Indexed OCR Text

Pages 381-400

قال المؤلف : من السنة المعروفة أن صاحب المنزل يتقدم للصلاة على
من حضره من الناس إلا أن يقدم غيره ، وصلاة النبي بمن عاده في
مرضه هو الواجب من وجهين : أحدهما : ما ذكرناه من أن صاحب
المنزل أولى من غيره بالإمامة ، والوجه الثاني : أن النبي لا يجوز أن
يتقدمه أحد في كل مكان ، ولا يجوز اليوم لمن كان مريضًا أن يؤم
أحدًا في بيته جالسًا ؛ لأن إمامة الجالس منسوخة عند أكثر العلماء ،
وقد تقدّم [ اختلافهم في ذلك ] (١) في كتاب الصلاة .
باب : وضع اليد على المريض
فيه : عائشة بنت سعد: (( أن أباها قال : تشكيت بمكة فجاءني النبي
يعودني فقلت : يا نبي الله ، إني أترك مالا ... )) الحديث (( ثم وضع يده
على جبهته ثم مسح وجهي وبطني ثم قال : اللهم اشف سعدًا وأتمم له
هجرته )) .
وفيه : عبد الله : « دخلت على النبي وهو يوعك فمسسته بيدي فقلت:
يا رسول الله، إنك لتوعك ... )) الحديث .
قال المؤلف : في وضع اليد على المريض [ تأنيس ] (٢) له وتعرف
لشدّة مرضه ليدعو له العائد على حسب ما يبدو له منه ، وربما رقاه
بيده ومسح على ألمه فانتفع العليل به إذا كان العائد صالحًا تبرك بيده
ودعائه كما فعل النبي ، وذلك من حسن الأدب واللطف بالعليل
وينبغي امتثال أفعال النبي - عليه السلام - كلها والاقتداء به فيها .
(١) من ((هـ).
(٢) في ((الأصل)): تأنيسًا. والمثبت من (( هـ).
- ٣٨١ -

باب : ما يقال للمريض وما يجيب
فیه : عبد الله : « أتيت النبي في مرضه فمسسته وهو يوعك وعگًا
شديدًا، فقلت : إنك لتوعك وعكًا شديدًا، وذلك أن لك [أجرين](١)؟
قال : أجل ما من مسلم يصيبه أذىً إلا حاتت [ عنه ] (٢) خطاياه كما
تحات ورق الشجر )) .
وفيه : ابن عباس : (( أن رسول الله دخل على رجل يعوده فقال :
لا بأس ، طھور إن شاء الله . قال : کلا بل هي حمی تفور علی شیخ کبیر
كيما تزيره القبور . قال النبي : فنعم إذًا)) .
قال المهلب : فيه أن السنّة أن يخاطب العليل بما يسليه من ألمه.
ويغبطه بأسقامه [ بتذكيره بالكفارة لذنوبه وتطهيره من آثامه ] (٣)
ويطمعه بالإقالة لقوله: لا بأس عليك مما تجده بل يكفر الله به ذنوبك
ثم يفرج عنك فيجمع لك الأجر والعافية لئلا يسخط أقدار الله ،
واختياره له وتفقده إياه بأسباب الرحمة ولا يتركه إلى نزغات الشيطان
(والسخط) (٤) فربما جازاه الله بالتسخط سخطًا وبسوء الظن عقابًا
فيوافق قدرًا يكون سببًا إلى أن يحل به ما لفظ به من الموت الذي
حکم به على نفسه .
وقوله عليه السلام لابن مسعود : (( أجل )) أنه ينبغي للمريض أن
يحسن جواب زائره ويتقبل ما يعده من ثواب مرضه ومن إقالته ولا يردّ
عليه بمثل ما رد الأعرابي على النبي - عليه السلام - وسيأتي [ في
باب يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ](٣) في كتاب الاعتصام.
(١) فى ((الأصل)): أجران. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل: عليه. والمثبت من ((هـ، ن)). (٣) من ( هـ)).
(٤) في (( هـ)) : والتسخط .
- ٣٨٢ -

