Indexed OCR Text

Pages 441-460

جائز ابتداء العقد عليها ، فكذلك لا يجوز التمسك بها ؛ لأن ما
لا يجوز ابتداء العقد عليه لا يجوز التمسك به إذا طرأ على النكاح ،
وذهب مالك إلى أنه إن أسلمت الوثنية قبل زوجها فإن أسلم في عدتها
فهو أحق بها. وعند الكوفيين: يعرض على الزوج الإسلام في الوقت
كما يعرض على المرأة إذا أسلمت ، ولم يراعوا انقضاء عدة فيها .
واحتج مالك في اعتبار العدة في إسلام المرأة قبل زوجها بما رواه في
الموطأ عن ابن شهاب أنه قال: ((لم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى
رسول الله وزوجها كافر مقيم بدار الحرب ؛ إلا فرقت هجرتها بينها
وبين زوجها ، إلا أن يقدم زوجها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدتها ، فهذا
من جهة الأثر .
وأما من جهة القياس فإن إسلامه بمنزلة الارتجاع ، فلما كان له
الارتجاع في الطلاق فكذلك إذا أسلم ؛ لأن إسلامه فعلة والرجعة فعلة
فاشتبها لهذه العلة .
ولم تجب عند الكوفيين مراعاة العدة ؛ لأن العدة إنما تكون في
طلاق، والكفر فرق بينهما وفسخ نكاحهما كالمرتد، ولم يعلموا الآثار
[التي](١) عند أهل المدينة في اعتبار العدة إذا أسلمت المرأة قبل زوجها.
قال ابن المنذر : واحتج أهل المقالة الأولى في أن النكاح يفسخ
بالإسلام إذا أسلم بقوله تعالى : ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ (٢)
قالوا : فكل امرأة لا يجوز للمسلم ابتداء عقد نكاحها ؛ فلا يجوز له
أن يتمسك بذلك النكاح ، ولا يرجع إليه في عدة ولا غير عدة إلا
بنكاح مستأنف ؛ لأن الله إنما حرم على المشركين نكاح المسلمات ،
ونهى المسلمين عن نكاح المشركات فكان ابتداؤه في معنى استدامته .
(١) في ((الأصل، هـ)): الذي وما أثبتناه هو الصواب.
(٢) الممتحنة : ١٠ .
- ٤٤١ -

/ وقول عطاء ومجاهد إذا جاءت امرأة من المشركين إلى المسلمين
[٣/ ق١٦٨-١)
أنه لا يعطى زوجها المشرك عوض صداقها ؛ لأن ذلك إنما كان في عهد
بين النبي وبين المشركين ، وعلى ذلك انعقد الصلح بينهم ، ولو كان
أهل حرب للنبي لم يجز رد شيء مما أنفقوا إليهم ، وكذلك قال
الشعبي في قوله تعالى : ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار
فعاقبتم﴾(١) قال : هي منسوخة .
[باب: الإيلاء وقول الله تعالى] (٢): ﴿ للذين يؤلون من
نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا ﴾ (٣)
فيه: أنس: (( آلى رسول الله من نسائه ، وكانت انفكت رجله ، فأقام
في مشربة له تسعًا وعشرين يومًا ثم نزل فقالوا : يا رسول الله ، آليت
شهراً . فقال : الشهر تسع وعشرون )) .
قال ابن عمر في الإيلاء الذي سمى الله : لا يحل لأحد بعد الأجل إلا
أن يمسك بالمعروف أو يعزم الطلاق كما أمر الله . وقال أيضًا : إذا مضت
أربعة أشهر يوقف حتى يطلق ، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق -
ويذكر فيه عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلا من
أصحاب النبي - عليه السلام .
الإيلاء في لغة العرب : اليمين ، وفي قراءة أبي بن كعب وابن
عباس : ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ (٣) قالا : يقسمون .
(١) الممتحنة : ١١ .
(٢) في ((الأصل)): كتاب الإيلاء باب قول الله تعالى. والمثبت من ( هـ))، وفي
( ن)) : باب قول الله تعالى . وكذا في الفتح، وقال الحافظ : كذا للأكثر .
ونقل ما في (( هـ )) عن ابن بطال .
(٣) البقرة : ٢٢٩ .
- ٤٤٢ -

وقال ابن عباس : كل يمين منعت جماعًا فهي إيلاء . وقال ابن
المنذر : وهو قول كل من أحفظ عنه من أهل العلم .
واختلف في الإيلاء المذكور في القرآن قال ابن المنذر : فروي عن
ابن عباس : لا يكون مؤليًا حتى يحلف ألا يمسها أبدًا .
وقالت طائفة : الإيلاء إنما هو إلى حلف ألا يطأ أكثر من أربعة
أشهر . هذا قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور ؛ فإن
حلف على أربعة أشهر فما دونها لم يكن مؤليًا ، وكان هذا عندهم
يمينًا محضًا لو وطئ في هذه اليمين حنث ولزمته الكفارة ، وإن لم يطأ
حتى تنقضي المدة لم يكن عليه شيء كسائر الأيمان .
وقال الثوري والكوفيون : الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر
فصاعدًا . وهو قول عطاء .
وقالت طائفة : إذا حلف ألا يقرب امرأته يومًا أو أقل أو أكثر ثم لم
يطأها أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء ، روي هذا عن ابن مسعود
والنخعي وابن أبي ليلى والحكم ، وبه قال إسحاق . واعتل أهل هذه
المقالة فقالوا: إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر فقد صار مؤليًا ، ولزمه
أن يفيء بعد التربص أو يطلق ؛ لأنه قصد الإضرار باليمين وهذا المعنى
موجود في المدة القصيرة .
قال ابن المنذر : وأنكر هذا القول أكثر أهل العلم وقالوا : لا يكون
الإيلاء أقل من أربعة أشهر . قال ابن عباس : كان إيلاء أهل الجاهلية
السنة والسنتين وأكثر ، فوقت الله لهم أربعة أشهر فمن كان إيلاؤه أقل
من أربعة أشهر فليس بإيلاء ، وليس في حديث أنس إيلاء بأربعة
أشهر، وإنما فيه أنه عليه السلام حلف ألا يجامع نساءه شهراً ، فبر يمينه
ونزل لتمامه .
واحتج الكوفيون فقالوا : جعل الله التربص في الإيلاء أربعة أشهر
- ٤٤٣ -

