Indexed OCR Text

Pages 421-440

فراقه فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ما افتدت به كما فعل النبي في
امرأة ثابت ، وإن كان النشوز من قبله بأن يضرُّ بها ويضيق عليها ردّ
عليها ما أخذ منها، روي هذا عن ابن عباس وعامة السلف ، وبه قال
الثوري وإسحاق وأبو ثور ، وقال أبو حنيفة : إن كان النشوز من قبله
لم يحل له أن يأخذ مما أعطاها شيئًا ولا يزداد ، فإن فعل جاز في
القضاء وروى ابن القاسم عن مالك مثله . وهذا القول خلاف ظاهر
كتاب الله وخلاف حديث امرأة ثابت ، وإنما فيه أخذ الفدية من الناشز
لزوجها إذا كان لنشوزها كارهًا وللمقام معها محبًا ، وإن كانت
الإساءة من قبله لم يجز له أن يأخذ منها شيئًا ؛ لقول الله - تعالى -:
﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ (١) الآية . قال مجاهد :
مجامعة النساء والميثاق الغليظ كلمة النكاح التي تستحل بها فروجهن
فجعله ثمنًا للإفضاء .
قال ابن المنذر : واحتج بعض المخالفين فقال : لما جاز أن يأخذ
مالها إذا طابت به نفسًا على غير طلاق جاز له أن يأخذه على طلاق ،
قيل: هذا غلط كبير ؛ لأنه حمل ما حرمه الله في / كتابه من أبواب
المعاوضات على ما أباحه من سائر أبواب العطايا المباحة ، أفيجوز لهذا
القائل أن يشبه ما حرم الله من الربا في كتابه بما أباح من العطايا على
غير عوض ، فنقول لما أبيح لي أن أهب مالي بطيب نفس من غير
عوض جاز لي أن أعطيه في أبواب الربا بعوض ، فإن قال : لا يجوز
ذلك فليعلم أنه قد أتى مثل ما أنكر في باب الربا حيث شبه قوله :
﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا﴾ (٢) بما حرم في
قوله: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا أن لا
يقيما حدود الله ﴾ (٣).
[٣/ق١٦٤ -١]
(١) النساء : ٢٠ .
(٢) النساء : ٤ .
(٣) البقرة : ٢٢٩ .
- ٤٢١ -

وفي حديث ابن عباس دلالة على فساد قول من قال : لا يجوز له
أخذ الفدية منها حتى تكون من كراهيته لها على مثل ما هي عليه ،
وهو قول طاوس والشعبي ، وروي مثله عن القاسم بن محمد وسعيد
ابن المسيب .
قال الطبري : وذلك أن امرأة ثابت أتت النبي شاكية فقالت له : لا
أنا ولا ثابت. فقال لها: (( أتردين عليه حديقته ؟)) ولم يسأل
[ثابتًا](١) هل أنت لها كاره كراهيتها لك ؟ فإن ظن أن قوله: ﴿ولا
يحل لكم ... ﴾ (٢) الآية . يدل أن الزوج إنما أبيح له أخذ الفدية إذا
خاف من كل واحد منهما ببغض صاحبه النقص في الواجب له عليه ،
قيل : هو خطاب لجميع المؤمنين ، وكان معلومًا أن المرأة إذا أظهرت
لزوجها البغضة ؛ لم يؤمن عليها النشوز والتقصير على حق زوجها ،
وإذا كان ذلك لم يؤمن من زوجها مثل ذلك من التقصير في الواجب
عليه، وروي عن ابن سيرين أنه قال : لا يحل للزوج الخلع حتى يجد
على بطنها رجلا ، وهذا خلاف الحديث .
واختلفوا في الخلع بأكثر مما أعطاها ، فقالت طائفة : لا يجوز له
الخلع بأكثر من صداقها . هذا قول عطاء وطاوس ، وكره ذلك ابن
المسيب والشعبي والحكم ، وقال الأوزاعي : كانت القضاة لا يجيزون
أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها . وبه قال أحمد وإسحاق ، قالوا :
وهو ظاهر حديث ثابت ؛ لأن امرأته إنما ردت عليه حديقته فقط ..
وقالت طائفة : يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها . وهو مذهب
عثمان بن عفان وابن عمر وقبيصة والنخعي ، وبه قال مالك و[أبو](٣)
(٢) البقرة : ٢٢٩ .
(١) في ((الأصل)): ثابت، والمثبت من (( هـ).
(٣) في (( الأصل)): أبي. والمثبت من (( هـ ).
- ٤٢٢ -

