Indexed OCR Text

Pages 321-340

احتج البخاري في هذا الباب على أبي حنيفة ورَدَّ قوله أن الجارية
للغاصب إذا وجدها ربها ، واعتل أبو حنيفة بأنه إذا أخذ قيمتها من
الغاصب فلا حق له فيها ؛ لأنه لا يجتمع الشيء وبدله في ملك واحد
أبدًا . وهذا خطأ من أبي حنيفة ، والصحيح ما ذهب إليه البخاري
وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور قالوا : إذا وجد الجارية صاحبها
فهو مخير إن شاء أخذها ورَدَّ القيمة ، وإن شاء تمسك بالقيمة وتركها،
إلا أن مالكًا فرق بين أن يجدها ربها عند الغاصب أو عند من اشتراها
من الغاصب فقال : إن وجدها ربها عند مشتريها من الغاصب لم
تتغير أنه مخير بين أخذها أو قيمتها يوم الغصب أو الثمن الذي باعها به
الغاصب .
قال : وإن وجدها عند الغاصب لم تتغير وهي أحسن مما كانت يوم
/ الغصب ولم يكن جحدها الغاصب ولا [ حكم ] (١) عليه بقيمتها (٣/ ق٢٥١ -ب)
فليس له إلا أخذها ، ولا يأخذ قيمتها . هذا قوله في المدونة .
وقال ابن الماجشون ومطرف : وهو مخير بين أخذها أو أخذ قيمتها
إذا كان الغاصب قد غاب عنها . والحجة لمن خالف أبا حنيفة بيان
النبي وَ * أنه لا يحل مال مسلم إلا عن طيب نفس منه ، وأن حكم
الحاكم لا يحل ما حرم الله ورسوله ؛ لقوله عليه السلام: ((فلا
يأخذها ، فإنما أقطع له قطعة من النار)) .
وأما قول أبي حنيفة : إن القيمة ثمن فهو غلط ؛ لأن القيمة إنما
وجبت؛ لأن الجارية متلفة لا يقدر عليها، فلما ظهرت وجب له أخذها؛
لأن أخذ القيمة ليس ببيع بايعه به، وإنما أخذ القيمة لهلاكها، فإذا زال
ذلك وجب الرجوع إلى الأصل الذي كان عليه، وهو تسليم الجارية إلى
صاحبها، وقد فرق أهل العلم بين القيمة والثمن، فجعلوا القيمة في
(١) في (( الأصل)): يحكم. والمثبت من ( هـ).
- ٣٢١ -

الشيء المستهلك وفي البيع الفاسد ، وجعلوا الثمن في الشيء القائم،
والفرق بين البيع الفاسد والغصب أن [ البائع ] (١) قد رضي بأخذ
الثمن عوضًا من سلعته وأذن للمشتري في التصرف فيها ، وإنما جهل
السنة في البيع ، فإصلاح هذا البيع أن يأخذ قيمة السلعة إن فاتت ،
والغاصب غصب ما لم يأذن له فيه ربه ، وما له فيه رغبة ؛ فلا يحل
تملكه للغاصب بوجه من الوجوه إلا أن يرضى المغصوب منه بأخذ
قیمته .
وقد تناقض أبو حنيفة في هذه المسألة فقال : إن كان الغاصب حين
ادعى رب الجارية قيمتها كذا وكذا جحد ما قال ، وقال قيمتها كذا
وكذا وحلف عليه ، ثم قدر عليه الجارية كان ربها بالخيار إن شاء سلم
الجارية بالقيمة وإن شاء أخذ الجارية ورد القيمة ؛ لأنه لم يعط القيمة
التي [ ادعاها ] (٢) ربها، وهذا ترك منه لقوله. ولو كانت القيمة
ثمنًا ما كان لرب الجارية الخيار فيما معناه البيع ؛ لأن الرجل لو باع ما
يساوي خمسين دينارًا بعشرة دنانير كان بيعه لازمًا ولم يجعل له رجوع
ولا خیار .
*
باب : في النكاح
فيه : أبو هريرة : عن النبي - عليه السلام - قال: (( لا تنكح البکر حتى
تستأذن ولا الثيب حتى تستأمر . فقيل : يا رسول الله ، كيف إذنها ؟
فقال: إذا سكتت )).
وقال بعض الناس : إذا لم تستأذن البکر ولم تتزوج ، فاحتال رجل
(١) في ((الأصل)): البيع. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): ادعى بها. والمثبت من ( هـ)).
- ٣٢٢ -