كما جعل في عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا ، وفي عدة الطلاق ثلاثة
قروء فلا تربص بعدها . قالوا : فيجب بعد المدة سقوط الإيلاء ، ولا.
يسقط إلا بالفيء وهو الجماع في داخل المدة والطلاق بعد انقضاء
الأربعة الأشهر .
واحتج أصحاب مالك فقالوا : جعل الله للمؤلي تربص أربعة أشهر
فهي له بكمالها لا اعتراض لزوجته عليه فيها كما أن الدين المؤجل لا
يستحق صاحبه المطالبة به إلا بعد تمام الأجل وتقدير الكوفيين للآية :
فإن فاءوا فيهن . وتقدير المدنيين : فإن فاءوا بعدهن .
قال إسماعيل بن إسحاق : لا يخلو التخيير الذي جعل للمؤلي في .
الفيء أو الطلاق أن تكون في الأربعة الأشهر أو بعدها ، فإن كان في
الأربعة الأشهر فقد نقصوه من الأجل الذي ضربه الله [ له ] (١)، وإن
قالوا بعد الأربعة الأشهر ، وهو ظاهر كتاب الله صاروا إلى قولنا ،
(١٦٨٥/٣- ب) وكذلك قوله تعالى: ﴿ والذين يتوفون منكم / ويذرون أزواجًا
يتربصن ... ﴾ إلى ﴿ بالمعروف﴾ (٢) فلا يجوز لها أن تعمل في نفسها
شيئًا بالمعروف - وهو التزويج - إلا بعد تمام الأجل الذي ضربه الله
لها ، وكل من أجل له أجل فلا سبيل عليه في الأجل ، وإنما عليه.
السبيل بعد الأجل ، فنحن وهم مجمعون على صاحب الدين أنه
كذلك ، وعلى العنيين إذا ضرب له أجل سنة [ أنه ] (١) لا سبيل عليه
قبل تقضي السنة، [ فإن وطئ من غير أن يؤخذ بذلك سقط عنه حكم
العنيين وإن انقضت السُّنة ] (١) ولم يطأ فرق بينه وبين امرأته ، فكذلك :
المؤلي لا سبيل عليه في الأربعة الأشهر ؛ فإن وطئ فيها من غير
(١) من ((هـ)).
(٢) البقرة : ٢٣٤.
- ٤٤٤ -

أن يؤخذ بذلك سقط عنه الإيلاء ، وإن لم يطأ حتى انقضت أخذه
الحاكم بالطلاق ، فإن لم يطلق فرق بينهما الحاكم .
قال ابن المنذر : وأجمع كل من نحفظ عنه العلم أن الفيء هو
الجماع لمن لا عذر له ، فإن كان له عذر فيجزئه فيؤه بلسانه وقلبه .
وقال بعضهم : إذا أشهد على فيئه في حال العذر أجزأه .
وخالف الجماعة سعيد بن جبير فقال : الفيء : الجماع ، لا عذر
له إلا أن يجامع وإن كان في سفر أو في سجن . وأوجب أكثر أهل
العلم الكفارة عليه إذا فاء بجماع امرأته ، وروي هذا عن ابن عباس
وزيد بن ثابت ، وهو قول النخعي وابن سيرين ومالك والثوري
والكوفيين والشافعي وعامة العلماء .
وقالت طائفة : إذا فاء فلا كفارة عليه . هذا قول الحسن ، وقال
النخعي : كانوا يقولون : إذا فاء فلا كفارة عليه .
وقال إسحاق بن راهويه : قال بعض أهل التأويل في قوله : ﴿فإن
فاءوا فإن الله غفور رحيم ﴾ (١) يعني: اليمين الذي حثوا فيها . وهو
مذهب في الأيمان لبعض التابعين فمن حلف على بر أو تقوى أو باب
من الخير ألا يفعله ؛ فإنه يفعله ولا كفارة عليه ، وهو ضعيف ترده
السنة الثابتة عن النبي - عليه السلام - أنه [ قال: ] (٢) ((من حلف
على يمين فرأى غيرها خيراً منها ، فليأت الذي هو خير وليكفر يمينه ))
وما ذكره البخاري عن ابن عمر أن المؤلي يوقف حتى يطلق ، وذكره
عن اثني عشر رجلا من الصحابة، منهم عثمان وعلي. [وذكره ] (٣)
(١) البقرة : ٢٢٦ .
(٢) من ( هـ ) .
(٣) في ((الأصل)): فذكر. والمثبت من (( هـ )).
- ٤٤٥ -

