Indexed OCR Text

Pages 481-500

وقال القاسم وسالم وعروة والشعبي : لا بأس أن يتزوجها ليحللها
إذا لم يعلم بذلك الزوجان ، وهو مأجور بذلك . وهو قول ربيعة
ویحیی بن سعید .
والحجة لمالك أن النبي لعن المحلل والمحلل له من حديث علي ،
وابن مسعود ، وعقبة بن عامر، وفي حديث عقبة: (( ألا أدلكم
[على] (١) التيس المستعار)). وهو المحلل ولا فائدة للعنة إلا إفساد
النكاح والتحذير منه . وقد سئل ابن عمر عن نكاح المحلل ؟ فقال :
ذلك السفاح .
واحتج الكوفيون بعموم قوله تعالى : ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره﴾(٢)
وقد وجد الشرط وعقد الثاني على شرائطه بعد تحليلها للأول فلا فرق
بين أن ينوي التحليل أم لا . قالوا : ألا ترى أن عقد النكاح يبيح
الوطء ويوجب الصداق والنفقة وتحليل الطلاق ، ولا فرق بين أن ينوي
ذلك فيقول : أنكح لأطأ . وبين أن لا ينوي ذلك .
وفي هذا الحديث دليل على أن للمرأة [ المطالبة ] (٣) بحقها من
الجماع وأن لها أن تدعو إلى فسخ النكاح ، وذلك أنها إذا ادعت بهذا
القول العُنَّة ، ولم ترد أن ذلك منه في رقة الهدبة إنما أرادت أنه
كالهدبة ضعفًا واسترخاء ، وقد بان ذلك في رواية أيوب عن عكرمة
أنها قالت: ((والله ما لي إليه من ذنب إلا أن ما معه ليس بأغنى عني
من هذه - وأخذت هدبة من ثوبها - فقال : كذبت يا رسول الله ،
إني لأنفضها نفض الأديم » .
وقال ابن المنذر : اختلف أهل العلم في الرجل ينكح المرأة ثم
(١) من (( هـ ).
(٢) البقرة : ٢٣٠ .
(٣) في ( الأصل)): المطلقة. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ).
- ٤٨١ -

تطالبه بالجماع . فقال كثير من أهل العلم: إذا وطئها مرة [لم] (١)
يؤجل أجل العنين . روي هذا عن عطاء ، وطاوس ، والحسن ،
والزهري ، وهو قول مالك والأوزاعي وأبي حنيفة والثوري والشافعي
وأحمد وإسحاق . وحكى أبو ثور عن بعض أهل الأثر أنه كلما أمسك
عنها أجل لها سنة ؛ لأنه ليس لها فيما مضى من جماعها مقنع
وقال أبو ثور : إذا غشيها مرة واحدة ثم أمسلك فإن رافعته أجل لها
سنة . وذلك أن العلة التي في العنين قد صارت فيه ولست أنظر في
هذا إلى أول النكاح ولا آخره إذا كانت العلة موجودة ، وذلك أن من
حقوقها الجماع فمتى كان المنع لعلة كان حكمه حكم العنين .
(١) في ((الأصل)): ولم. والواو مقحمة، والمثبت من (( هـ)) ..
:
-٤٨٢٠ -

كتاب العدة
باب : قوله : ﴿واللائي يئس من المحيض من نسائكم﴾ (١)
قال مجاهد : وإن لم تعلموا يحضن أو لا يحضن واللائي قعدن عن
المحيض واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر .
وقوله: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ (١) (٢).
فيه: أم سلمة: (( أن سبيعة كانت تحت زوجها توفي عنها وهي حبلى
فخطبها أبو السنابل بن بعكك فأبت أن تنكحه ، فقال : والله ما يصلح أن
تنکحیه حتى تعتدي آخر الأجلین ، فمكثت قریبًا من عشر ليال ثم
جاءت النبي - عليه السلام - فقال : انكحي)).
« وكتب ابن الأرقم إلى سبيعة : كيف أفتاها النبي عليه السلام ؟
فقالت : أفتاني إذا وضعت حملي أن أنكح )) .
أجمع العلماء أن عدة اليائسة من المحيض [ لكبر ] (٣) ثلاثة أشهر،
[ وأن عدة التي لم تحض لصغر ثلاثة أشهر ] (٤) .
واختلفوا : إذا ارتفعت حيضة المرأة الشابة التي يمكن مثلها أن
تحيض، فروي عن عمر أنه قال: (( أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو
حيضتين ثم رفعتها حيضتها أنها تنتظر تسعة أشهر ، فإن بان بها حمل
(١) الطلاق : ٤.
(٢) في (( ن)) والفتح جعله بابًا جديدًاً، فقال: باب ﴿وأولات الأحمال ﴾ الآية
ثم ذكر فيه حديث أم سلمة وما بعدها .
(٣) في (( الأصل)): لكثر. والمثبت من (( هـ).
(٤) من (( هـ )).
- ٤٨٣ -