فأقام شاهدي زور أنه تزوجها برضاها فأثبت القاضي نكاحها والزوج
يعلم أن الشهادة [ باطلة ] (١) فلا بأس أن يطأها وهو تزويج صحيح.
وفيه: القاسم : (( أن امرأة من ولد جعفر تخوفت أن يزوجها وليها
وهي كارهة، فأرسلت إلى [ شيخين ] (٢) من الأنصار: عبد الرحمن
ومجمع ابني جارية قالا : فلا تخشين ، فإن خنساء بنت خدام أنكحها
أبوها وهي كارهة فرد النبي ذلك )).
وفيه : أبو هريرة قال : قال عليه السلام: (( لا تنكح الأيم حتى تستأمر
ولا تنكح البكر حتى تستأذن . قالوا : كيف إذنها ؟ قال : أن تسكت )).
قال بعض الناس : إن هوى رجل جارية ثيبًا أو بكرًا فأبت فاحتال فجاء
بشاهدي زور على أنه تزوجها فأدركت فرضيت ، فقبل القاضي شهادة
الزور والزوج يعلم بطلان ذلك حل له الوطء .
قال المؤلف : لا يحل هذا النكاح للزوج الذي أقام شاهدي زور
على رضا المرأة أنه تزوجها عند أحد من العلماء ، وليس حكم
القاضي بما ظهر له من عدالة الشاهدين في الظاهر [ مُحلا ] (٣) ما
حرم الله ؛ لقوله عليه السلام: (( فإنما أقطع له قطعة من النار ))
ولتحريم أكل أموال الناس بالباطل ، ولا فرق بين أكل المال الحرام
ووطء الفرج الحرام في الإثم .
قال المهلب : احتيال أبي حنيفة ساقط؛ لأمر النبي باستئذان المرأة
واستثمارها عند النكاح ، ورد عليه السلام نكاح من تزوجت كارهة
في حديث خنساء ، وقد قال تعالى : ﴿ولا تعضلوهن أن ينكحن
أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ (٤) / فاشتراط الله رضا المرأة [٥/٣ ٢٥٢-١)
في النكاح يوجب أنه متى عدم هذا الشرط في النكاح لم يحل ، وإنما
(١) في ((الأصل، هـ)): باطل. والمثبت من (( ن)).
(٢) في ((الأصل)): شخصين. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) فى ((الأصل)): محل. والمثبت من (( هـ)).
(٤) البقرة : ٢٣٢ .
- ٣٢٣ -

قاس أبو حنيفة مسائل هذا الباب على القاضي إذا حكم بطلاقها
[بشاهدي ] (١) زور وهو لا يعلم ؛ أنه يجوز أن يتزوجها من لا يعلم
بباطل هذا الطلاق ، ولا تحرم عليه بإجماع العلماء ، وكذلك يجوز
أن يتزوجها من يعلم ولا تحرم عليه ، وهذا خطأ في القياس ، وإنما
حل تزويجها لمن لا يعلم باطن أمرها ؛ لأنه جهل ما دخل فيه .
وأما الزوج الذي أقام شاهدي زور فهو عالم بالتحريم متعمد
لركوب الإثم فكيف يقاس من جهل شيئًا فأتاه فعذر بجهله على من
تعمده فأقدم عليه وهو عالم بباطنه ؟! ولا خلاف بين العلماء أنه من
أقدم على ما لا يحل له فقد أقدم على الحرام البين الذي قال فيه النبي -
عليه السلام - : (( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ))
وليس للشبهة فيه موضع ، ولا خلاف بين الأمة أن رجلا لو أقام
شاهدي زور على [ابنته أنها] (٢) أمته وحكم الحاكم بذلك أنه لا يجوز
له وطؤها ، فكذلك الذي شهد على نكاحها هما في التحريم سواء .
والمسألة التي في آخر الباب لا يقول بها أحد وهي خطأ كالمسألتين
المتقدمتين .
باب : ما يكره من احتيال المرأة مع الزوج والضرائر
وما نزل على النبي عليه السلام في ذلك
فيه: عائشة: ((أن النبي - عليه السلام - كان يحب الحلواء والعسل،
فاحتبس عند حفصة أكثر مما کان یحتبس ، فسألت عن ذلك فقيل لي :
أهدت امرأة من قومها عكة عسل فسقت رسول الله منه شربة فقلت :
(١) في (( الأصل)): بشاهد. والمثبت من (( هـ)).
(٢) فى ((الأصل)): استئذانها. والمثبت من ( هـ ))
- ٣٢٤ -

أما والله لنحتالن له ، فذكرت ذلك لسودة فقلت : إذا دخل عليك فإنه
سيدنو منك ، فقولي له : يا رسول الله ، أكلت مغافير ؟ فإنه سيقول : لا.
فقولي له : ما هذه الريح ؟ - وكان رسول الله يشتد عليه أن يوجد منه
الريح - فإنه سيقول لك : سقتني حفصة شربة عسل . فقولي له :
جَرَستْ نحله العرفط وسأقول ذلك ، وقولیه أنت يا صفية . فلما دخل
على سودة قالت سودة : والذي لا إله إلا هو لقد كدت أن أبادئه بالذي
قلت لي ، وإنه لعلى الباب فرقًا منك ، فلما دنا رسول الله قالت : یا
رسول الله ، أكلت مغافير ؟ قال : لا . قلت : فما هذه الريح ؟ قال :
سقتني حفصة شربة عسل . قلت : جرست نحله العرفط . فلما دخل
عليّ قلت له مثل ذلك ، ودخل على صفية قالت له مثل ذلك ، فلما
دخل على حفصة قالت : يا رسول الله ، ألا أسقيك ؟ قال : لا حاجة لي.
قالت : تقول سودة: سبحان الله لقد حرمناه . قلت لها : اسكتي)).
القسمة التي يقضى بها [ للنساء على الرجال ] (١) هي الليل دون
النهار ، والجماع كله ليلا ونهارًا ، ولا يجوز أن يجامع امرأة في يوم
أخرى .
وأما دخول الزوج بيت من ليس يومها فمباح للرجل ذلك وجائز له
أن يأكل ويشرب في بيتها في غير يومها ما لم يكن الغداء المعروف
والعشاء المعروف، وليس لسائر النساء أن تمنع الزوج من غير ما ذكرناه.
ومعنى الترجمة ظاهر في الحديث . وقد تقدم تفسير المغافير في
كتاب الأيمان والنذور في باب إذا حرم طعامًا. وقد تقدم ما في الحديث
من الغريب في كتاب الطلاق في باب لم تحرم ما أحل الله لك .
*
(١) في (( الأصل)): على الرجل على النساء. والمثبت من ( هـ)).
- ٣٢٥ -