حنيفة والشافعي وأبو ثور ، وقال مالك : يجوز أن يأخذ منها أكثر مما
ساق إليها وليس [ من مكارم ] (١) الأخلاق ، قال: ولم أر أحداً
[ممن] (٢) يقتدى به يكره ذلك، وقد قال الله - تعالى -: ﴿فلا جناح
عليهما فيما افتدت به﴾ (٣) وقد نزع بهذه الآية قبيصة بن ذؤيب.
قال إسماعيل بن إسحاق : وقد احتج بهذه الآية من [ قال: ] (٤)
لا يجوز أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها . وليس كما ظن ، ولو قال
إنسان: لا تضربن فلانًا إلا أن تخاف منه شيئًا، فإن خفته فلا جناح
عليك فيما صنعت به لكان مطلقًا له أن يصنع به ما شاء .
ومعنى قول البخاري : وأجاز عثمان الخلع دون عقاص [ رأسها](٥)
يعني أن يأخذ منها كل ما لها إلى أن يكشف لها رأسها ويترك لها قناعها
وشبهه مما لا كثير قيمة له ، وقد قال عمر : اخلعها ولو من قرطها .
وأمّا قوله : باب الخلع وكيف الطلاق فيه . فاختلف العلماء في
البينونة بالخلع ، فروي عن عثمان وعلي وابن مسعود أن الخلع تطليقة
بائنة إلا أن تكون سميت ثلاثًا فهي ثلاث ، وهو قول مالك والثوري
[والكوفيين] (٦) والأوزاعي وأحد قولي الشافعي ، وقالت طائفة :
الخلع فسخ وليس بطلاق إلا أن ينويه . روي هذا عن ابن عباس
وطاوس وعكرمة ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور ، وهو أحد قولي
الشافعي ، واحتج في أنه ليس بطلاق ؛ لأنه مأذون فيه لغيره قبل العدة
بخلاف الطلاق ، قال ابن عباس : قال الله - تعالى - :
(١) في ((الأصل)): بمكارم. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): مما. والمثبت من (( هـ)).
(٣) البقرة : ٢٢٩ .
(٤) من (( هـ)).
(٥) فى ((الأصل)): شعرها. والمثبت من ((هـ)).
(٦) في ((الأصل، هـ)): الكوفيون . وما أثبتناه هو الصواب.
- ٤٢٣ -

﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (١) ثم قال: ﴿ فلا جناح
عليهما فيما افتدت به ﴾ (٢) ثم ذكر الطلاق بعد الفداء ، ولم يذكر في
الفداء طلاقًا، فلا أراه طلاقًا . واحتج من جعله طلاقًا بقوله في
الحديث: ((فردت الحديقة، وأمره بفراقها )) فصح أن فراق الخلع طلاق.
أ
[٣/ ق١٦٤-ب]
قال الطحاوي : / روي عن عمر وعلي أن الخلع طلاق ، وعن
عثمان وابن عباس أنه ليس بطلاق . قال : وأجمعوا أنه لو أراد به
الطلاق لكان طلاقًا ، ولما كان يقع به الفرقة عند الجميع بغير نية ؛
علم أنه ليس كالمكني الذي يحتاج إلى نية ، وعلم أنه طلاق .
وقال الشافعي : فإن قيل : فإذا جعلته طلاقًا فاجعل فيه الرجعة.
قيل له : لما أخذ من الطلقة عوضًا كان كمن ملك [ عوضًا بشيء](٣)
خرج من ملكه ، فلم يكن له رجعة فيما ملك عليه، فكذلك المختلعة.
وقوله : وأجاز عمر الخلع دون السلطان . فهو قول الجمهور إلا
الحسن وابن سيرين فإنهما قالا : لا يكون إلا عند السلطان . وقال
قتادة : إنما أخذه الحسن عن زياد . وقال الطحاوي : روي عن عثمان
وابن عمر جوازه دون السلطان ، وكما جاز النكاح والطلاق دون
السلطان كذلك الخلع .
باب : الشقاق وهل يشير بالخلع عند الضرورة
وقوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما ﴾ (٤) الآية
فيه : المسور ، قال النبي : ((إن بني المغيرة استأذنوني في أن ينكح علي
ابنتهم ، فلا آذن )) .
(١) البقرة : ٢٢٨ .
(٣) في ((الأصل)): عوض شيء. والمثبت من (( هـ)).
(٢) البقرة : ٢٢٩ .
(٤) النساء : ٣٥.
- ٤٢٤ -

قال المهلب : إنما حاول البخاري بإدخال حديث المسور في هذا
الباب أن يجعل قول النبي: ((فلا آذن)) خلعًا، ولا يقوى هذا
المعنى؛ لأنه قال في الحديث (( إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق
ابنتي)) فدل على الطلاق ، فإن أراد أن يستدل من دليل الطلاق [ على
الخلع فهو دليل على دليل ] (١) وذلك ضعيف وإنما فيه الشقاق
والإشارة بالطلاق من خوفه ، وفيه الحكم بقطع الذرائع ؛ لأنه تعالى
أمر ببعثه الحكمين عند خوف الشقاق قبل وقوعه .
وأجمع العلماء أن المخاطب بقوله تعالى : ﴿وإن خفتم شقاق
بينهما﴾ (٢) الحكام والأمراء، وأن قوله: ﴿إن يريدا إصلاحًا يوفق الله
بينهما﴾ (٢) يعني : الحكمين، وأن الحكمين لا يكونان إلا
[أحدهما] (١) من أهل الرجل ، والثاني من أهل المرأة إلا أن لا يوجد
من أهلهما من يصلح لذلك فيرسل من غيرهما ، وأن الحكمين إذا اختلفا
لم ينفذ قولهما وأن قولهما نافذ في الجمع بينهما بغير توكيل من الزوجين .
واختلفوا في الفرقة بينهما هل تحتاج إلى توكيل من الزوجين أم لا؟
فقال مالك والأوزاعي وإسحاق : يجوز قولهما في الفرقة والاجتماع
بغير توكيل من الزوجين ولا إذن منهما في ذلك . روي هذا عن عثمان
وعلي بن أبي طالب وابن عباس ، وعن الشعبي والنخعي . وقال
الكوفيون والشافعي : ليس لهما أن يفرقا إلا أن يجعل الزوج إليهما
التفريق ، وهو قول عطاء والحسن ، وبه قال أبو ثور وأحمد .
واحتج أبو حنيفة بقول علي للزوج: لا [ تبرح ] (٣) حتى ترضى بما
رضيت به. فدل أن مذهبه لا يفرقان إلا برضا الزوج، قالوا: والأصل
(١) من (( هـ).
(٢) النساء : ٣ .
(٣) في ((الأصل)): تتزوج. والمثبت من (( هـ).
- ٤٢٥ -