باب : عيادة المريض راكبًا وماشيًا
فيه : أسامة: (( أن النبي - عليه السلام - ركب على حمار على إكاف
على قطيفة فركبه وأردف أسامة / وراءه يعود سعد بن عبادة قبل وقعة
بدر ... )) وذكر الحديث .
[٤/ ق١١٧-٢]
وفيه : جابر: (( جاءني النبي - عليه السلام - يعودني ليس براكب بغل
ولا برذون )) .
فيه أن عيادة المريض راكبًا وماشيًا كل ذلك سنة مرجو بركة العمل
بها و [ ثواب ] (١) الأعمال على صحّة النية وإخلاصها لله تعالى ،
وإن قلّت المشقة فيها .
*
باب : قول المریض إني وجع ، أو وا رأساه أو اشتد بي الوجع، وقول
أيوب: ﴿مسني الضر وأنت أرحم الراحمين﴾ (٢)
فيه : كعب بن عجرة: (( مر بي النبي - عليه السلام - وأنا أوقد تحت
القدر فقال : أيؤذيك هوام رأسك ؟ قلت : نعم . فدعا الحلاق فحلقه ثم
أمرني بالفداء )) .
وفيه : عائشة قالت: (( وارأساه، قال النبي - عليه السلام - : ذاك لو
كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك . فقالت عائشة : وا ثكلیاه والله
إني لأظنك تحب موتي ، فلو كان ذلك لظللت آخر یومك معرسًا ببعض
أزواجك . فقال النبي ◌َقلفى: بل أنا وا رأساه لقد هممت - أو أردت - أن
أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد ... )) الحديث .
وفيه : عبد الله بن مسعود : (( دخلت على النبي - عليه السلام - وهو
(١) من (( هـ).
(٢) الأنبياء : ٨٣ .
- ٣٨٣ -

يوعك فمسسته بيدي ، فقلت : إنك توعك وعكًا شديدًا ؟ قال : أجل
كما يوعك رجلان منكم . قال : لك أجران ؟ قال : نعم ما من مسلم
يصيبه أذىّ مرض فما سواه إلا حط [ الله ] (١) سيئاته كما تحط الشجرة
ورقها )» .
وفيه: سعد: (( جاءني النبي - عليه السلام - يعودني من وجع اشتد
بي زمن حجة الوداع ... )) الحديث .
قال الطبري : اختلف العلماء في هذا الباب فقالت طائفة : لا أحد
من بني آدم إلا وهو يألم من الوجع ويشتكي المرض لأن نفوس بني آدم
بنيت على الجزع من ذلك والألم ، فغير قادر أحد على تغييرها عما
خلقها الله بارئها ، ولا كلّف أحد أن يكون بخلاف الجبلّة التي جبلَ
عليها، وإنما كلف العبد في حال المصيبة أن لا يفعل ما له إلى ترك فعله
سبيل وذلك ترك البكاء على الرزيّة والتأوّه من المرض والبلية .
فمن تأوّه من مرضه أو بكى من مصيبة تحدث عليه أو فعل نظيراً
لذلك فقد خرج من معاني أهل الصبر ودخل في معاني أهل الجزع،
وممن روي ذلك عنه مجاهد وطاوس ، قال مجاهد : يكتب على
المريض ما تكلم به حتى الأنين . وقال ليث: قلت لطلحة بن مصرف:
إن طاوسًا كره الأنين في المرض ، فما سمع لطلحة أنين حتى ماتَ .
واعتلوا لقولهم بإجماع الجميع على كراهة شكوى العبد ربه على
ضّر ینزل به أو شدّة تحدث به ، وشكواه ذلك إنما هو ذكره للناس ما
امتحنه به [ ربه عز وجل ] (٢) على وجه الضجر به ، قالوا : فالمتوجع
المتأوه في معنى ذاكره للناس [ متضجراً ] (٣) به أو أكثر منه به ..
(١) من ((هـ ، ن )
(٢) من ( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): مضجرًا. والمثبت من ((هـ)).
- ٣٨٤ -

وقال آخرون : ليس الذي قال هؤلاء بشيء وقالوا : إنما الشاكي
ربه تعالى من أخبر عما أصابه من الضرّ والبلاء متسخطًا قضاء الله فيه،
فأما من أخبر به إخوانه ليدعوا له بالشفاء والعافية وأن [ استراحته ] (١)
إلى الأنين والتأوّه فليس ذلك بشاك ربّه ، وقد شكا الألم والوجع
المؤذي النبي - عليه السلام - وأصحابه وأن جماعة من القدوة ممن
ذكرهم البخاري في هذا الباب وغيرهم ، روي عن الحسن البصري أنه
دخل عليه أصحابه وهو يشتكي ضرسه فقال : رَبّ مسّني الضر وأنت
أرحم الراحمين ، وهذا القول أولى بالصّواب لما يشهد له من فعل
النبي وأصحابه ، وأيضًا فإن الأنين من ألم العلّة والتأوّه قد يغلبان
الإنسان ولا يطيق كفهما عنه ، ولا يجوز إضافة مؤاخذة العبد [ به ] (٢)
إلى الله تعالى ؛ لأنه قد أخبر أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وليس
في وسع ابن آدم ترك الاستراحة إلى الأنين عند الوجع يشتد به والألم
ينزل به فيؤمر به أو ينهى عن خلافه .
#
[٤/ق١١٧ -ب]
/ باب : قول المريض قوموا عني
فيه : ابن عباس : (( لما حضر النبي - عليه السلام - وفي البيت رجال
فيهم عمر بن الخطاب قال النبي : هلمّ أكتب لكم كتابًا لا تضلّوا بعده.
فقال عمر : إن النبي قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب
الله [فاختلف ] (٣) أهل البيت ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي
قال : قوموا ... )) الحديث .
(١) في ((الأصل)): استراحة. والمثبت من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): ربه. والمثبت من ( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): اختلف. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ٣٨٥ -

