Indexed OCR Text

Pages 401-420

(( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده)) على ظاهر ما نزل الله
عليه في ذلك الوقت ، ثم أعلمه الله أن القطع لا يكون إلا في ربع
دينار فما فوقه على ما رواه الزهري ، عن عمرة ، عن عائشة قالت :
سمعت النبي وَالر يقول: ((لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً )) ولم
يكن يعلم رسول الله من حكم الله إلا ما أعلمه الله وما كان الله عرفه
ذلك جملة ؛ بل كان ينزل عليه شيئًا بعد شيء ويأتيه جبريل بالسنن
كما يأتيه بالقرآن ، ولذلك قال عليه السلام : ((أوتيت الكتاب ومثله
معه )) يعني من السنن .
وأما قول الأعمش : إن البيضة في هذا الحديث بيضة الحديد التي
تغفر الرأس في الحرب ، وأن الحبل من حبال السفن فهذا تأويل
لا يجوز عند من يعرف صحيح كلام العرب ؛ لأن كل واحد من
هذين يبلغ دنانير كثيرة . وهذا ليس موضع تكثير لما ( يسرقه ) (١)
السارق [ ولا ] (٢) من عادة العرب والعجم أن يقولوا: قبح الله فلانًا
عرض نفسه للضرب في عقد جوهر وتعرض للعقوبة بالغلول في
جراب مسك ، وإنما العادة في مثل هذا أن يقال : لعنه الله تعرض
لقطع اليد في حبل رث أو كُبة شعر أو رداء خلق ، وكل ما كان من
هذا الفن كان أبلغ .
قال المؤلف : وقوله في الترجمة باب لعن السارق إذا لم يُسم
[كذا](٣) في جميع النسخ، والذي [يستوحى] (٤) من معناه إن صح
في الترجمة أنه لا ينبغي تعيير أهل المعاصي ومواجهتهم باللعنة ، وإنما
ينبغي أن يلعن في الجملة من فعل أفعالهم ليكون ذلك ردعًا وزجراً عن
(١) في (( هـ)) : سرقه .
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ولأن .
(٣) من (( هـ).
(٤) في ((الأصل)): يسق. وما أثبتناه مناسبًا لسياق الكلام وهو من (( هـ )).
- ٤٠١ -

انتهاك شيء منها ؛ فإذا وقعت من معين لم يلعن بعينه لئلا يقنط وييأس
ولنهي النبي 3 18 عن ذلك في حديث النعيمان.
فإن كان ذهب البخاري إلى غير هذا فهو غير صحيح ؛ لأن النبي-
عليه السلام - إنما نهى عن لعنه وقال: (( لا تعينوا عليه الشيطان)) بعد
إقامة الحد عليه ، فدل هذا الحديث على الفرق بين من تجب لعنته وبين
[٤/ ١٥٥- ب] من لا تجب ، وبان به أن من أقيم عليه حدود الله فلا ينبغي لعنه /
ومن لم يقم عليه حد الله فاللعنة متوجهة إليه سواء سمي وعين أم لا ؛
لأن النبي ◌َّ﴿ لا يلعن إلا من تجب له اللعنة ما دام على تلك الحالة
الموجبة للعنه ، فإذا تاب منها وأقلع وطهره الحد فلا لعنة تتوجه إليه .
۔۔
ويبين هذا قوله عليه السلام: (( إذا زنت الأمة فليجلدها ولا يثرب»
فدل هذا الحديث أن التثريب واللعن إنما يكون قبل أخذ الحد وقبل
التوبة ، والله الموفق
باب : الحدود كفارة
فيه : عبادة قال : (( كنا مع النبي - عليه السلام - في مجلس فقال :
تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا وقرأ هذه الآية
کلها فمن وفی منکم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب
به فهو کفارته ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله علیه إن شاء غفر له
وإن شاء عذبه )) .
فإن أكثر العلماء ذهب إلى أن الحدود كفارة على حديث عبادة
ومنهم من جبن عن هذا لما روى أبو هريرة عن النبي - عليه السلام -
أنه قال: ((لا أدري الحدود كفارة أم لا)) لأن حديث عبادة أصح من
- ٤٠٢ -

