Indexed OCR Text
Pages 461-480
باب : إذا عرض بنفي الولد
فيه: أبو هريرة: (( أن رجلا أتى النبي فقال: يا رسول الله ، ولد لي
غلام أسود . فقال : هل لك من إبل؟ قال : نعم. قال : ما ألوانها ؟ قال:
حمر . قال : هل فيها من أورق ؟ قال: نعم . قال : فأنى ذلك ؟! قال:
لعل عرقًا [ نزعه](١) . قال: فلعل ابنك هذا [نزعه ](١) عرق)).
احتج بهذا الحديث الكوفيون والشافعي فقالوا : لا حد في
التعريض، ولا لعان بالتعريض ؛ لأن النبي لم يوجب على هذا الرجل
الذي عرض بامرأته حدا .
وأوجب مالك الحد في التعريض واللعان بالتعريض إذا فهم منه من
القذف ما يفهم من التصريح . وقال أصحابه في تأويل هذا الحديث
الكوفيين : لا حجة لكم فيه ؛ لأن الرجل لم يرد بتعريضه القذف
وإنما جاء سائلاً مستشيرًا، ودليل ذلك في الحديث، وذلك لأن النبي لما
ضرب له المثل سكت ، ورأى أن الحق فيما ضرب له النبي من ذلك.
قال المهلب : فالتعريض إذا لم يكن على سبيل المشائمة والمواجهة ،
وكان على سبيل السؤال عما يجهل من المشكلات فلا حد فيه . ولو
وجب في هذا [ حد ] (٢) لبقي شيء من علم الدين لا سبيل إلى
التوصل إليه من ذكر من عرض له في ذلك عارض ، ولا يجب عند
مالك في التعريض حد إلا أن يكون على [ سبيل ] (٣) مشاتمة ومواجهة
يعلم قصده لذلك .
وسيأتي اختلاف العلماء وبيان مذاهبهم في التعريض في كتاب
الحدود - إن شاء الله .
(١) في ((الأصل: نزغه . والمثبت من ((هـ، ن).
(٢) في (( الأصل)): حدا. وسقط من (( هـ )).
(٣) من ( هـ)) .
- ٤٦١ -
قال أبو عبيد عن الأصمعي : إذا كان البعير أسود يخالط أسوده
بياض كدخان الرمث فذلك الورقة .
باب : إحلاف المتلاعنين
فيه: ابن عمر: (( أن رجلا من الأنصار قذف امرأته فأحلفهما النبي ثم
فرق بينهما )) .
قوله: ((باب إخلاف المتلاعنين)) يريد أيمان اللعان المعروفة ومعناه :
أن الرجل لما قذف امرأته كان عليه الحد إن لم يأت بأربعة شهداء ،
يشهدون بتصديق ما قال ، على ظاهر قوله تعالى : ﴿والذين يرمون
المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ﴾ (١) فلما
رمى العجلاني زوجته [ بالزنا ] (٢) أنزل الله / تعالى: ﴿والذين
يرمون أزواجهم ... ﴾ (٣) الآية. فأخرج الله الزوج من عموم الآية
وأقام أيمانه الأربع مع الخامسة مقام الشهود الأربعة يدرأ بها عن نفسه
الحد كما يدرأ سائر الناس عن أنفسهم بالشهود الأربعة حدَّ القذف ،
فإذا حلف بها لزم المرأة الحدَّ إن لم تلتعن ، فإن التعنت وحلفت دفعت
الحدَّ عن نفسها بأيمانها أيضًا كما دفع الرجل بأيمانه عن نفسه .
[٣/ق١٧٢ -١)
باب : يبدأ الرجل بالتلاعن
:
فيه: ابن عباس: (( أن هلال بن أمية قذف امرأته فجاء فشهد والنبي
يقول: إن الله يعلم أن [ أحدكما ] (٤) كاذب فهل منكما تائب ؟ ثم
قامت فشهدت )) .
(١) النور : ٤ .
(٢) من ( هـ).
(٣) النور : ٦ .
(٤) في ((الأصل)): أحدكم. والمثبت من (( هـ، ن)).
٠ - ٤٦٢ -
أجمع العلماء أن الرجل يبدأ باللعان قبل المرأة ؛ لأن الله - تعالى-
بدأ بذلك ، وإن بدأت المرأة قبل زوجها لم يجزئها ذلك وإعادة الأيمان
بعده على ما رتبه الله وبينه رسوله وَ* في حديث ابن عباس.
قال ابن المنذر : وفيه دليل أنهما يتلاعنان وهما [قائمان ] (١).
قال الطبري : وفي استحلافه عليه السلام المتلاعنين قائمين الدليل
الواضح على أنه ينبغي لكل حاكم من حكام المسلمين أن يستحلف كل
من أراد استحلافه على عظيم من الأمر قائمًا للأخبار الواردة عن النبي
مَل0# بذلك .
قال المهلب : وفيه دليل أن المحتلفين المتضارين اللذين لا يكون الحق
إلا في قول واحد منهما يعتدان في دعاويهما ولا يعاقب كل واحد
منهما بتكذيب صاحبه وإبطال قوله ؛ لأن النبي ◌َقول عذر المتلاعنين في
الحدود ولم يقم الحدَّ بالتحالف .