قال المؤلف : فيه من الفقه أن المريض إذا اشتد به المرض أنه يجوز
أن يقول لزوره قوموا عني ويأمرهم بالخروج لينفرد بألطافه ويمرضه من
يخف عليه مباشرته له من أهله وذوي رحمه ، ولا يعد ذلك جفاءً على
الزائرين بل الجفاء منهم طول الجلوس عند المريض إذا اشتد مرضه ،
والصّواب لهم تخفيف القعود عنده وترك إحراجه وأذاه ، وقد تقدم في
كتاب العلم [ في باب كتابة العلم وسيأتي في كتاب الاعتصام في باب
النهي على التحريم إلا بما يعرف إباحته إن شاء الله تعالى ] (١).
باب : من ذهب بالصبي المريض ليدعى له
فيه : السائب: (( ذهبت بي خالتي إلى النبي - عليه السلام - قالت :
يا رسول الله، [إن ](٢) ابن أختي وجع فمسح رأسي ودعا لي بالبركة ،
ثم توضأ فشربت من وضوئه ... )) الحديث .
لا بأس بالذهاب بالصبيان إلى الصالحين وأهل الفضل رغبةً في بركة
دعائهم والانتفاع بهم ، ألا ترى أن هذا الصبي مسح النبي - عليه
السلام - رأسه ودعا له وسقاه من وضوئه فبرئ حتى قام خلف ظهره
عليه السلام ورأى بين كتفيه خاتم النبوة .
:
وفيه أن شرب صاحب الوجع من وضوء الرجل الفاضل مما يذهب
وجعه .
باب : تمني المريض الموت
فيه : أنس قال النبي - عليه السلام -: (( لا يتمنين أحد الموت من
(٢) من (( هـ، ن)).
(١) من (( هـ ) .
- ٣٨٦ -

مرض أصابه ، فإن كان لا بُدّ فاعلا فليقل اللهم أحيني [ ما كانت ] (١)
الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي)) .
وفيه: قيس بن أبي حازم: (( دخلنا على خباب نعوده - وقد اكتوى
بسبع كيات - فقال : إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم
الدنيا، وإنا أصبنا ما لم نجد له موضعًا إلا التراب ، ولولا أن النبي -
عليه السلام - نهانا أن ندعو بالموت لدعوتُ به ، ثم أنيناه مرةً أخرى وهو
يبني حائطًا له، فقال: إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء
يجعله في هذا التراب )) .
وفيه: أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( لن يدخل أحدًا عمله
الجنة . قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله
بفضل رحمته ، فسددوا وقاربوا ، ولا يتمنى أحدكم الموت إما محسنًا
فلعله [ أن ] (٢) يزداد خيرًا، وإما مسيئًا فلعلُه أن يستعتب)).
وفيه: عائشة: (( قال النبي - عليه السلام - وهو مستند إليّ : اللهم
اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق )) .
قال المؤلف : نهى النبي أمته عن تمني الموت عند نزول البلاء بهم
وأمرهم أن يدعوا بالموت ما كان الموت خيرًا لهم في حديث أبي هريرة:
((لا يتمنى أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مسيئًا
فلعله أن يستعتب )) .
قال الطبري: فإن قيل: هذا الحديث جاء بلفظ ((لعلّ)) وهي
موضوعة لغير التحقيق. قيل: قد جاء هذا الحديث بلفظ ((إن)) التي هي
موضوعة للتحقيق من رواية معمر، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة
قال : قال النبي : (( لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدعو به قبل أن يأتيه،
(١) في ((الأصل)): ما كان. والمثبت من ((هـ، ن)). (٢) من (( هـ، ن).
- ٣٨٧ -

