Indexed OCR Text

Pages 321-340

المشركين [ وأعلمهم أن لهم على ذلك جزيل الأجر وقال: ((هو ](١)
أشد عليهم من نضح النبل )) .
وذكر الطبري عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وجلة
الصحابة أنهم أنشدوا الأشعار ، وتمثل معاوية بالشعر ، وكان ابن أبي
مليكة وعكرمة ينشدان الشعر [ وكان ابن أبي ليلى ينشد والمؤذن يقيم ،
وعن ابن سيرين أنه كان ينشد الشعر الرقيق ] (١) قال معمر: سمعت
الزهري وقتادة ينشدان الشعر . قال قتادة : وكان ابن مسعود ربما تمثل
بالبيت من وقائع العرب . قال شعبة : وكان قتادة ينشد الشعر فأقول
له : أنشدك بيتًا وتحدثني بحديث .
وقال أهل التأويل في قوله تعالى : ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾(٢)
هم شعراء المشركين يتبعهم [ غواة ] (٣) الناس ومردة الشياطين وعصاة
الجن ، ويروون شعرهم ؛ لأن الغاوي لا يتبع إلا غاويًا مثله . عن ابن
عباس وغيره .
وقوله : ﴿ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ﴾ (٤) أي : يمرحون
ويمرقون بما ليس في الممدوح والمذموم فهم كالهائم على وجهه ،
والهائم : المخالف القصد . عن أبي عبيدة . ﴿وأنهم يقولون ما لا
يفعلون ﴾ (٥) أى يكذبون والمراد بقوله: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا
الصالحات﴾ (٦) ابن رواحة وحسان وكعب بن مالك. عن ابن عباس.
وقوله : ﴿وذكروا الله كثيرًا ﴾ (٦) قال ابن عباس : في خلال
(١) من (( هـ)).
(٢) الشعراء : ٢٢٤ .
(٣) في ((الأصل)): عمواة. والمثبت من ((هـ)). (٤) الشعراء : ٢٢٥ .
(٥) الشعراء : ٢٢٦ .
(٦) الشعراء : ٢٢٧ .
- ٣٢١ -

كلامهم الناس . وقال ابن زيد : في شعرهم . وقيل : لم يشغلهم
الشعر عن ذكر الله. ﴿وانتصروا من بعد ما ظُلموا﴾ (١) يعني: ردوا
على الكفار الذين يهجون النبي - عليه السلام .
قال الطبري : ولا خلاف أن حكم المستثنى مخالف لحكم المستثنى
منه ، فوضح أن المذموم من الشعراء غير الذين آمنوا وعملوا
الصالحات [ وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ] (٢) منهم محمودون
غير مذمومين .
وقول عامر بن الأكوع: (( فاغفر فداء لك ما اقتفينا )) فقد زعم
بعض أهل الغفلة أن قوله (( فداء لك )) تصحيف لا يجوز أن يقال
ذلك لله - تعالى - وليس ذلك كما ظن والشعر صحيح [ و] (٢)
المعنى فاغفر ما اقتفينا أي ما ارتكبنا من الذنوب ، تقول العرب :
قفوت الشيء قفوًا : اتبعت أثره ، ومنه قوله تعالى : ﴿ ولا تقف ما
ليس لك به علم ﴾ (٣) ..
وقوله (( فداء لك)) : دعاء منه ربه أن يفديه من عقابه على ما اقترف
من ذنوبه فكأنه قال : اللهم اغفر لي وافدني منه فداء لك أي فداء من
عندك فلا تعاقبني ، وقوله: (( لك )) تبيين الفاعل للفداء المعني بالدعاء
كما تقول في الدعاء سقيًا لك ، فلك هاهنا مذكور لتبيين المعني
(٤/ ق١٠٦- ب] بالدعاء / له والمعنى: سقاك الله، فكذلك قوله : (( فداء لك » معناه
افدنا من عقابك، وقد جاء هذا الشعر في كتاب المغازي بلفظ آخر
((فاغفر فداء لك ما أبقينا من الذنوب أي : ما تركناه مكتوبًا علينا ونحو
ذلك ، فداء لك بالرفع والخفض أيضًا ، فوجه الرفع : أن يكون خبر
مبتدأ مضمر ونحن فداء لك ، كأنك قلت : نحن لتفدنا أو أفدنا كما
(١) الشعراء : ٢٢٧ .
(٢) من (( هـ)).
(٣) الإسراء : ٣٦ .
- ٣٢٢ -

