Indexed OCR Text

Pages 241-260

وفيه : عمر: (( حين تأيمت حفصة ابنته من ابن حذافة السهمي - وكان
من أصحاب النبي عليه السلام - من أهل بدر توفي بالمدينة فقال عمر :
لقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه ، فقلت : إن شئت أنكحتك
حفصة، فقال : سأنظر في أمري . فلبثت ليالي ، ثم لقيني فقال : بدا لي
ألا أتزوج يومي هذا . فقال عمر : فلقيت أبا بكر فقلت : إن شئت
أنكحتك حفصة ... )).
وفيه : معقل بن يسار : « في قوله تعالى : ﴿ فلا تعضلوهن أن ینکحن
أزواجهن﴾ (١) أنها نزلت فيه، قال: زوجت أختًا لي من رجل فطلقها،
حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها ، فقلت : إني زوجتك وفرشتك
وأکرمتك فطلقتها ، ثم جئت تخطبها ، لا والله لا تعود إليك أبداً، وكان
رجلا لا بأس به ، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه ، فأنزل الله هذه الآية :
فلا تعضلوهن ﴾ (١) فقلت : الآن أفعل يا رسول الله . قال : فزوجها
إياه )) .
اتفق جمهور العلماء أنه لا يجوز نكاح إلا بولي إما مناسب أو
وصي أو السلطان ، ولا يجوز عقد المرأة على نفسها بحال ، روي هذا
عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود وأبي هريرة ، وروي عن
شريح وابن المسيب والحسن وابن أبي ليلى ، وهو قول مالك والثوري
وأبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد .
وحكى ابن المنذر عن الشعبي والزهري ، أنه إذا تزوجت بغير إذن
وليها كفئًا فهو جائز . وقال مالك في المعتقة والمسكينة التي لا خطب
لها : فإنها تستخلف على نفسها من يزوجها ، ويجوز ذلك ، وكذلك
(١) البقرة : ٢٣٢.
- ٢٤١ -

.-
المرأة يكفلها الرجل أن تزويجه عليها جائز ، وأما كل امرأة لها قدر
وغنى فلا يزوجها إلى الولي أو السلطان .
قال أبو حنيفة : إذا كانت بالغةً عاقلةً زالت ولاية الولي عنها فإن
عقدت بنفسها جاز ، وإن ولت رجلا حتى عقد جاز ، ووافقنا على
أنها إذا وضعت نفسها في غير كفء كان للولي فسخ النكاح .
وشذ أهل الظاهر أيضًا فقالوا : إن كانت بكرًا فلا بدّ من ولي ،
وإن كانت ثيبًا لم تحتج إلى ولي . وهذا خلاف الجماعة .
قال ابن القصار : والدليل على أنها لا تعقد على نفسها بحال قوله
تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ﴾ (١)
والدلالة [ في الآية ] (٢) من وجهين: أحدهما : أن الله عاتب معقلا
لما امتنع من رد أخته إلى زوجها ، ولو كان لها أن تزوج نفسها أو
تعقد النكاح لم يعاتب أخوها على الامتناع منه ولا أمره رسول الله
بالحنث، فدل على أن النكاح كان إليه دونها .
والوجه الثاني : قوله تعالى : ﴿فلا تعضلوهن﴾ (١) والعضل هو
المنع من التزويج ، فمنع الله الأولياء من الامتناع من تزويجهن كما
[منع ] (٣) أولياء اليتامى أن يعضلوهن إذا رغبوا في أموالهن ، فلو كان.
العقد إليهن لم يكنّ ممنوعات .
(١٢٨٥/٣ -ب) قال المهلب / : وفي هذا دليل على أن الرجل إذا عضل وليته وثبت
عضله لها يفتئت عليه السلطان فيزوجها بغير أن يأمره بالعقد لها ،
ويرده عن العضل كما رد النبي - عليه السلام - معقلا عن ذلك
العقد، ولم يعقد النبي ؛ بل دعاه إلى العقد بالحنث في يمينه ، إذ
(١) البقرة: ٢٣٢.
(٢) من ( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): وعظ، والمثبت من (( هـ).
- ٢٤٢ -