فإنه إذا مات أحدكم انقطع أمله وعمله ، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا
خيرًاً )) فإن قال قائل : إن قول النبي - عليه السلام - عند موته :
((اللهم ألحقني بالرفيق )) ثمن للموت ، وذلك معارض للأحاديث
المتقدمة وقد تمنّى الموت عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب : .
فأما حديث عمر فرواه معمر عن علي بن زيد ، عن الحسن ، عن
سعيد بن أبي العاص قال: (( رصدت عمر ليلةً فخرج إلى البقيع
وذلك في السحر فاتبعته فصلّى فرفع يديه ثم قال : اللهم كبرت سني
[١١٨٥/٤-)] وضعفت قوتي وخشيت الانتشار من رعيتي فاقبضني إليك / غير عاجز
ولا ملوم)» قال الزهري ، عن ابن المسيب: فما انسلخ الشهر حتى
مات .
وأما حديث علي فرواه معمر عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن
عبيدة قال: سمعت عليًا يخطب فقال: ((اللهم إني قد سئمتهم
وسئموني ( فارحمني ) (١) منهم وارحمهم مني ، ما يمنع أشقاكم أن
يخضبها بدم - وأشار إلى لحيته )).
قيل : لا تعارض بين شيء مما ذكرت ولكل خبر منها وجه صحيح؛
فأما قول النبي - عليه السلام -: ((اللهم ألحقني بالرفيق )) فإنما قال
ذلك بعد أن علم أنه ميت في يومه ذلك برؤية الملائكة المبشرة له عن
ربه بالسُرور الكامل ألا تسمعه يقول لابنته فاطمة حين ندبته: ((لا کرب
على أبيك بعد اليوم )) فكانت نفسه مفزعة في اللحاق [ بكرامةٍ ] (٢)
الله - تعالى - والمصير إلى ما وعده به من سعادة الأبد ، وكذلك
قالت عائشة : سمعت النبي - عليه السلام - يقول: (( لا يقبض نبي
حتى يخيّر ، فلما سمعته يقول : الرفيق الأعلى علمت أنه ذاهب
وأنه لا يختارنا)) وهذا خير له من كونه في الدنيا وبهذا أمر أمته فقال:
(١) في ((هـ)): فأرحني.
(٢) من ((هـ)).
- ٣٨٨ -

((إن كان لابد فاعلا فليقل اللهم توفني ما كانت الوفاة خيراً لي)).
وأما حديث عمر وعلي ففيهما بيان معنى نهيه عليه السلام عن تمنّي
الموت وأن المراد بذلك إذا نزل بالمؤمن ضر أو ضيق في دنياه فلا يتمنى
الموت عند ذلك ، فأما إذا خشي أن يصاب في دينه فمباح له أن يدعو
بالموت قبل مُصابه بدينه ، ويشهد لصحة هذا قوله عليه السلام : ((وإذا
أردت بالناس فتنةً فاقبضني إليك غير مفتون)) فاستعمل عمر هذا المعنى
حين خشي عند كبر سنّه وضعف قوته أن يعجز عن القيام بما فرض الله
عليه من أمر الأمة أو أن يفعل ما يلام عليه في الدنيا والآخرة ، فلذلك
[ قال ] (١) : فاقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم ، فأجاب الله دعاءه
وأماته قبل انسلاخ الشهر .
وكذلك خشي علي بن أبي طالب من سآمته لرعيته وسآمتهم له أن
يحملهم ذلك على ما يؤول إلى سخط الله وإلى ما لا يرقع فتقه ،
فكان ذلك من قبلهم فقتلوه وتقلدوا دمه وباءوا بإثمه وهو إمام عدل بَر
تقي لم يأت ما يستحق عليه التأنيب فضلا عن غيره ؛ فلذلك سأل الله
أن يريحه منهم فليس في شيء من ذلك تعارض ولا اختلاف ، بل كل
ذلك يفسر بعضه بعضاً .
وقول خباب: ((إن المسلم [ ليؤجر ] (٢) في كل شي ينفقه إلا
[في] (١) شيء يجعله في هذا التراب)) يعني البنيان، ومعنى الحديث
أن من بنى ما يُكنّه ولا غنى به عنه فلا يدخل في معنى الحديث بل هو
[ ما ] (٣) يؤجر فيه، وإنما أراد خباب من بنى ما يفضل عنه ولا
يضطر إليه فذلك الذي لا يؤجر عليه لأنه من التكاثر الملهي لأهله .
(١) من ((هـ)).
(٢) فى (( الأصل)): ليثاب. والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)): ممن. والمثبت من (( هـ)).
- ٣٨٩ -