المجتمع عليه أن الطلاق بيد الزوج أو بيد من جعل ذلك إليه وجعله من
باب طلاق السلطان على المولى والعنين .
قال ابن المنذر : ولما كان المخاطبون بقوله تعالى: ﴿فابعثوا حكمًا
من أهله وحكمًا من أهلها﴾ (١) الحكام وأن ذلك إليهم ؛ دل على أن
التفريق إليهم ، ولو لم يكن كذلك ما كان للبعثة معنى .
وقال مالك في الحكمين يطلقان ثلاثًا قال : تكون واحدة ، وليس
لهما الفراق بأكثر من واحدة بائنة .
وقال ابن القاسم ؛ تلزمه الثلاث إن اجتمعا عليها على حديث زيد،
وقاله المغيرة وأشهب وابن الماجشون وأصبغ .
[ وقال ابن المواز ] (٢): إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بثلاث
فهي واحدة [وحكى ابن حبيب عن أصبغ أن ذلك ليس بشيء ] (٢).
باب : [ لا] (٣) يكون بيع الأمة طلاقًا
فيه : عائشة قالت : « كان في بريرة ثلاث سنّن : أنها أعتقت فخیرت
في زوجها ، وقال رسول الله : الولاء لمن أعتق ، ودخل رسول الله والبرمة
[١٦٥٥/٣-١) تفور باللحم ، فقرب إليه خبز / وأدم من أدم البيت ، فقال: ألم أر
البرمة فيها لحم ؟ قالوا : بلى ، ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة ،
وأنت لا تأكل الصدقة . قال : [ هو ] (٣) عليها صدقة ، ولنا هدية)) .
اختلف السلف هل يكون بيع الأمة وعتقها طلاقًا لها فروي عن عمر
ابن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص أنه لا يكون
ذلك طلاقًا لها ، وهو مذهب كافة الفقهاء .
(١) النساء : ٣٥ .
، (٢) من ( هـ)).
(٣) من ( هـ ، ن )
- ٤٢٦ -

وقالت طائفة : بيعها طلاق لها . روي ذلك عن ابن مسعود وابن
عباس وأبيّ بن كعب ، ومن التابعين : سعيد بن المسيب والحسن
ومجاهد ، واحتجوا بقوله : ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت
أيمانكم﴾ (١) قال : فحرم الله علينا المزوجات من النساء إلا إذا ملكتهن
أيماننا فهن حلال لنا ؛ لأن البيع لها حدوث ملك فيها فوجب أن يرتفع
حكم النكاح ، ويبطل [ دليله ] (٢) الأمة المسبية ذات الزوج .
وحجة الجماعة أن بيعها ليس بطلاق لها : أن بريرة عتقت فخيرت
في زوجها ، فلو كان طلاقها يقع ببيعها لم يخيرها رسول الله بعد
ذلك عند العتق ويقول لها : (( إن شئت أقمت تحته))، وأيضًا فإن هذا
عقد على منفعة فوجب ألا يبطله بيع الرقبة ، دليله إذا باع رقبة
مستأجرة؛ لأن النكاح عقد على منفعة والإجارة كذلك ، ثم إن البيغ لا
يبطل الإجارة كذلك لا يبطل النكاح وأيضًا فإن انتقال ملك رقبة أحد
الزوجين من مالك إلى مالك فوجب ألا يبطل النكاح ، دليله إذا بيع
الزوج ، ولما لم يمنع ملك البائع صحة النكاح كان ملك المبتاع مثله ؛
لأنه يقوم مقامه وهو فرع منه .
فإن قالوا : إن الأمة الحربية إذا كانت مزوجة فإنها إذا استرقت
تنتقل من ملك إلى ملك ومع هذا ينفسخ النكاح عندكم .
فالجواب : إن قلنا : لا ينفسخ على إحدى الروايتين كالحربية إذا
سبيت سقط سؤالهم ، وإن قلنا : ينفسخ على الرواية الأخرى ،
فالفرق بينهما أن الحربي لا يملك وإنما له شبهة ملك ، فإذا سبيت ملكها
المسبي ملكًا صحيحًا، فليس تنتقل من ملك صحيح، وليست كذلك
مسألتنا، ولا حجة لهم في الآية أنها نزلت في سبي أوطاس خاصة ،
(١) النساء : ٢٤ .
(٢) طمس بالأصل والمثبت من (( هـ)).
- ٤٢٧ -