باب (١) : ما يكره من الاحتيال
في الفرار من الطاعون
فيه: عمر بن الخطاب: ((خرج إلى الشام ، فلما جاء سرغ بلغه أن
الوباء وقع بالشام ، فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله قال : إذا
سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع في أرض وأنتم بها فلا
تخرجوا فراراً منه. فرجع عمر من سرغ )).
[٢/ق٢٥٢-ب]
وفيه : أسامة: (( أن النبي - عليه السلام - / ذكر الوجع . فقال : رجز
أو عذاب عذب به بعض الأمم ، ثم بقي منه بقية فيذهب المرة ويأتي
الأخری، فمن سمع پأرض فلا یقدمن علیه ، ومن کان بأرض وقع بها
فلا یخرج فراراً منه » .
قال المهلب وغيره : لا يجوز الفرار من الطاعون ، ولا يجوز أن
يتحيل بالخروج في تجارة أو زيارة أو شبهها وهو ينوي بذلك الفرار من
الطاعون . ويبين هذا المعنى قوله عليه السلام: (( الأعمال بالنيات »
في النهي عن الفرار من الطاعون كأنه يفر من قدر الله وقضائه وهذا لا
سبيل لأحد إليه ؛ لأن قدر الله لا يغلب . وسيأتي الكلام في معنى
هذا الحديث في كتاب المرضى والطب في باب من خرج من أرض لا
تُلائمه فهو موضعه - إن شاء الله تعالى.
باب : في الهبة والشفعة
وقال بعض الناس : إن وهب هبة ألف درهم أو أكثر حتى مكث عنده
سنين واحتال في ذلك ثم رجع الواهب فيها ، فلا زكاة على واحد
منهما. فخالف الرسول وير في الهبة وأسقط الزكاة .
(١) كتب الناسخ في ((الأصل)): بسم الله الرحمن الرحيم ، عونك اللهم
- ٣٢٦ -

فيه: ابن عباس قال النبي ◌َّير: (( العائد في هبته كالكلب يعود في
قيئه، ليس لنا مثل السّوْء)).
وفيه: جابر قال: إنما جعل النبي وَ الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا
وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة .
وقال بعض الناس : الشفعة للجوار ؛ ثم عمد إلى ما شدده فأبطله.
وقال : إن اشترى دارًا فخاف أن يأخذ الجار بالشفعة فاشترى سهمًا من
مائة سهم ، ثم اشترى الباقي ، وكان للجار الشفعة في السهم الأول ولا
شفعة له في باقي الدار، وله أن يحتال في ذلك .
فيه : عمرو بن الشريد: (( جاء المسور بن مخرمة فوضع يده على
منکبي فانطلقت معه إلى سعد ، فقال أبو رافع للمسور : ألا تأمر هذا أن
يشتري مني بيتي الذي في داري ؟ فقال : لا أزيده على أربعمائة ، إِمَّا
مقطعة وإما منجمة . قال : أعطيت خمسمائة نقدًا فمنعته ؛ ولولا أني
سمعت النبي ◌َ﴿ يقول: ((الجار أحق بصقبه ما بعتكه أو قال: ما أعطيتكه)).
قلت لسفيان : إن معمراً لم يقل هكذا، قال : لكنه قال لي هكذا .
وقال بعض الناس : إذا أراد أن يبيع الشفعة فله أن يحتال حتى يبطل
الشفعة ، فيهب البائع للمشتري الدار ويحدها ويدفعها إليه ، ويعوضه
المشتري ألف درهم ، فلا يكون للشفيع فيها شفعة .
وفيه : عمرو بن الشريد عن أبي رافع ؛ أن سعدًا ساومه بيتًا
بأربعمائة(١). فقال: لولا أني سمعت رسول الله وَل يقول: («الجار أحق
بسقبه لما أعطیتکه )) .
وقال بعض الناس : إن اشترى نصيبًا من دار فأراد أن يبطل الشفعة
وهب لابنه الصغير ولا يكون عليه يمين .
قال المؤلف : إذا وهب الواهب هبة وقبضها الموهوب وحازها فهو
(١) جاء في (( ن، الفتح)): بأربعمائة مثقال.
- ٣٢٧ -