وقد تقدم في باب البناء في آخر كتاب الاستئذان [ وسيأتي معنى
قوله ◌َيلة: ((لا يدخل أحدًا عمله الجنة)) وتأويل قوله تعالى:
﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ (١) في باب القصد
والمداومة على العمل في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى] (٢).
باب : دعاء العائد للمريض
وقالت عائشة بنت سعد عن أبيها قال النبي - عليه السلام: (( اللهم
اشف سعداً )) .
وفيه : عائشة: (( أن النبي - عليه السلام - كان إذا أتى مريضًا أو أتي
به قال : أذهب الباس ، ربّ الناس ، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا
شفاؤك [ شفاءً] (٣) لا يغادر سقماً)).
قال الطبري : في هذه الآثار من الفقه أن الرغبة إلى الله في العافية
في الجسم أفضلُ للعبد وأصلح له من الرغبة إليه في البلاء ، وذلك أنه
عليه السلام كان يدعو للمرضى بالشفاء من عللهم .
فإن قال قائل : ما وجه دعائه عليه السلام لسعد بالشفاء ، وقد
تظاهرت الأخبار عنه عليه السلام أنه قال يومًا لأصحابه : من أحبّ أن
يصحّ ولا يسقم ؟ فقالوا : نحن يا رسول الله . فقال : أتحبون أن
تكونوا مثل الحمر الصيّالة ؟ وتغير وجه النبي - عليه السلام - ثم
قال: ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء وأصحاب كفارات ؟ قالوا:
بلى يا رسول الله . قال : فوالذي نفس أبي القاسم بيده إن الله تعالى".
ليبتلي المؤمن ، وما يبتليه إلا لكرامته عليه ، وإلا أن له عنده
(١) الزخرف : ٧٢ .
(٣) من (( هـ ، ن ) .
(٢) من (( هـ)).
- ٣٩٠ -

منزلة لا يبلغها / ( شيء ) (١) من عمله دون أن يبلغ من [ البلاء ] (٢) (٤/ ١١٨٥ -ب]
ما يبلغه تلك المنزلة. من حديث أبي عقيل مسلم بن عقيل، عن عبد الله
ابن إياس بن أبي فاطمة، عن أبيه ، عن جده، عن النبي وَه.
وروى زيد بن أبي أنيسة ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن
المسيّب ، عن أبي هريرة قال: (( جاء رجل مصح إلى النبي - عليه
السلام - فقال له رسول الله : أصابتك أم ملدم قط ؟ قال له : لا يا
رسول الله . فلما ولى الرجل قال لهم رسول الله : من سّره أن ينظر
إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا)) .
وروى الليث عن يزيد بن [ أبي ] (٣) حبيب ، عن سعد بن يسار،
عن أنس بن مالك ، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (( إن أعظم
الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي
فله الرضا ، ومن سخط فله السخط )) مع كثرة من كان يؤثر العلل
والأسقام من السلف .
قيل : ليس شيء من هذه الآثار يعارض أحاديث هذا الباب ولكل
حديث منها وجه مفهوم وذلك أن العلل والأمراض كفارات لأهل
الإيمان وعقوبات يمحص الله [ بها ](٣) عمن شاء منهم في الدنيا ليلقوه
مطهرين من دنس الذنوب ، كما روى أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس
قال: (( كان أبو بكر الصّديق يأكل مع النبي فنزلت هذه [الآية] (٣):
﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ (٤)
فرفع أبو بكر يده فقال : يا رسول الله، إني أجزى بما عملت من مثقال
(١) في ((هـ)): بشيء.
(٢) في ((الأصل)): السلامة. والمثبت من (( هـ).
(٣) من ( هـ).
(٤) الزلزلة : ٧، ٨ .
- ٣٩١ -

ذرة من شرٍ ؟ فقال : يا أبا بكر ، ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل
ذر الشّر ويدخر لك مثاقيل الخير حتى توفاه يوم القيامة)).
فإذا كانت العلل والأوجاع إنما هي عقوبات على التبعات ثبت أنه
النبي - عليه السلام - إنما دعا بالشفاء من الأمراض لمن لا كبائر له ،
ومن سلم من الذنوب الموجبة للعقوبات وبرئ من مظالم العباد وكره
اختيار الصحة على البلاء في هذه الأحاديث الأخر لأهل الإجرام ولمن
اقترف على نفسه الآثام ، فكره له أن يختار لنفسه لقاء ربه بآثامه
وموافاته بإجرامه غير [ متمحّص ولا] (١) متطهر من الأدناس ، فليس
شيء من الأخبار خلاف لصاحبه ، والله الموفق .
باب : وضوء العائد المريض
فيه: جابر: (( دخل عليّ النبي وأنا مريض فتوضأ وصبّ عليّ فعقلت،
وقلت : لا يرثني إلا كلالة فنزلت آية الفرائض )) .
وضوء العائد للمريض إذا كان إمامًا في الخير ورئيسًا في الفضل
يتبرك به وصبّه عليه بما يُرجَى نفعه ، وقد يمكن أن يكون مرض جابر
الذي صبّ عليه [النبي 1َّ] (١) الماء من الحمى الذي أمر النبي
بإيرادها بالماء لأنها من فيح جهنم ، فتكون صفة من [الإبراد ] (٢)
هكذا أن يتوضأ الرجل الفاضل ويصب ذلك الماء الذي طار من وضوئه
على المريض .
(٢) في ((الأصل)): براد. والمثبت من ( هـ )
(١) من (( هـ)).
- ٣٩٢ -