وتحرج بعض أصحاب النبي من وطئهن خوفًا أن يكون لهن أزواج ،
فسألوا النبي عن ذلك فأنزل الله الآية ، فالمراد بها المسبيات إذا حضن
قبل أن يحضر أزواجهن أو يسلمن معًا ، فإنه يحل وطؤهن وإن كان
لهن أزواج [ مشركون ] (١) ، فأما إن أسلمن وأسلم أزواجهن معًا
فهن علی نكاحهن، وستأتي هذه المسألة في موضعها - إن شاء الله.
وفيه أن الناس على عهد النبي لم يكونوا يستنكرون هدية بعضهم
لبعض الطعام والشيء الذي يؤكل وما لا يعظم خطره ، والدليل على
ذلك قوله عليه السلام: ((لو أهدي إلي كراع لقبلت)) لأنه لم ينكر
من بريرة أن أهدت اللحم ولا أنكر قبول عائشة له .
وفيه أن من أهديت إليه هدية قلَّت أو كثرت ألا يردها ، فإن أطاق
المكافأة عليها فعل ، وإن لم يقدر على ذلك أثنى عليه بها وشكرها ؛
لما روي عن النبي في ذلك .
#
باب : خيار الأمة تحت العبد
فيه : ابن عباس قال: (( رأيته عبدًا - يعني: زوج بريرة )).
وقال مرة: (( ذلك مغيث عبد بني فلان أسود ، كأني أنظر إليه يتبعها
في سكك المدينة يبكي عليها)) .
أجمع العلماء أن الأمة إذا عتقت تحت عبد فإن لها الخيار في البقاء
معه أو مفارقته، ومعنى ذلك - والله أعلم- أنه لما كان العبد في حرمته
وحدوده [ وجميع أحكامه ] (٢) غير مكافئ للحرة وجب أن تخير تحته
إذا حدثت لها الحرية في عصمته ، وأيضًا فإنها حين وقعت العقدة
(١) في ((الأصل)): مشركين. والمثبت من (( هـ)).
.(٢) من ( هـ )
- ٤٢٨ -

عليها لم تكن من أهل الاختيار لنفسها ، فجعل لها ذلك حين صارت
أكمل حرمة من زوجها .
قال المهلب : وأصل هذا في كتاب الله وهو قوله : ﴿ومن لم
يستطع منكم طولا﴾ (١) الآية.
فكان اشتراط الله - تعالى - في جواز نكاح الأحرار الإماء عدم
الطول إلى الحرة ؛ وجب مثله في العبد أن لا يتطاول إلى حرة / بعد (٣/ ق ١٦٥ -ب]
أن وجدت سبيلاً إلى حر إلا برضاها .
واختلفوا في وقت خيار الأمة إذا أعتقت فروي عن ابن عمر وأخته
حفصة أن لها الخيار ما لم يمسّها زوجها ، وهو قول مالك وأحمد بن
حنبل ، علمت أو لم تعلم .
وقالت طائفة : لها الخيار وإن أصيبت ما لم تعلم ، فإذا علمت ثم
أصابها فلا خيار لها . هذا قول عطاء والحكم وسعيد بن المسيب ،
وهو قول الثوري ، قال الثوري: هو أن تحلف ما وقع عليها وهي تعلم
أن لها الخيار فإن حلفت خيرت . وكذلك قال الأوزاعي وإسحاق ،
وقال الشافعي : إن ادعت الجهالة لها الخيار ، وهو أحب إلينا .
وفي هذا الحديث ما يبطل أن يكون خيارها على المجلس ؛ لأن
مشيها في المدينة لم يبطل خيارها ، وقد روى قتادة ، عن عكرمة ،
عن ابن عباس قال: (( والله لكأني أنظر إلى زوج بريرة في طرق
المدينة ، وإن دموعه لتنحدر على لحيته يتبعها يترضاها لتختاره فلم
تفعل)) ومثل هذا في حديث زبراء: (( أنها كانت تحت عبد فعتقت ،
فسألت حفصة - أمّ المؤمنين - فقالت : إن أمرك بيدك ما لم يمسك
زوجك ، فقالت : هو الطلاق ثلاثًا ففارقته )) رواه مالك عن ابن
شهاب عن عروة بن الزبير.
(١) النساء : ٢٥ .
- ٤٢٩ -

وفي حديث بريرة حجة لمن قال : لا خيار للأمة إذا عتقت تحت
الحر ؛ لأن خيارها إنما وقع من أجل كونه عبدًا . وقد روى أهل
العراق، عن الأسود، عن عائشة: (( أن زوج بريرة كان حرا» ..
واختلف العلماء في الأمة إذا أعتقت تحت الحر ، فروي عن ابن
عباس وابن عمر أنه لا خيار لها ، وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب
والحسن وابن أبي ليلى ، وبه قال مالك والأوزاعي والليث والشافعي
وأحمد وإسحاق .
وقالت طائفة : لها الخيار حرا كان زوجها أو عبدًا . روي ذلك عن
الشعبي والنخعي وابن سيرين ، وهو قول الثوري والكوفيين وأبي
ثور، واحتجوا برواية الأسود عن عائشة: ((أن زوجها كان حرا))
وقالوا: الأمة لا رأي لها في إنكاح مولاها ؛ لإجماعهم أنه يزوجها
بغير إذنها، فإذا عتقت كان لها الخيار الذي لم يكن لها حال العبودية.
وحجة من قال: لا خيار لها تحت الحر . أنها لم تحدث لها حال
ترتفع به عن الحر فكأنهما لم يزالا حرين ولم ينقص حال الزواج عن
حالها ، ولم يحدث به عيب فلم يكن لها خيار ، وقد أجمع العلماء
أنه لا خيار لزوجة العنين إذا ذهبت العلة قبل أن يقضى بفراقه لها ،
وكذلك سائر العيوب زوالها ينفي الخيار ، وأمّا رواية الأسود عن
عائشة فقد عارضها من هو ألصق بعائشة وأقعد بها من الأسود
و[هو](١) القاسم بن محمد وعروة بن الزبير رويا عن عائشة أنه كان
عبدًا، والأسود كوفي سمع منها من وراء حجاب ، وعروة والقاسم
كانا يسمعان منها بغير حجاب ؛ لأنها خالة عروة وعمة القاسم ، فهما
أقعد بها من الأسود .
(١) في ((الأصل)): ذلك. والمثبت من ((هـ)).
- ٤٣٠ -