مالك لها عند الجميع والزكاة له لازمة ولا سبيل له إلى الرجوع فيها
إلا أن يكون على ابن .
وهذه حيلة لا يمكن أن يخالف بها نص الحديث لأن الزكاة تلزم
الابن في كل هذا ما لم يعتصر منه وإن كان صغيراً عند الحجازيين لأنه
ملك ، فإن اعتصرها بعد حلول الحول عليها عند الموهوب له وجبت
الزكاة على الموهوب له ثم يستأنف الراجع فيها حولا من يوم رجوعه،
وهذا لا خلاف فيه بين العلماء فلا معنى للاشتغال بما خالفه .
قال المهلب : والاحتيال في هذا خارج عن معنى الشريعة ، ومن
أراد أن يحتال على الشريعة حتى يسقطها فلا يسمّى محتالا ، وإنما هو
معاند لحدود الله ومنتهك لها ، فإذا كانت الهبة لغير الابن دخل
الراجع فيها تحت قوله وَله: ((العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه)»
ولا أعلم لحيلته وجهًا إلا إن كان يريد أن يهبها ويحتال في حبسها عنده
دون تحويز فلا تتم حيلته في هذا إن وهبها لأجنبي ؛ لأن الحيازة عنده
شرط في الهبة ، فإن بقيت عنده كانت على ملكه ووجبت عليه فيها
الزكاة ، فأما مسألة الشفعة فالذي احتال به أبو حنيفة فيها له وجه في
الفقه ، وذلك أن الذي أراد شراء الدار خاف شفعة الجار . فسأل
[أبا] (١) حنيفة : هل من حيل في إسقاط شفعة الجار ؟ فقال : لو باع
منك صاحب الدار جزءًا من عشرة أجزاء منها على الإشاعة ثم
اشتريت منه بعد حين باقي الدار سقطت شفعة الجار . يريد أن
الشريك في المشاع أحق بالشفعة من الجار .
وهذا إجماع من العلماء فلما اشترى أولا الجزء اليسير صار به
شريكًا لصاحب الدار ؛ إذ لم يرض الجار أن يشفع في ذلك الجزء
اللطيف لعلة انتفاعه به ، فلما عقد الصفقة في باقي الدار كان الجار
(١) في ((الأصل، هـ): أبو ، وما أثبتناه هو الصواب.
- ٣٢٨ -

لا شفعة له عليه ؛ لأنه لو ملك ذلك الجزء اللطيف غيره لمنع الجار به
من الشفعة .
فكذلك يمنعه هو إذا اشترى باقي الدار من الشفعة ، وهذا ليس فيه
شيء من خلاف السنة ، وإنما أراد البخاري أن يلزم أبا حنيفة التناقض
لأنه يوجب الشفعة للجار ويأخذ في ذلك لقوله : ((الجار أحق
بصقبه )) .
فمن اعتقد مثل هذا وثبت ذلك عنده من قضاء رسول الله وله
وتحيل بمثل هذه الحيلة في إبطال شفعة الجار فقد أبطل السنة التي
يعتقدها .
قال المهلب : وفي حديث ابن عباس: ((إذا وقعت الحدود فلا شفعة»
ما يرد قول من أجاز الشفعة للجار ؛ لأن الجار قد حدد ماله من مال
جاره ولا اشتراك له معه ، وهذا ضد قول من قال بالشفعة للجار ،
وقوله : (( الشفعة فيما لم يقسم )) ينفي الشفعة في كل مقسوم .
وحديث عمرو بن الشريد حجة في أن الجار المذكور في الحديث هو
الشريك وعلى ذلك حمله أبو رافع وهو أعلم بمخرج الحديث ، وقد
تقدم ذلك في كتاب الشفعة ، وقول أبي حنيفة : إذا أراد أن يقطع
الشفعة فيهب البائع للمشتري الدار إلى آخر المسألة فهذه حيلة في
إبطال السنة لا يجيزها أحد من أهل العلم ، وهي منتقضة على أصل
أبي حنيفة ؛ لأن الهبة إن انعقدت للثواب فهي بيع من البيوع عند
الكوفيين ومالك وغيره ففيها الشفعة ، وإن كانت هبة مقبولة بغير شرط
ثواب فلا شفعة فيها بإجماع ، وما انعقد عقدًا ظاهرًا سالمًا في باطنه
والقصد منه فساد فهذا لا يحل عند أحد من العلماء .
قال المهلب : وإنما ذكر البخاري في هذه المسألة حديث أبي رافع
ليعرفك أن ما جعله النبي 1803 حقا للشفيع بقوله وَ ل: ((الجار أحق
بصقبه )) فلا يحل إبطاله ولا إدخال حيلة عليه .
- ٣٢٩ -