:
وإلا اعتدت بعد التسعة الأشهر ثلاثة أشهر ثم حلت)) . وروي مثله.
عن ابن عباس، قال: (( [ عدة ] (١) المرتابة سنة)) وروي عن الحسن
البصري ، وهو قول مالك والأوزاعي . [ وروى ابن القاسم عن
مالك أنها ] (٢) تعتد من يوم رفعتها حيضتها لا من يوم طلقت تنتظر
تسعة أشهر ، فإن لم تحض فيهن اعتدت ثلاثة أشهر ، فإن حاضت
(١٧٦٥/٢- ب) قبل أن تستكمل الثلاثة أشهر / استقبلت الحيض . وقال الأوزاعي :
إذا طلق امرأته وهي شابة فارتفعت حيضتها فلم تر شيئًا ثلاثة أشهر
فإنها تعتد سنة . وقال أبو حنيفة والثوري والليث والشافعي في التي
ترتفع حيضتها وهي غير يائسة : أن عدتها الحيض أبداً ، وإن تباعد ما
بين الحيضتين حتى تدخل في السن التي لا يحيض في مثله أهلها من
النساء ، وتستأنف عدة اليائسة ثلاثة أشهر . روي هذا عن ابن مسعود
وزيد بن ثابت . وأخذ مالك في ذلك بقول ابن عمر ، وهو الذي
رأى عليه الفتوى والعمل بالمدينة ، وأخذ الكوفيون بظاهر القرآن ؛
وظاهر القرآن لا مدخل فيه لذوات الأقراء في الاعتداد بالأشهر ، وإنما
تعتد بالأشهر اليائسة والصغيرة ، فمن لم تكن يائسة ولا صغيرة فعدتها
الأقراء وإن تباعدت
وحجة مالك أن المرتابة تعتد بالأشهر ؛ لأن في ذلك يظهر حملها
على كل حال فلا يمكن أن يستمر الحمل في الشهر التاسع ، فإذا
استوقن أن لا حمل في هذه المدة قيل : قد علمنا أنك [ لست ] (٣)
مرتابة ، ولا من ذوات الأقراء فاستأنفي ثلاثة أشهر كما قال الله
-تعالى - فيمن لسن من ذوات الأقراء قياسًا على أن العدة [بالشهور] (٤)
(١) في ((الأصل)): عنده. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل، هـ)»: ليست.
(٢) من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): بالشهر. والمثبت من (( هـ)).
- ٤٨٤ -

لصغر إذا حاضت قبل تمام الثلاثة الأشهر علم أنها من ذوات الأقراء
فقيل لها : استأنفي الأقراء .
وأما قوله تعالى: ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن
حملهن﴾(١). فإن إسماعيل بن إسحاق [قال] (٢): قال أكثر
العلماء : والذي مضى عليه العمل أنها إذا وضعت حملها فقد انقضت
عدتها . وذهبوا إلى أن الآية قد عمت كل معتدة من طلاق أو وفاة إذ
جاءت مجملة لم يذكر فيها أنها للمطلقة خاصة ولا للمتوفى عنها
زوجها خاصة ، فكانت عامة في كل معتدة ، فوجب أن تكون الأقراء
والشهور الثلاثة للمطلقة إذا لم تكن حاملاً على ما جاء فيها من
النص. ووجب أن تكون الأربعة الأشهر والعشر للمتوفى عنها إذا لم
تكن حاملاً ، ووجب أن تكون كل ذات حمل مات عنها زوجها أو
طلقها فأجلها أن تضع حملها . قال غيره : وجاء حديث سبيعة شاهدًا
لصحة هذا القول ، وعليه العلماء بالحجاز والعراق والشام لا أعلم
فيه مخالفًا من السلف إلا ابن عباس ورواية عن علي فإنهما قالا في
المتوفى عنها زوجها: (( عدتها آخر الأجلين أربعة أشهر وعشراً أو
الوضع)) . وقال ابن مسعود : لما بلغه قول علي في ذلك من شاء
لاعنته بأن هذه الآية التي في سورة النساء [القصرى ] (٣):
﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ (١) نزلت [ بعد التي
في ] (٤) البقرة : ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن
بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ (٥) ولولا حديث سبيعة ، وهذا البيان
من رسول الله في هاتين الآيتين لكان القول ما قاله علي وابن عباس
لأنهما عدتان مجتمعتان فلا يخرج منهما إلا بيقين ، واليقين في ذلك
(١) الطلاق : ٤ .
(٣) في ((هـ)) : الصغرى.
(٢) من (( هـ )).
(٤) في (( الأصل)): في التي بعد ، وما أثبتناه هو الصواب.
(٥) البقرة : ٢٣٤ .
- ٤٨٥ -