قال ابن المنذر : ورواية اثنين أولى من رواية واحد مع رواية ابن
عباس من الطرق الثابتة أنه كان عبداً .
*
باب : شفاعة النبي في زوج بريرة
فيه : ابن عباس: (( أن زوج بريرة كان عبدًا يقال له : مغيث ، كأني
أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته ، فقال النبي
لعباس : يا عباس ، ألا تعجب من حبّ مغيث بريرة ومن بغض بريرة
مغيئًا ؟ ! . فقال النبي : لو راجعتيه. قالت: يا رسول الله ، تأمرني ؟ قال:
إنما أشفع . قالت : لا حاجة لي فيه )).
قال الطبري : فيه من الفقه جواز استشفاع العالم والخليفة في
الحوائج والرغبة إلى أهلها في الإسعاف لسائلها ، وأن ذلك من مكارم
الأخلاق، وقد قال النبي: (( اشفعوا تؤجروا ، ويقضي الله على
لسان رسوله ما شاء)) وهذا يدل أن الساعي في ذلك مأجور وإن لم
تنقض الحاجة .
وفيه من الفقه أنه لا حرج على إمام المسلمين وحاكمهم إذا اختصم
إليه خصمان في حق وثبت الحق على أحدهما ، إذا سأله الذي ثبت
الحق عليه أن يسأل من ثبت ذلك له تأخير حقه أو وضعه / عنه، وأن [٣/ ق ١٦٦-١)
يشفع له في ذلك إليه . وذلك أن النبي شفع إلى بريرة وكلمها بعدما
خيرها وأعلمها ما لها من الخيار فقال: ((لو راجعتيه)).
وفيه من الفقه أن من سئل من الأمور ما هو غير واجب عليه فعله ،
فله ردّ سائله وترك قضاء حاجته ، وإن كان الشفيع سلطانًا أو عالمًا أو
شريفًا ؛ لأن النبي - عليه السلام - لم ينكر على بريرة ردها إياه فيما
- ٤٣١ -

شفع فيه ، وليس أحد من الخلق أعلى رتبة من النبي -عليه السلام-،
فغيره من الخلق أحرى ألا يكون منكرًا رده فيما شفع فيه .
وفيه من الفقه أن بغض الرجل للرجل المسلم على وجه كراهة قربه
والدنو منه على غير وجه العداوة له ولكن ( اختيار التبعد ) (١) منه
لسوء خلقه وخبث عشرته وثقل ظله ، أو لغير ذلك مما يكره الناس
بعضهم من بعض جائز ، كالذي ذكر من بغضة امرأة ثابت بن قيس بن
شماس له ، مع مكانه من الدين والفضل لغير بأس ؛ لكن لدمامة
خلقه وقبحه حتى افتدت منه ، وفرق بينهما النبي ، ولم ير أنها أتت
مأثمًا ولا ركبت معصيةً ؛ بذلك بل عذرها وجعل لها مخرجًا من
المقام معه وسبيلا إلى فراقه والبعد منه ، ولم يذمها على بغضها له على
قبحه وشدة سواده ، وإن كان ذلك جبلة وفطرة خلق عليها ، فالذي
يبغض على ما في القُدرة تركه من قبيح الأحوال ومذموم العشرة أولى
بالعذر وأبعد من الذم .
وفيه من الفقه أنه لا بأس بالنظر إلى المرأة التي يريد خطبتها وإظهار
رغبته فيها ، وذلك أنه عليه السلام لم ينكر على زوج بريرة وقد
اختارت نفسها وبانت منه اتباعه إياها في سكك المدينة باكيًا على
فراقها، وإن ظن أحد أن ذلك كان قبل اختيار بريرة نفسها فقوله عليه
السلام: ((لو راجعتيه)) يدل أن ذلك كان بعد بينونتها ، ولو كان قبل
بينونتها لقال لها : لو اخترتيه .
ولا خلاف بين الجميع أن المملوكة إذا عتقت وهي تحت زوج ،
فاختارت نفسها ؛ أنها لا ترجع إلى الزوج الذي كانت تحته إلا بنكاح
جديد ، غير النكاح الذي كان بينها وبينه قبل اختيارها نفسها ، فعلم
(١) في (( هـ)) : اختيارًا للتبعد .
- ٤٣٢ -

