Indexed OCR Text

Pages 401-420

فأتت النبي - عليه السلام - فقالت : يا رسول الله ، إن زوجي طلقني
وإني تزوجت زوجًا غيره ، فدخل بي ولم يكن معه إلا مثل الهدبة ، فلم
يقربني إلا هنةً واحدةً ولم يصل مني إلى شيء ، أفأحل لزوجي الأول ؟
فقال رسول الله : لا تحلين لزوجك الأول حتى يذوق الآخر عسيلتك
وتذوقي عسیلته )) .
اختلف العلماء فيمن قال لامرأته: (( أنت علي حرام )) على ثمانية
أقوال سوى اختلاف قول مالك ، فقالت طائفة : هي ثلاث ولا يسئل
عن نيته ، روي هذا عن علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن
عمر، وبه قال الحسن البصري في روايته والحكم بن عتيبة وابن أبي
ليلى ومالك ، وروي عن مالك وأكثر أصحابه فيمن قال لامرأته قبل أن
يدخل بها: (( أنت علي حرام)» أنها ثلاث إلا أن يقول : نويت
واحدة. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة : هي واحدة ، إلا أن يقول :
أردت ثلاثًا . وقال عبد الملك : لا ينوي فيها ، وهي ثلاث على كل
حال كالمدخول بها .
وقول آخر قاله سفيان : إن نوى ثلاثًا فهي ثلاث ، وإن نوى واحدةٌ
فهي واحدة بائنة ، وإن نوى [ يمينًا ] (١) فهي يمين يكفرها ، وإن لم
ينو فرقةً ولا يمينًا فهي كذبة .
وقول آخر نحو [ قول ] (٢) الثوري قاله أبو حنيفة وأصحابه غير
أنهم قالوا : إن نوى اثنتين فهي واحدة ، وإن لم ينو طلاقًا فهي يمين
وهو مؤل .
وقول آخر روي عن ابن مسعود : إن نوى طلاقًا فهي تطليقة وهو
(١) في ((الأصل)): يمين. والمثبت من (( هـ)).
(٢) سقط من ((الأصل)). والمثبت من (( هـ)).
- ٤٠١ -

أملك بها ، وإن لم ينو طلاقًا فهي يمين يكفرها ، وعن ابن عمر مثله،
وبه قال النخعي وطاوس .
وقال الشافعي: ليس قوله: (( أنت علي حرام )) بطلاق حتى
ينويه؛ فإن أراد الطلاق فهو على ما أراد من الطلاق، وإن قال : أردت
تحريمًا بلا طلاق ؛ كان عليه كفارة يمين ، قال الشافعي: وليس بمؤل .
[ وقول ] (١) آخر عن ابن عباس : من قال لامرأته : أنت حرام .
لزمته كفارة الظهار . وهو قول أبي قلابة وسعيد بن جبير ، وبه قال
أحمد بن حنبل ، واحتج ابن عباس بقوله تعالى : ﴿ يا أيها النبي لم
تحرم ما أحل الله لك ﴾ (٢) ثم قال: عليه أغلظ الكفارات عتق رقبة .
وقول آخر : أن الحرام يمين تكفر . روي ذلك عن أبي بكر الصديق
وعمر بن الخطاب ، وابن مسعود وعائشة ، وابن عباس وسعيد بن
المسيب ، وعطاء وطاوس وجماعة ، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور ،
واحتج أبو ثور بأن الحرام ليس من ألفاظ الطلاق بقوله : ﴿ يا أيها
النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ (٢) ولم يوجب به طلاقًا، وكان حرّم.
على نفسه مارية، ثم قال: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ (٣)
والقول الثامن : أن تحريم المرأة كتحريم الماء ليس بشيء ، ولا فيه
كفارة ولا طلاق [ لقوله ] (٤) تعالى: ﴿ لا تحرموا طيّبات ما أحل الله
لكم﴾ (٥) روي ذلك عن الشعبي ومسروق وأبي سلمة ، قال مسروق:
ما أبالي حرمت امرأتي أو جفنة من ثريد . وقال الشعبي : أنت علي
حرام أهون من نعلي . وقال أبو سلمة : ما أبالي حرمتها أو حرمت
الفرات . وهذا القول شذوذ وعليه بوب البخاري هذا الباب .
(١) فى ((الأصل، هـ)): وقال وما أثبتناه هو الصواب.
(٣) التحريم : ٢ .
(٥) المائدة : ٨٧ .
(٢) التحريم : ١ .
(٤) في ((الأصل)): بقوله. والمثبت من ((هـ)).
- ٤٠٢ -