خر الأجلين ، ألا ترى إلى قول فقهاء الحجاز والعراق في أم الولد
يموت عنها زوجها ويموت سيدها ، ولا تدري أيهما مات أولاً أن عليها
عدتين أربعة أشهر وعشرًا فيها حيضة عند الشافعي ، وذلك لها آخر
الأجلين ، وعند أبي حنيفة لا حيضة فيها ، وعند أبي يوسف ومحمد
فيها ثلاث حيض ؛ إلا أن السنة وردت من ذلك في الحامل المتوفى
عنها في سبيعة ، ولو بلغت السنة عليا ما تركها ، وأما ابن عباس فقد
روي عنه أنه رجع إلى حديث سبيعة بعد المنازعة منه ، ويصحح ذلك
أن أصحابه عطاء وعكرمة وجابر بن زيد يقولون : إنها إذا وضعت.
حملها فقد حلت ولو وضعت بعد موته بساعة .
باب : قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن
بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ (١)
وقال إبراهیم فیمن تزوج في العدة فحاضت عنده ثلاث حیض : بانت
من الأول ولا تحتسب به لمن بعده . وقال الزهري : تحتسب به . وهذا
أحب إلى سفيان [ يعني قول الزهري ] (٢). وقال معمر: أقرأت المرأة
[١٧٦٢/٣ -ب) إذا دنا حيضها وأقرأت إذا دنا طهرها. ويقال: ما أقرأت بسلاً قط إذا / لم
تجمع ولدًا في بطنها .
:
اختلف العماء في الأقراء التي تجب على المرأة إذا طلقت ما هي ؟
والوقت الذي تبين فيه المطلقة من زوجها حتى لا يكون له عليها رجعة
فقالت طائفة : هو أحق بها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة . هذا قول
ابن عمر وعلي وابن مسعود . وروي ذلك عن أبي بكر الصديق
(١) البقرة: ٢٢٨.
(٢) من (( ن)).
- ٤٨٦ -

وعثمان وأبي موسى وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء ، وإليه ذهب
الثوري وإسحاق وأبو عبيد .
وفيها قول ثان : أنه أحق بها ما كانت في الدم . روي عن طاوس
وسعيد بن جبير وهذا على مذهب من يقول الأقراء : الحيض . ومن
قال الأقراء : الأطهار يرى له الرجعة ما لم يكن أول الدم من الحيضة
الثالثة إذا طلقها وهي طاهر هذا قول مالك والشافعي وأبي ثور ، وممن
قال : إن الأقراء الأطهار من السلف : زيد بن ثابت ، وابن عمر ،
وعائشة ، والقاسم ، وسالم .
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما أدركت أحدًا من فقهائنا إلا يقول
بقول عائشة ، ولم يختلف أهل اللغة أن العرب تسمى الحيض
(قُرءًا)(١) وتسمى الطهر قُرءًا [ وتسمى الوقت الذي يجمع الحيض
والطهر قُرءًا ] (١) فلما احتملت اللفظة هذه الوجوه في اللغة وجب أن
يطلب الدليل على مراد الله بقوله : ﴿ثلاثة قروء ﴾ (٢) { فوجدنا
الدليل ] (٣) على أن الأقراء : الأطهار حديث ابن عمر ، وذلك أن
النبي لما أمره أن يطلقها في الطهر وجعل العدة بقوله عليه السلام :
(«فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)) . ونهاه أن يطلق في
الحيض وأخرجه من أن تكون عدة ، ثبت أن الأقراء : الأطهار .
فإن قال الكوفيون : الدليل على الأقراء الحيض قوله عليه السلام :
((اقعدي أيام أقرائك)) [ أي ] (٤) : حيضتك ؛ لأنه لا يأمر بترك
الصلاة أيام الطهر .
(١) من (( هـ).
(٢) البقرة : ٢٢٨ .
(٣) في ((الأصل)): فوجد بالدليل. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): أو. والمثبت من ( هـ).
- ٤٨٧ -

قيل لهم : ليس في هذا أكثر من أن القرء [ اسم ] (١) يصلح
للحيض كما يصلح للطهر ، ونحن لا نمتنع من هذا وإنما نطلب ترجيح
قولنا ، وذلك أن قوله: (( [ دعي ] (٢) الصلاة أيام أقرائك)). هو
خطاب للمستحاضة أن تترك الصلاة [ عند ] (١) إقبال دم حيضتها ولا
خلاف في ذلك ، وحديث ابن عمر الأقراء فيه : الأطهار ، يدل على
أن الأقراء المعتد بها الأطهار ، وأن أقراء المستحاضة إقبال الدم ، فلا
تضر رواية من روى ((دعي الصلاة أيام أقرائك)). لأنهما مسألتان
مختلفتان مسألة عدة ، ومسألة صلاة .
فإن قالوا : إطلاق اسم القروء ينطلق على الحيض ؛ لأنها إنما
تسمى من ذوات الأقراء إذا حاضت ..
فالجواب أن اسم القرء للطهر الذي ينتقل إلى الحيض ، ولا نقول :
أنه اسم للطهر المحض ، فإنما لم نقل هي من ذوات الأقراء إذا لم
تحض لأنه طهر لم يتعقبه حيض [ فإذا حاضت فقد وجد طهر يتعقبه.
حيض ] (١) .
.وقد اختلف الصحابة في هذه المسألة ، فينبغي أن يقدم قول عائشة
وابن عمر ؛ لأن عائشة أعرف بحال الحيض لما تختص به من حال
النساء وقربها من رسول الله ، وكذلك ابن عمر لأنه قد عرف الطلاق
في الحيض وما أصابه فيه فهو أعلم به من غيره ، وعلى أن الطريق إلى
ما ذكره عن الصحابة غير ثابت .
وأما قول النخعي ؛ من تزوج في العدة فحاضت عنده ثلاث حيض
بانت من الأول ولا تحتسب به ، يعنى : بالحيض لا يكون عدة للثاني،
(١) من ( هـ ).
(٢) في ((الأصل)): دع. والمثبت من ((هـ).
- ٤٨٨ -