قال أبو عبد الله بن أبي صفرة : الصحيح أن القاذف لزوجته عويمر
وهلال بن أمية خطأ ، وقد روى القاسم عن ابن عباس أن العجلاني
قذف امرأته كما روى ابن عمر وسهل بن سعد وأظنه غلط من هشام
ابن حسان . ومما يدل على أنها قصة واحدة توقف النبي فيها حتى أنزل
الله فيها الآية . ولو أنها قضيتان لم يتوقف عن الحكم فيها ولحكم في
الثانية بما أنزل الله في الأولى .
قال الطبري : يستنكر قوله في الحديث: (( هلال بن أمية )) وإنما
القاذف : عويمر بن الحارث بن زيد بن الجد بن العجلاني شهد أحد
مع النبي - عليه السلام - رماها بشريك بن السحماء، والسحماء أمه،
قيل لها ذلك لسوادها ، وهو شريك بن ( عبدة ) (٢) بن الجد بن
(١) في ((الأصل)): قائمين. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في (( هـ)): عبد الله. وهو تحريف، انظر الإصابة (٢/ ١٥٠).
- ٤٦٣ -
العجلاني كذلك كان يقول أهل الأخبار ، وكانت هذه القصة في
شعبان سنة تسع من الهجرة منصرف رسول الله من تبوك إلى المدينة ..
باب : اللعان ومن طلق
فيه: سهل بن سعد: (( أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي
الأنصاري فقال له : يا عاصم، أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله
فتقتلونه ؟ أم كيف يفعل ؟ سل لي يا عاصم رسول الله عن ذلك . فسأل
عاصم رسول الله عن ذلك فكره رسول الله المسائل وعابها حتى كبر على
عاصم ما سمع من رسول الله . فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر
فقال : يا عاصم ، ماذا قال لك رسول الله ؟ فقال عاصم لعويمر : لم
تأنني بخير ، قد كره رسول الله المسألة التي سألته عنها . فقال عويمر : والله
لا أنتهي حتى أسأله عنها . فأقبل عويمر حتى جاء رسول الله وسط الناس
فقال : يا رسول الله ، أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه ؟
أم كيف يفعل ؟ فقال رسول الله: قد [ أنزل ] (١) فيك وفي صاحبتك
فاذهب فائت بها . قال سهل : فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ،
فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر : كذبت عليها يا رسول الله إن
أمسكتها . فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله)).
قال ابن شهاب : فكانت سنة المتلاعنين .
في قول عويمر : أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلاً ليقتله فتقتلونه ؟
وسكوت النبي على ذلك ولم يقل له : لا نقتله . دليل على أن من
قتل رجلا وجده مع امرأته أنه يقتل به إن لم يأت ببينة تشهد بزناه بها .
قال الطبري : وبذلك حكم علي بن أبي طالب إن لم يأت بأربعة
شهداء فليعط برمته .
(١) في ((الأصل)): نزل. والمثبت من ((هـ، ن).
- ٤٦٤ -
فإن قيل: قد روي عن عمر وعثمان أنهما أهدرا دمه، قيل : إن صح
عنهما [ ذلك] (١) فإنما أهدرا دمه؛ لأن البينة قامت / عندهما بصحة [٣/ ق ١٧٢ -ب)
ما ادعى القاتل على الذي قتله ، وسيأتي بيان ما للعلماء في هذه
المسألة في كتاب الحدود - إن شاء الله .
وفيه أن التلاعن لا يكون إلا عند السلطان أو عند من استخلفه من
الحكام ، وهذا إجماع من العلماء .
وفي قول عويمر : أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا ، دليل أن
اللعان بين كل زوجين ؛ لأنه لم يُخَص رجل من رجل ولا امرأة من
امرأة وكذلك قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ (٢) [ ولم
] (١) يخص زوجًا من زوج ، ففي هذا حجة لمالك والشافعي أن العبد
بمنزلة الحر في قذفه ولعانه غير أنه لا حد على من قذف مملوكته ؛
لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ (٣) وهن الحرائر المسلمات
، والأمة المسلمة والحرة اليهودية أو النصرانية تلاعن الحر المسلم ،
وكذلك العبد وإن تزوج الحرة المسلمة والأمة المسلمة أو الحرة اليهودية
أو النصرانية لاعنها ، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة والثوري : إذا
كان أحد الزوجين مملوكًا أو [ ذميا ] (٤) أو كانت المرأة ممن لا يجب
على قاذفها الحدُّ فلا لعان بينهما إذا قذفها .
واختلف العلماء في صفة الرمي الذي يوجب اللعان بين الزوجين
فقال مالك في المشهور عنه : إن اللعان لا يكون حتى يقول الرجل
لامرأته : رأيتها تزني أو ينفي حملا بها أو ولدًا منها . وحديث سهل
هذا وإن لم يكن فيه تصريح بالرؤية ، فإنه قد جاء التصريح بذلك في
حديث ابن عباس وغيره في قصة هلال بن أمية أنه وجد مع امرأته
(١) من (( هـ)).
(٣) النور : ٤ .
(٢) النور : ٦ .
(٤) في ((الأصل)): خصيا. والمثبت من (( هـ)).