وذهب إلى أن من حرم زوجته أنها ثلاث ، والحجة لذلك إجماع
العلماء أن من طلق امرأته ثلاثًا أنها تحرم عليه ، فلما كانت الثلاث
تحريمًا كان التحريم ثلاثًا ، وإلى هذه الحجة أشار البخاري في حديث
رفاعة ؛ لأنه طلق امرأته وبت طلاقها فلم تحل له إلا بعد زوج ،
فحرمت عليه مراجعتها بالثلاث تطليقات ، فكذلك من حرم على نفسه
امرأته كان كمن طلقها ثلاثًا . ومن قال : تلزمه كفارة الظهار . فليس
بالبين ؛ لأن الله إنما جعل كفارة الظهار للمظاهر خاصّة .
وقال الطحاوي : من قال : تلزمه كفارة الظهار . كان / محمولا [١٦٠٥/٣-ب]
على أنه إن أراد [ الظهار ] (١) كان ظهاراً، وإن أراد اليمين كان يمينًا
مغلظةً على ترتيب كفارة الظهار : عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين
أو إطعام ستين مسكينًا .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : لا يكون ذلك ظهاراً وإن
أراده . وأما قول الحسن في الحرام : له نيته . فهي رواية أخرى ذكرها
عبد الرزاق ، عن معمر، عن عمرو، عن الحسن قال: إن نوى طلاقًا
فهي طلاق ، وإلا فهي يمين . وهو قول ابن مسعود وابن عمر .
باب : لم تحرم ما أحل الله لك
فيه : ابن عباس قال: ((إذا حرّم امرأته ليست بشيء ، وقال: ﴿لقد
كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٢).
فيه: عائشة: (( أن النبي كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب
عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي فلتقل: إني
(١) في (( الأصل: ظهارًا. والمثبت من (( هـ)).
(٢) الأحزاب : ٢١ .
- ٤٠٣ -

أجد منك ریح مغافیر ، أكلت مغافیر ؟ فدخل علی إحداهما ، فقالت له
ذلك ، فقال : لا ، بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ، ولن أعود
له. فنزلت: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ إلى ﴿ إن تتوبا
إلى الله﴾ (١) لعائشة وحفصة ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه﴾ (٢)
بقوله: بل شربت عسلا )) .
أمّا ما ذكره البخاري عن ابن عباس أنه قال : إذا حرم الرجل امرأته
فليس بشيء . يعني ؛ فليس بتحريم مؤبد ، وعليه كفارة يمين ؛ روى
يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : إذا حرم الرجل
امرأته فهي يمين يكفرها ، أما لكم في رسول الله أسوة حسنة ؟ وروي
عنه أن عليه كفارة الظهار ، وقد تقدم [ ذلك ] (٣) في الباب قبل
هذا، وتقدم فيه مذاهب الفقهاء في هذه المسألة .
وقال الطحاوي : روي في قوله تعالى: ﴿لم تحرم ما أحل الله.
لك﴾ (٤) أن النبي قال : لن أعود لشرب العسل . ولم يذكر يمينًا ،
فالقول هو الموجب للكفارة إلا أنه يوجب أن يكون قد [ كان ] (٣)
هناك یمین ؛ لقوله تعالى : ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ (٥) فدل.
هذا أنه حلف مع ذلك التحريم . وقال زيد بن أسلم في هذه الآية :
إنه حلف عليه السلام ألا يطأ مارية أمّ ولده ، ثم قال بعد ذلك : هي
حرام . ثم أمره الله فكفر ، فكانت كفارته ليمينه لا لتحريمه .
قال ابن المنذر : والأخبار دالة على أن النبي كان حرّم على نفسه
شربةً من عسل وحلف على ذلك فإنما لزمته الكفارة ليمينه لا لتحريمه
ما أحلّ الله له ، فلا حجة لمن أوجب فيه كفارة يمين .
(١) التحريم: ١ - ٤ .
(٤) التحريم : ١ .
(٣) من (( هـ ))
(٢) التحريم : ٣.
(٥) التحريم : ٢ .
- ٤٠٤ -

قال المهلب : قوله تعالى : ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله
لك﴾(١) هذا فيما لم يشرع فيه التحريم من المطاعم وغيرها والإماء،
وأما الزوجات فقد شرع الله التحريم فيهن بالطلاق ، وبألفاظ أخر مثل
الظهار وغيره ، فالتحريم فيهن بأي لفظ فُهم أو عبر عنه لازم ؛ لأنه
مشروع ، وغير ذلك من الإماء والأطعمة والأشربة ، وسائر ما يملك
ليس فيه شرع على التحريم [ بل التحريم فيه منهي عنه ؛ لقوله تعالى:
﴿لم تحرم] (٢) ما أحل الله لك﴾ (١) وهذه نعمة أنعم الله بها على
محمد وأمته بخلاف ما كان في سائر الأديان .
ألا ترى أن إسرائيل حرم على نفسه أشياءً ، وكان نص القرآن يعطي
أن من حرم على نفسه شيئًا أن ذلك التحريم يلزمه ، وقد أحلّ الله
ذلك الإلزام إذا كان يمينًا بالكفارة ، فإن لم يكن بيمين لم يلزم ذلك
التحريم إنعامًا من الله علينا وتخفيفًا عنا .
وكذلك ألزمنا كل طاعة جعلناها لله على أنفسنا كالمشي إلى بيت الله
[ الحرام ] (٣) ومسجد الرسول و[مسجد ] (٣) إيلياء وجهاد الثغور
والصوم وشبه ذلك ألزمنا هذا ؛ لما فيه لنا من المنفعة ، ولم يلزم ما
حرمناه على أنفسنا ، ألا ترى قوله تعالى: ﴿ لم تحرم ما أحل الله لك
تبتغي مرضات أزواجك﴾ (١) فلم يجعل الله - تعالى - لنبيه - عليه
السلام - أن يحرم إلا ما حرم الله ﴿ والله غفور رحيم ﴾ (١) أي : قد
غفر الله لك ذلك التحريم .
وفيه من الفقه أن إفشاء السّر وما تفعله [ المرأة ] (٣) مع زوجها ذنب
ومعصية تجب التوبة منه ؛ لقوله: ﴿إن تتوبا إلى الله ﴾ (٤)
(١) التحريم : ١ .
(٢) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): منهيا عنه لقوله ..
(٣) من (( هـ )).
(٤) التحريم : ٤ .
- ٤٠٥ -