لأن العلماء مجمعون على أن الناكح في العدة يفسخ نكاحه ويفرق بينه
وبينها ، وهذه مسألة اجتماع العدتين .
واختلف العلماء [ فيها ] (١) فروى المدنيون عن مالك إن كانت
حاضت حيضة أو حيضتين من الأول أنها تتم بقية عدتها منه ، ثم
تستأنف عدة أخرى من الآخر على ما روي عن عمر بن الخطاب وعلي
ابن أبي طالب ، وهو قول الليث والشافعي وأحمد وإسحاق .
وروى ابن القاسم عن مالك أن عدة واحدة تكون لهما سواء كانت
العدة بالحمل أو الحيض أو الشهور ، وهو قول الأوزاعي والثوري
وأبي حنيفة وأصحابه .
والحجة لرواية ابن القاسم [ عن مالك ] (١) إجماعهم أن الأول لا
ينكحها في بقية العدة من الثاني ، فدل على أنها في عدة من الثاني
ولولا ذلك لنكحها في عدتها منه .
ووجه الرواية الأخرى أنهما حقان قد وجبا عليها لزوجين كسائر
الحقوق لا يدخل أحدهما في صاحبه .
قال الأصمعي : هو قرء : بضم القاف . وقال أبو زيد : هو قرء
بفتح القاف ، وكلاهما قال : أقرأت المرأة .
/ باب : قصة فاطمة بنت قيس وقول الله :
[٣/ ق١٧٧-١]
واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن﴾ (٢) الآية، وقوله: ﴿أسكنوهن
من حيث سكنتم ﴾ الآية (٣)
فيه : (( أن يحيى بن سعيد طلق بنت عبد الرحمن بن الحكم فانتقلها
(١) من ((هـ ).
(٢) الطلاق : ١ .
(٣) الطلاق : ٦ .
- ٤٨٩ -

عبد الرحمن ، فأرسلت عائشة إلى مروان - وهو أمير المدينة - اتق الله ،
وارددها إلى بيتها . قال مروان في حديث سليمان : إن عبد الرحمن بن
الحكم غلبني ، وقال القاسم بن محمد : أوما بلغك شأن فاطمة بنت
قيس ؟ قالت : لا يضرك ألا تذكر حديث فاطمة . فقال مروان : إن كان
[بك](١) شر فحسبك ما بين هذين من الشر )) .
وفيه : عائشة (( أنها قالت : ما لفاطمة ، ألا تتقي الله - يعني في قولها:
لا سکنا ولا نفقة )».
وقال عروة لعائشة: (( ألم تري إلى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها
البتة فخرجت ، فقالت: بئس ما صنعت . [ قال ] (٢): ألم تسعمي قول
فاطمة ؟ قالت : أما إنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث )) .
قال ابن المنذر : اختلف العلماء في خروج المبتوتة بالطلاق من بيتها.
في عدتها ، فمنعت [ من ] (٣) ذلك طائفة روي ذلك عن ابن
مسعود، وابن عمر ، وعائشة أم المؤمنين .
ورأى سعيد بن المسيب والقاسم وسالم وأبو بكر بن عبد الرحمن ،
وخارجة بن زيد ، وسليمان بن يسار أن تعتد في بيت زوجها حيث
طلقها . وحكى أبو عبيد هذا القول عن مالك والكوفيين والثوري أنهم
كانوا [ يرون] (٤) أن لا تبين المبتوتة والمتوفى عنها [ زوجها ] (٣) إلا
في بيتها .
وفيها قول أخر : أن المبتوتة تعتد حيث شاءت روي ذلك عن ابن
عباس وجابر وعطاء وطاوس والحسن وعكرمة .
(١) في ((الأصل)): لك. والمثبت من ((.هـ، ن)).
(٢) من ((هـ، ن)).
(٣) من (( هـ).
(٤) فى ((الأصل)): لا يرون، ولعل ((لا)) مقحمة، والمثبت من ((هـ))
- ٤٩٠ -

