Indexed OCR Text
Pages 221-240
الشقاق وهو الخلاف ، ومنه قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول / من (٢٣٢٥/٣-١] بعد ما تبين له الهدى ... ﴾ (١) الآية . والمراد بالحديث النهي عن القول القبيح في المؤمنين وكشف مساوئهم وعيوبهم وترك مخالفة سبيل المؤمنين ، ولزوم جماعتهم ، والنهي عن إدخال المشقة عليهم والإضرار بهم . وفي الحديث من المعاني أن المجازاة قد تكون من جنس الذنب ، ألا ترى قوله عليه السلام: (( من سمع سمع الله به ، ومن يشاقق يشقق الله عليه)) قال صاحب العين : شق الأمر عليك مشقة : أضر بك. وفي وصية أبي تميمة الحض على أكل الحلال والكف عن الدماء . * باب : القضاء والفتيا في الطريق وقضى يحيى بن يعمر في الطريق [وقضى ] (٢) الشعبي على باب داره. فيه: أنس: (( بينما أنا والنبي - عليه السلام - خارجان من المسجد، فلقينا: رجل عند سدة المسجد فقال : يا رسول الله ، متى الساعة ؟ قال النبي : ما أعددت لها ؟ فکأن الرجل استکان ، ثم قال : يا رسول الله، ما أعددت لها كبير صيام ولا صلاة ولا صدقة ، ولكن أحب الله ورسوله . قال : أنت مع من أحببت )) . قال المهلب : الفتوى في الطريق على الدابة وما يشاكلها من التواضع [ الله -عز وجل - ] (٣) فإن كان الفتوى لضعيف أو جاهل فهو (١) النساء : ١١٥ . (٢) في ((الأصل)): وقرأ. والمثبت من ( هـ، ن ). (٣) في ((الأصل)): إليه. والمثبت من ( هـ)). - ٢٢١ - محمود عند الله وعند الناس وإن تكلف ذلك لرجل من أهل الدنيا أو لمن يخشى لسانه فهو مكروه للحاكم أن يترك مكانه وخطته . واختلف أصحاب مالك في القضاء سائراً أو ماشيئًا ، فقال أشهب: لا بأس بذلك إذا لم يشغله السير أو المشي عن الفهم . وقال سحنون: لا ينبغي أن يقضي وهو یسیر أو يمشي ، وقال ابن حبیب : ما کان [من ذلك يسيراً ] (١) كالذي يأمر بسجن من وجب عليه أو يأمر بشيء أو يكف عن شيء فلا بأس بذلك ، وأما أن يبتدئ نظرًا ويرجع الخصوم وما أشبه ذلك فلا ينبغي . وهذا قول حسن . وقول أشهب أشبه بدلیل الحديث . وفيه دليل على جواز تنكيب العالم بالفتيا عن نفس ما سئل عنه إذا كانت المسألة لا تعرف أو كان مما لا حاجة بالناس إلى معرفتها ، وكانت مما يخشى منها الفتنة وسوء التأويل . باب : ما ذکر أن النبي عليه السلام لم یکن له بواب فيه: أنس: (( أن النبي مر بامرأة وهي تبكي عند قبر فقال لها : اتقي الله واصبري . فقالت : إليك عني ، فإنك خلْوٍّ من مصيبتي . فجاوزها. ومضى ، فمر [ بها ] (٢) رجل فقال: ما قالَ لك رسول الله ؟ قالت: ما عرفته. [ قال: إنه لرسول الله وَل﴿ ] (٢) . فجاءت إلى بابه فلم تجدٍ عليه بوابًا ، فقالت: يا رسول الله، [والله ] (٢) ما عرفتك. فقال النبي - عليه السلام - : إن الصبر عند أول صدمة)) . قال المهلب: لم یکن للنبي بواب راتب، وقد جاء في حديث القف (١) في ((الأصل)): يسير. والمثبت من (( هـ)). (٢) من ( هـ ، ن )) - ٢٢٢ - والمشربة أنه كان له بواب ، فدل حديث أنس أنه عليه السلام إذا لم يكن على شغل من أهله ولا انفراد لشيء من أمره أنه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالبيه وذوي الحاجة إليه ؛ لأن الله قد كان أمنه أن يغتال أو يهاج أو تطلب غرته فيقتل ، قال تعالى : ﴿والله يعصمك من الناس ﴾ (١) وقد أراد عمر بن عبد العزيز أن يسلك هذه الطريقة تواضعًا لله فمنع الشرط والبوابين فتكاثر الناس تكاثراً اضطره إلى الشرط فقال : لا بد للسلطان من وزعة . قال الطبري : دل حديث عمر حين استأذن له الأسود على النبي في المشربة أنه في وقت خلوته وشغله بنفسه فيما لابد [ له ] (٢) منه كان يتخذ بوابًا ؛ ليعلم من قصده أنه خال فيما لابد له منه ، ولولا ذلك لم يكن لعمر حاجة إلى مسألة الأسود للاستئذان له على رسول الله ؛ بل كان يكون هو المستأذن لنفسه / فبان بحديث عمر أن معنى رواية من [٣/ق٢٣٢ - ب] روى عنه أنه لم يكن له بواب يريد في الأوقات التي كان يظهر فيها للناس ويبرز إليهم ، وأما في وقت حاجته وخلوته فلا . وعلى هذا النحو من فعله عليه السلام في اتخاذه