- ٤٦٥ -
رجلا فقال : يا رسول الله ، رأيت بعيني وسمعت بأذني . فنزلت آية
اللعان ، ذكره المصنفون ، وذكره الطبري .
وقال الثوري والكوفيون والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو
ثور : إنه من قال لزوجته : يا زانية . وجب اللعان إن لم يأت بأربعة
شهداء ، وسواء قال لها : يا زانية أو زنيت ، ولم يدعي رؤية . وقد
روي هذا القول عن مالك أيضًا . وحجة هذا القول عموم قوله :
{والذين يرمون أزواجهم ... ﴾ (١) كما قال : ﴿ والذين يرمون
المحصنات ﴾ (٢) فأوجب بمجرد القذف الحد على الأجنبي إن لم يأت
بأربعة شهداء وأوجب على الزوج اللعان إن لم يأت بأربعة شهداء.
فسوى بين الرميتين بلفظ واحد، وقد أجمعوا أن الأعمى يلاعن ولا تصح
منه الرؤية ، وإنما يصح لعانه من حيث يصح وطؤه لزوجته . وقد ذكر
ابن القصار عن مالك أن لعان الأعمى لا يصح إلا أن يقول : لمست
فرجًا في فرجها .
وذهب جمهور العلماء إلى أن تمام اللعان منها تقع الفرقة بينهما
وسيأتي بيان هذه المسألة [ في بابها بعد هذه المسألة - إن شاء الله
تعالى](٣).
وشذ قوم من أهل البصرة منهم عثمان البتي فقالوا : لا تقع الفرقة
ولا تأثير للعان فيها ، وإنما يسقط النسب والحد وهما على الزوجية كما
كانا حتى يطلق الزوج. وذكر الطبري أن هذا قول جابر بن زيد .
واحتج أهل هذه المقالة بقول عويمر: كذبت عليها إن أمسكتها، فطلقها
ثلاثًا . قالوا : ولم ينكر النبي ذلك عليه ولم يقل له : لم قلت وأنت
لا تحتاج إليه ؟ لأنها باللعان قد طلقت . فقال لهم مخالفوهم :
. (١) النور : ٦ .
(٢) النور : ٤ .
(٣) من (( هـ)).
...
- ٤٦٦ -
لا حجة لكم في حديث عويمر ؛ لأن قوله : كذبت عليها إن
أمسكتها، وطلاقه لها ثلاثًا إنما كان منه ؛ لأنه لم يظن أن الفرقة تحصل
باللعان ، ولو كان عنده أن الفرقة تحصل باللعان لم يقل هذا . وقد
جاء في حديث ابن عمر وابن عباس بيان هذا أن النبي - عليه السلام-
فرق بين المتلاعنين وقال : لا سبيل لك عليها . فطلاق عويمر لها لغو
ولم ينكر ذلك النبي ؛ لأنه يحتمل أن يكون العجلاني أراد التأكيد أي
أنها لو لم تقع الفرقة وأمسكتها فهي طالق ثلاثًا .
قال الطحاوي : فإن قال من يذهب إلى قول البتي : قول ابن عمر
وابن عباس أن النبي فرق بين المتلاعنين ، إنما كان في قضية عويمر ،
وكان طلاقها بعد اللعان فلذلك فرق بينهما ، وقد روى ابن شهاب عن
سهل بن سعد قال : فطلقها العجلاني / ثلاث تطليقات فأنفذه رسول [١٧٣٥/٣-١]
الله ، قال الطبري : يحتمل أن يكون النبي فرق بينهما بعد اللعان ثم
طلقها ثلاثًا حتى يكون تفريق النبي واقعًا موقعه على ما روى ابن
عمر. وقد قال الأكثر : لا يجوز أن يمسكها ويفرق بينهما . وقد
استحب النبي الطلاق بعد اللعان ولم يستحبه قبله فعلم أن اللعان قد
أحدث حكمًا .
وقد احتج من قال : إن الطلاق الثلاث مجتمعات تقع للسنة بطلاق
عويمر زوجته ثلاثًا ، ولم ينكر ذلك عليه رسول الله ، قالوا : ولو
كان وقوع الثلاث مجتمعات لا يجوز لبينه رسول الله وأنكره وقال
: لا يجوز ذلك في ديننا .
*
- ٤٦٧ -
باب : التلاعن في المسجد
فيه : سهل: (( فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره
النبي حين فرغا من التلاعن ففارقها عند النبي - عليه السلام - فقال :
ذلك تفريق بين كل متلاعنين .
قال ابن شهاب : فكانت السنة [بعدهما ] (١) أن يفرق بين المتلاعنین -
وكانت حاملا - وكان ابنها يدعى لأمه . قال : ثم جرت السنة في ميراثها
أنها ترثه ويرث منها ما فرض الله لها .
قال سهل عن النبي : إن جاءت به أحمر قصيرًا كأنه وحرة ، فلا أراها
إلا قد صدقت وكذب عليها ، وإن جاءت به أسود أعين ذا أليتين فلا
أراه إلا قد صدق عليها . فجاءت به على المكروه من ذلك .
قال ابن المنذر : فيه أن سنة اللعان أن يكون في المسجد .
وقال الطبري : في أمر النبي - عليه السلام - المتلاعنين بالتلاعن
في المسجد دليل على أنه ينبغي لكل حاكم من حكام المسلمين أن .