وقال أحمد وإسحاق : تخرج المطلقة ثلاثًا على حديث فاطمة :
(ولا سكنى لها ولا نفقة)) .
قال ابن المنذر : واختلف أهل العلم في خروج المطلقة ثلاثًا من
بيتها أو مطلقة لا رجعة للزوج عليها فأما من له عليها رجعة فتلك في
معاني الأزواج ، وكل من أحفظ عنه [ العلم ] (١) يرى لزوجها منعها
من الخروج حتى تنقضي عدتها لقوله : ﴿ولا يخرجن إلا أن يأتين
بفاحشة مبينة ﴾ (٢) .
وكان مالك يقول في المتوفى عنها زوجها : تزور وتقيم إلى قدر ما
يهدأ الناس بعد العشاء ، ثم تنقلب إلى بيتها ، وهو قول الليث
والثوري والشافعي وأحمد .
وقال أبو حنيفة : تخرج المتوفى عنها [ نهارًا ] (١) ولا تبيت إلا في
بيتها ، ولا تخرج المطلقة ليلاً ولا نهارًا ، وفرقوا بينهما فقالوا :
المطلقة لها السكنى عندنا والنفقة في عدتها على زوجها ، فذلك يغنيها
عن الخروج ، والمتوفى عنها لا نفقة لها ، فلها أن تخرج في بياض
نهارها وتبتغي من فضل ربها .
وقال محمد : لا تخرج المطلقة ولا المتوفى عنها ليلا ولا نهاراً في
العدة .
وقالت طائفة : المتوفى عنها تعتد حيث شاءت ، روي هذا عن
علي بن أبي طالب وابن عباس وجابر وعائشة ، وعن عطاء ، والحسن
البصري .
وقال ابن عباس : إنما قال الله تعتد أربعة أشهر وعشرا ، ولم يقل
(١) من (( هـ)).
(٢) الطلاق : ١ .
- ٤٩١ -

تعتد في بيتها . فتعتد حيث شاءت ، وأجمع العلماء أن المطلقة التي
يملك زوجها رجعتها لها السكنى والنفقة إذ حكمها حكم الزوجات في
جميع أمورها .
واختلفوا في وجوب النفقة والسكنى للمطلقة ثلاثًا إذا لم تكن
حبلى، فقالت طائفةٍ : لا سكنى لها ولا نفقة . على نص حديث
فاطمة بنت قيس روي هذا القول عن علي ، وابن عباس ، وجابر ،
وبه قال : أحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور .
وقالت طائفة : للمبتوتة السكنى ولا نفقة لها . روي هذا عن سعيد
ابن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وعطاء ، والشعبي ، والحسن وهو
قول مالك ، وابن أبي ليلى ، والليث ، والأوزاعي ، والشافعي .
وقالت طائفة : لكل مطلقة السكنى والنفقة ما دامت في العدة
[١٧٧٥/٣-ب) حاملا كانت أو غير حامل مبتوتة كانت أو رجعية هذا قول / الثوري
والكوفيين وروي عن عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، واحتج
الكوفيون بأن عمر بن الخطاب ، وعائشة ، وأسامة بن زيد ردوا
حديث فاطمة بنت قيس ، وأنكروه عليها ، وأخذوا في ذلك بما رواه
الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عمر بن الخطاب أنه
قال: (( لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة وهمت أو نسيت)).
وكان عمر يجعل لها النفقة والسكنى ، وقالوا : ما احتج به عمر
في دفع حديث فاطمة حجة صحيحة ، وذلك أن الله قال : ﴿ يا أيها
النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ﴾ (١) ثم قال : ﴿ لا تدري
لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا ﴾ (١) وأجمعوا أن الأمر إنما هو الرجعة،
ثم قال تعالى : ﴿اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ﴾ (٢) ثم
(١) الطلاق : ١ .
(٢) الطلاق : ٦ .
- ٤٩٢ -

قال : ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾ (١) يريد في العدة
فكانت المرأة إذا طلقها زوجها اثنتين للسنة ثم راجعها كما أمره الله ،
ثم طلقها أخرى للسنة حرمت عليه ووجب عليها العدة التي جعل لها
فيها السكنى ، وأمرها فيها أن لا تخرج وأمر الزوج أن لا يخرجها ولم
يفرق الله بين هذه المطلقة للسنة التي لا رجعة فيها ، وبين المطلقة للسنة
التي عليها الرجعة ، فلما جاءت فاطمة بنت قيس فروت عن النبي إنما
السكنى والنفقة لمن كانت عليها الرجعة خالفت بذلك كتاب الله نصا ؛
لأن كتاب الله قد جعل السكنى لمن لا رجعة [ عليها ] (٢) وخالفت
سنة النبي ؛ لأن عمر قد روى عن النبي خلاف ما روت ، فخرج
المعنى الذي منه أنكر عمر عليها ما أنكر خروجًا صحيحًا ، وبطل
حديث فاطمة فلم يجب العمل به أصلا لما بينا .
قال الكوفيون : إن السكنى تتبع النفقة وتجب بوجوبها وتسقط
بسقوطها . فقال لهم أصحاب مالك : السكنى التي في حال الزوجية
هي تتبع النفقة من أجل التمكن من الاستمتاع فلا يجوز أن تسقط
إحداهما وتجب الأخرى ، والسكنى التي بعد البينونة حق الله فلا
تتبعها النفقة ، ألا ترى أنهما لو اتفقا على سقوطها لم يجز أن تعتد
في غير منزل الزوج الذي طلق فيه ، وفي الزوجية يجوز أن ينقلها إلى
حيث شاء ، وبعد الطلاق ليس كذلك .
وقال الذين منعوا السكنى والنفقة وأخذوا بحديث فاطمة : إن عمر
إنما أنكر عليها لأنها خالفت عنده كتاب الله يريد قوله : ﴿أسكنوهن
من حيث سكنتم من وجدكم ﴾ (٣) وهذا إنما هو في المطلقة الرجعية
(١) الطلاق : ١ .
(٢) في ((الأصل)): عليه. والمثبت من (( هـ)).
(٣) الطلاق : ٦ .
- ٤٩٣ -