البواب ، ورفعه الحجاب والبواب عن بابه وبروزه لطالبه كان احتجاب من احتجب من الأئمة الراشدين واتخاذ من اتخذ البواب وظهور من ظهر للناس منهم . وروى شعبة، عن أبي عمران الجوني ، عن عبد الله بن الصامت أن أبا ذر لما قدم على عثمان [ قال: (( يا أمير المؤمنين ، افتح الباب يدخل الناس)). فدل هذا الحديث عن عثمان ] (٢) أنه كان يبرز أحيانًا، ويظهر لأهل الحاجة، ويحتجب أحيانًا في أوقات حاجاته ، ونظير ذلك كان يفعل عمر بن عبد العزيز . روي عن جرير ، عن مغيرة، (١) المائدة : ٦٧ . (٢) من ( هـ )). - ٢٢٣ - عن زيد الطيب قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فقال لي : ما يقول الناس ؟ قلت: يقولون : إنك شديد الحجاب . فقال : لا بد لي أن أخلو فيما يرفع إليّ الناس من المظالم ، فأنظر فيها . باب : الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه فيه: أنس: (( أن قيس بن سعد كان يكون بين يدي النبي بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير )) . وفيه : أبو موسى : (( أن النبي بعثه وأتبعه معاذ بن جبل)). وفيه : أبو موسى: (( أن رجلا أسلم ثم تهود فأناه معاذ بن جبل وهو عند أبي موسى فقال ما لهذا ؟ قالوا : أسلم ثم تهود . قال : لا أجلس حتى أقتله )) . .اختلف العلماء في هذا الباب فقال ابن القاسم في المجموعة : لا يقيم الحدود في القتل [ ولاة ] (١) المياه ، وليجلب إلى الأمصار ولا يقام القتل بمصر كلها إلا بالفسطاط أو يكتب إلى والي الفسطاط بذلك . وقال أشهب : من ولاه الأمير وجعله واليًا على بعض المياه، وجعل ذلك إليه فليقم الحد في القتل والقطع وغيره ، وإن لم يجعله إليه فلا يقيمه .. وذكر الطحاوي عن أصحابه الكوفيين قال : لا يقيم الحدود إلا أمراء الأمصار وحكامها ، ولا يقيمها عامل السواد ونحوه (٢). وذكر عن مالك قال: لا يقيم الجدود كل الولاة في الأمصار والسواد. وقال (١) في ((الأصل)): ولا. والمثبت من (( هـ ). (٢) جاء بالأصل بعد هذه العبارة: وذكر عن مالك ... ثم كرر قول الطحاوي . - ٢٢٤ - الشافعي : إذا كان الوالي عدلا يضع الصدقة مواضعها فله عقوبة من غل صدقته ، وإن لم يكن عدلا لم يكن له أن يعزره . والحجة لمن رأى للحاكم والوالي إقامة الحدود دون الإمام الذي فوقه حديث معاذ أنه قتل المرتد دون أن يرفع أمره إلى النبي . وذهب الكوفيون إلى أن القاضي حكمه حكم الوكيل لا تنطلق يده إلا على ما أذن له فيه وأطلق عليه ، وحكمه عند من خالفهم حكم الوصي له التصرف في كل شيء ، وتنطلق يده على النظر في جميع الأشياء ما لم يستثن عليه وجه ، فلا يجوز أن ينظر فيه . باب : هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان فيه : أبو بكرة : (( أنه كتب إلى ابنه وكان بسجستان أن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان [ فإني سمعت النبي ◌َل يقول : لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان](١))). وفيه : أبو مسعود: (( [ جاء] (٢) رجل إلى النبي - عليه السلام - فقال : والله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل ما يطيل بنا فلان فيها . فما رأيت النبي قط أشد غضبًا في موعظة منه يومئذ ، ثم قال : أيها الناس ، إن منكم منفرين ؛ فأيكم ما صلى بالناس فليوجز [ فإن ] (١) فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة )) . وفيه : ابن عمر : أنه طلق امرأته وهي حائض ، فذكر عمر للنبي فتغيظ فيه النبي ، ثم قال : ليراجعها ، ثم ليمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض : فتطهر ، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها)). (١) من (( هـ، ن)). (٢) فى (( الأصل)): دخل. والمثبت من (( هـ، ن)). - ٢٢٥ - قال المهلب : قوله عليه السلام: (( لا يقضي بين اثنين و[ هو ] (١) غضبان )) ندب منه خوف التجاوز ، ولذلك كره العلماء أن يقضي ((٣/ ٢٣٣٥- ١ القاضي وهو غضبان / روي ذلك عن عمر بن الخطاب وشريخ وعمر ابن عبد العزيز ، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي . فإن قيل : فقد قضى النبي وهو غضبان . قيل: إنما فعل ذلك لأنه لم يخش التجاوز و[ الميل ] (٢) في حكمه؛ لأنه معصوم بخلاف غيره من البشر ، وإنما يستعمل الغضب في القضاء والفتيا كما استعمله النبي أنه رأى شيئًا من الشريعة والسنة قد غير عن حاله ، ومن الأحوال التي تكره للقاضي أن يقضي فيها أن يكون جائعًا ، روي عن شريح أنه كان إذا غضب أو جاع قام . وكان الشعبي يأكل عند طلوع الشمس فقيل له . فقال : آخذ حلمي قبل أن أخرج إلى القضاء. ولا يقضي ناعسًا ولا مغمومًا . قال الشعبي : وأي حال جاءت عليه مما يعلم [ أنها ] (٣) تغير عقله أو فهمه امتنع من القضاء فيها . باب : من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمور الناس إذا لم يخف الظنون والتهمة كما قال النبي لهند : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف . وذلك إذا كان أمرًا مشهوراً . فيه : عائشة : جاءت هند بين عتبة بن ربيعة فقالت : يا رسول الله ، - (١) في ((الأصل)): أنت. والمثبت من ( هـ)). (٢) في ((الأصل)): البيان. والمثبت من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): أنه. والمثبت من (( هـ)). - ٢٢٦ - [ والله] (١) ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك [ وما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك ] (١) ثم قالت : إن أبا سفيان رجل مسيك ، فهل علي من حرج من أن أطعم الذي له [ عيالنا ] (٢) ؟ قال لها : لا حرج عليك أن تطعميهم من معروف )) . اختلف العلماء في القاضي هل يقضي بعلمه ؟ فقال الشافعي وأبو ثور : جائز له أن يقضي بعلمه في حقوق الله وحقوق الناس ، سواء علم ذلك قبل القضاء أو بعده . وقال الكوفيون : ما شاهده الحاكم من الأفعال الموجبة للحدود قبل القضاء أو بعده ، فإنه لا يحكم فيها بعلمه [ إلا القذف، وما علمه قبل القضاء من حقوق الناس لم يحكم فيه بعلمه في قول أبي حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد : يحكم فيما علمه قبل القضاء بعلمه ] (٣) . وقالت طائفة : لا يقضي بعلمه أصلا في حقوق الله وحقوق الآدميين ، وسواء علم ذلك قبل القضاء أو بعده أو في مجلسه . هذا قول شريح والشعبي ، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ، وقال الأوزاعي : ما أقر به الخصمان عنده أخذهما به وأنفذه عليهما إلا الحدود . واحتج الشافعي بحديث هند وأن النبي قضى لها ولولدها على أبي سفيان بنفقتهم ولم يسألها على ذلك بينة ؛ لعلمه بأنها زوجته وأن نفقتها ونفقة ولدها واجبة في ماله ، فحكم بذلك على أبي سفيان لعلمه بوجوب ذلك ، وأيضًا فإنه متيقن لصحة ما يقضي به إذا علمه علم يقين وليس كذلك الشهادة ؛ لأنها قد تكون كاذبة أو واهمة . (١) من ((هـ، ن)). (٢) في ((الأصل)): عياله. والمثبت من (( هـ، ن). (٣) من ( هـ)). - ٢٢٧ - وقد أجمعوا على أنه له أن يعدل ويسقط العدول بعلمه إذا علم [أن](١). ما شهدوا به على غير ما شهدوا به ، وينفذ علمه في ذلك ولا يقضي بشهادتهم ، مثال ذلك أن يعلم بنتًا لرجل ولدت على فراشه ، فإن أقام شاهدين أنها مملوكته فلا يجوز أن يقبل شهادتهما ويبيح له فرجًا حرامًا، وكذلك لو رأى رجلا قتل رجلا، ثم جيء بغير القاتل وشهد [ شاهدان ] (١) أنه القاتل فلا يجوز أن يقبل الشهادة ، وكذلك لو سمع رجلا طلق امرأته طلاقاً بائنًا ، ثم ادعت عليه المرأة الطلاق وأنكر ذلك الزوج ، فإن جعل القول قوله فقد أقامه على فرج حرام فیفسق به ، ولم يكن له بد من أن لا يقبل قوله فيحكم بعلمه . واحتج أصحاب أبي حنيفة بأن ما علمه الحاكم قبل القضاء فإنما حصل في حال الابتداء على طريق الشهادة فلم يجز أن نجعله حاكمًا ؛ لأنه لو حكم به لكان قد حكم بشهادة نفسه فكان متهمًا ، وصار بمنزلة من قضى بدعواه على غيره ، وأيضًا فإن علمه لما تعلق به الحكم على وجه الشهادة فإذا قضى به صار كالقاضي بشاهد واحد . قالوا : والدليل على جواز حكمه بما علمه في حال القضاء وفي مجلسه قوله عليه السلام: (( إنما أقضي على نحو ما أسمع ؟ ولم يفرق بين سماعه من الشهود أو المدعى عليه [ فيجب أن يحكم بما. سمعه من المدعى عليه ] (١) كما يحكم بما سمعه من الشهود . ٢٣٢/٣١٠-ب) / واحتج أصحاب مالك فقالوا : الحاكم غير معصوم ، ويجوز أن تلحقه الظئة في أن يحكم لوليه على عدوه ، فحسمت المادة في ذلك بأن لا يحكم بعلمه ؛ لأنه ينفرد به ولا يشركه غيره فيه . وأيضًا فإن النبي قال في حديث اللعان: ((إن جاءت به على نعت كذا فهو (١) من (( هـ). -٢٢٨ - [ للذي ] (١) رميت به فجاءت به على النعت المكروه ، فقال عليه السلام: (( لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمت هذه) وقد علم أنها زنت فلم يرجمها لعدم البينة ، والنبي - عليه السلام - وإن كان لم يقطع أنها تأتي به على [ أحد ] (٢) النعتين فقد قطع [ على أنها إن جاءت به ] (٣) على أحدهما ، فهو لمن وصف لا محالة ، وهذا لا يكون منه إلا بعلم . وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال : لو رأيت رجلا على حد لم أحده حتى يشهد بذلك عندي شاهدان . ولا مخالف له في الصحابة. * باب : الشهادة على الخط (٤) وما يجوز من ذلك وما يضيق فيه وكتاب الحاكم إلى عامله والقاضي وقال بعض الناس : كتاب الحاكم جائز إلا في الحدود ، ثم قال : إن كان القتل خطأ فهو جائز ؛ لأن هذا مال يزعمه ، وإنما صار مالا بعد أن ثبت القتل، فالخطأ والعمد واحد وقد کتب [ عمر - رضي الله عنه - إلى عامله في الحدود وكتب ](٥) عمر بن عبد العزيز في سن كسرت . وقال إبراهيم : كتاب القاضي إلى القاضي جائز إذا عرف الكتاب والخاتم . وكان الشعبي يجيز الكتاب المختوم بما فيه من القاضي [ويروى] (٦) عن ابن عمر نحوه . وقال معاوية بن عبد الكريم الثقفي : شهدت عبد الملك (١) في ((الأصل، هـ)): الذي. والمثبت هو الصواب. (٢) في ((الأصل)): إحدى. والمثبت من ( هـ)). (٣) من (( هـ)). (٤) في (( هـ)): الخط والمختوم. وفي (( ن)): الخط المختوم. وقال ابن حجر في الفتح (١٣/ ١٥٠): وسقطت هذه اللفظة لابن بطال . يعني: المختوم . (٥) من ( هـ ، ن )) . (٦) في ((الأصل)): وقد روي. والمثبت من (( هـ، ن)). - ٢٢٩ - .. . ابن يعلى قاضي البصرة وإياس بن معاوية ، والحسن وثمامة بن عبد الله ابن أنس ، وبلال بن أبي بردة و[عبد الله ](١) بن بريدة الأسلمي، وعامر ابن عبيدة وعباد بن منصور يجيزون كتب القضاة بغير محضر من الشهود ، فإن قال الذي جيء علیه بالکتاب : إنه زور . قيل له : اذهب فالتمس [ المخرج ] (٢) من ذلك . وأول من سأل على كتاب القاضي البينة ابن أبي لیلی وسوار بن عبد الله ، وقال أبو نعيم : حدثنا عبيد الله بن محرز : جئت بكتاب من موسي بن أنس قاضي البصرة ، فأقمت علیه البينة أن لي عند فلان كذا وكذا وهو بالكوفة ، فجئت به القاسم بن عبد الرحمن فأجازه ، و[ کره ] (٣) الحسن و[ أبو ] (٤) قلابة أن يشهد على وصية حتى يعلم ما فيها ؛ لأنه لا يدري لعل فيها جوراً ، وقد کتب النبي - عليه السلام - إلى أهل خيبر: إما أن تدوا صاحبكم ، وإما أن تأذنوا بحرب من الله، وقال الزهري [ في ] (٥) الشهادة على المرأة من وراء الستر : إن عرفتها فاشهد وإلا فلا تشهد . فيه: أنس: (( أن النبي - عليه السلام - لما أراد أن يكتب إلى الروم قالوا : إنهم لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا . فاتخذ النبي خاتمًا من فضة كأني أنظر إلى وبيصه ، ونقشه: محمد رسول الله )) . واتفق جمهور العلماء على أن الشهادة على الخط لا تجوز إذا لم يذكر الشهادة ولم يحفظها. قال الشعبي : فلا يشهد أبدًا إلا على شيء يذكر، فإنه من شاء [ انتقش] (٦) خاتمًا ، ومن شاء كتب كتابًا. (١) في ((الأصل)): عبد الرحمن. والمثبت من (( هـ، ن)). (٢) في ((الأصل)): الجرح. والمثبت من (( هـ، ن). (٣) في ((الأصل)): ذكره. والمثبت من (( هـ، ن ). (٤) في ((الأصل)): أبي. والمثبت من (( هـ، ن )). (٦) في ((الأصل)): أنقض، والمثبت من (( هـ)). (٥) من (( هـ ، ن )) - ٢٣٠ - وممن رأى أن لا يشهد على الخط وإن عرفه حتى يذكر الشهادة : الكوفيون والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم ، وقد فعل مثل هذا في أيام عثمان صنعوا مثل خاتمه وكتبوا مثل كتابه في قصة مذكورة في مقتل عثمان . [ وأحسن] (١) ما يحتج به في هذا الباب بقوله تعالى: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ (٢) وقوله: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾(٣) وأجاز مالك الشهادة على الخط فروى عنه ابن وهب في ، الرجل يقوم يذكر حقا قد مات شهوده ويأتي بشاهدين عدلين يشهدان على كتاب كاتب ذكر الحق ، قال : تجوز شهادتهما على كتاب الكاتب. يعني : إذا كان قد كتب شهادته على المطلوب بما كتب عليه في ذكر الحق ؛ لأنه قد يكتب ذكر الحق من لا يشهد على المكتوب عليه . قاله ابن القاسم . وإن كان / على خط اثنين جاز وكان بمنزلة الشاهدين إذا كان عدلا [٣/ق٢٣٤-١) مع يمين الطالب وهو قول ابن القاسم . وذكر ابن شعبان ، عن ابن وهب قال : لا آخذ بقول مالك في الشهادة على معرفة الخط ولا تقبل الشهادة فيه . وقال الطحاوي : خالف مالكًا جميع الفقهاء في الشهادة على الخط وعدوا قوله شذوذًّا؛ إذ الخط قد يشبه الخط ، وليست الشهادة على قول منه ولا معاينة فعل. وقال محمد بن حارث : الشهادة على الخط خطأ ؛ لأن الرجل قد يكتب شهادته على من لا يعرفه بعينه [ طمعًا ] (٤) أن لا يحتاج في ذلك إليه وأن غيره يغني عنه ، أو لعله يشهد في قريب من وقت (١) في ((الأصل)): وأصل حسن. والمثبت من ( هـ)). (٣) الزخرف : ٨٦ . (٢) يوسف : ٨١ . (٤) في (( الأصل)): طعمًا. والمثبت من ( هـ ). - ٢٣١ - الشهادة فيذكر العين ، ولقد قال في زجل قال : سمعت فلانًا يقول: رأيت فلانًا قتل فلانًا، أو سمعت فلانًا طلق امرأته أو قذفها أنه لا يشهد على [ شهادته ] (١) إلا أن يشهده فالخط أبعد من هذا وأضعف . قال محمد بن حارث : وقد قلت لبعض ( الفضلة ) (٢): أتجوز شهادة الموتى ؟ فقال : ما هذا الذي تقول ؟ فقلت : إنكم تجيزون شهادة الرجل بعد موته إذا وجدتم خطه في وثيقة . فسكت . وقال محمد بن عبد الحكم : لا نقضي في دهرنا بالشهادة على الخط؛ لأن الناس قد أحدثوا ضروبًا من الفجور ، وقد قال مالك : إن الناس تحدث لهم أقضية على نحو ما أحدثوا من الفجور . وقد كان الناس فيما مضى يجيزون الشهادة على خاتم القاضي ، ثم رأى مالك أن ذلك لا يجوز . وأما اختلاف الناس في كتب القضاة ، فذهب جمهور العلماء إلى أن كتب القضاة إلى القضاة جائزة في الحدود وسائر الحقوق ، وذهب الكوفيون إلى أنها تجوز في كل شيء إلا في الحدود ، وهو أحد قولي الشافعي ، وله مثل قول الجمهور ، وحجة البخاري على الكوفي من تناقضه في جواز ذلك في قتل الخطأ وأنه إنما صار مالا بعد ثبوت القتل فهي حجة حسنة . [ وذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله في الحدود وأحكامه حجة ] (٣) ولا سلف لأبي حنيفة في قوله. وذكر البخاري عن جماعة من قضاة التابعين وعلمائهم أنهم كانوا يجيزون كتب القضاة إلى القضاة بغير شهود عليها إذا عرف الكتاب والخاتم، وحجتهم أن النبي بعث (١) في ((الأصل)): الشهادة. والمثبت من ( هـ)). - (٢) في (( هـ)): القضاة. (٣) من (( هـ)). - ٢٣٢ - بكتبه إلى خيبر وإلى الروم ، ولم يذكر أن النبي - عليه السلام - أشهد عليها ، وأجمع فقهاء الأمصار وحكامها على فعل سوار وابن أبي ليلى ، اتفقوا أنه لا يجوز كتاب قاض إلى قاض حتى يشهد عليه شاهدان لما دخل الناس من الفساد ، واستعمال الخطوط ونقش الخواتيم، فاحتيط لتحصين الدماء والأموال بشاهدين . وروى ابن نافع ، عن مالك قال : كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتم حتى إن القاضي ليكتب للرجل الكتاب فما يزيد على ختمه فيجاز له حتى اتهم الناس، فصار لا يقبل إلا بشاهدين ، واختلفوا إذا أشهد القاضي شاهدين على كتابه ولم يقرأ عليهما ولا عرفهما بما فيه فقال مالك : يجوز ذلك ويلزم القاضي المكتوب إليه قبوله بقول الشاهدين : هذا كتابه ودفعه إلينا مختومًا . وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور : إذا لم يقرأه عليهما القاضي لم يجز ولا يعمل القاضي للمكتوب