ابن المنذر عن عمر وعثمان وعلي وعائشة وابن عمر وأبي الدرداء .
وقال سليمان بن يسار : كان تسعة عشر رجلا من أصحاب النبي -
عليه السلام - يوقفون في الإيلاء . قال مالك : وذلك الأمر عندنا .
وبه قال الليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ؛ فإن طلق فهي
واحدة رجعية ، إلا أن مالكًا قال : لا تصح رجعته حتى يطأ في
العدة. ولا أعلم أحدًا قاله غيره .
وقالت طائفة : إذا مضت للمؤلي أربعة أشهر بانت منه امرأته دون
توقيف بطلقة بائنة لا يملك فيها الرجعة . وروي عن ابن مسعود وابن
عباس وزيد بن ثابت ، ورواية عن عثمان وعلي وابن عمر ذكرها ابن
المنذر ؛ وهو قول عطاء والنخعي ومسروق والحسن وابن سيرين ،
وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وجماعة الكوفيين .
وقالت طائفة : هي طلقة يملك فيها الرجعة إذا مضت أربعة أشهر.
روي عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن ومكحول
والزهري .
والصواب أن يوقف المؤلي ؛ لأن الله جعل [ له ] (١) تربص أربعة
أشهر لا يطالب فيها بالوطء ، وجعله بعدها مخيرًا في الفيء بالجماع
أو إيقاع الطلاق ؛ لقوله : ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ﴾ (٢) فمن
خيره الله في أمر ، فلا سبيل للافتئات عليه فيه ، ودفع ما جعله الله له
من دون إذنه .
قال الأبهري : والحجة لقول مالك أنه إذا لم يطأ في العدة فلا
تصح رجعته ؛ أن الطلاق إنما أوقع لرفع الضرر ، فإذا لم يطأ فالضرر
قائم ، فلا معنى للرجعة ، ومتى ارتجع كانت رجعته معتبرة بالوطء ،
(١) من (( هـ)).
(٢) البقرة : ٢٢٦ .
- ٤٤٦ -

فإن وطئ وإلا علم أنه لم تكن له رجعة إلا أن يكون له عذر يمنعه من
الوطء فتصح رجعته ؛ لأن الضرر قد زال ، وامتناعه من الوطء ليس
من أجل الضرر وإنما من أجل العذر .
*
*
*
باب : حكم المفقود في أهله وماله
وقال ابن المسيب : إذا فقد في الصف عند القتال تربص امرأته سنة .
واشترى ابن مسعود جارية فالتمس صاحبها سنة فلم يجده وقعد فأخذ
يعطي الدرهم والدرهمين فقال : اللهم عن فلان ، فإن أتى فلي وعليّ
وقال: / هكذا افعلوا باللقطة . وقال ابن عباس نحوه . وقال الزهري [٣/ في١٦٩-١]
في الأسير يعلم مكانه : لا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله ، وإذا انقطع
, ويوو وي
خبره فَسنته سنة المفقود .
وفيه: زيد بن خالد: (( أن النبي - عليه السلام - سئل عن ضالة الغنم
فقال : خذها ؛ فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب . وسئل عن ضالة
الإبل ، فغضب واحمرت وجنتاه ، وقال : مالك ولها ، معها الحذاء
والسقاء ، تشرب الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها . وسئل عن اللقطة
فقال : اعرف وكاءها وعفاصها وعرِّفها سنة ؛ فإن جاء من يعرفها وإلا
فاخلطها بمالك)) .
اختلف العلماء في حكم المفقود إذ لم يعرف مكانه وعمي خبره ،
فقالت طائفة : إذا خرج من بيته وعمي خبره فإن امرأته لا تنكح أبدًا ،
ولا يفرق بينه وبينها حتى توقن بوفاته أو ينقضي تعميره، وسبيل زوجته
سبيل ماله . روي هذا القول عن علي بن أبي طالب ، وهو قول
الثوري وأبي حنيفة ومحمد والشافعي - وإليه ذهب البخاري والله
أعلم؛ لأنه بوب باب حكم المفقود في أهله وماله ، وذكر حديث
- ٤٤٧ -

اللقطة والضالة ، ووجه الاستدلال في ذلك أن الضالة إذا وجدت ولم
يعلم ربها ؛ فهي في معنى المفقود؛ لأنه لا يعلم من هو، ولا أين هو؟
فلم يُزل الجهل به وبمكانه ملكه عن ماله ، وبقي محبوسًا عليه ،
فكذلك يجب أن تكون عصمته باقية على زوجته لا يحلها إلا يقين
موته أو انقضاء تعميره، وهذه الزوجية قد ثبتت بالكتاب والسنة
والاتفاق ، ولا تحل إلا بيقين مثله .
وقالت طائفة : تتربص امرأته أربع سنين ، ثم تعتد أربعة أشهر
وعشرًا ، ثم تحل للأزواج ، روي هذا عن عمر بن الخطاب وعثمان
وعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وعطاء بن أبي رباح ،
وإليه ذهب مالك وأهل المدينة ، وبه قال أحمد وإسحاق .
واحتج ابن المنذر لهم فقال : اتباع خمسة من أصحاب رسول الله
أولى. قال: وقد دفع أحمد بن حنبل ما روي عن علي بن أبي طالب
من خلاف هذا القول وقال : إن راويه أبا عوانة، ولم يتابع عليه .
فكما وجب تأجيل العنين تقليدًا لعمر وابن مسعود ؛ كذلك وجب
تأجيل امرأة المفقود؛ لأن العدد الذين قالوا بالتأجيل أكثر وهم أربعة
من الخلفاء ، وقد قال النبي: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين
من بعدي )) .
واختلفوا إذا فقد في الصف عند القتال ، فقال ابن المسيب : تؤجل
امرأته سنة . وروى أشهب، عن مالك أنه [ يضرب ] (١) لامرأته أجل
سنة بعد أن ينظر في أمرها ، ولا يضرب لها من يوم فقد [ وسواء
فقد](٢) في الصف بين المسلمين أو في قتال المشركين. وروى عيسى عن
(١) في ((الأصل)): يصرف. والمثبت من ( هـ)).
(٢) من ((هـ)).
- ٤٤٨ -