جهة الإسناد ، ولو صح حديث أبي هريرة لأمكن أن يقوله عليه
السلام قبل حديث عبادة ثم يعلمه الله أن الحدود ( طهرة ) (١) أو صادة
على حديث عبادة ولا تتضاد الأحاديث .
قال المهلب : فإن قيل : إن آية المحاربة تعارض حديث عبادة وذلك
قوله تعالى : ﴿ ذلك لهم خزي في الدنيا ﴾ (٢) يعني الحدود ﴿ولهم
في الآخرة عذاب عظيم ﴾ (٢) فدلت هذه الآية أن الحدود ليست كفارة.
والجواب : أن الوعيد في المحاربة عند جميع المؤمنين مرتب على قول
الله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٣).
فتأويل آية المحاربين ﴿ ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب
عظيم﴾ (٢) إن شاء الله -تعالى- بقوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك
به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وهذه الآية تبطل نفاذ الوعيد على غير
أهل الشرك ، إلا أن ذكر الشرك في حديث عبادة مع سائر المعاصي
لا يوجب أن من عوقب في الدنيا وهو مشرك أن ذلك كفارة له ؛ لأن
الأمة مجمعة على تخليد الكفار في النار وبذلك نطق الكتاب والسنة .
وقد تقدم [ هذا المعنى ] (٤) في كتاب الإيمان [ في باب علامة
الإيمان حبُ الأنصار ] (٤) فحديث عبادة معناه الخصوص فيمن أقيم
عليه الحد من المسلمين خاصة أن ذلك كفارة له .
باب : ظهر المؤمن حمی إلا في حد أو حق
فيه : ابن عمر قال : قال النبي - عليه السلام - في حجة الوداع: (( ألا
أي (شهر) (٥) تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا شهرنا هذا. قال : ألا
-
(١) في ((هـ)): مطهرة .
(٣) النساء : ٤٨ .
(٢) المائدة : ٣٣ .
(٤) من (( هـ )).
(٥) في (( هـ)): شيء.
- ٤٠٣ -

أي بلد تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا بلدنا هذا . قال : ألا أي يوم
تعلمونه أعظم حرمة ؟ قالوا : ألا يومنا هذا . قال : فإن الله قد حرم
عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا في
بلدكم هذا في شهركم هذا ، ألا هل بلغت - ثلاثًا ؟ كل ذلك يجيبونه :
ألا [ نعم] (١) ... )) الحديث .
قال المهلب قوله: ظهر المؤمن حمىً إلا في حق يعني أنه لا يحل
للمسلم أن يستبيح ظهر أخيه ولا بشرته الثائرة تكون بينه وبينه أو عداوة
إذا لم تكن على حكم ديانة الإسلام مما كانت الجاهلية تستبيجه من
الأعراض والدماء ، وإنما يجوز استباحة ذلك في حقوق الله أو حقوق
الآدميين أو في أدب لمن قصر في الدين ، كما كان عمر يؤدب بالدرة
وبغيرها كل مظنون به ومقصر .
وقوله عليه السلام: ((ألا أي شهر تعلمونه)) وقول أصحابه: ((ألا
شهرنا هذا)) فإن العرب تزيد (( ألا)) في افتتاح الكلام للتنبيه ، كقوله
تعالى : ﴿ ألا إنهم هم المفسدون﴾ (٢) و﴿ ألا حين يستغشون
ثيابهم﴾(٣) و﴿ ألا يوم يأتيهم / ليس مصروفًا عنهم﴾ (٤)
[٤/ق١٦-٢]
قال الشاعر :
. [ فقد جاوزتما خمر الطريق ] (٥)
ألا يا زيد والضحاك سيرا
باب : إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله
فيه: عائشة قالت: (( ما خير النبي - عليه السلام - بين أمرين إلا
اختار أيسرهما ما لم يأثم ، فإن كان الإثم كان أبعدهما منه ، والله
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): نعلم.
(٣) هود : ٥ ٫
(٢) البقرة : ١٢ .
(٥) من (( هـ).
(٤) هود : ٨ .
- ٤٠٤ -

ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط حتى ( ينتهك بحرمات ) (١) الله
فینتقم )) .
وقولها : «ما خُير رسول الله وَ ل بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما
لم يكن إثماً)) يحتمل أن يكون هذا التخيير ليس من الله ؛ لأن الله لا
يخير رسوله بين أمرين عليه في أحدهما إثم فمعنى هذا الحديث ما
خير رسول الله أصحابه بين أن يختار لهم أمرين من أمور الدنيا على
سبيل المشورة والإرشاد إلا اختار لهم أيسر الأمرين ما لم يكن عليهم
في الأيسر إثم ؛ لأن العباد غير معصومين من ارتكاب الإثم ،
ويحتمل أن يكون ما لم يكن إثماً في أمور الدين ، وذلك أن الغلو في
الدين مذموم والتشديد فيه غير محمود لقوله عليه السلام : (( إياكم
والغلو في الدين فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين)» .
فإذا أوجب الإنسان على نفسه شيئًا شاقًا عليه من العبادة فادحًا له
ثم لم يقدر على التمادي فيه كان ذلك إثمًا ، ولذلك نهى النبي -
عليه السلام - أصحابه عن الترهب .
قال أبو قلابة : (( بلغ النبي - عليه السلام - أن قومًا حرموا الطيب
واللحم ، منهم عثمان بن مظعون وابن مسعود وأرادوا أن يختصوا ،
فقام النبي وَل [على المنبر] (٢) فأوعد في ذلك وعيدًا شديدًا، ثم
قال : إني لم أبعث بالرهبانية ، وإن خير الدين عند الله الحنيفية
السمحة ، وإن أهل الكتاب إنَّما هلكوا بالتشديد ، شدَّدوا فشدد
عليهم، ثم قال : اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وأقيموا الصلاة وآتوا
الزكاة وحجوا البيت واستقيموا يستقم لكم )) .
(١) في (( هـ)): تنتهك حرمات . وكذا في السلطانية والفتح.
(٢) من ( هـ)).
- ٤٠٥ -