ويحتمل أن يتوبا إلى الله من هذا الذنب ومن التظاهر عليه في الغيرة
والتواطؤ على منعه ما كان يناله من ذلك الشراب .
وفيه دليل أن ترك أكل الطيبات لمعنى من معاني الدنيا لا يحل ، وإن
[٠/٢ ١٦١-) كان / ورعًا وتأخيرًا لها إلى الآخرة كان محمودًا.
والمغافير : شبيه بالصمغ تكون في الرمث فيه حلاوة تطيب نكهة
آكله ، يقال : أغفر الرمث إذا ظهر فيه ، واحدها : مغفور .
وقال صاحب العين : جرست النحل العسل تجرسه جرسًا وهو
لحسها إياها .
والعرفط شجر العضاة ، والعضاة كل شجر له شوك ، وإذا استيك
به كانت له رائحة حسنة تشبه رائحة طيب النبيذ .
باب : قول الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم
المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ (١) الآية
وقال ابن عباس : جعل الله الطلاق بعد النكاح . يروى في ذلك عن
علي بن أبي طالب وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير وأبي بكر
بن عبد الرحمن ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبان بن عثمان ، وعلي
بن حسین ، وشریح وسعيد بن جبير ، وطاوس والحسن، وعكرمة وعامر
بن سعد ، وجابر بن زيد وسالم ، ونافع بن جبير ومحمد بن کعب ،
وسليمان بن يسار ومجاهد، والقاسم بن عبد الرحمن وعمرو بن هرمز
والشعبي أنها لا تطلق .
وقال ابن المنذر : اختلف العلماء فيمن حلف بطلاق من لم
(١) الأحزاب : ٤٩ .
- ٤٠٦ -

( يملك ) (١) على ثلاثة أقوال فقالت طائفة : لا طلاق قبل نكاح .
وهو قول علي وعائشة وابن عباس ، واحتج ابن عباس في ذلك
بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات﴾ (٢) الآية. وقال:
جعل الله الطلاق بعد النكاح . وعليه جمهور التابعين المذكورين في
هذا الباب ، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور .
وروى العُتبي عن علي بن معبد ، عن ابن وهب ، عن مالك أنه
أفتى رجلا حلف : إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها أنه لا شيء
عليه. وقاله ابن وهب ونزلت بالمخزومي فأفتاه مالك بذلك ، وروى
أبو زيد عن ابن القاسم مثله ، وقال محمد بن عبد الحكم : ما أراه
حانًا . وقد قال ابن القاسم : أمر السلطان ألا يحكم في ذلك بشيء
وتوقف في الفتيا [ به ] (٣) آخر أيامه. قال محمد : وكان عامة
مشايخ المدينة لا يرون به بأسًا . وهو قول ابن أبي ذئب ، وأما جمهور
أصحاب مالك فلا يرون ذلك .
وفيها قول ثان وهو : إيجاب الطلاق قبل النكاح . روي ذلك عن
ابن مسعود والقاسم وسالم والزهري وأبي حنيفة وأصحابه .
والقول الثالث : إذا لم يسمّ الحالف بالطلاق امرأة [ بعينها أو قبيلة
أو أرضًا وعم في يمينه تحريم ما أحل الله له فلا يلزمه ذلك وليتزوج ما
شاء فإن سمى امرأة ] (٣) أو أرضًا أو قبيلة أو ضرب أجلا يبلغ عمره
أكثر منه لزمه الطلاق ، وكذلك لو قال : كل عبد أملكه حر . فلا
شيء عليه ؛ لأنه عم ، وإن خص جنسًا أو بلدًا أو ضرب أجلا يبلغ
مثله لزمه. هذا قول النخعي وربيعة ومالك وابن أبي ليلى والليث
والأوزاعي، وذكر مالك في الموطأ أنه بلغه عن ابن مسعود .
(١) في ((هـ ): ينكح .
(٣) من ( هـ)).
(٢) الأحزاب : ٤٩ .
- ٤٠٧ -

قال ابن المنذر : ومن حجة أهل المقالة الأولى ما رواه ابن أبي ذئب
عن عطاء ، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله : ((لا طلاق
قبل نكاح)). قال ابن المنذر : وحجة أخرى وهو أنه لما أجمعوا أن
من باع سلعة لا يملكها ثم ملكها أن البيع غير لازم له فكذلك إذا طلق
امرأة ثم تزوجها أن الطلاق غير لازم له .
واحتج الكوفيون بما رواه مالك في الموطأ أنه بلغه أن عمر بن
الخطاب وعبد الله بن عمر وابن مسعود وسالم والقاسم وفقهاء المدينة
أنهم كانوا يقولون إذا حلف الرجل بطلاق المرأة قبل أن ينكحها ثم
أتم؛ أن ذلك لازم له إذا نكحها، وتأولوا قوله: (( لا طلاق قبل
نكاح)) أن يقول الرجل : امرأة فلان طالق ، أو عبد فلان حر . وهذا
ليس بشيء ، وأما أن يقول : إن تزوجت فلانة فهي طالق ، فإنما
طلقها حين تزوجها وكذلك في الحرية يريد [ إن اشتريتك ] (١) فأنت
حرة .
قالوا : ومثله لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ؛ لأنه يحتمل أن يلزمه
فيه النذر إذا ملكه ، قالوا: وأيضًا فقد جاء الحديث ((لا طلاق إلا بعد
نكاح)) وليس فيه [لا](١) عقد طلاق وهو الذي أجزناه وشبهه [ لعلة
الاحتباس ] (٢) أنه يجوز فيها الصدقة من قبل أن تخلق في ملكه.
واحتج الأبهري لقول مالك فقال : إذا سمّى امرأةً أو قبيلةً أو بلدةً
[٣/ ق ١٦١ -ب] فإنه يلزمه عقد / [الطلاق](٣) لأنه ليس بعاص في هذا العقد وكل من
عقد عقدًا ليس بعاصٍ فيه ، فالعقد له لازم وعليه الوفاء به ؛ لقوله
تعالى : ﴿أوفوا بالعقود ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر﴾ (٥)
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): بعلة الأحباس، والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)): النكاح. والمثبت من ((هـ)).
(٥) الإنسان : ٧ .
(٤) المائدة : ١ .
- ٤٠٨ -