تقول : نحن ارحمنا وزيد ارحمه ، ومن خفض (( فداء )) شبهه بأمس
فبناه على الكسر كبناء الأصوات عليه نحو قولهم : قال الغراب : غاق
والجبل طاق ، وأنشد سيبويه :
مهلا فداء لك الأقوام كلهم
وتقديره : اغفر افدنا .
وأما قول الرجل: ((وجبت يا رسول الله)) فإنه يعني الجنة ، فهم
من دعاء النبي لعامر بالرحمة أنه يستشهد في تلك الغزاة ويكون من
أهل الجنة كما فهم ابن عباس من قوله : ﴿ورأيت الناس يدخلون في
دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا ﴾ (١) حضور
أجل النبي - عليه السلام - فلذلك قال الرجل: [وجبت ] (٢) يا
رسول الله هلا أمتعتنا به .
وأما قوله عليه السلام: (( وإن له لأجرين إنه لجاهد مجاهد ))
فيحتمل معنيين - والله أعلم - :
أحدهما : أن يكون لما أصاب نفسه وقتلها في سبيل الله تفضل الله
عليه بأن ضاعف أجره مرتين .
ويحتمل أن يكون أحد الأجرين لموته في سبيل الله والأجر الثاني لما
كان يحدو به القوم من شعره ويدعو الله في ثباتهم عند لقاء عدوهم ،
ولك تحضيض للمسلمين وتقوية لنفوسهم ، وقد روي نحو هذا المعنى
عن النبي .
روى معمر ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك،
عن أبيه أنه قال للنبي - عليه السلام -: ((إن الله قد أنزل في الشعر
(١) النصر: ٢ - ٣.
(٢) من (( هـ).
- ٣٢٣ -

ما أنزل . قال : إن المؤمن ليجاهد بنفسه ولسانه ، والذي نفسي بيده
لكأنما ترمون [ به ] (١) فيهم نضح النبل)) .
وقوله: ((ألا أسمعتنا من هنيهاتك)) فإن العرب تقول لكل شيء
صغير : هنة ، والهنوات من الكلام : ما صغر منها ولم يكن له كبير
معنى كما قال الشاعر :
على هنوات كلها متتابع
يريد على صغار من الكلم المستحق بها القطيعة ، والهنة كل شيء
صغير برز من معظم شيء أو بان منه كزمعة ظلف الشاة وحلمة الثدي
والضرع ، ويجوز أن يقال : هنية وهنيهة، وفي كتاب الدعاء: (( ألا
أسمعتنا من هنياتك )) ويقال ذلك للبرهة من الدهر أيضًا .
وقوله عليه السلام: (( يا أنجشة ، رويدك سوقك بالقوارير )) فإن
القوارير هنا كناية عن النساء الذين على الإبل ، أمره بالرفق في الحداء
والإنشاد ؛ لأن الحداء يحث الإبل حتى تسرع السير ، فإذا مشت الإبل
رويدًا أمن على النساء السقوط ، وتشبيهه النساء بالقوارير من الاستعارة
البديعة ؛ لأن القوارير أسرع الأشياء تكسرًا ، فأفادت الاستعارة هاهنا
من الحض على الرفق بالنساء في السير ما لم تفده الحقيقة ؛ لأنه لو
قال له عليه السلام : ارفق في مشيك بهن أو ترسل لم يفهم من ذلك
أن التحفظ بالنساء كالتحفظ بالقوارير كما فهم ذلك من الاستعارة
لتضمنها من المبالغة في الرفق ما لم تضمنه الحقيقة .
وأنجشة : اسم غلام أسود للنبي - عليه السلام .
(١) من (( هـ)).
- ٣٢٤ -

باب : هجاء المشركين
فيه: عائشة: (( استأذن حسان النبي - عليه السلام - في هجاء
المشركين ، فقال النبي - عليه السلام - : [ فكيف ] (١) بنسبي ؟ فقال
حسان : لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين )) .
وفيه : عروة: (( ذهبت أسب حسان عند عائشة فقالت : لا تسبه ؛ فإنه
كان ينافح عن رسول الله ﴿الآٍ)).
وفيه : أبو هريرة في قصصه يذكر النبي - عليه السلام - يقول: (( إن
[أخًا لكم] (٢) لا يقول الرفث. يعني ابن رواحة [ قال ] (٣):
فينا رسول الله يتلو كتابه
إذا انشق [معروف] (٤) من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا
به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه
إذا [استثقلت] (٥) بالمشركين المضاجع
وفيه: [ أبو ] (٦) سلمة « أنه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة
فيقول : نشدتك الله هل سمعت النبي يقول / : يا حسان ، أجب عن (٤/ ١٠٧٥-١]
رسول الله ، اللهم أيده بروح القدس ؟ قال أبو هريرة : نعم )).
(١) في ((الأصل)): كيف. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) في (( الأصل)): أخاكم. والمثبت من ( هـ ، ن )) .
(٣) من (( هـ، ن)).
(٤) في ((الأصل)): معروفًا. والمثبت من (هـ، ن)).
(٥) في ((الأصل)): اشتغلت. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٦) في ((الأصل)): ابن. والمثبت من ( هـ ، ن)).
- ٣٢٥ -