وقد جعل مطرف بن الشخير ويزيد بن مرة الجعفي مجاوزة القصد
في العبادة وغيرها والتقصير عنه سيئةً . فقالا : الحسنة بين السيئتين ،
والسيئتان إحداهما مجاوزة القصد والثانية التقصير عنه ، والحسنة التي
بينهما هي القصد والعدل .
قال الداودي: [ وقولها ] (١) وما انتقم رسول الله لنفسه - يعني
إذا أوذي بغير السب الذي يخرج إلى الكفر ، مثل الأذى في المال
والجفاء في رفع الصوت فوق صوته ، ونحو التظاهر الذي تظاهرت
عليه عائشة وحفصة ، ومثل [ جبذ ] (٢) الأعرابي له حتى أثرت
حاشية البرد في عنقه أخذًا منه بقوله تعالى : ﴿ولمن صبر وغفر إن
ذلك لمن عزم الأمور﴾ (٣) وأما إذا أوذي بالسب فذلك كفر ، وهو
انتهاك حرمة الله فيجب عليه الانتقام لنفسه ، وكذلك فعل في ابن
خطل يوم فتح مكة حين تعوَّذ بالكعبة من القتل ، فأمر بقتله دون سائر
الكفار ؛ لأنه كان يكثر من سبه ، وقد أمر بقتل قينتين كانتا تغنيان
بسبه، وانتقم لنفسه ؛ لأنه من سب رسول الله فقد كفر ، ومن كفر
فقد آذى الله ورسوله ، وكذلك قال : من لكعب بن الأشرف فقد
آذى الله ورسوله فانتقم منه لذلك .
قال المهلب : ولا يحل لأحد من الأئمة ترك حرمات الله أن تنتهك
وعليهم تغيير ذلك
وقد روي عن مالك في الرجل يؤذى وتنتهك حرمته ثم يأتيه الظالم
(١) في ((الأصل)): قوله. وما أثبتناه من (( هـ )).
(٢) في (( هـ )) : جذب.
(٣) الشورى : ٤٣ .
- ٤٠٦ -

المنتهك لحرمته فيسأله الغفران . فقال : لا أرى أن يغفر له . ووجه
قول مالك إذا كان معروفًا بانتهاك حرم المسلمين فلا يجب أن يجري
على هذا ، ويرد بالإغلاظ عليه والقمع له وعن ظلم أحد .
/ باب : إقامة الحدود على الشريف والوضيع
[٤/ ق١٦ -ب]
فيه : عائشة : (( أن أسامة كلم النبي - عليه السلام - في امرأة ، فقال:
إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحد على الوضيع ويتركون
الشريف ، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة فعلت ذلك لقطعت يدها)).
قال المهلب : هذا يدل أن حدود الله لا يحل للأئمة ترك إقامتها
على القريب والشريف ، وأن من ترك ذلك من الأئمة فقد خالف سُنة
رسول الله ورغب عن اتباع سبيله .
وفيه : أن إنفاذ الحكم على الضعيف ومحاشاة الشريف مما أهلك الله
به الأمم ، ألا ترى أنه عليه السلام وصف أن بني إسرائيل هلكوا بإقامة
الحد على الوضيع وتركهم الشريف .
وقد وصفهم الله بالكفر والفسوق لمخالفتهم أمر الله - تعالى - فقال
تعالى : ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ (١)
﴿الظالمون﴾ (٢) ﴿الفاسقون﴾ (٣) وقوله عليه السلام: ((لو أن
فاطمة سرقت لقطعت يدها )) هو في معنى قوله تعالى: ﴿يا أيها
الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو
الوالدين والأقربين ﴾ (٤)
(١) المائدة : ٤٤ .
(٣) المائدة : ٤٧ .
(٢) المائدة : ٤٥ .
(٤) النساء : ١٣٥ .
- ٤٠٧ -