ابن القاسم، عن مالك إذا فقد في المعترك أو في فتن المسلمين بينهم أنه
ينتظر يسيرًا بمقدار ما ينصرف المنهزم، ثم تعتد امرأته ويقسم ماله .
وروى ابن القاسم ، عن مالك [ في المفقود ] (١) في فتن المسلمين
أنه يضرب لامرأته سنة ثم تتزوج . واحتج المهلب لهذا القول بحديث
اللقطة ؛ لأنه حكم فيها عليه السلام بتعريف سنة .
وقال الكوفيون والثوري والشافعي في الذي يفقد بين الصفين
كقولهم في المفقود : لا يفرق بينهما . واتفق مالك والكوفيون
والشافعي في الأسير لا يستبين موته أنه لا يفرق بينه وبين امرأته ،
ويوقف ماله وينفق منه عليها .
قال الأبهري : والفرق بين الأسير والمفقود أن الأسير غير مختار
لترك الرجوع إلى زوجته ، ولا قاصد لإدخال الضرر عليها ، فلم يجز
دفع نكاحه ، وهو كالذي لا يقدر على الوطء لعلة عرضت له ،
والمفقود فغير معذور بالتأخير عن زوجته ؛ إذ لا سبب له ظاهر يمنعه
من ذلك. وحكم زوجة الأسير في النفقة عليها من ماله كامرأة المفقود؛
لأنا نقدر أن نوصلها إلى حقها من النفقة سواء غاب أو حضر، ولا
خلاف أنه لا يفرق بين الأسير وزوجته حتى يصح موته أو فراقه .
ومالك / يعمر الأسير الذي تعرف حياته وقتًا ، ثم ينقطع خبره فلا [٣/ق١٦٩ سب]
يعرف له موت يعمره ما بين السبعين إلى الثمانين ، وكذلك يعمر
المفقود بين الصفين والمفقود الذي فقد في غير الحرب ، يعمره كذلك
أيضًا في قسمة ماله وميراثه ، والكوفيون يقولون : لا يقسم ماله حتى
يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش مثله . وهذا يشبه قول مالك ، وقال
الشافعي : لا يقسم ماله حتى تعلم وفاته .
(١) من ( هـ )).
- ٤٤٩ -

باب : الظهار وقوله : ﴿ قد سمع الله قول التي
تجادلك في زوجها ... ﴾ (١) الآية
وسأل مالكٌ ابن شهاب عن ظهار العبد فقال : نحو ظهار الحر . فقال
مالك : وصيام العبد شهران . وقال الحسن : ظهار العبد والحر من الحرة
والأمة سواء . وقال عكرمة : إن ظاهر من أمته وليس بشيء ، إنما الظهار
من [ النساء ] (٢) . وفي العربية لما قالوا: أي فيما قالوا . وفي بعض ما
قالوا ، وهذا أولى ؛ لأن الله لم يدل على المنكر وقول الزور .
قال ابن القصار : اختلف العلماء في كفارة الظهار [بماذا تجب؟](٣)
على قولين ، فقال قوم : إنها تجب بمجرد الظهار . وليس من شرطها
العود . روي هذا عن مجاهد ، وبه قال سفيان الثوري .
وذهب جماعة الفقهاء إلى أنها تجب بشرطين وهما: الظهار والعود.
واختلف هؤلاء في العود على مذاهب ، فقال مالك : العود هو
العزم على الوطء وحكي عنه أنه الوطء بعينه ، ولكن تقدم الكفارة
عليه ، وهذا قول ابن القاسم وأشار في الموطأ إلى أنه العزم على
الإمساك والإصابة ، وعليه أكثر أصحابه . وحكاه ابن المنذر عن أبي
حنيفة ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وذهب الحسن البصري وطاوس
والزهري أن العود : الوطء نفسه .
قال الطحاوي : ومعنى العود عند أبي حنيفة : ألا يستبيح وطأها إلا
بكفارة يقدمها . وعند الشافعي العود : أن يمكنه طلاقها بعد الظهار
بساعة فلا يطلقها ، فإن أمسكها ساعة ولم يطلقها عاد لما قال ،
(١) المجادلة : ١ .
(٢) في (( الأصل)): الطلاق. والمثبت من (( هـ)).
(٣) من ( هـ)).
- ٤٥٠ -