أن قوله عليه السلام: ((لو راجعتيه)) معناه: غير الرجعة التي تكون
بين الزوجين في طلاق يكون للزوج فيه الرجعة ولو كان ذلك معناه
لكان ذلك إلى زوج بريرة دونها ، ولم يكن لزوجها حاجة أن يستشفع
برسول الله في أن تراجعه .
وفيه أنه لا حرج على مسلم في هوى امرأة مسلمة وحبه لها ظهر
ذلك منه أو خفي ولا إثم عليه في ذلك ، وإن أفرط فيه ما لم يأت
محرماً وذلك أن مغيثًا كان يتبع بريرة بعد ما بانت منه في سكك المدينة
مبديًا لها ما يجده من نفسه من فرط الهوى وشدة الحب ، ولو كان
هذا قبل اختيارها نفسها لم يكن عليه السلام يقول لها: (( لو راجعتيه ))
لأنه لا يقال لامرأة في حيال رجل وملكه بعصمة النكاح : لو
راجعتيه. وإنما يسئل المراجعة المفارق لزوجته ، وإذا صح ذلك فغير
مَلوم من ظهر منه فرط هوى امرأة يحل له نكاحها نكحته بعد ذلك
أم لا ، ما لم يأت محرمًا ولم يغش مأئمًا .
وفيه أنه من بانت منه زوجته بخلع أو فدية مما تكون المرأة فيه أولى
بنفسها من زوجها ولا رجعة له عليها أنه يجوز له خطبتها في عدتها
ولا بأس على المرأة في إجابته إلى ذلك ؛ لأنه عليه السلام شفع إلى
بريرة وخطبها على زوجها الذي بانت منه تصريح الخطبة التي هي
محظورة في العدة ، ولو أن غيره كان الراغب فيها لما جاز له التصريح
بالخطبة .
باب : قول الله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات ... ﴾ (١) الآية
فيه: ابن عمر: (( كان إذا سئل عن نكاح النصرانية واليهودية قال : إن
(١) البقرة : ٢٢١ .
- ٤٣٣ -

الله حرم [ المشركات على المؤمنين ] (١) ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكثر
[٣/ ٥ ١٦٦ -ب) من أن تقول المرأة : ربها عيسى. وهو عبد من / عباد الله)) .
وذهب جمهور العلماء إلى أن الله - تعالى - حرم نكاح المشركات
بقوله تعالى : ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ (٢) ثم استثنى من
هذه الجملة نكاح نساء أهل الكتاب فأحلهن في سورة المائدة في قوله :
﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ (٣) وبقي سائر المشركات على"
أصل التحريم . قال أبو عبيد : روي هذا القول عن ابن عباس وبه
جاءت الآثار عن الصحابة والتابعين وأهل العلم بعدهم أن نكاح
الكتابيات حلال ، وبه قال مالك والأوزاعي والثوري و[ الكوفيون ](٤)
والشافعي وعامة الفقهاء . وقال غيره : ولا يروى خلاف ذلك إلا عن
ابن عمر أنه شذ عن جماعة الصحابة والتابعين ولم يجز نكاح اليهودية
والنصرانية وخالف ظاهر قوله : ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا
الكتاب﴾(٣) ولم يلتفتْ أحد من العلماء إلى قوله.
قال أبو عبيد : والمسلمون اليوم على الرخصة في نساء أهل الكتاب
ويرون أن التحليل هو الناسخ للتحريم ، فقد تزوج عثمان بن عفان
بنائلة بنت الفرافضة الكلبية - وهي نصرانية - تزوجها على نسائه ،
وتزوج طلحة بن عبيد الله يهودية ، وتزوج حذيفة يهودية وعنده حرتان
مسلمتان . وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه كان يأمر بالتنزه عنهن
من غير أن يحرمهن .
قال أبو عبيد : حدثنا محمد بن يزيد، عن الصلت بن بهرام ، عن
:
(١) في ((الأصل)): نكاح المشركات على المؤمنات، والمثبت من ( هـ، ن)) ..
(٣) المائدة : ٥ .
(٢) البقرة : ٢٢١ .
(٤) في ((الأصل)): الكوفيين. والمثبت من (( هـ)).
-
- ٤٣٤ -

شقيق بن سلمة قال : (( تزوج حذيفة يهودية ، فكتب إليه عمر : أن
خل سبيلها . فقال : أحرام هي ؟ فكتب إليه عمر : لا ، ولكن
أخاف أن تواقعوا المومسات منهم )) يعني : الزواني فيرى أن عمر ذهب
إلى قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ (١).
فنقول : إن الله - تعالى - إنما شرط العفائف منهن ، وهذه لا
يؤمن أن تكون غير عفيفة . والذي عليه جماعة الفقهاء في قوله :
﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ (٢) أن المراد بالآية تحريم الوثنيات
والمجوسيات وأنه لم ينسخ تحريمهن كتاب ولا سنة .
وشذ أبو ثور عن الجماعة فأجاز مناكحة المجوس وأكل ذبائحهم
وهو محجوج بالجماعة والتنزيل . وأما الحربيات فروى مجاهد عن ابن
عباس أنه قال: (( لا يحل [ نكاح ] (٣) نساء أهل الكتاب إذا كانوا
حربًا ، وتلا قوله تعالى : ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم
الآخر ... ﴾ (٤) الآية . وبه قال الثوري ، واتفق مالك وأبو حنيفة
وأصحابه [ والشافعي ] (٣) أن نكاح الحربيات في دار الحرب حلال
[إلا أنهم ] (٥) كرهوا ذلك من أجل أن المقام له ولذريته في دار الحرب
حرام عليه ؛ لئلا يجري عليه وعلى ولده حكم أهل الشرك .
واختلفوا في نكاح إماء أهل الكتاب ، فقال مالك والليث
والأوزاعي والشافعي : لا يحل نكاح أمة يهودية ولا نصرانية ؛ لقوله
تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ﴾ (١) قال : فهن
الحرائر من اليهوديات والنصرانيات . وقال : ﴿ومن لم يستطع منكم
(١) المائدة : ٥ .
(٢) البقرة : ٢٢١ .
(٣) من (( هـ).
(٤) التوبة : ٢٩ .
(٥) في (( الأصل: لأنهم. والمثبت من (( هـ ).
- ٤٣٥ -

طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم
المؤمنات ﴾ (١) [ فقال مالك: وإنما أحل نكاح الإماء المؤمنات] (٢)
ولم يحلل نكاح إماء أهل الكتاب .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا بأس بنكاح إماء أهل الكتاب ؛
لأن الله قد أحل الحراثر منهن والإماء تبع لهن . والحجة [ عليهم ] (٣)
نص التنزيل الذي احتج به مالك .
وأجمع أئمة الفتوى أنه لا يجوز وطء أمة مجوسية بملك اليمين .
وأجاز ذلك طائفة من التابعين وقالوا : لأن سبي أوطاس وطئن ولم
يسلمن . وقد تقدم رد هذا القول في كتاب الجهاد فأغنى عن إعادته .
باب : نكاح من أسلم من المشركات وعدتهن
فيه : ابن عباس: ((كان المشركون على منزلتين من النبي - عليه
السلام - والمؤمنين ، كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه ،
ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه ، فكان إذا هاجرت
[امرأة] (٤) من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر ، فإذا طهرت
حل لها النكاح / ، فإن هاجر زوجها قبل أن تنکح ردت إلیه ، وإن هاجر.
عبد منهم أو أمة فهما حران ولهما ما للمهاجرين ، ثم ذكر من أهل
العهد مثل ذلك . فإن هاجر عبد أو أمة للمشركين أهل العهد لم يردوا
وردت أثمانهم )) .
[٣/ ق١٦٧-١]
وقال عطاء لابن عباس: ((كانت قريبة ابنة أبي أمية عند عمر بن الخطاب
(١) النساء : ٢٥ .
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): لهم. وهو تحريف، والمثبت من ((هـ)).
(٤) في (( الأصل)): امرأته. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ، ن).
- ٤٣٦ -
.-

فطلقها فتزوجها معاوية بن أبي سفيان - وكانت أم الحكم ابنة أبي سفيان
تحت عياض بن غنم الفهري فطلقها فتزوجها عبد الله بن عثمان الثقفي)).
قال المؤلف : إذا أسلمت المشركة وهاجرت إلى المسلمين فقد وقعت
الفُرقة بإسلامها بينها وبين زوجها الكافر عند جماعة الفقهاء ، ووجب
استبراؤها بثلاث حيض ثم بذلك تحل للأزواج . هذا قول مالك
والليث والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي .
وقال أبو حنيفة : إذا خرجت الحربية إلينا مسلمة ولها زوج كافر في
دار الحرب ؛ فقد وقعت الفرقة ولا عدة عليها ، وإنما عليها استبراء
رحمها بحيضة ، واعتل بأن العدة إنما تكون في طلاق ، وإسلامها
فسخ وليس بطلاق . قالوا : وهذا تأويل حديث ابن عباس: (( أنه إذا
هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر )) أن
المراد بذلك الاستبراء ، وتأويل هذا عند مالك والليث ومن وافقهما
ثلاث حيض ؛ لأنها قد حصلت بالهجرة من جملة الحرائر المسلمات ،
ولا براءة لرحم حرة بأقل من ثلاث حيض .
وأكثر العلماء على أن زوجها إن هاجر مسلمًا قبل انقضاء عدتها أنه
أحق بها، وسيأتي اختلافهم في ذلك في الباب بعد هذا - إن شاء الله .
واتفقوا أن الأمة إذا سبيت أن استبراءها حيضة .
وأما قوله: ((وإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران )) فهذا في
أهل الحرب ، وأما أهل العهد فيرد إليهم الثمن عوضًا منهم ؛ لأنه
لا يحل للمشركين تملك المسلمين ، فيكون وزن الثمن فيهم من باب
فداء أسرى المسلمين ، وإنما لم يجز تملك العبد والأمة إذا هاجرا
مسلمين من أجل ارتفاع العلة الموجبة الاسترقاق المشركين ، وهي وجود
الكفر فيهم ، فإذا أسلموا قبيل القدرة عليهم وقبيل الغلبة لهم وجاءونا
- ٤٣٧ -