باب : من دعا برفع الوباء والحمى
وذكر حديث عائشة حين وعك أبو بكر وبلال بتمامه إلى قوله :
((اللهم حبّب إلينا المدينة وانقل حُمّاها فاجعلها بالجحفة)) .
[ وقد تقدم في باب عيادة الرجال النساء] (١).
قال المؤلف : فيه من الفقه جواز الدعاء إلى الله تعالى في رفع
الوباء والحمّى والرغبة إليه في الصحّة والعافية ، وهذا رد على الصوفية
في قولهم : إن الولي لا تتم له الولاية إلا إذا رضي بجميع ما نزل به
من البلاء ولا يدع الله في كشفه ، وقد تقدّم في آخر كتاب الحج في
أبواب فضائل المدينة .
#
#
(١) من (( هـ)).
- ٣٩٣ -

كتاب الطب
باب: ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً
فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( ما أنزل الله داءً إلا أنزل
له شفاءً » .
قال الترمذي في هذا الحديث : عن ابن مسعود وأبي هريرة وأبي
خزامة عن أبيه [ وابن عباس ] (١) وعن أسامة بن شريك .
وفيه إباحة التداوي وجواز الطبّ ، وهو رد على الصوفية الذين
يزعمون أن الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل به من البلاء ،
ولا يجوز له مداواته
وقد أباح عليه السلام / التداوي وقال للرجلين : (( أيكما أطب ؟
[٤/ق١١٩-٢]
فقالا : أو في الطبّ خير يا رسول الله ؟ فقال : أنزل الدواء الذي
أنزل الأدواء)) . فلا معنى لقول من أنكر ذلك .
باب : هل يداوي الرجل المرأة والمرأة الرجل
فيه : رُبَيّع بنت معوّذ قالت : (( كنا نغزو مع النبي ◌ّلل نسقي القوم
ونخدمهم ، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة )) .
قال المؤلف : هذا إنما يجوز للنساء المتجالات اللاتي لا تخشى من
(١) في ((الأصل)): وابن مسعود، والمثبت من (( هـ)).
- ٣٩٤ -

قبلهن الفتنة وأما الجواري فلا يباشرن الرجال غير [ ذوي ] (١) المحارم
منهن .
باب : الدواء بالعسل وقوله تعالى: ﴿ فيه شفاء للناس ﴾ (٢)
فيه : عائشة: (( كان النبي - عليه السلام - يعجبه الحلواء والعسل)).
وفيه : جابر قال النبي: (( إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي
شرطة محجم أو شربة عسل ، أو لذعة بنار توافق الداء ، وما [ أحب
أن](٣) أکتوي)» .
وفيه: أبو سعيد (( أن رجلا أتى النبي - عليه السلام - فقال : أخي
يشتكي بطنه . فقال : اسقه عسلا. ثم أتاه الثانية فقال : اسقه عسلا . ثم
أتاه الثالثة فقال : اسقه عسلا . ثم أتاه فقال : فعلت . فقال : صدق الله
و کذب بطن أخيك ، اسقه عسلا . فسقاه فبرئ)).
اختلف أهل التأويل فيما عادت عليه الهاء التي في قوله : ﴿ فيه
شفاء للناس﴾ (٢) فقال بعضهم : عادت على القرآن وهو قول
مجاهد .
وقال آخرون : يراد بها العسل روي ذلك عن ابن مسعود وابن
عباس ، وهو قول الحسن وقتادة ، وهذا القول أولى بدليل حديث
جابر وأبي سعيد، وقال قتادة في حديث أبي سعيد: (( صدق القرآن
وكذب بطن أخيك )) وقال بعض العلماء في قوله : ﴿ شفاء
للناس﴾(٢) المعنى فيه شفاء لبعض الناس. وتأولوا الآية. وحديث
جابر وأبي سعيد على الخصوص .
(١) في ((الأصل)) : ذي .
(٢) النحل : ٦٩ .
(٣) في ((الأصل)): اختار. والمثبت من ((هـ، ن)).
- ٣٩٥ -