والنذر في لسان العرب إيجاب المرء على نفسه [ شيئًا] (١) وإن لم
يكن في ملكه يدل على ذلك قوله تعالى : ﴿ومنهم من عاهد الله لئن
آتانا من فضله﴾ (٢) الآية. فثبت بهذا أنه يلزمه ما ألزم نفسه وإن لم
يكن في ملكه ، ومخالفنا يقول : إن أوجب على نفسه نذر عتق أو
صدقة درهم قبل ملكه أن ذلك يلزمه فكذلك عقد الطلاق فأما إذا عمّ
النساء فإن ذلك معصية ؛ لأنه قصد منع نفسه النكاح الذي أباحه الله له
فلا يصحّ عقده ؛ لقوله عليه السلام : (( من أحدث في أمرنا ما ليس
منه فهو رد )) .
باب : إذا قال لامرأته وهو مكره : هذه أختي فلا شيء عليه
قال النبي: (( قال إبراهيم لسارة : هذه أختي ، وذلك في ذات الله )).
إنما أراد البخاري بهذا التبويب - والله أعلم - رد قول من نهى عن
أن يقول الرجل لامرأته : يا أختي ؛ لأنه قد روى عبد الرزاق ، عن
الثوري، عن خالد الحذاء ، عن أبي تميمة [الهجيمي ] (٣) قال: ((مرّ
رسول الله وَ﴿ على رجل وهو يقول لامرأته: يا أُخيّة، فزجره))
ومعنى كراهة ذلك - والله أعلم - خوف [ ما يدخل على ] (١) من
قال لامرأته : يا أختي ، أو أنت أختي . أنه بمنزلة من قال : أنت عليّ
كظهر أمي أو كظهر أختي في التحريم إذا قصد إلى ذلك ، فأرشده
النبي إلى اجتناب الألفاظ المشكلة التي يتطرق بها إلى تحريم المحلات ،
وليس يعارض هذا بقول إبراهيم في زوجته: ((هذه أختي)) لأنه إنما أراد
(١) من (( هـ)).
(٢) التوبة : ٧٥ .
(٣) في ((الأصل)): الجهيمي، وهو تحريف، والمثبت من ((هـ)) وأبو تميمة هو
طريف بن مجالد ، من رجال التهذيب .
- ٤٠٩ -

بها أخته في الدين والإيمان ، فمن قال لامرأته : يا أختي . وهو ينوي
ما نواه إبراهيم من أخوة الدين فلا يضره شيئًا عند جماعة العلماء .
باب : الطلاق في الإغلاق و[الكره ] (١) والسكران والمجنون
وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشك وغيره
[ لقول النبي ◌َلتر] (٢): ((الأعمال بالنية ، ولكل امرئ ما نوى)) وتلا
الشعبي: ﴿ لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (٣) وما [ لا ] (٤) يجوز من
إقرار الموسوس [ وقال النبي (* الذي أقر على نفسه بالزنا] (٥): ((أبك
جنون)». وقال عليّ: ((بقر حمزةُ خواصر شارفيّ فطفق النبي - عليه
السلام - يلوم حمزة ، فإذا حمزة قد ثمل محمرة عيناه ، ثم قال حمزة:
وهل أنتم إلا عبيد لأبي ، فعرف النبي أنه قد ثمل ، فخرج وخرجنا معه)).
وقال عثمان : ليس لمجنون ولا لسكران طلاق . وقال ابن عباس : طلاق
السكران والمستكره ليس بجائز . وقال عقبة بن عامر : لا يجوز طلاق
الموسوس . وقال عطاء : إذا بدأ بالطلاق فله شرطه . وقال نافع : طلق
رجل امرأته البتة إن خرجت ، فقال ابن عمر : إن خرجت بانت منه ، وإن
لم تخرج فليس بشيء . وقال الزهري فيمن قال : إن لم أفعل كذا وكذا
فامرأتي طالق ثلاثًا : يسئل عما قال وعقد عليه قلبه حين حلف بتلك
الیمین ، فإن سمّى أجلا أراده وعقد عليه قلبه حین حلف جعل ذلك في
دينه وأمانته. وقال إبراهيم: إن قال: لا حاجة لي فيك، نيته ، وطلاق كل
(١) في ((الأصل)): المكره. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): لقوله عليه السلام. والمثبت من (( هـ، ن).
(٣) البقرة : ٢٨٦ .
(٤) سقط من ((الأصل)). والمثبت من (( هـ، ن)).
(٥) في ((الأصل)): وقال الرسول الذي أقر على نفسه. والمثبت من (( هـ، نا.
- ٤١٠ -