وفاطمة كانت مبتوتة لا رجعة لزوجها عليها ، وقد قالت : إن النبي
قال لها: ((إنما النفقة والسكنى لمن كانت عليها الرجعة )) وفاطمة لم
يكن لزوجها عليها رجعة ، فما روت من ذلك فلا يدفعه كتاب الله ولا
سنة نبيه ، فإن كان عمر، وعائشة ، وأسامة أنكروا على فاطمة ما
روت عن النبي وقالوا بخلافه فقد تابع فاطمة على ذلك عليّ ، وابن
عباس ، وجابر ، وحديث الشعبي بيّن في ذلك روى هشيم قال :
حدثنا مغيرة ، وحصين ، وإسماعيل بن أبي خالد ، ومجالد ، عن
الشعبي قال : دخلت على [ فاطمة ] (١) بنت قيس فسألتها عن قضاء
رسول الله [ في السكنى والنفقة ] (١) فقالت : طلقني زوجي البتة
فخاصمته إلى النبي - عليه السلام - في السكنى والنفقة فلم يجعل لي
سكنى ولا نفقة ، وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم ، وقال
مجالد في حديثه: (( إنما السكنى والنفقة لمن كانت له الرجعة )»
واحتج الذين قالوا بالسكنى ، ولم يوجبوا النفقة فقالوا : حديث
الشعبي عندنا غلط ؛ لأنه قد روي عن الشعبي أنه جعل للمبتوتة
السكنى، وقال بعضهم السكنى والنفقة .
وقال إسماعيل بن إسحاق : حدثنا ابن أبي شيبة ، حدثنا حميد ،
عن حسين بن صالح ، عن السدي ، عن إبراهيم والشعبي في المطلقة
ثلاثاً قال : لها السكنى والنفقة و[ هذا ] (٢) يوهن رواية الشعبي.
وقال ابن إسحاق : كنت مع الأسود بن يزيد في المسجد الجامع ،
ومعنا الشعبي فحدثنا بحديث فاطمة أن النبي لم يجعل لها سكنى ،
ولا نفقة ، فأخذ الأسود كفًا من حصا فحصبه وقال : ويحك ،
أتحدث ( بها ) (٣) أنت عمر بن الخطاب. قال إسماعيل: فلعل
(١) من (( هـ )).
(٢) في ((الأصل)): قال. والمثبت من (( هـ)).
(٣) فى (( هـ)): بهذا .
- ٤٩٤ -

[٣/ ق ١٧٨ -١]
الشعبي أفتى بخلاف ما روى / عن فاطمة بنت قيس لما [ رأى ] (١)
من إنكار الناس عليه .
وروى أبو عوانة عن منصور ، عن إبراهيم قال في المطلقة ثلاثًا :
لها السكنى والنفقة ولا يجبر على النفقة . قال إسماعيل : فلخص
منصور في روايته شيئًا يدل على ضبطه وبيَّن أن إبراهيم إنما أراد إثبات
السكنى دون النفقة . وإسقاط السكنى هو الذي أنكر على فاطمة بنت
قيس ، وكذلك أنكرت عليها عائشة إطلاق اللفظ وكتمان السبب الذي
من أجله أباح رسول الله خروجها من منزل الزوج فقالت : (( اتق الله
ولا تكتمي السر الذي من أجله نقلك)) وذلك أنها كانت في لسانها
[ذرابة] (٢) فاستطالت على أحمائها - أهل زوجها - فلهذا نقلها لا
أنه لا سكنى لها والمرأة عندنا إذا آذت أهل زوجها جاز نقلها من ذلك
الموضع ، فدل أن عائشة علمت معنى ما أمر به رسول الله فاطمة ،
ولم يكن قولها شيئًا قالته برأيها ، ألا ترى قولها لمروان : (( دع عنك
حديث فاطمة فإن لها شأنًا)) وقالت: (( ألا تتقي الله فاطمة)) علمت
يقينا أنها عرفت قصتها كيف كانت ، وقول مروان لعائشة : ((إن كان
بك الشر فحسبك ما بين هذين من الشر)) يدل أن فاطمة إنما أمرت
بالتحويل إلى الموضع الذي أمرت به لشر كان بينها وبينهم ، وإذا كان
الشر والشفاق واقعًا بين الزوجين جاز للحاكم أن يبعث إليها بحكمين
يكون لهما الجمع بينهما والفرقة فكان تحويل [ المعتدة ] (٣) من مسكن
إلى مسكن إذا وقع الشر أحرى أن يجوز .
وقد روي في قول الله : ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن
(١) في (( الأصل، هـ)): روي. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(٢) في ((الأصل)): دراية. والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)): الزوجة. والمثبت من ((هـ)).
- ٤٩٥ -