وفيه : البراء (( قال النبي - عليه السلام - لحسان: اهجهم [ - أو ](١)
هاجهم - وجبریل معك )) ..
قال المؤلف : هجاء المشركين أهل الحرب وسبهم جائز بهذه
الأحاديث وأنه لا حرمة لهم إذا سبوا المسلمين ، والانتصار منهم بذمهم
وذكر كفرهم وقبيح أفعالهم من أفضل الأعمال عند الله - تعالى - ألا
ترى قوله عليه السلام لحسان : (( اهجهم وجبريل معك )) وقوله :
((اللهم أيده بروح القدس)) وكفى بهذا فضلا وشرفًا للعمل والعامل به،
فأما إذا لم يسب أهل الحرب المسلمين فلا وجه لسبهم ؛ لأن الله قد
أنزل على نبيه في قنوته على أهل الكفر : إن الله لم يبعثك لعانًا ولا
سبابًا ، وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابًا ، فترك سبهم .
فإن قيل : فما دليلك أن النبي - عليه السلام - إنما أمر حسانًا
بهجاء المشركين لينتصر منهم لهجوهم المسلمين ؟
قيل: قول عائشة : (( إنه كان ينافح عن رسول الله )» يقتضي ذلك،.
تقول العرب : نافحت عن فلان ونفحت عنه إذا خاصمت عنه ،
والمخاصمة والمنافحة لا تكون إلا من اثنين ؛ لأنها مفاعلة وكل مفاعلة
تكون كذلك ، ويبين هذا قوله لأبي هريرة : نشدتك الله هل سمعت ..
النبي يقول : يا حسان أجب عن رسول الله ؟ قال : نعم . فبأن أن
هجاء المشركين إنما كان مجازاة لهم على قبيح قولهم .
روى [ ابن ] (٢) وهب عن جرير بن حازم قال : سمعت ابن
سيرين يقول: (( هجا رسول الله والمسلمين ثلاثة رهط من المشركين
عمرو بن العاص ، وعبد الله بن الزبعرى ، وأبو سفيان ، فقال
المهاجرون : يا رسول الله ، ألا تأمر عليًا أن يهجو عنا هؤلاء القوم ؟
(١) في ((الأصل، هـ)): و. والمثبت من ( ن)).
(٢) من (( هـ)) .
- ٣٢٦ -

فقال رسول الله وَ ل : ليس علي هنالك. ثم قال رسول الله: إذا
القوم نصروا النبي بأيديهم وأسلحتهم فبألسنتهم أحق أن ينصروه .
فقالت الأنصار : أرادنا . فأتوا حسان بن ثابت ، فذكروا له ذلك ،
فأقبل حتى وقف على النبي - عليه السلام - فقال : يا رسول الله ،
والذي بعثك بالحق ما أحب أن لي بمقولي ما بين صنعاء وبصرى .
فقال رسول الله : أنت لها يا حسان . قال : يا رسول الله ، لا علم
لي بقريش . فقال رسول الله لأبي بكر : أخبره عنهم ونقب له في
مثالبهم . فهجاهم حسان وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك)).
ورواه معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين وقال : العاص بن وائل
مكان عمرو بن العاص .
قال المهلب: وأما قوله: (( كيف بنسبي؟)) فإنه أراد كيف
تهجوهم ونسبي المهذب الشريف فيهم فربما مسني من الهجو نصيب !
فقال حسان: ((لأسلنك منهم)) أي : لأخلصنك من بينهم بالسلامة
من الهجاء ، أي أهجوهم بما لا يقدح في نسبهم الماس له عليه
السلام، ولكن أهجوهم بسيئ أفعالهم وبما يخصهم عاره في أنفسهم ،
وتبقى فيهم وصمة من الأخلاق والأفعال المذمومة التي طهر الله نبيه
منها ونزهه من عيبها .
وقوله في عبد الله بن رواحة: (( إنه لا يقول الرفث في شعره ))
فهو حجة أن ما كان من الشعر فيه ذكر الله والأعمال الصالحة ، فهو
حسن وهو الذي قال فيه عليه السلام : (( إن من الشعر حكمة )) وليس
من المذموم الذي قال فيه عليه السلام: (( لأن يمتلئ جوف أحدكم
قيحًاً [ خير] (١) له من أن يمتلئ شعرًا)).
(١) في ((الأصل)): خيرًا، والمثبت من ((هـ)).
- ٣٢٧ -