فامتثل عليه السلام أمر ربه في ذلك ، وامتثله بعده الأئمة الراشدون
في تقويم أهليهم فيما دون الحد .
وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن
أبيه قال : كان عمر بن الخطاب إذا نهى [ الناس ] (١) عن شيء جمع
أهله ، فقال : إني نهيت الناس عن كذا وكذا ، والناس ينظرون إليكم
نظر الطير إلى اللحم ، فإن وقعتم وقعوا ، وإن هبتم هابوا ، وإني
والله لا أوتى برجل منكم وقع في شيء مما نهيته عنه إلا ( أضعف )(٢)
عليه العقوبة لمكانه مني ، فمن شاء فليتقدم ومن شاء فليتأخر .
باب: ( كراهة ) (٣) الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان
م
فيه: عائشة: (( أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت قالوا :
من يكلم رسول الله فيها ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله
[فكلم رسول الله ◌َي ] (١) فقال : أتشفع في حد من حدود الله . ثم قام
فخطب فقال : أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق
الشريف تركوه ، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد ، وايم الله لو
أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها )) .
۔
ذهب جماعة العلماء إلى أن الحدّ إذا بلغ الإمام أنه يجب عليه
إقامته، لأنه قد تعلق بذلك حق ( لله ) (٤) ولا تجوز الشفاعة فيه
لإنكاره ذلك على أسامة وذلك من أبلغ النهي ، ثم قام عليه السلام
خطيبًا فحذر أمته من الشفاعة في الحدود إذا بلغت إلى الإمام .
(١) من (( هـ ).
(٣) في ((هـ) : كراهية .
(٢) في (( هـ)): أضعفت.
(٤) في (( هـ)) : الله .
- ٤٠٨ -

فإن قيل : فقد قال مالك وأبو يوسف والشافعي : إن القذف إذا
بلغ إلى الإمام يجوز للمقذوف العفو عنه إن أراد ستراً .
قيل له : إن هذه شبهة يجوز بها درء الحد ؛ لأنه إن ذهب الإمام
إلى حد القاذف خشي أن يأتي بالبينة على صدق ما قال من القذف ،
فيسقط الحد عنه ، وربما وجب على المقذوف فقويت الشبهة في ذلك .
وقد قال مالك أيضًا : إنه لا يجوز عفوه إذا بلغ الإمام . وهو قول أبي
حنيفة والثوري والأوزاعي ، وهذا القول أشبه بظاهر الحديث .
وأجاز أكثر أهل العلم الشفاعة في الحدود قبل وصولها إلى الإمام.
روي ذلك عن الزبير بن العوام ، وابن عباس ، وعمار بن ياسر ،
ومن التابعين سعيد بن جبير والزهري ، وهو قول الأوزاعي .
قالوا : وليس على الإمام التجسس عما لم يبلغه .
وكره ذلك طائفة: فقال ابن عمر / من [ حالت ] (١) شفاعته دون [٤/ق١٧-1]
حد من حدود الله فقد ضاد الله في حكمه . وفرق مالك بين من لم
يعرف منه أذى للناس . فقال : لا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام،
وأما من عرف بشر وفساد في الأرض فلا أحب أن يشفع له أحد ،
ولكن يترك حتى يقام عليه الحد . قال ابن المنذر : واحتج من رأى
الشفاعة مباحة قبل الوصول إلى الإمام بحديث المخزومية ؛ لأنه عليه
السلام إنما أنكر شفاعة أسامة في حد قد وصل إليه وعلمه .
وفي هذا الحديث بيان رواية معمر عن ابن شهاب: (( أن امرأة
مخزومية كانت تستعير المتاع وتجحده ، فأمر النبي - عليه السلام -
بقطع يدها )) وقد تعلق بهذا قوم فقالوا : من استعار ما يجب القطع
(١) في ((الأصل)): حالفت. وما أثبتناه من ((هـ)).
- ٤٠٩ -

فيه ثم جحده فعليه القطع . هذا قول أحمد وإسحاق وقالوا : إن
الذي أوجب عليها القطع أنها كانت تستعير المتاع وتجحده .
وخالفهم أهل المدينة والكوفة والشافعي وجمهور العلماء وقالوا :
لا قطع عليهم . وحجتهم ما رواه الليث عن ابن شهاب في هذا
الحديث: أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت ، فدل هذا
الحديث أنها لم تقطع على استعارتها للمتاع ، وإنما قطعت على
السرقة ، ألا ترى قوله عليه السلام في آخر الحديث (( لو أن فاطمة
بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها » فارتفع الإشكال بهذا لو لم
يذكر الليث في أول الحديث أنها سرقت .
قال ابن المنذر : وقد يجوز أن تستعير [ المتاع ] (١) وتجحده ثم
سرقت فوجب قطع يدها للسرقة .
وقد تابع اللیث على روايته يونس بن یزید وأيوب بن موسی رویاه
عن الزهري كرواية الليث ، وإذا اختلفت الآثار وجب الرجوع إلى
النظر ووجب رد ما اختلف فيه إلى كتاب الله ، وإنما أوجب الله القطع
على السارق لا على المستغير .
باب : قول الله عز وجل :
والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (٢).
وفي كم يقطع ؟ وقطع علي من الكف . وقال قتادة في امرأة سرقت
فقطعت شمالها : [ ليس ] (٣) إلا ذلك.
فيه : عائشة قالت: قال النبي - عليه السلام -: (( تقطع اليد في ربع
دينار فصاعداً )).
(١) من (( هـ).
(٢) المائدة : ٣٨ ..
(٣) في ((الأصل)): فليس. والمثبت من (( هـ).
- ٤١٠ -