قوم بلسانهم . وقال قتادة : إذا قال : إذا حملت فأنت طالق ثلاثًا ،
يغشاها عند كل طهر مرة فإن استبان حملها فقد بانت . قال الحسن : إذا
قال : الحقي بأهلك ، نيته . قال ابن عباس : الطلاق عن [ وطر ] (١)
والعتاق ما أريد به وجه الله . وقال الزهري : إن قال : ما أنت بامرأتي
نيته، وإن نوى طلاقًا فهو ما نوى . وقال علي بن أبي طالب : ألم تعلم
أن القلم رفع عن ثلاثة : عن المجنون حتى يفيق ، وعن الصبي حتى
يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ . وقال علي : كل طلاق جائز إلا طلاق
المعتوه . وقال قتادة : إذا طلق في نفسه فليس بشيء .
وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( إن الله تجاوز عن أمتي
ما [حدثت ] (٢) به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم)) .
وفيه: / جابر: ((أن رجلا أتى النبي - عليه السلام - وهو في المسجد [٣/ ٥ ١٦٢-١]
فقال : إنه قد زنی فأعرض عنه ، فتنحی لشقه الذي أعرض عنه فشهد
على نفسه أربعًا . فدعاه فقال : هل بك جنون ، هل أحصنت ؟ قال :
نعم. فأمر به أن يرجم في المصلى ، فلما أذلقته الحجارة جمز حتى أُدرك
بالحرة فقتل).
وفيه : أبو هريرة مثله إلا أنه زاد: (( فأعرض عنه أربعًا ، فلما شهد على
نفسه أربع شهادات ، قال : هل بك جنون ؟ قال : لا . قال النبي : اذهبوا
به فارجموه ... )) الحديث .
(٣) تأويل الإغلاق عند العلماء الإكراه ، قال أبو عبيد : الإغلاق
التضييق فإذا ضيق على المكره وشدّد عليه حتى طلق لم يقع حكم
طلاقه فكأنه لم يطلق .
(١) طمس في (( الأصل)) والمثبت من (( هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): تحدثت. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) زاد في (( الأصل)) : باب . وهو سبق قلم من الناسخ ، فهذا الكلام الآتي بعد
هو بداية شرح المؤلف لهذا الباب .
- ٤١١ -

واختلفوا في طلاق المكره على ما يأتي ذكره في كتاب الإكراه ،
ونذكر منه هاهنا طرفًا قال مالك والأوزاعي والشافعي : لا يلزم
وقال الكوفيون : [ طلاق المكره ] (١) لازم .
واحتج أهل المقالة الأولى بقوله: ((الأعمال بالنيات)) وبما رواه
الأوزاعي عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن ابن عباس أن النبي
قال: ((تجاوز الله لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))، واحتجوا
بقوله : ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ (٢) فنفى الكفر باللسان
إذا كان القلب مطمئنًا بالإيمان ، فكذلك الطلاق إذا لم يرده ولم ينوه
بقلبه لم يلزمه ، ولذلك قال عطاء : الشرك أعظم من الطلاق ..
قال الطحاوي : التجاوز معناه العفو عن الإثم ؛ لأن العفو عن
الطلاق والعتاق لا يصح ؛ لأنه غير مذنب فيعفى عنه ، قال : وكما
ثبت له حكم الوطء بالإكراه فيحرم به على الواطئ ابنة المرأة وأمها ،
فكذلك القول لا يمنع من وقوع ما طلق .
واختلفوا في طلاق السكران فأجازته طائفة ذكره ابن وهب عن عمر
ابن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ، وجماعة من التابعين منهم :
سعيد بن المسيّب وسليمان بن يسار وعطاء والقاسم وسالم ، وذكره
ابن المنذر عن الحسن وابن سيرين والنخعي والشعبي ، وهو قول مالك
وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري .
واختلف فيه قول الشافعي فأجازه مرة ومنع منه أخرى ، وألزمه
مالك الطلاق والقود من الجراح والقتل ولم يلزمه النكاح والبيع.
وقال الكوفيون : أقوال السكران وعقوده [ كلها ] (١) ثابتة كأفعال
(١) من (( هـ)).
(٢) النحل : ٠١٠٦:
- ٤١٢ -

الصاحي إلا الردة ، فإذا ارتد فإنه لا تبين منه امرأته استحسانا . وقال
أبو يوسف : يكون مرتداً في حال سكره . وهو قول الشافعي إلا أن
لا نقتله في حال سكره ولا نستتيبه .
وقالت طائفة : لا يجوز طلاق السكران . روي ذلك عن عثمان
ابن عفان وابن عباس ، وعن عطاء وطاوس والقاسم وربيعة وهو قول
الليث وإسحاق وأبي [ ثور ] (١) والمزني ، واختاره الطحاوي ،
وقال: أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز ، فالسكران معتوه
بسكره كالموسوس معتوه بالوسواس ، ولا يختلفون أن من شرب البنج
فذهب عقله أن طلاقه غير جائز ، فكذلك من سكر من الشراب .
ولا يختلف حكم فقدان العقل بسبب من الله أو بسبب من أجله ،
ألا ترى أنه لا فرق بين من عجز عن القيام في الصلاة بسبب من الله
أو من قبل نفسه بأن [ يكسر ] (٢) رِجْلَ نفسه في باب ؛ سقوط فرض
القیام عنه.
واحتج أهل المقالة الأولى وفرقوا بين المجنون والسكران ، قال
عطاء: ليس السكران كالمغلوب على عقله ؛ لأن السكران أتى [ ما
أتى] (٣) وهو يعلم أنه يقول ما لا يصلح .
قال غيره : ألا ترى أن المجنون لا يقضي ما فاته من صلاته في حال
جنونه [ ويلزم ] (٣) السكران ذلك فافترقا . وذكر ابن المنذر أن بعض
أهل العلم ردّ هذا القول فقال: ليس في احتجاج [ من احتج ] (٤)
بأن الصلاة تلزم السكران ولا تلزم المجنون حجة ؛ لأن الصلاة قد تلزم
النائم ولا تلزم المجنون ، ولو طلق رجل في حال نومه وطلق آخر في
حال جنونه لم يقع طلاق واحد منهما .
(١) في ((الأصل)): ليث. وهو سبق قلم من الناسخ، والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل، هـ)): يسكر . وما أثبتناه هو الصواب.
(٣) طمس بالأصل والمثبت من ((هـ)).
(٤) من (( هـ )).
- ٤١٣ -