باب : ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى
يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن
فيه: ابن عمر قال النبي - عليه السلام -: ((لأن يمتلئ جوف أحدكم
قيحًا [ خير] (١) له من أن يمتلئ شعراً)) .
وفيه : أبو هريرة قال النبي وَلَّ: ((لأن يمتلئ جوف [ رجل] (٢) قيحًا
حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا)).
[ قال أبو عبيد: فسر الشعبي هذا الحديث ] (٣) قال ومعنى قوله :
(( خير له من أن يمتلئ شعرًاً)) يعني : الشعر الذي هجي به النبي -
عليه السلام .
قال أبو عبيد : والذي عندي في هذا الحديث غير هذا القول ؛ لأن
الذي هجي به النبي - عليه السلام - لو كان شطر بيت لكان كفرًا ،
فكأنه إذا حمل وجه الحديث على امتلاء القلب منه أنه قد رخص في
القليل منه ، ولكن وجهه عندي أن يملأ قلبه من الشعر حتى يغلب عليه
[٤/ ١٠٧٥-ب) فيشغله / عن القرآن وعن ذكر الله فيكون الغالب عليه ، فأما إذا كان
القرآن والعلم الغالبين عليه فليس جوفه ممتلئًا من الشعر .
وقوله : (( حتى يريه )) قال الأصمعي : هو من الوري على مثال
الرمي ، يقال منه : رجل مورَّ غير مهموز مشدد وهو أن يروي جوفه.
وقال أبو عبيد : الوري هو أن يأكل القيح جوفه .
وأنشد الأصمعي : قالت له وَرْيًا إذا تنحنحا .
[ أي تدعو عليه بالوري] (٣).
(١) في ((الأصل)): خيرًاً. والمثبت من ( هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): أحدكم. والمثبت من (( هـ ، ن)).
(٣) من ( هـ )
- ٣٢٨ -

باب : قول النبي عليه السلام
« تربت یمینك )) و(( عقری حلقی ))
فيه: عائشة: (( أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليّ بعد ما نزل
الحجاب ، فقلت : والله لا آذن له حتى أستأذن النبي - عليه السلام -
فقال النبي - عليه السلام - : إنه عمك تربت يمينك ... )) الحديث .
وفيه: عائشة: (( أن النبي - عليه السلام - أراد أن ينفر فرأى صفية
على باب خبائها كئيبة حزينة ؛ لأنها كانت حاضت ، فقال :
([عقرى] (١) حلقى)) - لغة قريش ... )) الحديث
قال [المؤلف] (٢): قال ابن السكيت : يقال : تربت يداه إذا
افتقر ولم يدع عليه بذهاب ماله ، وإنما أراد المثل ليرى المأمور بذلك
الجد وأنه إن خالفه فقد أساء ، وقال الأصمعي : في قوله - عليه
السلام -: ((تربت يمينك))، و((تربت يداك)) معناه الاستحثاث كما
تقول : انج ثكلتك أمك ، وأنت لا تريد أن يثكل ، وقال أبو عمرو :
أصابها التراب ولم يدع بالفقر عليها .
وقال أبو زيد : ترب إذا افتقر وإنما أراد بهذا ( أن ) (٣) في يديه
التراب . قال النحاس : أي ليس يحصل في يديه إلا التراب . وقال
ابن كيسان : المثل جرى على أنه إن فاتك ما أغريتك به افتقرت إليه
يداك كأنه قال : تربت يداك إن فاتك ، وهذا من الاختصار الذي
عرف معناه ، وقال غيره : هي كلمة لا يراد بها الدعاء ، وإنما تستعمل
في المدح كما قالوا للشاعر إذا أجاد : قاتله الله لقد أجاد ، وكما
قالوا: ويل أمه مسعر حرب ، وهو يتعجب منه ويمدحه ولكنه دعاء
(١) في ((الأصل)): أعقرى. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) في (( الأصل)): المهلب. والمثبت من (( هـ)). (٣) في (( هـ)): أي.
- ٣٢٩ -

على أمه بالويل ، وهو لا يريد الدعاء عليها من غضب ، وهذا
كلامهم وهو مثل تربت يمينك .
واختلف أهل اللغة أيضًا في تأويل قوله : عقرى حلقى فقال
صاحب العين : يقال للمرأة : عقرى حلقى أي مشئومة ، ويقال: هو
دعاء عليها يراد عقرها الله وحلقها . وقال أبو علي القالي : عقرى من
العقر دعاء على الإنسان وعقرًا أيضًا ، وحلقى من حلق الرأس دعاء
على الإنسان أيضًا ، وحلقًا أيضًا . وقال ابن قتيبة : عقرى حلقى أي
عقرها الله وأصابها بوجع في حلقها . وقال أبو عبيد في كتاب
الأمثال: ومن الدعاء قولهم عقرًا حلقًا وأهل الحديث يقولون : عقرى
حلقى ، وقال في غريب الحديث : عقرى حلقى وعقراً حلقًا .
باب: ما جاء في زعموا
فيه : أم هانئ بنت أبي طالب قالت: « يا رسول الله ، زعم ابن أمي أنه
:
قاتل رجلا قد أجرته فقال النبي - عليه السلام -: قد أجرنا من أجرت)).
قال صاحب الأفعال: يقال: زعم زَعمًا وزُعمًا [وزعمًا] (١)
ذكر خبرًا لا يدرى أحق هو أم باطل ، وزعمت غير مزعم أي قلت
غير مقول وادعيت ما لا يمكن ، وقد روي عن الرسول - عليه
السلام- أنه قال: ((زعموا بئس مطية الرجل )) رواه وكيع عن
الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي قلابة ، عن أبي مسعود أو عن
أبي عبد الله ، عن النبي ، ومعناه أن من أكثر من الحديث بما لا يصح
عنده ولا يعلم صدقه لم يؤمن عليه الكذب .
(١) من ( هـ).
- ٣٣٠ -