وأمَّا المسألة التي في آخر الباب إن اشترى نصيب دار فإذا كان يبطل
الشفعة وهب لابنه الصغير ولا يكون عليه يمين ، فبيان هذه المسألة أن
يكون البائع شريكًا مع غيره في دار فيقوم رجل آخر فيشتري منها نصيبًا
ويهبه لابنه ولا يمين عليه ، وإنما قال ذلك لأنه من وهب لابنه هية فقد
فعل ما يباح له فعله .
قال: والأحكام على الظاهر لا على التوهم وادعًا الغيب على البيان ..
وذكر ابن المولد عن مالك إن كانت الهبة للثواب ففيها الشفعة يعني
لأنها بيع من البيوع ويحلف المتصدق عليه إن كان ممن يتهم ، وروى
ابن نافع عن مالك في المجموعة قال : ينظر فإن رأى أنه محتاج وهب
الأغنياء فاليمين على الموهوب له ، وإن كان صغيرًا فعلى نية الذي
[قبل] (١) ذلك له، وإن كان مستغنيًا عن ثوابهم وإنما وهب للقرابة أو
صداقة فلا يمين في ذلك ..
وذكر ابن عبد الحكم عن مالك أنه اختلف قوله في الشفعة في
الهبة فأجازها مرة ثم قال : لا شفعة فيها .
باب
فيه: أبو رافع قال النبي ◌َلير: ((الجار أحق بسقبه)).
وقال بعض الناس : إن اشترى دارًا بعشرين ألف درهم فلا بأس أن
يحتال حين يشتري الدار بعشرين ألف درهم وينقده تسعة آلاف درهم
وتسعمائة درهم وتسعة وتسعين ، وينقده دينارًا بما بقي من العشرين
ألف درهم ، فإن طلب الشفيع أخذها بالعشرين ألف درهم وإلا فلا
سبيل له ( على ) (٢) الدار، فإن استحقت الدار رجع المشتري على
البائع بما دفع إليه ، وهو تسعة آلاف درهم وتسعمائة وتسعة وتسعون
درهمًا ودينار ؛ لأن البيع حين استحق انتقض [الصرف في الدينار](١)،
(١) من (( هـ)).
(٢) في (( هـ)): إلى .
- ٣٣٠ -
۔۔

فإن وجد بهذه الدار عيبًا ولم يستحق فإنه يردها عليه بعشرين ألفًا ،
قال: فأجاز هذا الخداع بين المسلمين فقد قال النبي وَل: ((بيع المسلم
لا داء ولا خبثة ولا غائلة )) .
وفيه : أبو رافع : (( أنه ساوم سعد بن مالك بيتًا بأربعمائة مثقال ،
وقال: لولا أني سمعت النبي وله يقول: ((الجار أحق بسقبه ما أعطيتك)).
يمكن أن يبيع الشقص من صديق له يحب نفعه بعشرة [ آلاف ] (١)
درهم ودينار ويكتباه في وثيقة الشراء عشرين ألف درهم ، وهو يعلم
أن الشريك لابد له أن يقوم على المشتري بالشفعة ، فإذا وجد في
وثيقته عشرين ألف درهم أخذ الشقص بذلك فهو قصد إلى الخداع .
وقوله : لينقده دينارًا بالعشرة آلاف درهم إنما قال ذلك لأنه يجوز
عند الأمة بيع الذهب بالفضة متفاضلا كيف شاء المتبايعان . فلما جاز
هذا بإجماع بنى عليه أصله في الصرف ، فأجاز عشرة دراهم وديناراً
بأحد عشر درهمًا جعل العشرة دراهم بعشرة دراهم وجعل الدينار بدل
الدرهم .
وكذلك جعل في هذه المسألة الدينار بعشرة آلاف درهم وأوجب
على الشفيع أن يؤدي ما انعقدت له به الصفقة دون ما نقد فيها
المشتري، كأنه قال من حق المشتري أن يقول لك إنما أخذ منك أيها
الشفيع ما أبيعت به الشقص لا ما نقدت فيه ؛ لأنه تجاوز لي البائع بعد
عقد الصفقة عما شاء ما وجب له علي .
وأما مالك - رحمة الله عليه - فإنما يراعي في ذلك النقد وما حصل
في يد البائع منه يأخذ الشفيع .
ومن حجته في ذلك أنه لا خلاف بين العلماء أن الاستحقاق والرد
بالعيب لا يرفع فيهما إلا بما نقد المشتري .
(١) في (( الأصل، هـ)): ألف . والمثبت هو الصواب.
- ٣٣١ -

٠٠
وهذا يدل على أن المراعاة في انتقال الصفقات في الشفعة وانتقاضها
بالاستحقاق والعيوب ما نقد البائع في الوجهين جميعًا ، وأن الشفعة
في ذلك كالاستحقاق وهذا هو الصواب .
وأما قول البخاري عن أبي حنيفة فإن استحقت الدار رجع المشتري
على البائع بما دفع إليه ، فهذا من أبي حنيفة يدل على أنه قصد الحيلة
في الشفعة ؛ لأن الأمة مجمعة وأبو حنيفة معهم على أن البائع لا يرد
في الاستحقاق والرد بالعيب إلا ما قبض . فكذلك الشفيع لا يشفع
"إلا ما نقد المشتري وما قبضه منه البائع لا بما عقد .
وأما قول أبي حنيفة : لأن البيع حين استحقه انتقض صرف الدينار
فلا يفهم ؛ لأن الاستحقاق والرد بالعيب يوجب نقض الصفقة كلها
فلا معنى لذكره الدينار دون غيره .
وقال المهلب: وجه إدخال البخاري قوله وَ ل: ((الجار أحق
بصقبه)» في هذه المسألة ، وهو لما كان الجار أحق ( بالبيع ) (١) وجب
أن يكون أحق أن يرفق به في الثمن حتى لا يغبن في شيء ، ولا
يدخله عروض بأكثر من قيمتها ألا ترى أن أبا رافع لم يأخذ من سعد
ما أعطاه غيره من الثمن ووهبه ؛ لحق الجار الذي أمر الله بمراعاته
وحفظه وحض النبي وَيّ على ذلك.
وقوله وَل: ((لا داء ولا خبثة ولا غائلة)) دليل على أنه لا احتيال
في شيء من بيوع المسلمين من صرف دينار بأكثر من قيمته ولا غيره .
باب : احتيال العامل ليهدى له
فيه : أبو حميد: ((استعمل النبي وسلم رجلا على صدقات بني سليم
يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه قال : هذا ما لكم وهذا هدية . فقال
رسول الله قال: / فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك
[٤/ ق٣-١]
--
(١) في (( هـ)): بالمبيع.
- ٣٣٢ -