يستحلف كل من أراد استحلافه على عظيم من الأمر كالقسامة على:
الدم وعلى المال ذي القدر والخطر العظيم ، ونحو ذلك في المساجد
العظام ، فإن كانا بالمدينة فعند ( قبر ) (٢) النبي ، وإن كانا بمكة فبين
الركن والمقام ، وإن كانا ببيت المقدس ففي مسجدها ثم في موضع
الصخرة ، وإن كانا ببلدة غيرها ففي جامعها وحيث يعظم منها ، وإنما
أمرهما عليه السلام باللعان في مسجده لعلمه أنهما يعظمان ذلك
الموضع فأراد التعظيم عليهما ليرجع المبطل منهما إلى الحق وعجز عن
(١) في ((الأصل)): بينهما. وهو تحريف، والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): منبر
- ٤٦٨ -
الأيمان الكاذبة ، وكذلك أيضًا كان لعانه بينهما بعد العصر [لعظم](١)
اليمين الكاذبة عند الله في ذلك الوقت .
وقال الشافعي : يلاعن في المسجد إلا أن تكون حائضًا فعلى باب
المسجد .
قال الطبري : ولست أقول أنه إن لاعن بينهما في مجلس يكره ،
أو حيث كان من الأماكن ، وفي أي الأوقات أنه مضيع فرضًا أو
مدخل بذلك من فعله في اللعان فسادًا .
وقوله: ((وكانت حاملا )) اختلفوا في الرجل ينتفي من حمل
زوجته فقالت طائفة : له أن يلاعن إذا قال : ليس هو مني ، وقد
استبرأتها قبل هذا الحمل ، ويسقط عنه الولد . هذا قول مالك .
وقال ابن أبي ليلى : يجوز اللعان بنفي الحمل ، وبه قال الشافعي
ولم يراع استبراء ، وزعم أن المرأة قد تحمل مع رؤية الدم وتلد مع
الاستبراء .
وقال أبو حنيفة والثوري وزفر : إذا قال لامرأته : ليس هذا الحمل
مني . سواء قال : استبرأتها أم لا ، لم يكن قاذفًا ، وبه قال ابن
الماجشون .
وقال أبو يوسف ومحمد : إن جاءت بالولد بعدما قال لستة أشهر
لاعن ، وإن جاءت به لأكثر لم يلاعن . وحجة من لم يوجب اللعان
على الحمل أنه قال بنفس الحمل ، ولا يقطع على صحته ولعله ريح ،
ولا لعان إلا بيقين .
قال ابن القصار : وحجة مالك ومن وافقه أن النبي لاعن بين
(١) في ((الأصل: لعظيم. والمثبت من (( هـ).
- ٤٦٩ -
العجلاني وامرأته وكانت حاملا، ألا ترى قوله: ((إن جاءت به
أحمر قصيرًا فلا أراها إلا صدقت وكذب عليها ، وإن جاءت به أسود
أعين فلا أراه إلا قد صدق عليها . فجاءت به على [النعت ] (١)
المكروه)). وقول الكوفيين خلاف لهذا الحديث فلا يلتفت إلى قولهم.
وأما فساده من جهة النظر فإن اللعان وضع بين الزوج لمعنى ؟ وهو
(٣/ق١٧٣ -ب) أن لا يلحق به ولد ليس منه ، فالضرورة داعية إلى حصول / اللعان
في هذه الحال . وقد جعل اللعان يدفع العار عما يلحقه في زوجته
فهو محتاج إلى اللعان .
قال الطبري : وقد زعم أبو حنيفة أن رجلا لو اشترى جارية
فوجدها حاملا أن ذلك عيب ترد به، فإن كان [الحمل] (١) لا يوقف
عليه ولا يعلم ، فقد يجب أن لا يكون لمشتري الجارية الحامل ردها ؛
إذ لا سبيل له إلى العلم بذلك ، وإن كان إلى العلم به سبيل حتى
يجوز به رد الجارية ، فكذلك السبيل إلى العلم حتى يجوز به اللعان ؛
مثله لا فرق بينهما .
قال الطبري: وفي قوله عليه السلام: ((إن جاءت به أحمر قصيرًا
فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها ، وإن جاءت به أسود أعين فلا
أراه إلا قد صدق عليها . فجاءت به على المكروه )) البيان البين أن الله-
تعالى - منع العباد أن يحكموا في عباده بالظنون والتهم ، وأنه جعل
الأحكام بينهم على ما ظهر دون ما بطن منهم واستتر عنهم ، وأنه
وكَلَ الحكم في سرائرهم وما خفي من أمورهم إلى الله دون سائر
خلقه ، وأنه لو كان لأحد من ذي سلطان أو غيره أخذ أحد بغير
الظاهر ؛ لكان أولى الناس بذلك [ رسول الله وَالد] (٢) لعلمه بكثير
(١) من (( هـ).
(٢) في (الأصل)): رسول. والمثبت من (( هـ)).