وقالت مرة : إن السارق لم يقطع على عهد النبي - عليه السلام - إلا
في ثمن مجن حجفة أو ترس )» .
[ وقالت مرة: لم تقطع في أدنى من ثمن المجن حجفة أو ترس ] (١)
و کان کل واحد منهما ذا ثمن .
فيه: ابن عمر: (( أن النبي - عليه السلام - قطع في مجن ثمنه ثلاثة
دراهم » .
وفيه: أبو هريرة أن النبي - عليه السلام - قال: (( لعن الله السارق
يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده ) .
هذه الآية محكمة في وجوب قطع السارق ومجملة في مقدار ما
يجب فيه القطع ، فلو تركنا مع ظاهره لوجب القطع في قليل الأشياء
وكثيرها ، لكن بين لنا النبي - عليه السلام - مقدار ما يجب فيه
القطع [ بقوله ] (٢): ((يقطع الكف في ربع دينار فصاعدًا)) ففهمنا
بهذا الحديث أن الله إنما أراد بقوله : ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا
أيديهما ﴾ (٣) بعض السراق دون بعض فلا يجوز قطع يد السارق إلا
في ربع دينار فصاعدًا أو فيما قيمته ربع دينار مما يجوز ملكه إذا سرق
من حرز . روي هذا القول عن عمر وعثمان [وعلي ] (١) وعائشة ،
وهو قول مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأبي ثور .
وذهب الثوري والكوفيون إلى أنه لا تقطع اليد إلا في عشرة
دراهم، وقالوا : من سرق مثقالا لا يساوي عشرة دراهم لا قطع عليه.
وكذلك من سرق عشرة دراهم فضة لا تساوي عشرة دراهم مضروبة
لم يقطع ، واحتجوا بما رواه أبو إسحاق ، عن أيوب بن موسى، عن
(١) من ( هـ)).
(٢) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): لقوله.
(٣) المائدة : ٣٨ .
- ٤١١ -

عطاء ، عن ابن عباس قال : كانت قيمة المجن الذي قطع رسول الله
فيه عشرة دراهم .
والحجة على الكوفيين أنه يحتمل أن يكون القطع في عهد رسول الله
في مجنين مختلفين أحدهما ثمنه ثلاثة دراهم والثاني ثمنه عشرة
دراهم؛ لأنه إذا صح القطع بنقل الثقات في ثلاثة دراهم دخلت فيه
[٤/ ١٧٥ -ب) العشرة دراهم ، وهذا أولى من حمل الأخبار على / التضاد . ومع
الأئمة الأربعة الراشدين عائشة وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وابن
الزبير - رضوان الله عليهم .
واختلف مالك والشافعي في تقويم الأشياء المسروقة ، فقال مالك :
تقوم بالدراهم على حديث ابن عمر أن المجن كان ثمنه ثلاثة دراهم ،
ولا ترد الفضة إلى الذهب في القيمة ولا الذهب إلى الفضة ، فمن
سرق عنده ربع دينار فعليه القطع ، ومن سرق ثلاثة دراهم فعليه
القطع ، ولو سرق عنده درهمين صرفهما ربع دينار لم يجب عليه
قطع ، ولو سرق ربع دينار لا تبلغ قيمته ثلاثة دراهم لوجب عليه
القطع .
وذهب الشافعي إلى أن تقويم الأشياء بالذهب على حديث عائشة
في ربع دينار ، ولا يقوم شيئًا بالدراهم فيقطع في ربع دينار ولا يقطع
في ثلاثة دراهم إلا أن تكون قيمتها [ ربع دينار ] (١) قال : لأن الثلاثة
دراهم إنما ذكرت في الحديث ؛ لأنها كانت يومئذ ربع دينار ذهباً .
فيقال الشافعي : الذهب والورق أصلان كالدية التي جعلت ألف دينار
أو اثني عشر ألف درهم ، وكالزكاة التي جعلت في مائتي درهم أو
عشرين ديناراً لا يرد أحدهما إلى الآخر . فكذلك لا ينبغي أن يقوم
(١) من ( هـ)).
- ٤١٢ -

الذهب بالدراهم ولا تقوم الدراهم بالذهب ؛ لأنهما قيم المتلفات
وأثمان الأشياء ؛ بل الغالب القيمة بالدراهم ، ومحال أن يحكي ابن
عمر أن المجن قيمته ثلاثة دراهم إلا وقد قوم بها دون الذهب ، وإذا
ثبت أن المجن قُوم بالدراهم ولم ينقل بعد ذلك أن الدراهم قومت
بالذهب لم يجز تقويمها بالذهب كما لا يقوم الذهب بها ، ووجب
استعمال الأحاديث فوجب القطع في ربع دينار وثلاثة دراهم .
واختلفوا في اليد والرجل من أين ( يُقْطعان) (١).
فروي عن عمر وعثمان وعلي أنهم قالوا : من المفصل . وعليه
أكثر الفقهاء ، وقد روي عن علي رواية أخرى أنها تقطع اليد من
الأصابع والرجل من نصف القدم ويترك له عقبًا . وقال أبو ثور :
فعل علي أرفق وأحب إليّ .
والقول الأول أولى ( بقوله ) (٢) تعالى: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾(٣).
واختلفوا إذا سرق ثالثة بعد أن قطع في الأولى والثانية .
فقالت طائفة : تقطع يده اليسرى ، ثم إن سرق رابعة قطعت رجله
اليمنى فيصير مقطوع اليدين والرجلين . روي هذا عن أبي بكر
الصديق وعمر وعثمان ، ومن التابعين عروة والقاسم وسعيد بن
المسيب وربيعة ، وهو قول مالك والشافعي .
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي : إن سرق الثالثة لا يقطع منه
شيء ويغرم السرقة ، روي مثل هذا عن علي بن أبي طالب وهو قول
النخعي والشعبي والزهري .
(١) في (( هـ)): يقطعهما .
(٣) المائدة : ٣٨ .
(٢) في (( هـ)): بتأويل قوله .
- ٤١٣ -