إن كنت صادقًا . ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإني
أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتيني فيقول : هذا ما
لكم وهذه هدية أهديت إلي . وقال : والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير
حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة ... )) الحديث .
قال المهلب : حيلة العامل ليهدى إليه إنما تكون بأن يضع من حقوق
المسلمين في سعايته ما يعوضه من أجله الموضوع له ، فكأن الحيلة إنما
هي أن وضع من حقوق المسلمين ليستجزل لنفسه، فاستدل النبي وَل
على أن الهدية لم تكن للمعوض فقال : فهلا جلس في بيت أبيه وأمه
فينظر أيهدى إليه أم لا . فغلب الظن وأوجب أخذ الهدية وضمها إلى
أموال المسلمين .
قال غيره : وهذا الحديث يدل أن ما أهدي إلى العامل في عمالته
والأمير في إمارته شكرًا لمعروف صنعه أو تحبيًا إليه أنه في ذلك كله
كأحد المسلمين لا فضل له عليهم فيه ؛ لأنه بولايته عليهم نال ذلك ،
فإن استأثر به فهو سحت ، والسحت كل ما يأخذه العامل والحاكم
على إبطال حق أو تحقيق باطل وكذلك ما يأخذه على القضاء بالحق .
وقد روي عن النبي وَ ل أنه قال: ((هدايا الأمراء غلول)) والغلول
معلوم أنه للموجفين ولم يكن معهم ، وعلى هذا التأويل كانت
مقاسمة عمر بن الخطاب لعماله على طريق الاجتهاد لأنهم خلطوا ما
يجب لهم في عمالتهم بأرباح تجاراتهم وسهمانهم في الفيء ، فلما
لم يقف عمر على مبلغ ذلك حقيقة أداه اجتهاده إلى أن يأخذ منهم
نصف ذلك .
وقد روي عن بعض السلف أنه قال : ما عدا من تجر في رعيته .
وقد فعله عمر - رضي الله عنه - أيضًا في المال الذي دفعه أبو موسى
الأشعري بالعراق من مال الله إلى ابنيه عبد الله وعبيد الله ، أراد عمر
- ٣٣٣ -

أن يأخذ منهم المال وربحه . فقال عثمان : لو جعلته قراضًا ، أي خذ
منهم نصف الربح ففعل ورأى أن ذلك صواب .
وقد جاء معاذ بن جبل من اليمن إلى أبي بكر الصديق بأعبد له
أصابهم في إمارته على اليمن ، فقال له عمر : ادفع الأعبد إلى أبي
بكر . فأبى معاذ من ذلك ، ثم إن معادًا رأى في المنام كأنه واقف على
نار يكاد أن يقع فيها وأن عمر أخذ بحجزته فصرفه عنها ، فلما أصبح
قال لعمر : ما ظني إلا أني أعطي الأعبد أبا بكر . فقال له : وكيف
ذلك؟ قال : رأيت البارجة في النوم رؤيا وما أظن ما أشرت به عليّ
في الأعبد إلا تأويل الرؤيا . فدفعها إلى أبي بكر ، فرأى أبو بكر أن
يردهم عليه فردهم عليه فكانوا عند معاذ ، فاطلع معاذ يومًا فرآهم
يصلون صلاة حسنة فأعتقهم .
واختلف السلف في تأويل قوله تعالى: ﴿ أكالون للسحت﴾ (١)
فروي عن مسروق أنه سأل ابن مسعود عن السحت أهو الرشوة في
الحكم ؟ فقال عبد الله : ذلك الكفر ، وقرأ عبد الله: ﴿ومن لم
يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ (١) ولكن السحت أن
يستعينك رجل على مظلمة إلى إمام فتعينه فيهدي لك .
وقال إبراهيم النخعي : كان يقال : السحت الرشوة في الحكم .
وعن عكرمة مثله ، وذكر إسماعيل بن إسحاق من حديث عبد الله بن
عمر وثوبان ((أن رسول الله وَللر لعن الراشي والمرتشي)) وفسره
الحسن البصري فقال : ليحق باطلا أو يبطل حقا ، فأما أن يدفع عن
ماله فلا بأس . وهذا خلاف تأويل ابن مسعود .
(١) المائدة : ٤٢ .
- ٣٣٤ -