وفائدة حديث أم هانئ أنها تكلمت بهذه الكلمة بحضرة النبي - عليه
السلام - ولم ينكرها ولا جعلها كاذبة بذكرها .
*
باب : ما جاء في قول الرجل ويلك
فيه: أنس: (( أن رسول الله رأى رجلا يسوق بدنة قال: اركبها . قال :
إنها بدنة قال : اركبها ، ويلك - في الثانية أو في الثالثة)) .
وفيه : أنس: (( كان النبي في سفر وكان معه غلام له أسود يقال له :
أنجشة ، فقال: ويحك يا أنجشة ، رويدك بالقوارير)).
وفيه: أبو بكرة: (( أثنى رجل على رجل عند النبي ، فقال : ويلك
قطعت عنق أخيك / ثلاثًا ... )) الحديث .
[٤/ق٨ ١٠- ١]
وفيه: أبو سعيد: (( بينما النبي - عليه السلام - ذات يوم يقسم قسمًا
فقال ذو الخويصرة [ رجل ] (١) من بني تميم: (( يا رسول الله ، اعدل.
قال : ويلك من يعدل إن لم أعدل ... )) الحديث .
وفيه : أبو هريرة: (( أن رجلا أتى النبي - عليه السلام - فقال: هلكت.
فقال : ويحك، وما أهلكك ؟ قال : وقعت على امرأتي في رمضان)).
وفيه : أبو سعيد: (( أن أعرابيًا قال : يا رسول الله، أخبرني عن الهجرة.
فقال: ويحك إن شأن الهجرة شديد ... )) الحديث .
وفيه : ابن عمر : قال النبي - عليه السلام -: (( ويلكم - أو ويحكم،
شك [شعبة](٢)- لا ترجعوا بعدي کفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض )).
وفيه: أنس: (( أن رجلا من أهل البادية أتى النبي - عليه السلام -
فقال: يا رسول الله ، متى الساعة قائمة؟ قال: ويلك ، ما أعددت لها؟)).
(١) من (( هـ، ن )).
(٢) فى ((الأصل)): عيينة .. والمثبت من (( هـ، ن).
- ٣٣١ -

قال سيبويه : ويلك كلمة تقال لمن وقع في هلكة ، ويحك ترحم
بمعنى ويل .
وقال بعض أهل اللغة : ولا يراد بها الدعاء بإيقاع الهلكة لمن
خوطب بها ، وإنما يراد به المدح والتعجب كما تقول العرب : [ ويل
أمه ] (١) مسعر حرب على عادتها في نقلها الألفاظ الموضوعة في بابها
إلى غيره ، كما يقال : انج ، ثكلتك أمك ، وتربت يداك .
وروى يحيى بن معين قال : حدثنا معتمر بن سليمان قال: قال لي
أبي : أنت حدثتني عني عن عبيد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب
قال: ويح كلمة رحمة .
باب : علامة الحب في الله لقوله تعالى :
إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ (٢)
فيه : عبد الله: قال النبي - عليه السلام -: ((المرء مع من أحب)) .
وقال ابن مسعود [ مرة] (٣): ((جاء رجل إلى النبي - عليه السلام -
فقال: يا رسول الله ، كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم ؟
فقال النبي ◌َل8: المرء مع من أحب)).
وفيه : أنس: (( أن رجلا سأل النبي - عليه السلام - فقال : متى
الساعة يا رسول الله ؟ قال : ما أعددت لها ؟ قال : ما أعددت لها من
كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ، ولكني أحب الله ورسوله قال : أنت مع
من أحببت )) .
قال المؤلف : علامة حب الله حب رسوله واتباع سبيله والاقتداء
(١) في ((الأصل)): ويله. والمثبت من (( هـ)).
(٢) آل عمران: ٣١.
(٣) من (( هـ).
- ٣٣٢ -