إلا أن يأتين بفاشحة مبينة﴾ (١) أحاديث ، فمنهم من ذهب إلى أن.
الفاحشة : البذاء وسوء الخلق ، وهذا يشبه قول مروان : وإن كان بك
الشر فحسبك ما بين هذين من الشر . وقد روي غير ذلك على ما
يأتي ذكره في الباب بعد هذا إن شاء الله .
قال المهلب : في إنكار عائشة على فاطمة فتياها بما أباح لها النبي
من الانتقال وترك السكنى ، ولم تخبر بالعلة .
فيه من الفقه أن الرجل العالم لا يجب أن يفتي في المسألة إذا لم
يعرف معناها ، كما لم تعرف فاطمة الوجه الذي أباح لها النبي
إخراجها من أجله من مسكنها ، فتوهمت أنه ليس لها بهذا سكنى
واحتج الذين قالوا بوجوب السكنى وإبطال النفقة بقوله تعالى:
﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾ إلى قوله: ﴿فأنفقوا عليهن حتى
يضعن حملهن﴾ (٢) قالوا : فلو كانت النفقة تجب كما تجب السكنى
لما کان لاختصاص النفقة للحامل معنی ، فلما وقع الاختصاص وجب
أنه لا نفقة للمرأة إذا لم تكن حاملا ، ووجب أيضًا أن يعلم أن هذه
المرأة ليست التي يملك زوجها رجعتها ؛ لأن التي يملك زوجها رجعتها
نفقتها واجبة عليه كانت حاملا أو غير حامل على الأصل التي كانت.
عليه قبل الطلاق ، واحتيج إلى ذكر السكنى في قوله تعالى:
﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾ (٢) لأن [المبتوتة] (٣) قد وجدت في
طلاقها ما خرجت به عن أحكام الزوجات كلها الوارثة وغيرها فأعيد
ذكر السكنى من طريق التحصين لها ما دامت في عدتها وأجريت
مجرى التي قبلها ، وأسقطت عنها النفقة التي كانت تجب [ لها ] (٤)
قبل أن تبين من زوجها ، ولم يجعل لها ذلك في عدتها إلا أن تكون
(١) الطلاق : ١ .
(٣) في ((الأصل)): البيئونة. والمثبت من ((هـ)).
(٢) الطلاق : ٦ .
(٤) من (( هـ )
- ٤٩٦ -

حاملا فيجب عليه حينئذ أن يغذو ولده بغذاء أمه كما يجب عليه إذا
وضعت وقد انقضت عدتها أن يغذو ولده بغذاء التي ترضعه فكما
وجب على الأب أن ينفق على من ترضعه وجب عليه أن ينفق على أمه
مادام في بطنها ، فدل هذا كله أنها إذا لم تكن حاملا فلا نفقة عليها،
وسيأتي اختلاف العلماء في السكنى للمتوفى عنها بعد هذا إن شاء الله.
باب : المطلقة إذا خشي عليها في مسکن زوجها
أن يقتحم عليها أو تبذو على أهله بفاحشة
فيه: عائشة: (( أنها أنكرت / على فاطمة)) وزاد ابن أبي الزناد، عن (١٧٨٥/٣ - ب]
[هشام] (١) بن عروة، عن أبيه قال: (( عابت عائشة أشد العيب وقالت :
إن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها [ ولذلك أرخص
لها رسول الله وَلخير))، وفي حديث ابن أبي الزناد: (( أن خروج فاطمة بنت
قيس من ] (٢) بيت زوجها ولم تعتد فيه ؛ لأنه كان في مكان وحش
فخشی علیها فيه » .
ولم يذكر البخاري ما شرط في الترجمة من البذاء ، وقد روي عن
عائشة أنها قالت لفاطمة بنت قيس : إنما أخرجك هذا اللسان . وذكره
إسماعيل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم ، عن
عائشة .
وقد روي مثل هذا عن ابن عباس قال : الفاحشة المبينة : النشوز
وسوء الخلق ، وأن تبذو عليهم فإذا بذت فقد حل لهم إخراجها
-
(١) في (( الأصل)): هشيم. وهو تحريف، والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) من (( هـ)).
- ٤٩٧ -