وفي قولهم : إن السكران إذا ارتد لم يستتب في حال سكره ولم
(٣/ ١٦٢٥ -ب) يقتل . دليل على أن لا حكم لقوله / . ورد المهلب هذا القول فقال:
معلوم في الأغلب من الحال أن السكران إذا طلق لم يذهب جميع
عقله ، والدليل على ذلك أنه أوقع الطلاق فقد نطق بكلام مفهوم ،
وقد شرط الله في حد السكران الذي تبطل الصلاة به وغيرها أن لا
يعلم ما يقول ، وهذا المطلق يعلم ما يقول ، وقصد بالطلاق معنى
معلومًا في السنة ، واستدللنا أنه علم ما قال ؛ لأنه قاله لمن لا يقال إلا
له فصح قصده الطلاق فوجب إلزامه له .
قال ابن القصار : إنَّ شُرب السكران للتداوي جائز ، ولا حد في
السكر منه كما هو في الخمر [فلا يقع ] (١) طلاقه.
فيقال لهم : إن شرب الدواء لغير مصلحة ولكن ليزيل عقله ، فإن
طلاقه عندنا يقع .
قال المهلب : ولا حجة لمن لم يجز طلاق السكران في حديث:
حمزة حين سكر ؛ لأن الخمر حينئذ كانت مُباحة فلذلك سقط عنه
حكم ما نطق به في حال سكره ، وهذه القصة كانت سبب تحريم
الخمر فليس يجب أن نحكم بما كان قبل تحريم الخمر [ على ما ] (٢).
كان بعد تحريمها ؛ لاختلاف الحكم في ذلك ، وقد ذكرت في كتاب
الأشربة ، في باب ما جاء أن الخمر ما خامر العقل اختلاف العلماء
في حدّ السكر الموجب للحد ما هو .
-
قال ابن المنذر : وأجمع العلماء على أن طلاق المعتوه والمجنون لا يلزم
وقد احتج في ذلك علي بن أبي طالب في هذا الباب بما فيه مقنع .
قال مالك : وكذلك المجنون الذي يفيق أحيانا يطلق في حال
(١) في ((الأصل)): فيقع. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): بما. والمثبت من (( هـ)).
- ٤١٤ -

جنونه ، والمبرسم (١) قد رفع عنه القلم لغلبة العلم أنه فاسد المقاصد،
وأن أفعاله وأقواله مخالفة لرتبة العقل .
قال المهلب : ومعنى قوله عليه السلام: (( أبك جنون)) يعني: في
بعض أوقاتك ، ولو أراد أبك جنون الدهر كله ما وثق بقوله أن به
جنونًا ، وإنما معناه : أبك جنون في غير هذا الوقت ، فيكون قولك :
إنك قد زنيت في وقت ذلك الجنون ، وإنما طلب شبهةً يدرأ عنه الحد
بها ؛ لأن المجنون إنما يحمل أمره على فقد العقل وفساد المقاصد في
وقت جنونه ، والسكران أصله العقل ، والسكر إنما هو طارئ على
عقله ، فما وقع منه من كلام مفهوم فهو محمول على أصل عقله حتى
ينتهي إلى فقدان عقله .
واختلفوا في الخطأ والنسيان في الطلاق ، فقالت طائفة : من حلف
على أمر أن لا يفعله بالطلاق ففعله ناسيًا لم يحنث ، هذا قول عطاء
وهو أحد قولي الشافعي وبه قال إسحاق ، وروي عن نافع فيمن
حلف بالطلاق وهو لا يريده فسبقه لسانه يدين فيما بينه وبين الله -
تعالى- وكذلك قال الشافعي فيمن غلبه لسانه بغير اختيار منه ، فقوله
كلا قول ، ولا يلزمه طلاق ولا غيره .
وروي عن الشعبي وطاوس في الرجل يحلف على الشيء فيخرج
على لسانه غير ما يريد له نيته ، وحققه أحمد . وقال الحكم : يؤخذ
بما تكلم به . وممن أوجب عليه الحنث مكحول وعمر بن عبد العزيز
وقتادة وربيعة والزهري ، وهو قول مالك والثوري والكوفيين وابن أبي
ليلى والأوزاعي .
وحجة من لم يوجب الحنث عليه قوله: ((الأعمال بالنيات ))
(١) البرسام - بالسين المهملة - علة معروفة ، وقد بُرسم الرجل فهو مبرسَم انظر
لسان العرب ( مادة : برسم ) .
- ٤١٥ -