ووجبت عليه الكفارة ماتت أو مات ، وعباراتهم وإن اختلفت في
العود فمعناها متقارب .
وقال أهل الظاهر : العود أن يقول : أنت كظهر أمي ، ثانية .
وروي هذا القول عن بكير بن الأشج .
واحتج من قال : إن الكفارة تجب بمجرد الظهار بأن الله ذكر
الكفارة وعلل وجوبها فقال : ﴿وإنهم ليقولون منكرًا من القول
وزوراً﴾ (١) فدل أنها وجبت بمجرد القول [ قالوا ] (٢): لأن العود
الذي هو إحدى الروايتين العزم على الإمساك ، والرواية الثانية العزم
على وطئها. قال ابن الجلاب : وقد ذكر في الموطأ الأمرين جميعًا ،
ونقيض ذلك الخلاف أن إيراد كل واحد منهما بالعزم عودة العزم على
وطئها فمباح ، والمباح لا تجب فيه الكفارة .
وحجة الجماعة قوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ... ﴾(٣)
الآية . فأوجب الكفارة بالظهار والعود جميعًا ، فمن زعم أنها تجب
بشرط واحد فقد خالف الظاهر ، وهذا بمنزلة قول القائل : من دخل
الدار فصلى فله دينار ، فإنه لا يستحق الدينار إلا بدخوله وصلاته ،
لأنهما شرطان في استحقاق الدينار ، فلا يجوز أن يستحق الدينار
بأحد الشرطين، والكلام على الشافعي أن العود هو الإمساك فقط ،
والدليل على بطلان ذلك أن الذي كان مباحًا بالعقد هو الوطء ، فإذا
حرمه بالظهار كانت الكفارة له دون ما سواه ؛ لأن الأنكحة إنما
وضعت له فقط ولما ثبت أنه لا يجوز أن يطأ حتى يكفر وجب أن
يكون العود هو العزم على الإمساك وعلى الوطء جميعًا ، ولو كان
(١) المجادلة : ٢ .
(٢) في ((الأصل)): قال. والمثبت من (( هـ)).
(٣) المجادلة : ٣ .
- ٤٥١ -

الإمساك حتى يكون العود إليه راجعًا .. لكان طلاقًا ؛ لأن الإمساك إذا
حرم ارتفع العقد وما يرفع النكاح إنما هو الطلاق ، ولو كان الظهار
كذلك لكانت الكفارة لا تدخله ولا تصلحه ؛ لأن الفراق لا يرتفع
حكمه بالكفارة ، ولما صح ذلك ثبت أن الكفارة تبيح العود إلى ما
(٣) ق-١٧-أ] حرمه الظهار من الوطء / والعزم عليه، ألا ترى أنه إذا حلف ألا
يطأها فقد حرم وطأها دون إمساكها ، فإذا فعل الوطء ، فقد خالف
ما حرمته اليمين فكذلك الظهار ، ومن ظاهر فإنما أراد الإمساك دون
الطلاق ، فكذلك لم يكن العود هو الإمساك .
واحتج أهل الظاهر بأن قالوا : كل موضع ذكر الله - تعالى - فيه
العود للشيء فالمراد به العود إليه بعينه ، ألا ترى أنه أخبر عن الكفار
أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه [ وقال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين
نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه﴾ (١) ] (٢) فكذلك قوله:
﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ (١) فيقال لهم: العود في الشيء يكون في
اللغة بمعنى المصير إليه كما تأولتم ، ويكون أيضًا بمعنى الرجوع فيه كما
قال: (( العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه)) أراد به الناقض لهبته .
وهذا تفسير الفراء في العود المذكور في الآية أنه الرجوع في قولهم
وعن قولهم .
قال إسماعيل بن إسحاق : ولو كان معنى قوله : ﴿ ثم يعودون لما
قالوا﴾ (١) أي : يلفظوا بالظهار مرة أخرى لما وقع بعده: ﴿فتحرير
رقبة من قبل أن يتماسا﴾ (٣) [ لأنه لم يذكر للمسيس سبب فيقال من
أجله : ﴿ من قبل أن يتماسا﴾] (٢) وإنما ذكر التظاهر وهو ضد
المسيس ، والمظاهر إنما حرم على نفسه المسيس [ فكيف يقال له : إذا
حرمت على نفسك المسيس ] (٢) ثم حرمت على نفسك المسيس فأعتق
(١) المجادلة : ٨ .
(٢) من (( هـ).
(٣) المجادلة : ٣ .
- ٤٥٢ -