إليه بما فيه . وروي عن مالك مثله . وحجتهم أنه لا يجوز أن يشهد [ الشاهد ] (١) إلا بما يعلم ؛ لقوله تعالى : ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ (٢). وحجة من أجاز ذلك أن الحاكم إن أقر أنه كتابه فقد أقر بما فيه ، وليس للشاهدين أن [يشهدا] (٣) على ما ثبت عند الحاكم فيه ، وإنما الغرض منهما أن يعلم القاضي المكتوب إليه أن هذا كتاب القاضي إليه، وقد [ يثبت ] (٤) عند القاضي من أمور الناس ما لا يجب أن (١) في ((الأصل)): الشاهدين. والمثبت من (( هـ)). (٢) يوسف : ٨١ . (٣) في ((الأصل)): يشهدان. والمثبت من (( هـ)). (٤) في (( الأصل)): ثبت. والمثبت من ( هـ )). - ٢٣٣ - يعلمه كل أحد [ مثل ] (١) الوصية التي يتخوف الناس فيها ويذكرون ما فرطوا فيه . ولهذا يجوز عند مالك أن يشهدوا على الوصية المختومة وعلى الكتاب [ المدرج] (٢) ويقولوا للحاكم : نشهد على إقراره بما في هذا الكتاب . وقد كان رسول الله يكتب إلى عماله ولا يقرؤها على رسله وفيها الأحكام والسنن . واختلفوا إن انكسر ختم الكتاب فقال أبو حنيفة وزفر : لا يقبله الحاكم . وقال أبو يوسف : يقبله ويحكم به إذا شهدت به البيئة وهو (٣/ ٢٣٤-ب) قول الشافعي ، واحتج الطحاوي لأبي يوسف فقال : / کتب رسول الله إلى الروم كتابًا وأراد أن يبعثه غير مختوم حتى قيل له: [ إنهم](٣) لا [يقرءونه ] (٤) إلا مختومًا . فاتخذ الخاتم من أجل ذلك ، فدل أن كتاب القاضي حجة وإن لم يكن مختومًا ، وخاتمه أيضًا حجة. باب : متى يستوجب الرجل القضاء وقال الحسن : أخذ الله على الحكام ألا يتبعوا الهوى ولا يخشوا الناس ولا يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، ثم قرأ: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ﴾ (٥) الآية، وقرأ: ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ﴾ إلى ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله﴾ (٦) [ بما استحفظوا : استودعوا من كتاب الله ] (٧) وقرأ : ﴿ وداود وسليمان إذ یحکمان في الحرث ﴾ (٨) فحمد سلیمان ولم يلم داود . ولولا ما ذكر (١) في ((الأصل)): من، والمثبت من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): المندرج. والمثبت من ( هـ). (٤) في ((الأصل)): يقرءوه. والمثبت من (( هـ)). (٧) من (( هـ ، ن)) . (٣) من (( هـ )). (٥) سورة ص: ٢٦. (٨) الأنبياء : ٧٨ (٦) المائدة : ٤٤ .. - ٢٣٤ - . الله من أمر هذين لرثِّيتُ أن القضاة هلكوا ؛ لأنه أثنى على هذا بعلمه وعذر هذا باجتهاده [وقال مزاحم بن زفر:] (١) قال لنا عمر بن عبد العزيز: خمس إذا أخطأ القاضي منهن خصلة كانت فيه وصمة : أن يكون [فهماً] (٢) حليمًا، عفيفًا، صليبًا، عالمًا مسئولا عن العلم. قال المهلب : أما استحباب الرجل القضاء فإن أهل العلم قالوا في ذلك : إذا رآه الناس أهلا لذلك ورأى هو نفسه أهلا لها ، وليس أن يرى نفسه أهلا لذلك فقط ؛ لأنه إذا علم الناس منه هذا الرأي لم يفقد من يزين له ذلك ويستحمد إليه . قال مالك : ولا يستقضى من ليس بفقيه . وذكر ابن حبيب ، عن مالك أنه قال : إذا اجتمع في الرجل [خصلتان] (٣) رأيت أن يولى: الورع والعلم. قال ابن حبيب: فإن لم يكن علم فعقل وورع ؛ لأنه بالورع يقف ، وبالعقل يسأل ، وإذا طلب العلم وجده ، وإن طلب العقل لم يجده . فإن قيل : فإذا استوجب القضاء هل للسلطان أن يجبره على ولايته؟ قيل : قد روى ابن القاسم ، عن مالك أنه لا يجبر على ولاية القضاء إلا أن لا يوجد منه عوض . قيل له : أيجبر بالحبس والضرب؟ قال : نعم . قال المهلب : والحكم الذي ينبغي أن يلزمه القاضي هو توسعة خلقه للسماع من الخصمين ، وأن لا يحرج بطول ما يورده أحدهما ، وإن رآه غير نافع له في خصامه فليصبر له حتى يبلغ المتكلم مراده ؛ لأنه قد (١) في (( الأصل)): وقد. والمثبت من (( هـ، ن)). (٢) في ((الأصل)): فيها. والمثبت من (( هـ، ن)). (٣) في ((الأصل)): خصلتين. والمثبت من ( هـ ). - ٢٣٥ - يمكن أن يكون ذلك الكلام الذي لا ينتفع به [ سببًا] (١) إلى ما ينتفع به ، وأيضًا فإنه إذا لم يترك أن يتكلم بما يريد نسب إليه الخصم أنه جار عليه ومنعه الإدلاء بحجته وأثار على نفسه عداوة ، وربما كان ذلك شيئًا لفتنة الخصم ، ووجد إليه الشيطان السبيل ، وأوهمه أن الجور من الدين . وقوله : صليبًا. يريد الصلابة في إنفاذ الحق حتى لا يخاف في الله لومة لائم ولا يهاب ذا سلطان أو ذا مال و[عشيرة ] (٢) وليكن عنده الضعيف والقوي ، والكبير والصغير في الحق سواء . و[ قول] (٣) الحسن: أخذ الله على الحكام أن لا يتبعوا الهوى ولا يخشوا الناس . وما استشهد عليه من كتاب الله فكل ذلك يدل أن الله- تعالى - فرض على الحكام أن يحكموا بالعدل [ وقد قال عز وجل: ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ (٤)] (٥) وكذلك فرض عليهم أن لا يخشوا الناس . ولهذا قال عمر بن عبد العزيز في صفة القاضي أن يكون صليبًا . وقوله : أن يكون عفيفًا . أخذه من قوله تعالى: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ﴾ (٦) .. واختلف العلماء في تأويل قوله تعالى : ﴿فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ﴾ (٧) فقالت طائفة : الآية عامة في كل الناس ، وكل خصمين تقدما إلى حاكم فعليه أن يحكم بينهما ، وسواء كان للحاكم ولد أو والد أو زوجة ، وهم وسائر الناس في ذلك سواء . (١) في ((الأصل)): سبب. والمثبت من ((هـ)) .. (٢) في ((الأصل)): غيره. والمثبت من ( هـ)). (٣) في ((الأصل)): قال. والمثبت من ( هـ)). (٤) النساء : ٥٨ . (٥) من (( هـ )). (٦) البقرة : ٤١ . المائدة : ٤٤ . (٧) سورة ص : ٢٦ . - ٢٣٦ - وذهب الكوفيون والشافعي إلى أنه لا تجوز شهادته له ويحكم لسائر الناس . وزاد أبو حنيفة : لا يحكم لولد والده وإن كانوا من قبل النساء ، ولا لعبده ومكاتبه وأم ولده ؛ لأن هؤلاء : لا تجوز شهادته لهم . واختلف أصحاب مالك في ذلك فقال مطرف وسحنون /: [٢/ ٥ ٢٣٥-١] كل من لا يجوز للحاكم أن يشهد له لا يجوز حكمه له ، وهم الآباء فمن فوقهم والأبناء فمن دونهم وزوجته ويتيمه الذي يلي ماله . وقال ابن الماجشون : يجوز حكمه الآباء والأبناء فمن فوقهم ومن دونهم إلا الولد الصغير الذي يلي ماله أو يتيمه أو زوجته ، ولا يتهم في الحكم كما يتهم في الشهادة ؛ لأنه إنما يحكم بشهادة غيره من العدول . وقال أصبغ مثل قول مطرف إذا قال : ثبت له عندي . ولا يدري أثبت له أم لا ولم يحضر الشهود ، فإذا حضروا وكانت الشهادة ظاهرة بحق بيّن ؛ فحكمه له جائز ما عدا زوجته وولده الصغير ويتيمه الذي يلي ماله . كقول ابن الماجشون ؛ لأن هؤلاء كنفسه ، فلا يجوز له أن يحكم لهم ، والقول الأول أولى بشهادة عموم القرآن له قال تعالى : ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾ (١) الآية. وخاطب تعالى الحكام فقال : ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ (٢) فعم جميع الناس ، وقد حكم النبي لزوجته عائشة على الذين رموها بالإفك وأقام عليهم الحد . وليس رد شهادة الولد لوالده ، والوالد لولده بإجماع من الأمة فيكون أصلا لذلك ، وقد أجاز شهادة الولد لوالده ، والوالد لولده عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وإياس بن معاوية ، وهو قول أبي ثور والمزني وإسحاق . * (١) سورة ص : ٢٦ . (٢) النساء : ٥٨ . - ٢٣٧ - باب : رزق الحكام والعاملين عليها وكان شريح يأخذ على القضاء أجرًا ، وقالت عائشة : يأكل الوصي بقدر عمالته، وأکل أبو بكر وعمر . فيه: عبد الله بن السعدي: (( أنه قدم على عمر في خلافته ، فقال له عمر: ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالا ، فإذا أعطيت العمالة كرهتها ؟ فقلت : بلى . فقال عمر : فما تريد إلى ذلك ؟ فقلت : إن لي أفراسًا وأعبدًا وأنا بخير ، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين . قال عمر : لا تفعل ؛ فإني كنت أردت الذي أردت ؛ فكان رسول الله يعطيني العطاء فأقول : [ أعطه ] (١) أفقر إليه مني ، حتى أعطاني مرة مالا فقلت: [ أعطه ] (١) أفقر إليه مني. فقال لي النبي - عليه السلام - : خذه فتموله وتصدق به ، فما جاءك من هذا المال وأنت غیر ( متشوف) (٢) ولا سائل فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك )). أجمع العلماء أن أرزاق الحكام من الفيء ، وما جرى مجراه مما يصرف في مصالح المسلمين ؛ لأن الحكم بينهم من أعظم مصالحهم . وقال الطبري : في هذا الحديث الدليل الواضح على أن من شُغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك ، كالولاة والقضاة وجباة الفيء وعمال الصدقة وشبههم ؛ لإعطاء رسول الله عمر العمالة على عمله الذي استعمله عليه ، فكذلك سبيل كل مشغول بشيء من أعمالهم له من الرزق على قدر استحقاقه عليه [وسبيله ] (٣) سبيل عمر في ذلك . قال غيره: إلا أن طائفة من السلف كرهت أخذ الرزق على القضاء. (١) في ((الأصل)): أعطيه. والمثبت من ((هـ، ن)). (٢) في (( هـ، ن)): مشرف. (٣) من (( هـ). - ٢٣٨ - روي ذلك عن ابن مسعود والحسن البصري والقاسم ، وذكره ابن المنذر عن عمر بن الخطاب . ورخص في ذلك طائفة . وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت كان يأخذ على القضاء أجرًا ، وروي ذلك عن ابن سيرين وشريح ، وهو قول الليث وإسحاق وأبي عبيد ، والذين كرهوه ليس بحرام عندهم . وقال الشافعي: [ إذا أخذ القاضي ] (١) جعلا لم يحرم عليه عندي . واحتج أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض الله للعاملين على الصدقة ، وجعل لهم منها حقا لقيامهم وسعيهم فيها . قال ابن المنذر : وحديث ابن السعدي حجة في جواز أرزاق القضاة من وجوهها . قال المهلب : وإنما كره ذلك من كرهه ؛ لأن أمر القضاء إنما هو محمول في الأصل على الاحتساب ، ولذلك عظمت منازلهم / وأجورهم في الآخرة ، ألا ترى أن الله أمر نبيه وسائر (٢٣٥٥/٣ -ب] الأنبياء أن يقولوا : لا أسألكم عليه أجراً ؛ ليكون ذلك دليلا على البراءة من الاتهام . ولذلك قال مالك : أكره أجر قسام القاضي ؛ لأن من مضى كانوا يقسمون ويحتسبون ولا يأخذون أجراً . فأراد أن يجري هذا الأمر على طريق الاحتساب على الأصل الذي وضعه الله الأنبياء - عليهم السلام- لئلا يدخل في هذه الصناعة من لا يستحقها أو يتحيل على أموال المسلمين ، وأما من حكم بالحق إذا تصرف في مصالح المسلمين فلا يحرم عليه أخذ الأجر على ذلك . وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه استعمل ابن مسعود على بيت المال ، وعمار بن ياسر على الصلاة، وابن حنيف على الجند ، ورزقهم كل يوم شاة شطرها لعمار ؛ وربعها لابن مسعود ، وربعها لابن حنيف . (١) في ((الأصل)): أخذ القضاء. والمثبت من ((هـ)). - ٢٣٩ - .. وأما العاملون عليها فهم السعاة المتولون القبض الصدقات ، ولهم من الأجر بقدر أعمالهم على حسب ما يراه الإمام في ذلك ، وقد تقدم في كتاب الزكاة [ وفي كتاب الوصايا اختلاف العلماء فيما يجوز للوصي أن يأكل من مال يتيمه ] (١) . . وأما قول النبي لعمر في العطاء : (( خذه فتموله وتصدق به )) فإنما أراد عليه السلام الأفضل والأعلى من الأجر ؛ لأن عمر وإن كان. مأجوراً بإيثاره بعطائه على نفسه من هو أفقر إليه منه ، فإن أخذه. للعطاء ومباشرته الصدقة بنفسه أعظم لأجره ، وهذا يدل أن الصدقة بعد التمول أعظم أجرًا؛ لأن خلق الشح حينئذ مستول على النفوس . وفيه أن أخذ ما جاء من المال من غير مسألة أفضل من تركه ؛ لأنه يقع في إضاعة المال ، وقد نهى النبي عن ذلك . باب : من قضى ولاعن في المسجد ولاعن عمر عند منبر النبي - عليه السلام - وقضی مروان على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر ، وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد عند المنبر ، وكان الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارجاً من المسجد . فيه: سهل: (( شهدت المتلاعنين وأنا ابن خمس عشرة فرق بينهما - وقال مرة - : فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد )) . استحب القضاء في المسجد طائفة منهم : شريح والحسن البصري والشعبي وابن أبي ليلى . وقال مالك : القضاء في المسجد من أمر (١) من ( هـ)). - ٢٤٠ -