قال عطاء ، وقال بعض أصحاب الظاهر : لا يجب أن يقطع من
السارق إلا الأيدي دون الأرجل ، واحتج عطاء بقول الله تعالى - : :
﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴾ (١) ولو شاء أمر بالرجل وما
كان ربك نسيا .
وحجة الكوفيين ما رواه إسماعيل بن جعفر ، عن أبيه أن علي بن
أبي طالب كان لا يزيد أن يقطع للسارق يدًا أو رجلا فإذا أتي به بعد.
ذلك قال : إني لأستحبي أن لا يتطهر للصلاة ولكن أمسكوا كلبه عن
المسلمين بالسجن وأنفقوا عليه من بيت المال .
والحجة لمالك أن أهل العراق والحجاز يقولون بجواز قطع الرجل
بعد اليد وهم يقرءون ﴿ فاقطعوا أيديهما﴾ (١) وهذه المسألة تشبه المسح
على الخفين وهم يقرءونه غسل الرجلين أو مسحهما ، وتشبه الجزاء في
قتل ( صيد ) (٢) الخطأ وهم يقرءونه ﴿ومن قتله منكم متعمدً﴾ (٣)
ولا يجوز على الجمهور تحريف الكتاب ولا الخطأ في تأويله ، وإنما
قالوا ذلك بالسنة الثابتة والأمر المتبع .
وقال إسماعيل بن إسحاق لما قال الله : ﴿ فاقطعوا أيديهما﴾(١)
فأجمعوا أن يده تقطع ، ثم إن سرق بعد ذلك قطع منه شيء آخر ،
فدل على أن المذكور في القرآن إنما هو على أول حكم يقع عليه في
السرقة ، وأنه إن سرق بعد ذلك أعيد عليه الحكم كما يحد إذا زنا وهو
(١٨٥/٤-١) بكر ، فإذا أعاد الزنا أعيد / عليه الحد ( فإذا ) (٤) صح هذا وجب أن
يقطع أبدًا حتى لا يبقى له يد ولا رجل كما يجلد أبدًا حتى لا يبقى فيه
موضع جلد .
(١) المائدة : ٣٨ .
(٣) المائدة : ٩٥ .
(٢) في (( هـ): الصيد .
(٤) فى (( هـ)): فلما .
- ٤١٤ -

وقال ( غيره ) (١) : إنما فهم السلف قطع يد السراق وأرجلهم من
خلاف من آية المحاربين ، والله أعلم [ وقد تقدم الكلام على حديث
أبي هريرة في باب لعن السارق إذا لم يسم ] (٢).
باب : توبة السارق
فيه: عائشة: (( أن النبي - عليه السلام - قطع يد امرأة وكانت تأتي
بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى النبي - عليه السلام - فتابت وحسنت
توبتها ) .
وفيه : عبادة في حديث المبايعة إلى قوله عليه السلام : (( ومن أصاب
من ذلك شيئًا فأخذ به في الدنيا فهو كفارة له وطهور ، ومن ستره الله
فذلك إلی الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له )) .
وقد تقدم في كتاب الشهادة اختلاف العلماء في قبول شهادة التائب
في كل شيء [ مما حدَّ فيه وفي غيره لقول عائشة : فتابت وحسنت
توبتها] (٢) وقد قال عليه السلام: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب
له)» وهو معنى قوله في هذا الحديث أن الحدود في الدنيا كفارة
وطهور، وصحة القول أرجح في النظر من قول من خالفه لما شهد له
من ثابت الآثار ومعاني القرآن ، والحمد لله .
(١) في (( هـ )) : بعضهم.
(٢) من (( هـ)).
- ٤١٥ -