بسنته ؛ لقوله تعالى : ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ (١)
وقوله عليه السلام: (( المرء مع من أحب )) فدل هذا أن من أحب عبداً
في الله فإن الله جامع بينه وبينه في جنته ومُدخِله مُدخَله وإن قصر عن
عمله ، وهذا معنى قوله: (( ولم يلحق بهم )) يعني في العمل
والمنزلة، وبيان هذا المعنى - والله أعلم - أنه لما كان [ المحب ] (٢)
للصالحين إنما أحبهم من أجل طاعتهم لله ، وكانت المحبة عملا من
أعمال القلوب واعتقادًا لها أثاب الله معتقد [ذلك] (٣) ثواب الصالحين
إذ النية هي الأصل والعمل تابع لها ، والله يؤتي فضله من يشاء .
باب : قول الرجل للرجل اخسأ
فيه: ابن عباس: (( أن النبي - عليه السلام - قال لابن صائد : خبأت
لك خبئًا فما هو ؟ قال : الدخ . قال : اخسأ)).
وفيه: عمر: (( أن النبي قال لابن صائد : اخسأ فلن [ تعدو ] (٤)
قدرك ... )) وذكر الحديث .
قال المؤلف : اخسأ زجر للكلب وإبعاد له ، هذا أصل هذه الكلمة
عند العرب ثم استعملت في كل من قال أو فعل ما لا ينبغي له مما
يسخط الله ، قال صاحب الأفعال : يقال : خسأ الكلب فخساً أي:
زجره فبعد، وفي القرآن : ﴿ كونوا قردة خاسئين﴾ (٥) أي: مبعدين،
وقال تعالى: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ (٦) أي: ابعدوا بعد الكلاب
(١) آل عمران : ٣١ .
(٢) في ((الأصل)): الحب. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): تلك. والمثبت من (( هـ).
(٤) فى ((الأصل)): تعد. والمثبت من ( هـ، ن).
(٥) البقرة : ٦٥ .
(٦) المؤمنون : ١٠٨.
- ٣٣٣ -

ولا تكلمون ﴾ في رفع العذاب عنكم فكل من عصى الله سقطت
حرمته ووجب خطابه بالغلظة [ والشدة ] (١) والذم له لينزع عن مذهبه
ويرجع عن قبيح فعله .
وقوله : (( فرضّه النبي)) من رواه بالضاد فمعناه دفعه حتى وقع
فتكسر يقال : رض الشيء فهو رضيض ومرضوض إذا انكسر ، ومن
رواه بالصاد فمعناه رضه حتى دخل بعضه في بعض يقال : رض البنيان
والقوم في الحرب رصًا، إذا قرب بعضها إلى بعض، ومنه قوله تعالى:
كأنهم بنيان مرصوص﴾ (٢).
وفيه : أن الله لم يطلع نبيه على الدجال / متى يخرج في أمته
وأخفى عنه ذلك لما هو أعلم به ، فلا علم لنبي مرسل ولا ملك مقرب
إلا بما أعلمه الله به ولذلك قالت الملائكة : ﴿لا علم لنا إلا ما
علمتنا﴾(٣).
[٤/ق١٠٨-ب]
باب : قول الرجل مرحبًا
وقالت عائشة: قال النبي وسي لفاطمة: مرحبًا بابنتي وقالت أم هانئ:
جئت النبي فقال : مرحبًا بأم هانئ .
فيه : ابن عباس: (( قال النبي لوفد عبد القيس : مرحبًا بالقوم غير
خزایا ولا ندامی )) .
قال الأصمعي : معنى قوله ((مرحبا )) لقيت رحبًا وسعة ، وقال
الفراء : هو منصوب على المصدر وفيه معنى الدعاء والرجب ،
والترحب : السعة ، وتقول العرب : مرحبًا وأهلا وسهلا أي لقيت
أهلا كأهلك ولقيت سهلا أي سهلت عليك أمورك .
(١) في (( الأصل)): والشر. والمثبت من ((هـ)).
(٢) الصف : ٤ .
(٣) البقرة: ٣٢.
- ٣٣٤ -
۔۔

وقوله عليه السلام : (( غير خزايا )) يعني غير مخزيين بل مكرمين
مرفعين . ولا ندامى يعني : غير نادمين بل مغتبطين فرحين بما أنعم الله
عليهم من عز الإسلام، وتصديق النبي ونصرته ودعاء قومهم إلی دینه.
باب : هل يدعى الناس بآبائهم
فيه: ابن عمر : أن النبي - عليه السلام - قال: (( إن الغادر يرفع له
لواء يوم القيامة ، يقال : هذه غدرة فلان بن فلان )) .
قال المؤلف : مصداق هذا الحديث في قوله تعالى : ﴿ وجعلناكم
شعوباً وقبائل﴾ (١) قال أهل التفسير: الشعوب النسب الأبعد والقبائل
النسب الأقرب يقال فلان من بني فلان ، غير أن النسب إلى الآباء وإن
كان هو الأصل فقد جاء في الحديث أن يدعى المرء بأحب أسمائه إليه،
وأحبها إليه أن يدعى بكنيته لما في ذلك من توقيره والدعاء بالآباء أشد
في التعريف وأبلغ في التمييز ، وبذلك نطق القرآن والسنة .
وقد كان الأعراب الجفاة يأتون النبي - عليه السلام - وهو جالس
مع أصحابه فيقولون : أيكم محمد بن عبد المطلب ، ولا يذكرون ما
شرفه الله به من النبوة المعصومة والرسالة المؤيدة فلا ينكر ذلك عليهم
لما خصه الله به من الخلق العظيم ، وجبله عليه من الطبع الشريف .
وفي قوله عليه السلام : (( هذه غدرة فلان بن فلان )) رد لقول من
زعم أنه لا يدعى الناس يوم القيامة إلا بأمهاتهم ؛ لأن في ذلك ستراً
على آبائهم ، وهذا الحديث خلاف قولهم .
وفيه : جواز الحكم بظواهر الأمور إذا لم يمكن علم بواطنها ؛ لأنه
(١) الحجرات : ١٣.
- ٣٣٥ -