كتاب الفرائض
وقول الله عز وجل: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم
للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ (١)
فيه: جابر: (( مرضت فعادني النبي يدل وأبو بكر وهما ماشيان فأتاني
وقد أغمي عليّ، فتوضأ النبي / * فصب على وضوءه فأنقت ، فقلت:
يا رسول الله، كيف أصنع في مالي؟ [ كيف أقضي في مالي؟] (٢)،
فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية المواريث : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم
للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ (١).
[٤/ق٣-ب)
وهذا إذا لم يكن معهم أحد من أهل الفرائض ، فإذا كان معهم من
له فرض معلوم بدئ بفريضته فأعطيها ، وجُعل الفاضل من المال للذكر
مثل حظ الأنثيين وهذا إجماع ، ودخل في قوله تعالى : ﴿ يوصيكم
الله في أولادكم﴾ (١) ولد الرجل لصلبه من الذكور والإناث وولد بنيه
وبني بنيه الذين ينتسبون بآبائهم إليه من الذكور والإناث غير أنهم
ينزلون على قدر القرب منه .
فإن كان في ولد الصلب ذكر لم يكن لأحد من ولد الولد شيء .
وإن لم يكن في ولد الصلب ذكر وكان في ولد الولد بُدئ بالبنات
الذين للصلب فأعطين إلى مبلغ الثلثين ، ثم أعطي الثلث الباقي لولد
الولد إذا استووا في القعدد أو كان الذكر أسفل ممن فوقه من بنات
البنين ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ (١).
(١) النساء : ١١ .
(٢) من ( هـ)).
- ٣٣٥ -

وفرض الله للبنت الواحدة النصف ، وفرض لما فوق الاثنين من
البنات الثلثين .
قال إسماعيل بن إسحاق : ولم يذكر الله الاثنتين في كتابه ، فكان
[ في ] (١) قوله تعالى: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ (٢) دليل على
أنه إذا كان ذكراً وأنثى أن للذكر الثلثين وللأنثى الثلث ، فإذا وجب لها
مع الذكر الثلث كان الثلث لها مع الأنثى أوكد ، فاحتيج - والله أعلم
- إلى ذكر ما فوق الاثنتين ولم يحتج إلى ذكر الاثنتين .
وقوله تعالى : ﴿ ولأبویه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له
ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ﴾ (٢) فإنما يعني بقوله:
ولأبويه ﴾ أبوي الميت لكل واحد منهما السدس سواء فيه الوالد
والوالدة لا يزاد واحد منهما على السدس إن كان له ولد ، ذكرًا كان
الولد أو أنثى ، واحدًا كان أو جماعة .
فإن قيل : فيجب أن لا يزاد [ الوالد ] (٣) مع الابنة الواحدة على
السدس شيئًا ، وإن قلت هذا فهو خلاف الأمة لتصيرهم بقية مال
الميت وهو النصف بعد أخذ الابنة نصيبها للأب .
قيل : ليس الأمر كما ظننت وما زيد الأب على السدس من بقية
النصف مع البنت الواحدة فإنما زيد بالتعصيب ؛ لأنه أقرب عصبة الميت
إليه ، وكان حكم ما أبقت الفرائض فلأولى عصبة الميت وأقربهم إليه
(١) من (( هـ)).
(٢) النساء : ١١ .
(٣) في ((الأصل)): الواحد. وأثبتناها من (( هـ)).
- ٣٣٦ -

لسنة النبي - عليه السلام - وكان الأب أقرب عصبته إليه وأولاها به إذا
لم يترك ابنًا ذكرًا .
وقال إسماعيل [ بن إسحاق ] (١) : ذكرت فريضة الأبوين في
القرآن إذا كان للميت ولد أو إخوة وإذا لم يكن له ولد ، ولم تذكر
فريضتهما إذا كان للميت زوج أو زوجة فاحتيج في هذا الموضع إلى
النظر والاعتبار ، فكان وجه النظر يدل أنه يبدأ بالزوج والزوجة فيعطى
كل واحد منهما فرضه المنصوص له في القرآن وهو النصف إذا لم يكن
للميتة ولد [ أو ولد ولد ] (١) والربع للزوجة إذا لم يكن للميت ولد
[أو ولد ولد ] (١) فيبدأ بفرض كل واحد منهما على الأبوين؛ لأن
الأبوين لم يُسم لهما في هذا الموضع فرض منصوص ، وإنما المنصوص
لهما إذا كان مع الميت ولد أو إخوة وإذا ورثاه هما ، فلما حدث
معهما الزوج أو الزوجة زال الفرض المنصوص لهما ، ووجب أن يبدأ
بالفرض المنصوص للزوج أو الزوجة ثم ينظر إلى ما بقي ؛ لأن
النقيصة لما دخلت عليهما من قبل الزوج أو الزوجة وجب أن تكون
داخلة عليهما على قدر حصصهما .
وقوله تعالى : ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ (٢) قال مالك :
مضت السنة أن الإخوة اثنان فصاعدًاً وعلى هذا جماعة أهل العلم .
وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (( الاثنان فما فوقهما
جماعة)) وقد جاء في لفظ القرآن لفظ الجمع للاثنين قال تعالى: ﴿إن
تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ (٤) .
وأجمع العلماء أن الرجل إذا توفي وترك ابنتيه أو أختيه لأبيه فلهما
(١) من ( هـ)).
(٣) في (( هـ)): جملة.
(٢) النساء : ١١ .
(٤) التحريم : ٤ .
- ٣٣٧ -