والناسي لا نية له، وقوله: ((إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
أكرهوا عليه » .
واحتج الذين أوجبوا الحنث فقالوا : معنى رفع الخطأ والنسيان إنما
هو في الإثم بينك وبين الله . وأما في حقوق العباد فلازمة في الخطأ
والنسيان، في الدماء والأموال ، وإنما يسقط في قتل الخطأ ما كان يجب
لله من [ عقوبة ] (١) أو قصاص. ووقع في كثير من النسخ، والنسيان
في الطلاق والشرك وهو خطأ، والصواب والشك مكان الشرك .
واختلف العلماء في الشك في الطلاق فأوجب الطلاق بالشك مالك
وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: أفرق بالشك ولا أجمع بالشك.
وممن لم يوجب الطلاق بالشك ربيعة والشافعي وأحمد وإسحاق .
وقال الشافعي وأحمد وإسحاق : من شك فلم يدر أطلق واحدة أو
[٣/ ٥ ١٦٣-١] اثنتين / أو [ ثلاثًا] (٢) وجبت عليه واحدة وهي عنده حتى يستيقن،
ولا يجوز عندهم أن يرفع يقين النكاح بشك الحنث وإلى هذا أشار
البخاري .
وأما قول عطاء : إذا بدأ بالطلاق فله شرطه ، وقول نافع : [إذا](٣)
طلق رجل امرأته البتة [ إن خرجت ، وقول الزهري فيمن قال : إن
لم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالق ] (٣) (فسيأتي في كتاب الطلاق) (٤).
وأمّا قول إبراهيم: إن قال: لا حاجة لي فيك، نيته. فهو قول أصحاب
مالك قالوا : إن أراد بذلك الطلاق لزمه ما أراد منه ، وإن لم يرد
طلاقًا أُحلف ودُين : وقوله : طلاق كل قوم بلسانهم . فالعلماء
(١) في ((الأصل)): عفو. والمثبت من ( هـ )).
(٢) في ((الأصل)): ثلاثة. والمثبت من (( هـ)).
(٣) من ( هـ)).
(٤) كذا في ((الأصل)) وفي ((هـ)) فستأتي هذه المسألة في كتاب الطلاق فهو
موضعها - إن شاء الله تعالى . ولعل الصواب : كتاب الشروط، والله أعلم.
-٤١٦ -

مجمعون أن العجمي إذا طلق بلسانه وأراد الطلاق أنه يلزمه ؛ لأنهم
وسائر الناس في أحكام الله سواء . وأمّا قول قتادة : إذا حملت فأنت
طالق يغشاها في كل طهر مرة فإن استبان حملها فقد بانت منه ، فهو
قول ابن الماجشون ، وحكى مثله ابن المواز عن أشهب قال في قوله :
إذا حملت وإذا حضت وإذا وضعت ليس بأجل ، ولا شيء عليه حتى
يكون ما شرط ، وهو قول الثوري والكوفيين والشافعي . قالوا :
وسواء كان مما هو غيب لا يعلم أو مما يعلم نحو قوله : إن ولدت وإذا
أمطرت السماء وإذا جاء رأس الهلال ، فإنه لا يقع الطلاق إلا بوجود
الوقت والشرط .
وقال ابن القاسم في قوله : إذا حملت فأنت طالق لا يمنع من
وطئها في ذلك الطهر مرةً فقط ثم يطلق إذا وطئها حينئذ ، ولو كان قد
وطئها فيه قبل مقالته طلقت مكانها ويصير كالذي قال لزوجته : إن
كنت حاملا فأنت طالق ، وإن لم يكن بك حمل فأنت طالق ، فإنها
تطلق مكانها ولا ينتظر اختبارها أبها حمل أم لا ؛ إذ لو ماتا لم
يتوارثا ، وكذلك قوله لغير حامل : إذا حملت فوضعت فأنت طالق.
أو قال : إذا وضعت فقط فأنت طالق . إن وطئ في ذلك الطهر وإلا
إذا وطئ مرةً طلقت . وقال ابن أبي زيد : اختلف فيه قول مالك .
وقال الطحاوي : لا يختلفون فيمن أعتق عبده ، إذا كان هذا لما هو
كائن لا محالة أو لما قد يكون ، وقد لا يكون أنهما سواء ولا يعتق
حتى يكون الشرط فكذلك الطلاق . وقول الزهري : إن قال ما أنت
بامرأتي ، نيته . فإن نوى طلاقًا فهو ما نوى . فهو قول مالك وأبي
حنيفة والأوزاعي ، وقال [الليث ] (١): هي كذبة . وقال أبو يوسف
ومحمد : ليس بطلاق .
(١) في (( الأصل)): الأوزاعي، وهو انتقال نظر من الناسخ، والمثبت من ((هـ)).
- ٤١٧ -