قد يجوز أن يكون [ كثير ] (١) من الناس ممن يدعى إلى أبيه في
الظاهر، وليس كذلك في الباطن ، ودل عموم هذا الحديث على أنه
إنما يدعى الناس بالآباء ولا يلزم داعيهم البحث عن حقيقة أمورهم
والتنقير عنهم .
باب : لا يقل خبثت نفسي ولكن ليقل [لقست] (٢) نفسي
فيه: عائشة وسهل بن سعد: قال النبي - عليه السلام -: (([لا يقولن](٣)
أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل: [لقست](٢) نفسي)).
قال المؤلف : كان النبي يعجبه الاسم الحسن ويتفاءل به ويكره
الاسم القبيح ويغيره ، وكره عليه السلام لفظ الخبيث إذ الخبث حرام
على المؤمنين ، وقال أبو عبيد: [ لقست ] (٤) وخبثت واحد لكنه
استقبح لفظ خبثت .
قال المؤلف : وليس قوله عليه السلام (( لا يقولن أحدكم خبثت
نفسي )) على معنى الإيجاب والحتم ، وإنما هو من باب الأدب، فقد
قال في الذي يعقد الشيطان على رأسه ثلاث عقد وينام عن صلاة :
((أصبح خبيث النفس كسلان)) وقد نطق القرآن بهذه اللفظة فقال
تعالى: ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة﴾ (٤).
(١) في ((الأصل)): كثيرًا. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): نقست. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): لا يقل والمثبت من (( هـ، ن)).
(٤) في ((الأصل)): نقست. والمثبت من ( هـ).
(٥) إبراهيم : ٢٦ .
- ٣٣٦ -

باب : لا تسبّوا الدهر
فيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: ((قال الله - جل ثناؤه -:
يسب بنو آدم الدهر ، وأنا الدهر بيدي الليل والنهار)).
وفيه : أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: (( لا تسموا العنب :
الكرم ، ولا تقولوا : خيبة الدهر ؛ فإن الله هو الدهر)).
قال الخطابي : كان أهل الجاهلية يضيفون المصائب والنوائب إلى
الدهر الذي هو مر الليل والنهار ، وهم في ذلك فرقتان ، فرقة
لا تؤمن بالله لا تعرف إلا الدهر / الليل والنهار اللذين هما محل (١٠٩٥/٤-١)
للحوادث وظرف لمساقط الأقدار ، فنسبت المكاره إليه على أنها من
فعله ، ولا ترى أن لها [ مدبرًاً] (١) غيره ، وهذه الفرقة هي الدهرية
التي حکی الله عنهم : ﴿ وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما
يهلكنا إلا الدهر ﴾ (٢).
وفرقة ثانية : تعرف الخالق فتنزهه أن تنسب إليه المكاره فتضيفها إلى
الدهر والزمان ، وعلى هذين الوجهين كانوا يذمون الدهر ويسبونه،
فيقول القائل منهم : يا خيبة الدهر ، ويا بؤس الدهر ، فقال لهم
النبي - عليه السلام - مبطلا ذلك من مذهبهم: (( لا يسبنّ أحد منكم
الدهر ، فإن الله هو الدهر )) يريد والله أعلم : لا تسبوا الدهر على أنه
الفاعل لهذا الصنع بكم ، فإن الله هو الفاعل له ، فإذا سببتم الذي
أنزل بكم المكاره رجع السبّ إلى الله وانصرف إليه .
ومعنى قوله: (( أنا الدهر )) أي : أنا ملك الدهر ومصرفه فحذف
اختصارًا للفظ واتساعًا في المعنى ، وبيان هذا في حديث أبي هريرة
(١) في ((الأصل)): مدير. والمثبت من (( هـ)).
(٢) الجاثية : ٢٤ .
- ٣٣٧ -