وقال عكرمة: كان أبن عباس يقرأ بقراءة أبيّ بن كعب: ((إلا أن:
تفحش عليكم )) .
وروى [ الحارث ](١) بن أبي أسامة ، عن يزيد بن هارون ، عن
عمرو بن ميمون بن مهران ، عن أبيه ، عن سعيد بن المسيب أن فاطمة
استطالت على أحمائها وآذتهم بلسانها .
وروي عن ابن عمر أنه قال : خروجهن من بيوتهن فاحشة . وهو
قول الشعبي ، وروي عن ابن عباس ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾(٢)
قال: الزنا ، قال : فإذا زنت أخرجت فأقيم عليها الحد . وهو قول
زيد بن أسلم . قال إسماعيل بن إسحاق : ذهب كل واحد من هؤلاء
إلى غير مذهب صاحبه غير أنه إذا قيل : فاحشة مبينة دل أنه شيء
يكون بعضه أبين من بعض ، وأما الزنا وغيره من الحدود فإنما هو حد.
محدود إذا بلغه الإنسان كان زانيًا ، وأما غير ذلك من الشر الذي يقع
بين الرجل وامرأته فإن بعضه أكثر من بعض ونحتاج فيه إلى اجتهاد .
الرأي فإن كان شرا لا يطمع في صلاحه بينهم انتقلت المرأة إلى مسكن
غيره ، وأما الزنا فليس فيه اجتهاد رأي .
وأما من قال : إن خروجها فاحشة فهو جائز في كلام العرب غير
أن الأظهر أن خروجها غير الفاحشة والله أعلم بما أراد من ذلك ،
وليس يمكن للإنسان أن يوجب قولاً يزعم أنه الصواب دون غيره ، وإن
كان ما حكي من قراءة أبيّ بن كعب محفوظًا فهو حجة قوية .
وما رواه البخاري عن عائشة أنها كانت في مكان وحش فخيف
عليها، فيشبه قول مالك وغيره في البدوية المعتدة أنها تتبوأ مع أهلها
(١) في ((الأصل)): الحديث. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ).
(٢) الطلاق : ١ .
- ٤٩٨ -

حيث تبوءوا ، قال المهلب : وإن صحت الروية أنها أخرجت من أجل
البذاء ففيه دليل أنه يجوز إخراج الرجل البذي المؤذي لجيرانه بأذاه
وتباع الدار عليه ويسقط حق سكناه .
باب : قوله تعالى : ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق
الله في أرحامهن ﴾ (١) يريد من الحمل والحيض
فيه: عائشة: (( لما أراد رسول الله أن ينفر إذا صفية على باب
[خبائها](٢) كئيبة فقال لها : عقرى - أو حلقى - إنك لحابستنا أكنت
أفضت يوم النحر ؟ قالت: نعم. قال : فانفرى إذا )).
وروي عن السلف في تفسير هذه الآية قال أبي بن كعب : إن من
الأمانة أن المرأة أنتمنت على فرجها . وقال ابن عباس وابن عمر : لا
يحل لها إن كانت حاملا أن تكتم حملها ولا يحل لها إن كانت
حائضًا أن تكتم حيضها [ يعني المطلقة] (٣).
قال ابن شهاب : لتنقضي العدة فلا يملك الزوج الرجعة إذا كانت
له . قال مجاهد : وذلك كله في بغض المرأة زوجها وجيه .
وقال قتادة : فكانت المرأة تكتم حملها فتذهب به إلى أجل آخر
مخافة الرجعة فنهى الله عن ذلك وتقدم فيه .
قال إسماعيل بن إسحاق : وهذه الآية تدل أن المرأة المعتدة مؤتمنة
على رحمها من الحيض والحمل ، فإن قالت : قد حضت كانت
مصدقة، وإن قالت : قد ولدت كانت مصدقة . إلا أن تأتي من ذلك
(١) البقرة : ٢٢٨ .
(٢) في ((الأصل)): خبائه. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) من ٥ هـ)).
- ٤٩٩ -

بما [ يعرف ] (١) كذبها فيه . وكذلك كل مؤتمن فالقول قوله قال
تعالى في آية الدين: ﴿ فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه
ولا يبخس منه شيئًا ﴾ (٢) فوعظ الذي عليه الحق حين جعل القول
قوله كما وعظت المرأة حين جعل القول قولها . وقول أبي بن كعب
يدل على ذلك .
[٣/ ق١٧٩-١]
وقال سليمان بن يسار / : لم يؤمر أن تفتح النساء فينظر إلى
فروجهن ليعلم صدق قولهن ، ولكن وكل ذلك إليهن [ إذا ] (٣) كن
مؤمنات .
قال المهلب : وحديث عائشة شاهد لتصديق النساء فيما يدعينه من
الحيض والحمل دون شهادة القوابل ، وكذلك الإماء ، ألا ترى أن
النبي - عليه السلام - أراد أن يحبس المسلمين كلهم بما ذكرت صفية
من حيضتها ولم يمتحن ذلك عليها ولا أكذبها ، وقد تقدم في كتاب
الحيض اختلاف أهل العلم في أقل ما تصدق فيه المرأة من انقضاء عدتها ..
باب : قول الله تعالى : ﴿ وبعولتهن أحق بردهن
في ذلك ﴾ (٤) أي : في العدة، وكيف تراجع المرأة إذا
طلقها واحدة أو ثنتين
فيه : معقل: (( أن أخته كانت تحت رجل فطلقها ، ثم خلا عنها حتى
انقضت عدتها ، ثم خطبها ، فحمي معقل من ذلك أنفًا ، فقال : خلا
عنها وهو يقدر عليها ، ثم يخطبها فحال بينه وبينها فأنزل الله: ﴿ وإذا
(١) في ((الأصل)): يعرفها. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): إذأ والمثبت من (( هـ).
(٢) البقرة : ٢٨٢ .
(٤) البقرة : ٢٢٨.
٥ -
-