كتاب المحاربين
باب : المحاربين من أهل الكفر والردة وقول الله تعالى
﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ (١) الآية
فیه : أنس : « قدم على النبي - عليه السلام - نفر من عكل ، فأسلموا
فاجتووا المدينة فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها
(ففعلوه ) (٢) فصحوا فارتدوا وقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل، فبعث في
آثارهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ، ثم لم
يحسمهم حتى ماتوا » .
قال المؤلف : ذهب البخاري في هذا الحديث - والله أعلم -
[إلى](٣) أن آية (المحاربة ) (٤) نزلت في أهل الكفر والردة ، ولم يبين
ذلك في الحديث ، وقد بين عبد الرزاق في روايته قال : حدثنا معمر،
عن قتادة، عن أنس فذكر الحديث . قال قتادة : فبلغنا أن هذه الآية
نزلت فيهم ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ (١) الآية كلها.
وذكر مثله عن أبي هريرة [ وممن ] (٥) قال إن هذه الآية نزلت في أهل
الشرك : الحسن والضحاك وعطاء والزهري .
وذهب جمهور ( العلماء ) (٦) إلى أنها نزلت فيمن خرج من
(١) المائدة : ٣٣ .
(٢) في (( هـ )) : ففعلوا .
(٣) من (( هـ)).
(٤) في (( هـ)): المحاربين.
(٥) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): ومن .
(٦) فى ( هـ)): الفقهاء.
۔
- ٤١٦ -

المسلمين يسعى في الأرض بالفساد ويقطع الطريق ، هذا قول
[مالك](١) والكوفيين والشافعي وأبي ثور إلا أن بعض هؤلاء يقول إن
[حد ] (٢) المحارب على قدر ذنبه على ما يأتي تفسيره في هذا الباب.
وليس قول من قال : إن الآية وإن كانت نزلت في [ المسلمين مناف
في المعنى لقول من قال إنها نزلت في أهل الردة والمشركين ؛ لأن
الآية وإن كانت نزلت في ] (١) المرتدين بأعيانهم فلفظها عام يدخل في
معناه كل من فعل مثل فعلهم من المحاربة والفساد في الأرض ، ألا
ترى أن الله جعل قصر الصلاة في السفر بشرط الخوف ثم ثبت القصر
للمسافرين وإن لم يكن خوف لما يجمعهما في المعنى .
قال إسماعيل بن إسحاق : وظاهر كتاب الله وما مضى عليه عمل
المسلمين يدل أن هذه الحدود نزلت في المسلمين ؛ لأن الله - تعالى -
يقول: ﴿إذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ (٣) وقال:
﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ (٤). فلم يذكر فيهم إلا القتل والقتال ؛
لأنهم إنما يقاتلون على الديانة لا على الأعمال التي يعملونها من سرق
أو قطع [ طريق ] (١) أو غيره ، وإذا ذكرت الحدود التي تجب على
الناس من الحرابة والفساد في الأرض أو السرقة وغيرها لم تسقط عن
المسلمين ؛ لأنها إنما وجبت من طريق أفعال الأبدان لا من طريق اعتقاد
الديانات . ولو كان حد المحارب في الكافر خاصة لكانت الحرابة قد
نفعته في ( أمر ) (٥) دنياه لأنا نقتله بالكفر .
فإن كان إذا أحدث / الحرابة مع الكفر جاز لنا أن نقطع يده ورجله [٤/;١٨ -ب)
(١) من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): هذا. والمثبت من (( هـ)).
(٣) محمد: ٤. (٤) التوبة: ٣٦. ووقع في ((الأصل)): اقتلوا، وهو خطأ.
(٥) في (( هـ )) : أمور .
- ٤١٧ -

من خلاف أو ننفيه [ من الأرض ] (١) ولا نقتله فقد ( خففت ) (٢)
عنه العقوبة .
واحتج أبو ثور على من زعم أنها نزلت في أهل الشرك بقوله
تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ (٣).
قال : ولا أعلم خلافًا بين العلماء في مشركين لو ظهر عليهم وقد
قتلوا وأخذوا الأموال فلما صاروا في أيدي المسلمين وهم على حالهم
تلك ( أسلموا ) (٤) قبل أن يحكم عليهم بشيء أنهم لا يحل قتلهم ،
فلو كان الأمر على ما قال من خالف قولنا كان قتلهم والحكم عليهم
بالآية [ لازمًا ] (٥) وإن أسلموا ، فلما نفى أهل العلم ذلك (٦) دل أن
الحكم ليس فيهم .
قال إسماعيل : وإنما سقط عنهم القتل وكل ما فعلوه بقوله تعالى :
﴿ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ (٧) .
فإن مضى عليه قول شيوخ أهل العلم أن المعني بهذا المسلمون وأنهم
إذا حاربوا ثم تابوا من قبل أن يقدر عليهم فإن هذه الحدود تسقط عنهم
[ لأنها لله، وأما حقوق العباد فإنها لا تسقط عنهم ] (١) ويقتص منهم
من النفس والجراح وأخذ ما كان معهم من المال أو قيمة ما استهلكوا.
هذا قول مالك والكوفيين والشافعي [وأبي](٨) ثور . ذكره ابن المنذر.
وأما ترتيب أقوال العلماء الذين جعلوا الآية نزلت في المسلمين في
حد المحارب المسلم ، فقال مالك : إذا أشهر المحارب السلاح وأخاف
(١) من (( هـ).
(٣) المائدة : ٣٤ .
(٦) زاد فى ((الأصل)) : وإن أسلموا .
(٧) الأنفال : ٣٨ .
(٢) في (( هـ )): خفف .
(٤) مكررة فى ((الأصل)).
(٥) في (( الأصل، وهـ )) : لازم .
(٨) في (( الأصل)): وأبو .
- ٤١٨ - .