رقبة قبل أن تمس ؟ هذا كلام واه ضعيف ، ولو قال رجل لرجل : إذا
لم ترد أن تمس فأعتق رقبة قبل أن تمس نسبة الناس إلى الجهل ، ولو
قال : إذا أردت أن تمس فاعتق رقبة قبل أن تمس كان كلامًا صحيحًا
مفهومًا أنه لا تجب الكفارة حتى يريد المس . وأيضًا فإن الظهار كان
طلاق الجاهلية ، تعلق عليه حكم التكفير بشرط العود والرجوع فيه ،
ألا ترى أن الكفارة إذا وجبت باللفظ وشرط آخر كان ذلك الشرط
مخالفة اللفظ لا إعادته كالأيمان .
وأجمع العلماء أن الظهار للعبد لازم له كالحر وأن كفارته الصوم
شهران ، واختلفوا في الإطعام والعتق فقال الكوفيون والشافعي :
لا يجزئه إلا الصوم خاصة . وقال ابن القاسم عن مالك : إن أطعم
بإذن مولاه أجزأه ، وإن أعتق بإذنه لم يجزئه ، وأحب إلينا أن يصوم -
يعني : شهرين - كالحر .
قال ابن القاسم : ولا أرى هذا الجواب إلا وهم منه ؛ لأنه إذا قدر
على الصوم لم يجزئه الإطعام في الحر كيف العبد ، وعسى أن يكون
جواب هذه المسألة في كفارة اليمين بالله .
وقال الحسن : إن أذن له مولاه في العتق أجزأه . وعن الأوزاعي :
إن أذن له مولاه في العتق والإطعام أجزاء إذا لم يقدر على الصيام .
واختلفوا في الظهار من الأمة وأم الولد فقال الكوفيون والشافعي : لا
يصح الظهار منهما . وقال مالك والثوري والأوزاعي والليث : يكون
من أمته مظاهرًا . واحتج الكوفيون بقوله : ﴿والذين يظاهرون منكم
من نسائهم﴾ (١) والأمة ليست من نسائنا ؛ لأن الظهار كان طلاقا ثم
أحل بالكفارة ، فإذا كان لا حظ للإماء في الطلاق فكذلك ما قام
مقامه .
(١) المجادلة : ٣ .
- ٤٥٣ -

ومن أوجب الظهار في الإماء جعلهن داخلات في جملة النساء
لمعنى تشبيه الفرج الجلال بالفرج الحرام في حال الظهار ؛ لأن الله
حرم جميع النساء ، ولم يخص امرأة دون امرأة ، وهذا مذهب عليّ
ابن أبي طالب ، وهو حجة في معرفة لسان العرب ، وهو مذهب
الفقهاء السبعة وعطاء وربيعة .
قال ابن المنذر : يدخل في عموم قوله: ﴿ والذين يظاهرون منكم
من نسائهم ﴾ (١) أن الظهار يكون من الأمة والذمية والصغيرة وجميع
النساء .
وقول البخاري : في العربية لما قالوا أي : فيما قالوا ، فقد تقدم
في الباب أنه قول الفراء . وفيها قول ثان قاله الأخفش قال : المعنى
على التقديم والتأخير أي : والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون
فتحرير رقبة لما قالوا، وهذا قول حسن وفيها وجه آخر : يجوز أن
تكون (( ما )) بمعنى: ((من )) كأنه قال : ثم يعودون لمن قالوا فيهن أو
لهن : أنتن علينا كظهور أمهاتنا ، وفيها وجه آخر : يجوز أن تكون ((ما)).
[بمعنى ] (٢) ((مع)) قالوا بتقدير المصدر فيكون التقدير : ثم يعودون
للقول، فسمى القول فيهن باسم المصدر، وهذا القول كما قالوا: ثوب نسج
(٣/ق١٧٠-بـ] اليمن، ودرهم ضرب الأمير، وإنما هو منسوج الیمن ومضروب الأمير/
باب : الإشارة في الطلاق والأمور
وقال ابن عمر : قال النبي - عليه السلام -: (( لا يعذب الله بدمع العين
ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه . وقال كعب بن مالك : أشار
النبي إلي خذ الشطر . وقالت أسماء : صلى النبي في الكسوف ، فقلت
(١) المجادلة : ٣ .
(٢) ليست في ((الأصل، هـ)) والسياق يقتضيها.
- ٤٥٤ -

لعائشة: ما شأن الناس ؟ - وهي تصلي فأومأت برأسها إلى السماء ،
فقلت: آية ؟ فأومأت برأسها - أي : نعم - . وقال أنس : أومأ النبي بيده
إلى أبي بكر : أن [ يتقدم ] (١) . وقال ابن عباس: أومأ النبي بيده :
لا حرج. وقال أبو قتادة : قال النبي -عليه السلام- في الصيد للمحرم :
((أحد منكم أمره أن يحمل عليه أو أشار إليه؟ قالوا: لا. قال: فكلوا)).
فيه : ابن عباس : (( طاف النبي على بعيره ، وكان كلما أتى الركن أشار
إليه وكبر)) .
وقالت زينب: قال النبي: (( فتح من يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد
تسعين)) .
وفي هذا الباب أحاديث أخر فيها كلها إشارة النبي بيده .
قال المهلب : الإشارة إذا فهمت وارتفع الإشكال بها محكوم بها ،
وما ذكره البخاري في الأحاديث من الإشارات في الضروب المختلفة
شاهدة بجواز ذلك . وأوكد الإشارات ما حكم النبي في أمر السوداء
حين قال لها: ((أين الله ؟ فأشارت ( بيدها) (٢) إلى السماء.
فقال: أعتقها ؛ فإنها مؤمنة)) فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل
الديانة ، الذي يحقن به الدماء ويمنع المال والحرمة ، وتستحق به الجنة
وينجى به من النار . وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك .
فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء.
روى ابن القاسم عن مالك أن الأخرس إذا أشار بالطلاق أنه يلزمه.
وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه : فهو كالأخرس في
الرجعة والطلاق ، وإذا أشار إشارة تعقل أو كتب لزمه الطلاق . وقال
أبو ثور في إشارة الأخرس : إذا فهمت عنه تجوز عليه . وقال
(١) في ((الأصل)): تقدم. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٢) في (( هـ)): برأسها .
- ٤٥٥ -