وقول قتادة : فإذا طلق في نفسه فليس بشيء . هو قول جماعة أئمة
الفتوى ، واختلف فيه قول مالك فذكر عنه ابن المواز أن من عقد
طلاقًا بقلبه ولم يلفظ به لسانه فإنه لا يقع وهذا الأظهر من مذهبه ،
وروى عنه أشهب في العتبية أنها تطلق عليه ، وهذا قول ابن سيرين
وابن شهاب، وقال ابن سيرين: إذا طلق في نفسه أليس قد علمه الله-
تعالى - وحجة الجماعة قوله : (( إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به
أنفسها ما لم تعمل أو تكلم)"، فجعل ما لم ينطق به اللسان [لغواً](١)
لا حكم له ، حتى إذا تكلم به يقع الجزاء عليه ويلزم المتكلم .
وقال ابن المنذر: وكذلك قوله: ((الأعمال بالنيات)) فجعل
الأعمال مقرونة بالنيات ولو كان حكم من أضمر في نفسه شيئًا حكم
المتكلم كان حكم من حدث نفسه في الصلاة بشيء متكلماً وفي
إجماعهم على أن ذلك ليس بكلام مع قوله عليه السلام: ((من صلى
صلاة لا يحدث فيها نفسه غفر له )) دليل على أن حديث النفس لا
يقوم مقام الكلام ، وأجمعوا أن من حدث نفسه بالقذف غير قاذف ،
وكذلك اختلفوا فيمن كتب إلى امرأته بالطلاق من غير لفظ به ،
فأوجب قوم الطلاق بالكتابة ، هذا قول النخعي والشعبي والحكم
والزهري ومحمد بن الحسن ، واحتج ( الزهري ) (٢) في أن الكتاب
كلام بقوله : ﴿فأوحى إليهم أن سبحوا بكرةً وعشيا﴾ (٣) قال: كتب
لهم ، وهو قول أحمد بن حنبل إذا كتب طلاق امرأته بيده فقد لزمه ؛
لأنه عمل بيده .
وقالت طائفة : إن أنفذ الكتاب إليها نفذ الطلاق ، روي ذلك عن
(١) في ((الأصل)): لغو. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في (( هـ )) : الحكم
(٣) مريم : ١١ .
- ٤١٨ -

-
عطاء والحسن وقتادة ، وقال مالك والأوزاعي: إذا كتب إليها / [٣/ ١٦٣٥ -ب]
وأشهد على كتابه ثم بدا له فله ذلك ما لم يوجه إليها بالكتاب ، فإذا
وجهه فقد طلقت في ذلك الوقت إلا أن ينوي أنها لا تطلق عليه حتى
يبلغ كتابه .
وقوله: ((أذلقته الحجارة)) قال صاحب (الأفعال: أذلقته)(١)
يقال : أذلق الرجل غيره أخرقه بطعنة أو حجر يضربه به ، وقد تقدم
تفسير الحرة في كتاب الصيام .
وقوله : ((جمز)) يعني: وثب ، وفي كتاب الأفعال : جمز
الفرس جمزًا وأجمز وثب ، فاستعير الجمز للإنسان بمعنى الوثب ،
وجمز الإنسان أسرع في مشيه .
باب : الخلع وكيف الطلاق فيه وقوله :
( ولا [ يحل لكم أن ] (٢) تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا﴾(٣) الآية
وأجاز عمر الخلع دون السلطان ، وأجاز عثمان الخلع دون عقاص
رأسها، وقال طاوس : ﴿إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ﴾ (٣) فيما
افترض لكل واحد منهما على صاحبه في العشرة والصحبة ، ولم يقل
قول السفهاء لا يحل حتى تقول : لا أغتسل لك من جنابة .
وفيه: عكرمة، عن ابن عباس: (( أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي -
عليه السلام - فقالت : يا رسول الله ، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في
خلق ولا دين ، ولكني أكره الكفر في الإسلام . قال رسول الله : أتردين
(١) في (( هـ)): العين: أخرقته .
(٢) من ((هـ، ن)).
(٣) البقرة : ٢٢٩.
- ٤١٩ -

عليه حديقته ؟ قالت : نعم . قال رسول الله : اقبل الحديقة ، وطلقها
تطليقة)) قال أبو [ عبد] (١) الله: لا يتابع فيه عن ابن عباس .
وعن عكرمة: (( أن أخت عبد الله بن أبي - بهذا - ولم يذكر ابن عباس
وقال عكرمة: (( أن جميلة ... )) الحديث .
قال ابن المنذر: قوله تعالى : ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما
آتيتموهن ... ﴾ (٢) الآية . فحرم الله على الزوج أن يأخذ من امرأته
شيئًا مما آتاها الله إلا بعد الخوف الذي ذكره الله ، ثم أكد ذلك بتغليظ
الوعيد على من تعدى أو خالف أمره فقال : ﴿ تلك حدود الله فلا
تعتدوها ﴾ (٢) وبمعنى كتاب الله جاءت سنة رسول الله في جميلة امرأة
ثابت بن قيس حين قالت: (( يا رسول الله إني لا أعتب عليه في خلق
ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضًا )).
رواه قتادة عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وروى معتمر بن سليمان
عن فضيل ، عن ابن أبي جرير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال :
(( أول خلع في الإسلام أخت عبد الله بن أبي ، أتت النبي - عليه
السلام - فقالت : يا رسول الله ، لا تجتمع رأسي ورأسه أبداً ، إني
رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادًا
وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهًا . فقال : أتردين عليه حديقته ؟ قالت :
نعم ، وإن شاء زدته ؛ ففرق بينهما)) .
وهذا الحديث أصل في الخلع وعليه جمهور الفقهاء ، قال مالك :
ولم أزل أسمع ذلك من أهل العلم وهو الأمر المجتمع عليه عندنا أن
الرجل إذا لم يضر بالمرأة ولم يسيء إليها ولم تؤت من قبله ، وأحبّت
(١) في ((الأصل)): عبيد. وهو تحريف، والمثبت من ((هـ)) وأبو عبد الله هو
البخاري .
(٢) البقرة : ٢٢٩ .
- ٤٢٠ -