- ٤٧٠ -
من سرائر الناس ، ولكنه كان لا يأخذ أحدًا إلا بما ظهر من أمره ،
وتبين للناس منه ، ولذلك كان يقبل ظاهر ما يبديه المنافقون ولا
يأخذهم بما يبطنون مع علمه بكذبهم ، وكان يجعل لهم بظاهر ما
يظهرونه - من الإقرار بتصديقه والإيمان بما جاء به من عند الله - حكم
الله في المناكحة والموارثة والصلاة عليهم إذا ماتوا وغير ذلك من
الأمور، فكذلك الواجب على كل ذي سلطان أن يعمل في رعيته مثل
الذي عمل به النبي - عليه السلام - فيمن وصفت ممن كان يظهر قولا
وفعلا ، من أخذه بما يظهر من القول والفعل دون أخذه بالظنون والتهم
[ التي ] (١) يجوز أن تكون حقا ويجوز أن تكون باطلا .
قال المهلب : وفيه من الفقه أن الحاكم إذا حكم بالبينة المنصوصة ،
ثم تبين له بدليل غير ما ظهر إليه فيما حكم به ، أنه لا يرد ما حكم
فيه إلا بالنص لا بما قام له من الدليل . ألا ترى أنه بعد أن جاءت
[به](٢) على المكروه لم يحدها، وكذلك قام له الدليل من الشبه في
ابن وليدة زمعة [ فلم يقض به لسعد بن أبي وقاص ، ولكن أمر سودة
بنت زمعة ] (٢) بالاحتجاب منه فحكم للشبه في ( عين) (٣) الحكم
المنصوص أولا، ولم [يعرض لحكم] (٤) الله بفسخ من أجل الدليل .
وفيه من الفقه أن من اقتطع شيئًا من الحقوق بيمين كاذبة أن الله يلعنه
ويغضب عليه كما جاء في الحديث ، ألا ترى أنه قام الدليل على
كذب المرأة بعد يمينها بوضعها الصفة المكروهه فكان ذلك هتك سترها
في الدنيا وفضيحتها بين قومها التي منها فرت ، وهذا من العقوبات في
الدنيا فكيف في الآخرة ؟!
(١) في ((الأصل)): الذي. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في (( هـ )): غير.
(٢) من (( هـ)).
(٤) في (( الأصل)): يفرض بحكم، والمثبت من ((هـ)).
- ٤٧١ -
وقوله : (( كأنه وحرة)) دويبة حمراء كالعضاة تلزق بالأرض، ومنه:
قيل : وحر الصدر يوحر وحرًا ذهبوا إلى لزوق الحقد بالصدر فشبهوه.
بإلزاق الوحرة بالأرض .
#
باب : قول النبي عليه السلام :
« لو كنت راجماً بغير بينة »
فيه: ابن عباس: (( أنه ذكر التلاعن عند النبي - عليه السلام - فقال
عاصم بن عدي في ذلك قولا ، ثم انصرف فأتاه رجل من قومه یشکو
إليه أنه وجد مع أهله رجلا فقال عاصم : ما ابتليت بهذا إلا لقولي ،
فذهب به [إلى] (١) النبي - عليه السلام - فأخبره بالذي وجد عليه
امرأته ، فكان ذلك الرجل مصفرًا قليل اللحم سبط الشعر وكان الذي
ادعى عليه أنه وجد عند أهله آدم [ خدلا ] (٢) کثیر اللحم فقال النبي -
عليه السلام - : اللهم بين . فجاءت شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه :
وجده ، فلاعن النبي - عليه السلام - بينهما ، فقال رجل لابن عباس في
المجلس : هي التي قال رسول الله : لو رجمت أحداً بغير بينة رجمت
هذه؟ فقال: لا، تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء)).
وترجم له باب قول الإمام : اللهم بين .
[٣/ ق ١٧٤ -١]
قال المهلب : / فيه أنه قد يبتلى الإنسان بقوله ؛ وذلك أن عاصم
ابن عدي کان قد قال عند النبي أنه لو وجد مع امرأته رجلا لضربه "
بالسيف حتى يقتله ، فابتلاه الله بعويمر رجل من قومه ليريه الله كيف
٠٠
(١) من ((هـ، ن)).
(٢) في (( الأصل)): جدلا. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ٤٧٢ -
حكمه في ذلك وليعرفه أن التسلط في الدماء لا يسوغ بالدعوى ، ولا
يكون إلا بحكم من الله ليرفع أمر الجاهلية .
وأما قوله: ((لو كنت راجمًا بغير بينة)) في المرأة التي كانت تعلن
بالسوء أي لو كنت متعديًا حق الله فيها إلى ما قام من الدلالة عليها
الرجمت هذه ؛ لبيان الدلائل على فسقها ولكن ليس لأحد أن يرجم
بغير بينة فيتعدى حدود الله ، والله قد نص أن لا يتعدى حدوده لما أراد
تعالى من ستر عباده .
قال غيره : وقوله عليه السلام: ((اللهم بين)). معناه : الحرص
على أن يعلم من باطن المسألة ما يقف به على حقيقتها وإن كانت
شريعته قد أحكمها [ الله عز وجل ] (١) في القضاء بالظاهر ، وإنما
صارت شرائع الأنبياء يقضى فيها بالظاهر ؛ لأنها تكون سننًا لمن
بعدهم من أمتهم ممن لا سبيل له إلى وحي يعلم به بواطن الأمور .