أبو حنيفة وأصحابه ؛ إن كانت إشارته تعرف في طلاقه ونكاحه وبيعه،
وكان ذلك منه معروفًا فهو جائز عليه ، وإن شك ( فيه فهو ) (١)
باطل، وليس ذلك بقياس إنما هو استحسان ، والقياس في هذا أنه كله
باطل ؛ لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته .
قال ابن المنذر : فزعم أبو حنيفة أن القياس في ذلك أنه باطل ،
وفي ذلك إقرار منه أنه حكم بالباطل ؛ لأن القياس عنده حق ، فإذا
حكم بضده وهو الاستحسان فقد حكم بضد الحق . وفي إظهاره القول
بالاستحسان وهو ضد القياس دفع منه للقياس الذي هو عنده حق.
قال المؤلف : وأظن البخاري حاول في هذا الباب الرد عليه ؛ لأن
النبي حكم بالإشارة في هذه الأحاديث وجعل ذلك شرعًا لأمته ،
ومعاذ الله أن يحكم عليه السلام في شيء من شريعته التي ائتمنه الله
عليها وشهد له التنزيل أنه قد بلغها لأمته غير ملوم ، وأن الدين قَد
كمل به بما يدل القياس على إبطاله وإنما حمل أبا حنيفة على قوله هذا
أنه لم يعلم السنن التي جاءت بجواز الإشارات في أحكام مختلفة من
الديانة في مواضع يمكن النطق فيها ومواضع لا [ يمكن ] (٢) فهي لمن
لا يمكنه النطق أجوز وأوكد ؛ إذ لا يمكن العمل بغيرها ، وفي أحاديث
هذا الباب في قصة اليهودي الذي رضخ رأس الجارية فأخذ أوضاحًا
لها قال صاحب العين : الوضح حلي من فضة .
وقوله في حديث المنفق والبخيل (( مادت)) قال صاحب العين : ماد
الشيء مددًا : تردد في عرض ، والناقة تمدد في سيرها .
(١) في (( هـ )) : فيها فهي .
(٢) في ((الأصل)): يتمكن، والمثبت من (( هـ)).
- ٤٥٦ -

باب : اللعان وقول الله: ﴿ والذین یرمون
أزواجهم ﴾ إلى: ﴿ الصادقين﴾ (١)
فإذا قذف الأخرس امرأته بکتاب أو بإشارة أو بإيماء معروف فهو
كالمتكلم ؛ لأن النبي - عليه السلام - قد أجاز الإشارة في الفرائض ،
وهو قول بعض أهل / الحجاز وأهل العلم .
[٣/ ق١٧١-٢]
وقال الله تعالى : ﴿ فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد
صبيا﴾ (٢) وقال الضحاك: ﴿إلا رمزاً﴾ (٣) إلا إشارة.
وقال بعض الناس : لا حد ولا لعان . ثم زعم إن طلقوا بكتاب أو
إشارة أو إيماء جاز ، وليس بين الطلاق والقذف فرق ، فإن قال : القذف
لا يكون إلا بكلام . قيل له : كذلك الطلاق لا يكون إلا بکلام ، وإلا
بطل الطلاق والقذف ، وكذلك العتق ، وكذلك الأصم بلاعن . وقال
الشعبي وقتادة : إذا قال : أنت طالق . فأشار بأصابعه تبين منه بإشارته .
وقال إبراهيم : الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه . وقال حماد :
الأخرس والأصم إن قال برأسه جاز .
وفيه أنس: قال النبي : (( ألا أخبركم بخير دور الأنصار. قالوا : بلى
يا رسول الله. قال: بنو النجار ، ثم الذين يلونهم [ بنو ] (٤) عبد
الأشهل، ثم الذين يلونهم [ بنو ] (٤) الحارث بن الخزرج، ثم الذين
يلونهم بنو ساعدة . ثم قال بيده فقبض أصابعه ثم بسطهن كالرامي بيده
، ثم قال: وفي كل دور الأنصار خير )) .
وفيه سهل : قال النبي - عليه السلام -: (( بعثت أنا والساعة كهذه من
هذه - [أو] (٥) كهاتين ، وفرق بين السبابة والوسطى)).
(١) النور : ٦ - ٩ .
(٣) آل عمران : ٤١ .
(٢) مريم : ٢٩ .
(٤) في ((الأصل)): ثم بنو. و(( ثم)) مقحمة، والمثبت من (( هـ، ن)).
(٥) في ((الأصل)): أي. والمثبت من (( هـ، ن).
- ٤٥٧ -