حدثناه ابن الأعرابي ، حدثنا محمد بن سعيد بن غالب ، حدثنا ابن
نمير، حدثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: ((يقول الله : أنا الدهر ، بيدي
الليل والنهار أجدّه وأبليه، وأذهب بالملوك وآتي بهم)).
روى عبد الرزاق عن معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيّب ، عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله: ((يقول الله - تعالى - : يؤذيني
ابن آدم ، يقول : يا خيبة الدهر ، فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر ،
وإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره ، وإذا شئت قبضتهما)).
وقال ابن النحاس: يجوز فيه نصب الراء من قوله: (( إن الله هو
الدهر )) والمعنى : فإن الله معمر الدهر أي : مقيم أبد الدهر .
باب : قول النبي عليه السلام إنما الكرم قلب المؤمن
وقال: إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة - كقوله: إنما الصرعة الذي
يملك نفسه عن الغضب . وكقوله : لا ملك إلا الله فوصفه بانتهاء الملك ،
ثم ذكر الملوك أيضًا فقال: ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها﴾(١)
فيه : أبو هريرة : قال : قال النبي - عليه السلام - : (( ويقولون :
الكرم ، إنما الكرم قلب المؤمن )) .
قال المهلب: قوله: ((إنما الكرم قلب المؤمن)) وإنما المفلس
والصرعة إنما هو على المبالغة ، أي ليس المفلس [ كل ] (٢) الإفلاس
إلا من لم تكن له حسنات يوم القيامة من أجل أنه قد يكون في الدنيا
مفلس من المال ، وهو غني يوم القيامة بحسناته ، والغني في الدنيا قد
(١) النمل : ٣٤.
(٢) فى ((الأصل)): هو. والمثبت من (( هـ ).
- ٣٣٨ -

يكون مفلسًا يوم القيامة ، وهذا على المبالغة ، وكذلك الصرعة ،
[ليس الذي يغلب الناس ويصرعهم بقوته، إنما الصرعة ] (١) الذي
يملك نفسه .
وغرضه في هذا الباب - والله أعلم - أن يعرف بمواقع الألفاظ
المشتركة، وأن يقتصر في الوصف على ترك المبالغة والإغراق في
الصفات إذا لم يستحق الموصوف ذلك ولا يبلغ النهايات في ذلك
إلا في مواضعها ، وحيث يليق الوصف بالنهاية وقال ابن الأنباري :
سمي الكرم كرمًا ؛ لأن الخمر المشروبة من عنبه تحث على السخاء
وتأمر بمكارم الأخلاق كما سموها راحًا ، قال الشاعر :
والخمر مشتقة المعنى من الكرم
ولذلك قال عليه السلام: (( لا تسموا العنب الكرم » كره أن يسمّى
أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرم ، وجعل المؤمن الذي يتقي شربها
ويرى الكرم في تركها أحق بهذا الاسم الحسن .
وقال أبو حاتم : قال رجل من أهل الطائف :
شققت من الصبا واشتق مني
كما اشتقت من [الكرم] (٢) الكروم
باب : قول النبي عليه السلام فداك أبي وأمي
فیه الزبير
وفيه: علي قال: (( ما سمعت النبي - عليه السلام - يفدي أحدًا غير
سَعْد، سمعته يقول : ارم فداك أبي وأمي - أظنه يوم أحد)).
(١) من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): العنب. والمثبت من ((هـ)).
- ٣٣٩ -

[٤/ ١٠٩٥-ب] قد تقدم معنى تفدية / الرجل لأخيه في كتاب [ الجهاد ] (١) ونذكر
هنا ما لم يمض هناك.
قال الطبري : إن قال قائل: قول علي: (( ما سمعت النبي - عليه
السلام - يفدي رجلا غير سعد )) هل يعارض حديث الزبير ؛ فقد
روى هشام بن عروة، عن أبيه (( أن عبد الله بن الزبير قال يوم الخندق
للزبير : يا أبة ، لقد رأيتك تحمل على فرسك الأشقر . قال : هل.
رأيتني أي بني ؟ قلت : نعم . قال : كان رسول الله يجمع لأبيك
أبويه ، يقول : احمل فداك أبي وأمي)).
قال الطبري : وقول الزبير غير دافع صحة ما قال عليّ ؛ لأن عليًا
إنما أخبر عن نفسه أنه لم يسمع النبي جمع أبويه لأحد غير سعد ،
فجائز أن يكون جمع للزبير أبويه ولم يسمعه عليّ وسمعه الزبير ،
فأخبر كل واحد منهما بما سمع ، وليس في قول من قال : لم أسمع
فلانًا يقول كذا نفي منه أن يكون سمع ذلك منه غيره ، ولا في قول
من قال : سمعت فلانًا يقول كذا إيجاب منه أن يكون لا أحد إلا وقد
سمع ذلك الخبر منه
باب : قول الرجل : جعلني الله فداك
قال أبو بكر للنبي عليه السلام : فديناك بآبائنا وأمهاتنا .
فيه: أنس: (( أنه أقبل [ هو ] (٢) وأبو طلحة مع النبي ومعه صفية
مُردفها على راحلته ، فلما كانوا ببعض الطريق عثرت الناقة ، فصرع
----
النبي والمرأة ، وأن أبا طلحة [ قال: أحسب] (٣) اقتحم عن بعيره، فأتى
(١) في ((الأصل)): الكتاب. والمثبت من (( هـ)).
(٣) من (( ن)).
(٢) من ((هـ ، ن)) .
- ٣٤٠ -