وقال ابن قتيبة [ في قوله ] (١): ((خدل)) الخدل العظيم الساقين
وهو ضد الحمش ، يقال : رجل حمش الساقين إذا كان رقيقهما ،
وخدل إذا كان عظيمهما .
باب : صداق الملاعنة
فيه : ابن جبير قال: ((قلت لابن عمر : رجل قذف امرأته ؟ قال : فرق
نبي الله بین أخوي بني العجلان وقال : الله یعلم إن أحدكما كاذب ، فهل
منکما تائب ؟ فأبيا ففرق بينهما )) . قال أيوب : قال لي عمرو بن دينار :
إن في الحديث شيئًا لا أراك تحدثه. قال : قال الرجل : مالي . قيل:
(١) من (( هـ)).
- ٤٧٣ -
لا مال لك إن كنت صادقًا فقد دخلت بها وإن كنت كاذبًا فهو أبعد
منك. وترجم له باب قول الإمام للمتلاعنین : إن أحدکما کاذب فهل
منكما تائب ؟
صداق الملاعنة واجب لها بالإجماع لأنهما كانا على نكاح صحيح
قبل التعانهما وكل من وطئ امرأة بشبهة فالصداق لها واجب فكيف
النكاح الصحيح ؟
قال ابن المنذر : وفي حديث ابن عمر دليل على وجوب صداقها
وأن الزوج لا يرجع عليها بالمهر ، وإن أقرت بالزنا ؛ لقوله: (( إن
كنت صدقت عليها فيما استحللت من فرجها ، وإن كنت كذبت عليها
فهو أبعد منك)) . هكذا رواه في باب قول الإمام للمتلاعنين : إن
أحدكما كاذب .
قال ابن المنذر : ولو قال قائل : إن فيه دليلاً على أن المهر إنما يجب
بالمسيس لا بالخلوة لساغ ذلك .
قال المؤلف : وحديث هذا الباب يوجب الصداق بالدخول
قال المهلب في قوله: (( إن كنت صادقًا فقد دخلت بها » فيه دليل
على أن الدخول بالمرأة يكنى به عن الجماع ، وهو دليل على وجوب
جماعها وإن كان قد لا يكون جماع مع الدخول فغلّب عليه السلام ما
يكون في الأكثر وهو الجماع ؛ لما ركب الله في نفوس عباده من شهوة
النساء ، وسيأتي اختلاف أهل العلم في هذه المسألة في باب المهر
للمدخول عليها بعد هذا إن شاء الله .
قال الطبري: في قوله عليه السلام: (( [ الله يعلم] (١) إِن
(١) من ((هـ)).
- ٤٧٤ -
أحدكما كاذب فهل منكما من تائب ؟)) . أنه ينبغي للإمام إذا أراد
استحلاف من لزمته يمين لغيره فرآه ماضيًا على اليمين أن يذكره بالله
ويعظه ويتلوا عليه قول الله : ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله ... ﴾ (١)
الآية . ليرتدع عن اليمين إن كان مبطلاً فيها ولذلك أمر النبي أن يوقف
كل واحد منهما عند الخامسة فيقال له : اتق الله فإنها الموجبة التي
توجب عذاب الله وإن [ عذاب ] (٢) الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
قال ابن المنذر : وفيه بدء الإمام بعظة الزوجين والبدء بالزوج في
ذلك قبل المرأة .
باب : التفريق بين المتلاعنين
فيه : ابن عمر: (( أن النبي فرق بين رجل وامرأة قذفها وأحلفهما)) .
اختلف العلماء متى تقع الفرقة باللعان فذكر ابن المنذر عن ابن
عباس أن بانقضاء اللعان تقع الفرقة بينهما ، وإن لم يفرق الحاكم / وهو (١٧٤٥/٣-ب]
قول ربيعة ومالك والليث والأوزاعي وزفر وأبي ثور .
وقال الثوري وأبو حنيفة وصاحباه : لا تقع الفرقة بينهما بتمام
اللعان حتى يفرق بينهما الحاكم ، وبه قال أحمد . وقال الشافعي : إذا
[أكمل] (٣) الزوج اللعان وقعت الفرقة بينهما ولم يتوارثا ولو لم
تكمل الفرقة ومات ورثه ابنه .
واحتج الشافعي فقال : لما كان التعان الزوج يسقط الحدَّ وينفي
(١) آل عمران : ٧٧ .
(٢) في (( الأصل)): هوان. والمثبت من ( هـ)).
(٣) في (( الأصل)): كمل. والمثبت من (( هـ).
- ٤٧٥ -
الولد كان يقطع العصمة ويرفع الفراش ؛ لأن المرأة لا مدخل لها في
الفراق وقطع للعصمة ، ولا معنى لالتعان المرأة إلا في درء الحدِّ عنها.
قال الطحاوي : وقول الشافعي خلاف القرآن ؛ قال الله تعالى:
﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ (١) إلى آخر الآيات ، وعلى قوله : ينبغي
أن لا تلاعن المرأة وهي غير زوجة ، وقد اتفقوا أنه من طلق امرأته
وأبانها ثم قذفها أن لا تلاعن ؛ لأنها ليست بزوجة كذلك لو بانت
بلعان الزوج لم يجز لعان المرأة .