وقالوا : الحجامة وشرب العسل والكي إنما هو شفاء لبعض
الأمراض دون بعض ، ألا ترى قوله عليه السلام: (( أو لذعة بنار
توافق الداء)) فشرط موافقتها للداء فدل هذا أنها إذا لم توافق الداء
فلا دواء فيها ، وقد جاء في القرآن ما لفظه العموم والمراد به
الخصوص كقوله تعالى: ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا
ليعبدون﴾(١)، يريد المؤمنين منهم لقوله تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم.
كثيرًا من الجن والإنس﴾ (٢) أي: خلقنا، وقال تعالى في بلقيس :
﴿وأوتيت من كل شيءٍ ﴾ (٣) ولم تؤت ملك سليمان ، ومثله كثير .
باب : الدواء بأبوال الإبل وألبانها
فيه : أنس: (( أن أناسًا اجتووا المدينة فأمرهم النبي - عليه السلام -
أن يلحقوا براعيه - يعني الإبل - [ فيشربوا ] (٤) من ألبانها وأبوالها ،
ففعلوا حتى صلحت أبدانهم، فقتلوا الراعي ... )) الحديث.
قال مالك : لا بأس بشرب أبواب الإبل في الدواء ، كذلك أبواب
الأنعام والبقر والغنم ، قيل له : فأبوال الخيل ؟ قال : لا خير فيه .
قيل له : تحلب فتبول في اللبن . قال : أرجو أن لا يكون بذلك
بأس. وأبوالها عنده طاهرة كلحومها .
وقال مالك مرةً : تشرب أبوال الأنعام الثمانية التي ذكر الله .
سبحانه، وقد تقدم في كتاب الوضوء [ في باب أبواب الإبل والدّواب
والغنم ومرابضها ] (٥) وقوله: ((يكدم الأرض بلسانه )) فالكدم:
عض بأدنى الفم .
٩
(١ ) الذاريات : ٥٦ .
(٣) النمل : ٢٣ .
(٢) الأعراف : ١٧٩ .
(٤) في ((الأصل)): فيلحقون. وفي ((هـ)): فيشربون. والمثبت من (( ن)).
(٥) من (( هـ )).
- ٣٩٦ -

باب : الحبة السوداء
فيه : جابر بن سعد : (( خرجنا ومعنا غالب بن أبجر ، فمرض في
الطريق ، فقدمنا المدينة وهو مريض فعاده ابن أبي عتيق فقال لنا : عليكم
بهذه الحبيبة السوداء ، فخذوا منها خمسًا أو سبعًا فاسحقوها ، ثم
اقطروها في أنفه بقطرات زيت في هذا الجانب وفي هذا الجانب ، فإن
عائشة حدثتني أن النبي ميز قال: إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء
إلا السّام. قلت : وما السام ؟ قال: الموت )) .
وفيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( في الحبة السوداء شفاء
من كل داء إلا السّام /)) قال ابن شهاب : والسام : الموت ، والحبة (١١٩٥/٤- ب]
السوداء : الشونيز .
هذا الحديث يدل عمومه على الانتفاع بالحبة السوداء في كل داء غير
داء الموت كما قال عليه السلام ، إلا أن أمر ابن أبي عتيق بتقطير الحبّة
السوداء بالزيت في أنف المريض لا يدل أن هكذا سبيل التداوي بها في
كل مرض ، فقد يكون من الأمراض ما يصلح للمريض شربها أيضًا ،
ويكون منها ما يصلح خلطها ببعض الأدوية فيعم الانتفاع بها منفردة
ومجموعة مع غيرها ، والله أعلم .
باب : التلبينة للمريض
فيه: عائشة: (( أنها كانت تأمر بالتلبينة للمريض [ وللمحزون ] (١)
على الهالك ، وكانت تقول : إني سمعت النبي يقول : إن التلبينة تجمّ
فؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن ، وكانت تقول : هو [ البغيض ] (٢)
النافع».
(١) في ((الأصل)): وللمجدور. والمثبت من (( هـ، ن).
(٢) في ((الأصل)): البعض. والمثبت من (( هـ ، ن)).
- ٣٩٧ -

ويروى ((تخمّ)) ومعناه: تنقي [ والمخمة ] (١) المكنسة ، ومنه قوله
عليه السلام حين سئل أي المؤمنين أفضل؟ قال: (( الصادق اللسّان
المخموم القلب . قيل : قد عرفنا الصادق اللسان ، فما المخموم
القلب ؟ قال : الذي لا غل فيه ولا حسد )) ومن روى تجم بالجيم ،
فمعناه قريب من هذا وهو من خفة النفس ونشاطها ، تقول العرب :
جمّ الفرس يَجِمَّ ويَجُمَّ جمامًا وأجمٌ إذا ترك ولم يركب ولم يتعب .
باب : السعوط
فيه : ابن عباس: (( أن النبي - عليه السلام - احتجم وأعطى الحجام
أجره ، واسْتَعَطَ )) .
روى الترمذي من حديث عبادة بن منصور عن عكرمة ، عن ابن
عباس قال : قال النبي - عليه السلام -: ((إن خير ما تداويتم به
السعوط واللدود والحجامة والمشي)) . وهذا الحديث معناه الخصوص.
والسعوط والحجامة شفاء لبعض الناس دون بعض ، وكلك اللدود
والمشِيّ .
باب : [السعوط] (٢) بالقسط الهندي
وهو الكست مثل الكافور والقافور ، وقرأ عبد الله قشطت وكشطت .
فيه: أم قيس أن النبي - عليه السلام - قال: (( عليكم بهذا العود
الهندي ، فإن فيه سبعة أشفية يسعط به من العذرة ، ويلد به من ذات
الجنب ... )) الحديث
(١) في ((الأصل)): الخمة. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): السعود. والمثبت من ((هـ، ن)).
- ٣٩٨ -