وفيه ابن عمر : قال عليه السلام: (( الشهر هكذا وهكذا ثم قال :
وهكذا وهكذا ثلاثًا - يعني : تسعًا وعشرين يقول مرة : ثلاثين: ومرة :
تسعًا وعشرين )) .
وفيه ابن مسعود: (( أشار النبي - عليه السلام - بيده نحو اليمن :
الإيمان هاهنا - مرتين - ألا وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين
حيث يطلع قرنا الشيطان : ربيعة ومضر )) .
وفيه سهل: قال رسول الله: (( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا - وأشار
بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئًا )).
اختلف العلماء في لعان الأخرس وقذفه فقال مالك وأبو ثور :
يلاعن الأخرس إذا عقل الإشارة وفهم الكتابة وعُلم ما يقوله وفُهم
منه، وكذلك الخرساء تلاعن أيضًا بالكتاب .
وقال الكوفيون : لا يصح قذفه ولا لعانه ؛ فإذا قذف الأخرس
امرأته بإشارة لم يحد ولم يلاعن ، وكذلك لو قذف بكتاب . وروي
مثله عن الشعبي ، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق . واحتجوا بأن
هذه المسألة مبنية لهم على أصل و[ هو ] (١) أن صحة القذف تتعلق
بصريح الزنا دون معناه. ألا ترى أن من قذف آخر فقال له : قد
وطئت وطئًا حرامًا ووطئت بلا شبهة . لم يكن قاذفًا ، فإن أتى بمعنى
الزنا [كان قاذفًا](٢) فبان أن المعتبر في هذا الباب صريح اللفظ ، وهذا
المعنى لا يحصل من الأخرس ضرورة . فلم يكن قاذفًا ولا يتميز
بالإشارة الزنا من الوطء الحلال والشبهة .
[ و] (٢) أيضًا فإن إشارته لما تضمنت وجهين لم يجز إيجاب الحد
(١) في ((الأصل)): هي. والمثبت من (( هـ )).
(٢) من ( هـ )
- ٤٥٨ -

بها كالكتابة والتعريض ، قالوا : واللعان عندنا شهادة ، وشهادة
الأخرس عندنا لا تقبل بالإجماع .
قال ابن القصار : فيقال لهم : قولكم : إن القذف لا يصح إلا
بالتصريح . فهو باطل بسائر الألسنة ما عدا العربية ، فإنها كلها قائمة
مقام العربية، ويصح بكل واحد [ منها ] (١) القذف فكذلك إشارة
الأخرس . وقولهم : إنه لا يتميز بالإشارة الزنا من الوطء الحلال
والشبهة . فإنه باطل ؛ إذا أقر بقتل [ عمد ] (٢) فإنه مقبول منه
بالإشارة وصورته غير صورة قتل الخطأ . وما حكوه من الإجماع في
شهادة الأخرس فهو غلط . وقد نص مالك أن شهادته مقبولة إذا
فهمت إشارته وأنها [ تقوم ] (٣) مقام اللفظ بالشهادة ، وأما مع القدرة
فلا تقع منه إلا باللفظ ، وعلى أنهم يصححون لعان الأعمى ولا
يجيزون شهادته ، فقد فرقوا بين الشهادة واللعان .
[ واحتج ] (٤) ابن القصار بأن إشارة الأخرس إذا فهمت قامت مقام
النطق بما احتج به البخاري من قوله : ﴿فأشارت إليه ﴾ (٥) يعني :
مريم ، فعرفوا بإشارتها ما يعرفونه من نطقها وبقوله تعالى : ﴿ قال
آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا ﴾ (٦) أي: إيماءً وإشارة فلولا
أنه يفهم منها ما يفهم من النطق لم يقل تعالى : ألا تكلمهم إلا رمزاً
فجعل الرمز كلامًا ، وأيضًا فإن النبي - عليه السلام - / كبر للصلاة [٣/ق١٧١ -ب]
وذكر أنه لم يغتسل ، فأشار إليهم أن اثبتوا مكانكم . وكذلك أشار
إلى أبي بكر في الصلاة ، والأحاديث في هذا أكثر من أن تحصى ،
فصح أنه يعقل من الإشارة ما يعقل من النطق .
(١) في ((الأصل)): منهما. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): عبد. والمثبت من ( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): فاحتج. والمثبت من (( هـ .
(٥) مريم : ٢٩ .
(٣) من ((هـ)).
(٦) آل عمران : ٤١ .
- ٤٥٩ -

قال المهلب : وقد تكون الإشارة في كثير من أبواب الفقه أقوى من
الكلام مثل قوله عليه السلام: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)). ومتى
كان يبلغ البيان إلى ما بلغت إليه الإشارة ، والإعراب بما بينهما بمقدار
زيادة الوسطى على السبابة . وفي إجماع العقول على أن العيان أقوى
من الخبر دليل أن الإشارة قد تكون في بعض المواضع أقوى من
الكلام. قال ابن المنذر : والمخالفون يلزمون الأخرس الطلاق والبيوع
وسائر الأحكام فينبغي أن يكون القذف مثل ذلك .
واتفق مالك والكوفيون والشافعي أن الأخرس إذا كتب الطلاق بيده
لزمه . وقال الكوفيون : إذا كان رجل أصمت أيامًا فكتب لم يجز من
ذلك شيء .
قال الطحاوي والخرس مخالف للصمت العارض ، كما أن
العجز عن الجماع العارض بالمرض ونحوه يومًا أو نحوه مخالف
للعجز الميئوس معه الجماع نحو الجنون في باب خيار المرأة في الفرقة.
قال المهلب : وأما الأصم فإن في أمره بعض إشكال ، ولكن قد
يستبين إشكال أمره بترداد الإشارة على الشيء حتى يرتفع الإشكال ؛
فإذا فهم عنه ذلك جاز جميع ما أشار به . وأما المتكلم فإذا كتب:
الطلاق بيده فله أن يقول : إنما كتبته مراوضًا لنفسي لأستخير الله -
تعالى - في إنفاذه ؛ لأن لي درجة في البيان بلساني هي [ غايتي ] (١)
فلا يحال بيني وبين غاية ما لي من البيان . والأخرس لا غاية له إلا
الإشارة .
i
(١) في ((الأصل)): عادي. والمثبت من (( هـ)).
- ٤٦٠ -