وحجة الكوفيين أن الفرقة لا تقع إلا بتفريق الحاكم حديث ابن عمر
أن النبي فرق بين المتلاعنين فأضاف الفرقة إليه لا إلى اللعان قالوا :.
فلما كان اللعان مفتقرا إلى حضور الحاكم كان مفتقرا إلى تفريقه
بخلاف الطلاق قياسًا على العنين أنه لا يفرق بينه وبين امرأته إلا
الحاكم. والحجة لمالك ومن وافقه حديث ابن عمر أن النبي فرق بين
المتلاعنين بلعانهما جميعًا فدل أن اللعان أوجب الفرقة التي قضى بها
النبي عند فراغهما من اللعان وقال : لا سبيل لك عليها إعلامًاً منه أن
اللعان رفع سبيله عليها وليس تفريقه بينهما باستئناف حكم وإنما كان
تنفيذًا لما أوجب الله بينهما من المباعدة ، وهو معنى اللعان في اللغة.
وإذا قيل : لاعن . فهي مفاعلة من اثنين ولو كان النكاح بينهما باقيًا
حتى يفرق الحاكم لكان إنما يفرق بين زوجين صحيح النكاح غير فاسد
من غير سبب [ حدث ] (٢) من أجله فساده ، فإن قال ذلك خرج من
قول جميع الأمة وأجاز للحاكم التفريق بين من شاء من الأزواج من
غير سبب حدث بينهما يبطل به نكاحهم ، وقياسه على العنين خطأ ؟
لأنه يجوز لها أن تراجع العنين إن رضيت به ، ولا يجوز لها مراجعة
الملاعن [ فافترقا ] (٢).
(١) النور : ٦ .
(٢) من (( هـ )) .
- ٤٧٦ -
قال ابن المنذر : وفي إجماعهم أن زوجة الملاعن لا تحل له بعد
زوج إذا لم يكذب نفسه ، دليل بين أن النكاح لو لم يكن منفسخًا
باللعان لكان طلاق العجلاني يقع عليها وكانت تحل له بعد النكاح .
وذكر جمهور العلماء أن المتلاعنين لا يتناكحان أبدًا ، وإن أكذب نفسه
جلد الحدَّ ولحق به الولد ولم ترجع إليه أبدًا .
قال مالك : وعلى هذا السنة التي لا شك فيها ولا اختلاف ، ذكر
ابن المنذر عن عطاء أن الملاعن إذا أكذب نفسه بعد اللعان لم يحد .
وقال : قد تفرقا بلعنة من الله .
وقال أبو حنيفة ومحمد : إذا أكذب نفسه جلد الحدَّ ولحق به الولد
وكان خاطبًا من الخطاب إن شاء . وهو قول سعيد بن المسيب والحسن
وسعيد بن جبير وحجة هؤلاء الإجماع على أنه إن أكذب نفسه جلد
الحدَّ ولحق به الولد ، قالوا : فيعود النكاح حلالا كما عاد الولد؛
لأنه لا فرق بين شيء من ذلك .
وحجة الجماعة في أنهما لا يجتمعان أبدًا أن النبي فرق بين المتلاعنين
وقال : لا سبيل لك عليها . ولم يقل له : إلا أن تكذب نفسك .
فكان كالتحريم المؤبد في الأمهات ومن ذكر معهن وهذا شأن كل تحريم
مطلق التأبيد ، ألا ترى أن المطلق ثلاثًا لما لم يكن تحريمه تأبيدًا أوقع
فيه الشرط بنكاح زوج غيره ولو قال : فإن طلقها فلا تحل له .
[لكان] (١) تحريمًا مطلقًا لا تحل له أبدًا وقد أطلق النبي التحريم في
الملاعنة ولم يضمنه بوقت فهو مؤبد فإن أكذب نفسه لحق به الولد ؛
لأنه حق جحده ثم عاد إلى الإقرار به ، وليس كذلك النكاح ؛ لأنه
حق ثبت عليه بقوله: (( لا سبيل لك عليها)) فلا يتهيأ له إبطاله ، وقد
(١) في ((الأصل)): وكان. والمثبت من (( هـ)).
- ٤٧٧ -
روى ابن إسحاق وجماعة عن الزهري قال : فمضت السنة بأنهما إذا
تلاعنا فرق بينهما فلا يجتمعان أبداً .
*
/ باب : يلحق الولد بالملاعنة
[٣/ ق١٧٥-١]
فيه: ابن عمر: (( أن النبي لاعن بين رجل وامرأته فانتفى من ولدها:
ففرق بينهما وألحق الولد بالمرأة )) .
أما قول ابن عمر : وألحق الولد بالمرأة فمعلوم أن الأم لا ينتفي عنها
ولدها ؛ لأنها ولدته ومعناه أنه لما انتفى عن أبيه بلعانها ألحقه بأمه
خاصة كأنه لا أب له فلا يرث أباه ولا يرثه أبوه ولا أحد ينسبه ، وإنما
ينسب إلى عصبة أمه وعلى هذا علماء الأمصار . وقيل : بل ألحقه بأمه
فجعل أمه له كأبيه وأمه ؛ ولهذا الحديث - والله أعلم - اختلف
العلماء في ميراث ابن الملاعنة على ما نذكره في كتاب الفرائض قال
الطبري: وإنما يلحق ولد الملاعنة بأمه ولا يدعى [ لأب ] (١) ما دام.