الثلثان ، فإن ترك من البنات والأخوات أكثر من اثنتين لم يزدن على
(٤/ ٤٥-١ الثلثين فاستوى في ذلك حال الاثنتين فأكثر منهما، / فدل أن الاثنين
في معنى الجماعة ؛ لأن الجمع إنما سمي جمعًا ؛ لأنه جمع شيء إلى
شيء فإذا جمع إنسان إلى إنسان فقد جمع .
[ ودليل آخر] (١) قوله عز وجل: ﴿وإن كانوا إخوة رجالاً ونساءً
فللذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ (٢) وقد أجمعت الأمة أن الأخ الواحد مع
الأخت الواحدة للذكر مثل حظ الأنثيين فقد دخلا في لفظ الجماعة
بنص القرآن ..
وشذ ابن عباس فقال : الإخوة [ الذين ] (٣) عنى الله بقوله :..
﴿فإن كان له إخوة﴾ (٢) ثلاثة فصاعدًا وكان ينكر أن يحجب الله - !
تعالى - الأم عن الثلث مع الأب بأقل من ثلاثة إخوة، فكان يقول في
أبوين وأخوين للأم الثلث وللأب ما بقي كما قال أهل العلم في أبوين
وأخ واحد .
وقول جملة أهل العلم في أبوين وأخوين للأم السدس وباقي المال
للأب ، ولا يوجد في جميع الفرائض على مذهب زيد بن ثابت مسألة
يحجب فيها من لا يرث غير هذه .
واختلف العلماء لم نقصت الأم عن الثلث بمصير إخوة الميت معها
اثنين فصاعدًا ؟
فقالت طائفة : نقصت الأم وزيد الأب ؛ لأن على الأب مؤنتهم
وإنكاحهم دون أمهم ، روي ذلك عن قتادة .
(١) في (( الأصل)): ودل آخر .
(٢) النساء : ١٧٦ .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الذي.
- ٣٣٨ -

وقالت طائفة : إنما حجب الإخوة الأم عن الثلث إلى السدس
ليكون لهم دون أبيهم ؛ رواه طاوس عن ابن عباس .
قال الطبري : وأولى الأقوال بالصواب أن يقال : إن الله - تعالى-
إنما فرض للأم مع الإخوة السدس لما هو أعلم به من مصلحة خلقه ،
وقد يجوز أن يكون لما ( ألزم ) (١) الآباء لأولادهم وقد يجوز لغير
ذلك ، وليس ذلك مما كُلفنا علمه ، وإنما ( أُلزمنا العمل ) (٢) بما
علمنا ، وما رواه طاوس عن ابن عباس مخالف للأمة ؛ لأنه لا خلاف
بين الجميع أنه لا ميراث لأخ الميت مع والده فبان فساده .
وقوله تعالى : ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين ﴾ (٣) تأويل
الكلام لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد من بعد وصية
يوصي بها أو دين يقضى عنه .
وأجمع العلماء على أنه لا ميراث لأحد إلا بعد ( قضاء ) (٤) الدين
ولو أخاط الدين بماله كله ، وإن أهل الوصايا بعد قضاء الدين شركاء
الورثة فيما بقي ما لم يجاوز ذلك الثلث .
وقد روى سفيان عن أبي إسحاق ، عن الحارث الأعور ، عن علي
ابن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: (( إنكم تقرءون هذه الآية :
﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ (٣) وإن رسول الله وَّ له قضى
بالدين قبل الوصية)» (٥) .
قال إسماعيل : وفهم بالسُنة التي مضت والمعنى أن الدين قبل
الوصية؛ لأن الوصية تطوع وأما الدين فرض عليه فعلم أن الفرض
أولى من التطوع .
(١) في (( هـ)): ألزمه .
(٣) النساء : ١١ .
(٢) في (( هـ )) : أمرنا بالعمل .
(٤) في (( هـ )) : أداء.
(٥) الحديث رواه الترمذي وأحمد وابن ماجه ، وأصحاب التفاسير .
- ٣٣٩ -

وقوله تعالى : ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم
نفعًا﴾(١) يعني : آباؤكم وأبناؤكم الذين أوصاكم الله - تعالى - بقسمة.
الميراث بينهم فأعطوهم حقوقهم لأنكم لا تدرون أيهم أقرب لكم في
الدين والدنيا الولد أو الوالد .
[وقوله ] (٢) تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ
أو أخت فلكل واحد منهما السدس وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء
في الثلث﴾ (٣) .
قال إسماعيل بن إسحاق : لم يختلف العلماء ( في ) (٤) قوله
تعالى : ﴿وله أخ أو أخت ﴾ أنهم الإخوة للأم.
وقال تعالى : ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك
ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾ إلى ﴿ الأنثيين﴾ (٥).
فلم يختلف العلماء في أن هؤلاء الإخوة للأب كانت أمهم واحدة
(أو كانت أمهاتهم) (٦) شتى، والدليل من القرآن على إبانة هؤلاء
من أولئك قوله تعالى في هؤلاء: ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ (١) إذا
كانوا يأخذون بالأب وجعل لهم المال كله في بعض الحالات ، وقال
في الآخرين : فهم شركاء في الثلث ؛ فجعل الذكر والأنثى سواء إذا
كانوا يأخذون بالأم خاصة فقصرهم على الثلث .
قال مالك : والأمر المجمع عليه عندنا أن الإخوة للأم لا يرثون مع
(١) النساء : ١١ .
(٢) في ((الأصل)): فقوله. وما أثبتناه من (( هـ)).
(٣) النساء : ١٢ .
(٤) في (( هـ)): أن .
(٥) النساء : ١٧٦ .
(٦) في (( هـ)): وكانوا الأمهات .
- ٣٤٠ -