مسلمين كان حكمهم حكم من هاجر من مكة إلى المدينة في تمام حرمة
الإسلام و[الحرية] (١) إن شاء الله.
باب : إذا أسلمت المشركة أو النصرانية
تحت الذمي أو الحربي
وقال ابن عباس : إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت
عليه. وسئل عطاء عن امرأة من أهل العهد أسلمت ثم أسلم زوجها في
العدة ، أهي امرأته ؟ قال : لا ، إلا أن تشاء بنكاح جديد وصداق .
وقال مجاهد : إذا أسلم في العدة يتزوجها . قال الله تعالی : ﴿ لا هن
حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ (٢).
وقال الحسن وقتادة في مجوسيين أسلما : هما على نكاحهما فإذا سبق
أحدهما وأبى الآخر بانت ، لا سبيل له عليها .
وقال ابن جريج: قلت لعطاء : امرأة من المشركين جاءت إلى
المسلمين، أيعاض زوجها منها؟ لقوله تعالى: ﴿وآتوهم ما أنفقوا﴾(٢)
قال : لا، إنما كان ذلك بين النبي وبين أهل العهد . وقال مجاهد : هذا
کله في صلح بين النبي وبین قریش .
فيه: عائشة: ((كان المؤمنات إذا هاجرن إلى النبي يمتحنهن ؛ بقوله
تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات
فامتحنوهن﴾ (٢) فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات فقد أقر بالمحنة ،
فكان رسول الله إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله : انطلقن
(١) في ((الأصل)): الجزية، والمثبت من ((هـ)).
(٢) الممتحنة : ١٠.
- ٤٣٨ -

فقد بايعتكن ، لا والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط غير أنه بايعهن
بالكلام ، ووالله ما أخذ النبي على النساء إلا بما أمره الله ، بقوله لهن إذا
أخذ عليهن : قد بايعتكن كلامًا )) .
الذي ذهب إليه ابن عباس وعطاء في هذا الباب أن إسلام النصرانية
قبل زوجها فاسخ لنكاحها لعموم قوله تعالى : ﴿ لا هن حل لهم ولا
هم يحلون لهن﴾ (١) فلم يخص وقت العدة من غيره. وقال ابن
عباس: إن الإسلام يعلو ولا يعلى، لا يعلو / النصراني المسلمة. [١٦٧٥/٣ -ب]
وروي مثله عن عمر بن الخطاب وهو قول طاوس وإليه ذهب أبو ثور.
وقالت طائفة : إذا أسلم في العدة يتزوجها . هذا قول مجاهد
وقتادة، وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد.
وقالت طائفة : إذا أسلمت عرض على زوجها الإسلام فإن أسلم
فهما على نكاحهما ، وإن أبى أن يسلم فرق الإمام بينهما . هذا قول
الزهري والثوري ، وبه قال أبو حنيفة إذا كان في دار الإسلام ، وأما
إن كانا في دار الحرب ثم أسلمت ، ثم خرجت إلى دار الإسلام فقد
بانت منه بافتراق الدارين . وفيها قول آخر يروى عن عمر بن الخطاب
أنه خير نصرانية أسلمت وزوجها نصراني إن شاءت فارقته وإن شاءت
أقامت معه . قال ابن المنذر : والقول الأول عندي أصح الأقاويل.
قال المؤلف : وإليه أشار البخاري في قوله : ﴿ لا هن حل لهم ولا
هم يحلون لهن ﴾ (١) يعني : ما دام الزوج كافراً .
قال ابن المنذر : وأجمع عوام أهل العلم على أن النصرانيين إذا
أسلم الزوج قبل امرأته أنهما على نكاحهما ؛ إذ جائز أنه يبتدئ
(١) الممتحنة : ١٠ .
- ٤٣٩ -
٠٠

نكاحها لو لم تكن له زوجة ، وكذلك أجمعوا أنهما لو أسلما معًا
أنهما على نكاحهما .
وأما قول الحسن وقتادة أن الوثنيين إذا أسلما معًا أنهما على
نكاحهما، فهو إجماع من العلماء .
واختلفوا إذا سبق أحدهما الآخر بالإسلام ، فقالت طائفة : تقع
الفرقة بإسلام من أسلم منهما . وقاله غير الحسن وقتادة وعكرمة.
والحسن وطاوس وعطاء ومجاهد .
وقالت طائفة : إذا أسلم المتخلف منهما عن الإسلام قبل انقضاء
عدة المرأة فهما على النكاح . هذا قول الزهري والشافعي وأحمد
وإسحاق ، ولم يراعوا من سبق بالإسلام إذا اجتمع إسلامهما في
العدة كما كان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل أحق بزوجتيهما لما
أسلما في العدة . واحتج الشافعي بأن أبا سفيان بن حرب أسلم قبل
امرأته هند - وكان إسلامه بمر الظهران ثم رجع إلى مكة وهند بها
كافرة ثم أسلمت بعد أيام فقرا على نكاحهما في الشرك ؛ لأن عدتها
لم تنقض ، وكذلك حكيم بن حزام أسلم قبل امرأته ثم أسلمت بعده
فكانا على نكاحهما .
٠٠
وقال مالك والكوفيون : إذا أسلم الرجل منهما قبل امرأته تقع
الفرقة بينهما في الوقت إذا عرض عليها الإسلام [ فلم تسلم ] (١) .
واحتج مالك بقوله : ﴿ ولا تمسكوا بعصم الکوافر ﴾ (٢) فلا يجوز
التمسك بعصمة المجوسية ؛ لأن الله لم يرد بالكوافر في هذه الآية أهل
الكتاب بدليل إباحة تزويج نساء أهل الكتاب، فلما كانت المجوسية غير
(١) من (( هـ ).
(٢) الممتحنة : ١٠ .
- ٤٤٠ -