وفي كتاب العين : العذرة : وجع في الحلق ، ويلدّ : يداوى ،
واللدود ما كان من السقي في أحد شقي الفم ، وسيأتي في [باب](١)
اللدود .
*
باب : أي ساعة يحتجم
واحتجم أبو موسى ليلا .
فيه: ابن عباس: (( احتجم النبي وهو صائم)).
الحجامة في الليل والنهار وفي كل وقت احتيج إليها مباحة ، وقد
روى أبو داود عن الربيع بن نافع ، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن
الجمحي ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول
الله وَّل: ((من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين ،
كان شفاءً من كل داء » .
وسئل مالك عن الحجامة في خمس عشرة وسبع عشرة وثلاث
وعشرين ، فکره أن یکون لذلك يوم محدود ، وقال أبو داود : حدثنا
موسى بن إسماعيل حدثنا أبو بكرة بكار بن عبد العزيز قال : أخبرتني
عمّتي كبشة بنت أبي بكر : (( أن أباها كان ينهى أهله عن الحجامة يوم
الثلاثاء ، ويزعم عن رسول الله أن يوم الثلاثاء يوم الدم وفيه ساعة
لا يرقأ)» .
وقال مالك : لا أرى بأسًا بالحجامة يوم السبت ويوم الأربعاء
والأيام كلها ، وكذلك السفر والنكاح ، وأراه عظيمًا أن يكون يومًا من
الأيام يجتنب ذلك فيه ، وأنكر الحديث في هذا . وقال الليث : إني
لأتقي الحجامة يوم السبت والأربعاء لحديث بلغني .
(١) في ((الأصل)): كتاب. والمثبت من (( هـ)).
- ٣٩٩ -

باب : الحجامة من الدواء
فيه: أنس: (( أنه سئل عن أجر الحجام، فقال: احتجم النبي - عليه
السلام - حجمه أبو طيبة ، وأعطاه صاعين من طعام ، وكلم مواليه
[٤/ ١٢٠٥-١) فخففوا عنه ، وقال : إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري /
وقال : لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة، وعليكم بالقسط )).
وفيه : جابر: (( أنه عاد المقنع ثم قال : لا أبرح حتى يحتجم ، فإني
سمعت النبي يقول [ إن ] (١) فيه الشفاء)).
قال الطبري: فإن قال قائل: قول النبي ((أمثل ما تداويتم به
الحجامة)) و((إن فيه الشفاء)) هل هو على العموم أو الخصوص، فإن
قلت : إنها على العموم فما أنت قائل فيما روى ابن عُليّة عن ابن
عون ، عن ابن سيرين أنه قال : إذا بلغ الرجل أربعين لم يحتجم ،
قال ابن عون : فتركت الحجامة وكانت نعمة من الله . وإن قلت :
هي على الخصوص : فما الدليل على ذلك ؟
قال الطبري: فالجواب أن أمر النبي بذلك أمته إنما هو ندب لا إيجاب
وهو عام [ فيما ] (٢) ندبهم إليه من معناه ، وذلك أنه أمرهم بالحجامة
حضًا منه لهم على ما فيه نفعهم ، ودفع ما يخاف من غائلة الدّم على
أجسامهم إذا كثر وتبيغ (٣) ، فندبهم إلى استعمال ذلك في الحين الذي
إخراجه فيه صلاح لأبدانهم ، وقد بين ذلك عليه السلام في خبر حميد
عن أنس أنه قال عليه السلام: (( إذا هاج بأحدكم الدم فليحتجم ،
(١) في (( الأصل)): إني. والمثبت من (( هـ، ن)) ..
(٢) في ((الأصل)): فما. والمثبت من (( هـ).
(٣) تبيّغ : أي غلبة الدم على الإنسان ، يقال تبيّغ به الدم إذا تردد فيه. النهاية
(١/ ١٧٤) .
- ٤٠٠ -