).
(٤) فى (( الأصل)): وأحتسب أنه. والمثبت من ((هـ).
(٣) آل عمران: ١٠٣ .
- ٥٧ -

والأموال ، فأراد أن يحتسب ( مما يكرهه ) (١) من إنكار القتال في
الإسلام عند الله أجرًا وذخرًا ، فإنه لم يقدر من التغيير عليهم إلا
بالقول والنية التي بها يأجرُ الله عباده .
باب : لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور
فيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( لا تقوم الساعة حتى يمر
الرجل بقبر الرجل فيقول : يا ليتني مكانه )) .
قال المؤلف : تغبيط أهل القبور وتمني الموت عند ظهور الفتن إنما
هو خوف ذهاب الدين لغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي والمنكر.
وروى ابن المبارك عن سعيد بن عبد العزيز ، عن [ ابن ] (٢)
عبدربه [ أن أبا ] (٣) الدرداء كان إذا جاءه موت الرجل على الحال
الصالحة قال : هنيئًا له ليتني بدله ، فقالت له أم الدرداء : لم تقول
[٤/ ق١٦٠ -ب) هذا ؟ / فقال : إن الرجل ليصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا ، قالت :
وكيف؟ قال : يسلب إيمانه وهو لا يشعر ، فلأنا أغبط لهذا بالموت
أغبط من هذا في الصوم والصلاة .
وقد روي عن النعمان بن بشير ، عن النبي - عليه السلام - :
إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل [ فيها ] (٤).
مؤمنًا ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافراً ، يبيع فيها أقوام دينهم
(بعرض ) (٥) من الدنيا يسير)).
--
ومن حديث الحسن عن النبي - عليه السلام - قال: (( بين يدي
الساعة فتن يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه )).
وعن ابن مسعود قال : سيأتي عليكم زمان لو وجد فيه أحدكم
(١) في ((هـ )): ما يعتقده. (٢) في ((الأصل)): أبي. والمثبت من ((هـ)).
(٤) في ((الأصل)): فيه. والمثبت من (( هـ ).
(٣) من ( هـ).
---
(٥) فى ((هـ)): بعوض.
- ٥٨ -

الموت يباع لاشتراه ، وسيأتي عليكم زمان يغبط فيه الرجل بخفة الحاذ
كما يغبط فيه بكثرة المال والولد .
وأما من لم يخف فساد دينه وذهاب إيمانه فلا يتمنى الموت ذلك
الزمان لمشابهته بأهله وحرصه فيما دخلوا فيه ، بل ذلك وقت يسود فيه
أهل الباطل، ويعلو فيه سفلة الناس ورذالتهم [ ويسعد ] (١) بالدنيا
لکع بن لکع.
#
باب : [ تغير الزمان ] (٢) حتى تعبد الأوثان
فيه : أبو هريرة قال : قال النبي - عليه السلام - : (( لا تقوم الساعة
حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة )) وذو الخلصة طاغية
دوس [التي](٣) كانوا يعبدون في الجاهلية .
وفيه : أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: (( لا تقوم الساعة حتى
يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه )) .
قال المؤلف : ذكر مسلم في كتابه ما يبين حديث أبي هريرة قال :
حدثنا أبو كامل الجحدري قال : حدثنا خالد بن الحارث ، حدثنا
عبدالحميد بن جعفر ، عن الأسود بن العلاء ، عن أبي سلمة ، عن
عائشة قالت : سمعت رسول الله 18 يقول: (( لا يذهب الليل
والنهار حتى تعبد اللات والعزى فقلت : يا رسول الله إن كنت لأظن
حين أنزل الله: ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ﴾ إلى
﴿المشركون﴾ (٤) أن ذلك تام قال : إنه سيكون من ذلك ما شاء
(١) في ((الأصل)): ويستعبد. والمثبت من (( هـ).
(٢) في ((الأصل)): لا تقوم الساعة. والمثبت من ( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): الذي. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٤) الفتح : ٢٨ .
- ٥٩ -

الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبةً [فيتوفى ] (١) كل من في قلبه مثقال
حبة من خردل من إيمان ، فيبقى من لا خير فيه [ فيرجعون ] (٢) إلى
دین آبائهم» .
قال المؤلف : هذه الأحاديث وما جانسها [ معناها ] (٣)
!
الخصوص، وليس المراد بها أن الدين ينقطع كله في جميع أقطار
الأرض حتى لا يبقى منه شيء؛ لأنه قد ثبت عن النبي وَ ﴾ أن
الإسلام يبقى إلى قيام الساعة إلا أنه يضعف ويعود غريبًا كما بدأ ،
وروى حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن مطرف ، عن عمران بن
حصين قال : قال النبي -عليه السلام - : (( لا تزال طائفة من أمتي:
يقاتلون على الحق ظاهرين حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال )) وكان
مطرف يقول : هم أهل الشام ، فبين عليه السلام في هذا الخبر
خصوصه [ سائر ] (٤) الأخبار التي خرجت مخرج العموم ، وصفة
الطائفة التي على الحق مقيمة إلى قيام الساعة أنها بيت المقدس دون
سائر البقاع ، فبهذا تأتلف الأخبار ولا تتعارض ، وقد تقدم في كتاب
العلم [ في باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ] (٥) .
فإن قال قائل : فما وجه ذكر حديث القحطاني الذي يسوق الناس
بعصاه في هذا الباب ؟
قال المهلب : وجه ذلك أنه إذا قام رجل من قطحان ليس من
[فخذ] (٦) النبوة ولا من رهط الشرف الذين جعل الله فيهم الخلافة
فذلك من أكبر تغير الزمان وتبديل ( أحكام ) (٧) الإسلام أن يدعي.
الخلافة ، وأن يطاع في الدين من ليس أهل ذلك .
(١) فى ((الأصل)): فتوفى. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): فيرجعوا. والمثبت من (( هـ)).
(٣) فى ((الأصل)): معناه. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): بائر. والمثبت من ( هـ).
(٦) في ((الأصل)): قحط. والمثبت من (( هـ)).
(٥) من ( هـ )).
(٧) في ((هـ)) : أحوال .
- ٦٠ -