الملاعن [ مقيمًا ] (٢) على نفيه عن نفسه بعد الالتعان فأما إن هو.
[أقر](٣) به يومًا فإنه يلحق به نسبه وهذا إجماع من العلماء .
باب : إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت بعد العدة
زوجًا غیرہ فلم يمسها.
فيه: عائشة: (( أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها فتزوجت آخر.
(١) في ((الأصل)): لأبيه. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): مقيم. والمثبت من (( هـ).
(٣) في ((الأصل)): إن أقر، و((إن)) مقحمة، والمثبت من (( هـ)).
- ٤٧٨ -
فأنت النبي فذكرت [ له ] (١) أنه لا يأتيها وأنه ليس معه إلا مثل هدبة.
فقال : لا ، حتى تذوقي عسیلته ويذوق عسيلتك )) .
في هذا الحديث من الفقه : أن المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها إلا
بطلاق زوج قد وطئها ، ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء . قال ابن
المنذر: وعلى هذا جماعة العلماء إلا سعيد بن المسيب قال : أما الناس
فيقولون : لا تحل للأول حتى يجامعها الثاني وأنا أقول : إذا تزوجها
تزويجًا صحيحًا لا يريد بذلك إحلالها فلا بأس أن يتزوجها الأول .
وهذا قول لا نعلم أحدًا من أهل العلم وافقه عليه إلا طائفة من
الخوارج ، والسنة مستغنى بها عما سواها . قال غيره : وأظنه لم يبلغه
حديث العسيلة ، فأخذ بظاهر من القرآن وهو قوله : ﴿فإن طلقها فلا
تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره فإن طلقها ﴾ يعني : الثاني -
﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ (٢) وليس في القرآن ذكر مسيس في
هذا الموضع ، وغابت عنه السنة في ذلك وكذلك شذ عنه الحسن
البصري فقال : لا تحل للأول حتى يطأها الثاني وطئًا فيه إنزال ،
وقال: معن العسيلة : الإنزال . وخالفه سائر الفقهاء وقالوا : التقاء
الختانين يحلها للزوج الأول . وقالوا : ما يوجب الحد والغسل ويفسد
الصوم والحج ويحصن الزوجين ويوجب كمال الصداق يحل المطلقة،
والعسيلة كناية عن اللذة .
قال ابن المنذر : وقد اعتل بعض أهل العلم بقوله: (( حتى تذوقي
عسيلته ويذوق عسيلتك )) أن الزوج الثاني إن أتاها نائمة أو مغمى عليها
لا تشعر ، أنها لا تحل للزوج الأول حتى [ يذوقا ] (٣) جميعًا
العسيلة، إذ غير جائز أن يسوي بينهما عليه السلام في ذوق العسيلة
(١) من (( هـ، ن)).
(٢) البقرة : ٢٣٠ .
(٣) في ((الأصل)): يذوقان، والمثبت من ( هـ)).
- ٤٧٩ -
وتحل بأن يذوقها أحدهما ، وهذا قول علي ، وابن عباس ، وجابر ،
وعائشة ، وابن عمر وهو قول جماعة العلماء ولا خلاف في ذلك إلا
ما روي عن ابن المسيب .
وقوله في هذا الحديث: (( أو يذوق عسيلتك)) لا يوجب ذوق
أحدهما للعسيلة دون صاحبه و (( أو )) هاهنا بمعنى الواو ، وذلك مشهور
في لغة العرب ، وقد بين ذلك رواية من روى : ويذوق عسيلتك »
ذكره في باب من أجاز طلاق الثلاث . وفي باب من قال لامرأته :
أنت عليّ حرام .
واختلفوا في صفة الوطء الذي يحل المطلقة ثلاثًا فقال مالك : لا
يحلها إلا الوطء المباح ، فإن وقع الوطء في صوم أو اعتكاف أو
حيض أو نفاس لم تحل المطلقة ثلاثًا ، ولا يحل الذمية عنده وطء
الذمي ولا الصبي إذا لم يكن بالغًا .
وقال الكوفيون والأوزاعي والشافعي: [ يحلها ] (١) وطء كل زوج
بنكاح صحيح ، وكذلك لو أصابها محرمة أو صائمة أو [ حائضًا ] (٢)
أو وطئها مراهق لم يحتلم تحل بذلك كله ، وتحل الذمية للمسلم بوطء
زوج ذمي، وبهذا كله قال ابن الماجشون [وبعض المدنيين لأنه زوج](٣).
واختلوا في عقد نكاح المحلل فقال مالك : لا يحلها إلا نكاح رغبة
[٣/ ق ٠١٧٥ ب] / وإن قصد التحليل لم يحلها وسواء علم ذلك الزوجان أو لم يعلما لا
تحل ويفسخ قبل الدخول وبعده، وهذا قول الليث والثوري والأوزاعي وأحمد .
وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي : النكاح جائز وله أن يقيم على
نكاحه . وهو قول عطاء والحكم .
(١) في (( الأصل)): يخل. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): حائض، والمُثبت من (( هـ)).
(٣) من (١ هـ ا
: - ٤٨٠ -