السبيل ولم يقتل ولا أخذ مالا كان الإمام [ مخيراً ] (١) فيه ، فإن رأى
أن يقتله أو يصلبه أو يقطع يده ورجله من خلاف أو ينفيه فعل .
وقال الكوفيون والشافعي : إذا لم يقتل ولا أخذ مالا لم يكن عليه
إلا التعزير ، وإنما يقتله الإمام إن قتل ، ويقطعه إذا سرق ، ويصلبه إذا
قتل وأخذ المال ، وينفيه إذا لم يفعل شيئًا من ذلك ، ولا يكون الإمام
مخيراً فيه .
قال إسماعيل : فأجروا حكم المحارب كحكم القاتل غير المحارب،
ولم توجب المحاربة عندهم شيئًا وقد ركب ما ركب من الفساد في
الأرض وقد قال تعالى : ﴿ من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض
فكأنما قتل الناس جميعًا ﴾ (٢) فجعل الفساد بمنزلة القتل.
والمعنى - والله أعلم - من قتل نفساً بغير نفس ، أو بغير فساد في
الأرض فلم يحتج إلى أن تعاد (( غير )) وعطف الكلام على ما قبله ،
فجعل الفساد عدلا للقتل .
وإذا كان الشيء بمنزلة الشيء فهو مثله ، فكان الفساد في الأرض
بمنزل القتل . هذا قول إسماعيل وعبد العزيز بن أبي سلمة .
قال إسماعيل : والذي يعرف من الناس من الكلام في كل ما أمر
به فقيل افعلوا كذا أو كذا ، فإن صاحبه مخير .
وقال عطاء ومجاهد والضحاك : كل شيء في القرآن أو ... أو
فهو خیار .
واحتج من أسقط التخيير بقوله عليه السلام: (( لا يحل دم امرئ
مسلم إلا بإحدى ثلاث ، رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه ،
أو قتل نفسا بغير نفس )).
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): مخير.
(٢) المائدة : ٣٢ .
- ٤١٩ -

فجاوبهم أهل المقالة الأولى بأن ظاهر هذا الحديث يدل أن المحارب
غير داخل فيه ؛ لأن قاتل النفس في غير المحاربة إنما أمره في القتل أو
الترك إلى ولي المقتول ، وأمر المحارب إلى السلطان ؛ لأن فسناده في
الأرض لا يلتفت فيه إلى عفو المقتول (١) فعلمنا بهذا أن المحارب
لا يدخل في هذا الحديث وإنما يدخل فيه القاتل الذي الأمر فيه إلى
ولي المقتول إذا قتل فيه أو قتل نفسًا بغير نفس فكأنه على [ مجرى ](٢)
القصاص ، ولو كان على العموم لوجب أن يقتل كل قاتل قتل مسلمًا
عمدًا . وقد رأينا مسلمًا قتل مسلمًا عمدًا لم يجب عليه القتل في قول
جماعة المسلمين ، وذلك ( أنهم ) (٣) أجمعوا في قتلى الجمل وصفين
أنه لا قصاص بينهم إذ كان القاتل المسلم إنما قتل المسلم المقتول عمداً
على التأويل في الدين لم يقتله لثائرة بينه وبينه ولا قصد له في نفسه
[٤/ ١٩٥-٦] وإنما قصد / في قتله الديانة عنده فسقط عنه القود لذلك فكذلك أمر
المحارب إنما كان على قصده قتل المسلم لقطع الطريق وأخذ الأموال
والفساد في الأرض ، فكان الأمر فيه إلى السلطان لا إلى ولي المقتول،
فكما خرج قتلى صفين والجمل من معنى هذا الحديث كذلك خرج
المحارب من معناه .. ويشهد لما قلناه ما رواه الأعمش عن عبد الله بن
مرة قال: قال مسروق: قال عبد الله: قال رسول الله وَله: ((لا
يحل دم رجل مسلم إلا [ بإحدى ] (٥) ثلاث . فعدَّ النفس بالنفس ،
والثيب الزاني ، والتارك لدينه المفارق ( الجماعة) (٦) )).
قال إسماعيل : وقوله : (( المفارق الجماعة)) يدل على الفساد في
الأرض نحو الخوارج والمحاربين ، فإذا كان الخوارج يحل قتلهم
(١) هكذا في (( الأصل)) ولعله ولي المقتول.
(٣) فى ((هـ) : أنه.
(٥) في (( هـ)): للجماعة ..
(٢) من ( هـ )).
(٤) فى (( الأصل)) : إحدى ..
- ٤٢٠ -