عقده لأخته [ على ] (١) من تحبه خير من إبرار اليمين ، وأيضًا قوله
تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ (٢) وقوله تعالى:
﴿وأنكحوا الأيامى منكم ﴾ (٣) فلم يخاطب بالنكاح غير الرجال ،
ولو كان إلى النساء لذكرن في ذلك .
قال الطبري : في حديث حفصة حين تأيمت - وعقد عمر عليها
النكاح ولم تعقده هي - إبطال قول من قال : إن للمرأة البالغة المالكة
لنفسها تزويج نفسها ، وعقد النكاح عليها دون وليها ، ولو كان لها
ذلك لم يكن رسول الله ليدع خطبة حفصة إلى نفسها ، إذ كانت أولى
بنفسها من أبيها ، ولخطبها إلى من لا يملك أمرها ولا العقد عليها ،
وفيه بيان قوله عليه السلام: (( الأيم أحق بنفسها من وليها )) أي أن
معنى ذلك أنها أحق بنفسها في أنه لا ينعقد عليها إلا برضاها ، لا أنها
أحق بنفسها في أن تعقد عليها عقدة نكاح دون وليها . قال ابن المنذر:
ولا أعلم أحدًا من أصحاب رسول الله ثبت عنه خلاف ما قلنا .
وقول عائشة: ((إن النكاح كان على أربعة أنحاء ، فنكاح الناس
اليوم يخطب الرجل إلى الرجل ابنته أو وليته )) حجة في أن سنة عقد
النكاح إلى الأولياء .
فإن قال من أجاز النكاح بغير ولي : فقد روي عن عائشة خلاف
هذا ، وهو ما رواه مالك في الموطأ (( أنها زوجت بنت أخيها عبد
الرحمن وهو غائب ، فلما قدم قال : مثلي يفتأت عليه في بناته ؟! ))
وهذا يدل أن مذهبها جواز النكاح بغير ولي .
قيل: لا حجة لكم في هذا الخبر، وليس معنى قوله: ((زوجت
(١) سقط من ((الأصل))، وفي (( هـ)): مع. وما أثبتناه هو الصواب.
(٢) البقرة : ٢٢١.
(٣) النور : ٣٢ .
- ٢٤٣ -

بنت أخيها)» إلا الخطبة والكلام في الرضا والصداق دون العقد ، لما
رواه ابن جريج ، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر
الصديق التيمي ، عن أبيه ، عن عائشة: (( أنها أنكحت رجلا من بني
أخيها فضربت بينهم بستر ، ثم تكلمت حتى لم يبق إلا العقد ، أمرت
رجلا فأنكح ، ثم قالت: ليس إلى النساء نكاح )) .
قال ابن المنذر : وأمّا تفريق مالك بين المولاة والمسكينة ، وبين من
لها منهن قدر وغنی فلیس ذلك مما يجوز أن یفرق به ، إذ قد سوی
رسول الله بين الناس جميعًا فقال : (( المسلمون تتكافأ دماؤهم )» فسوى
بين الجميع في الدماء ، فوجب أن يكون حكمهم فيما دون الدماء
سواء .
قال المهلب : وأما قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى
يؤمنوا﴾ (١) فإنه خاطب الأولياء ونهاهم عن إنكاح المشركين ولياتهم
المسلمات من أجل أن الولد تابع للأب في دينه بقوله تعالى: ﴿أولئك
يدعون إلى النار﴾(١) ولا مدعو في نفس الاعتبار يمكنه الإجابة إلا
الولد ، إذ هو تبع لأبيه في الدين ، ولذلك نهى الله عن إنكاح الإماء
المشركات ؛ لأن الذي يتزوجها يتسبب أن يولدها ، فيبيعها سيدها
حاملا من مشرك ، إذ أولاد الإماء تبع لأمهاتهم في الرق فيئول ذلك
إلى تمليك المشركين أولاد المسلمين فيحملونهم على الكفر ، فنهى الله
عن ذلك ، وحرمه في كتابه ، وجوز لمن لم يستطع طولا [ لحرة ] (٢)
إذا خشي العنت أن ينكح الأمة المسلمة في ملك المسلم لامتناع تمليكهن
المشركين ، وأباح له استرقاق ولده واستعباده لأخيه المسلم ، من أجل.
أنه قد أمن أن يحمله على غير دين الإسلام .
(١) البقرة: ٢٢١ .
(٢) في ((الأصل)): يجده. وهو تحريف، والمثبت من ((هـ)).
:
- ٢٤٤ -

والدليل على جواز إرفاق المسلم بنيه قول النبي - عليه السلام - :
(( وفي جنين المرأة غرة عبد أو وليدة)) فلما جعل عوض الجنين الحر
عبدًا ، وأقامه مقامه ، وجوز لأبيه ملكه واسترقاقه عوضًا من أبيه ،
علمنا أن للرجل أن ينكح من النساء من يُسترق ولده بها، والله أعلم.
باب : إذا كان الولي هو الخاطب
(٣/ ق١٢٩ -أ)
/ وخطب المغيرة بن شعبة امرأة هو أولی الناس بها ، فأمر رجلا فزوجه.
وقال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم ابنة قارظ : أتجعلين أمرك إلىّ ؟
قالت : نعم. قال: (إني ) (١) قد تزوجتك . وقال عطاء : ليشهد أني قد
نكحتك أو ليأمر رجلا من عشيرتها . وقال سهل : قالت امرأة للنبي :
أهب لك نفسي . فقال رجل : إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها .
فيه: عائشة: (( في قوله: ﴿ويستفتونك في النساء ... ﴾ (٢) الآية .
قالت : هي اليتيمة تكون في حجر الرجل، قد شر كته في ماله ، فیرغب
عنها أن يتزوجها ، ويكره أن يزوجها غيره ، فيدخل عليه في ماله ،
فيحبسها فنهاهم الله عن ذلك )) .
وفيه: سهل: ((جاءت امرأة إلى النبي تعرض عليه نفسها ، فلم يردها،
فقال رجل : زوجنيها يا رسول الله . فقال : اذهب فقد زوجتكها بما معك
من القرآن)).
اختلف العلماء في الولي هل يزوج نفسه من وليته إذا أذنت له
وينعقد النكاح ولا يرفع ذلك إلى السلطان : فأجاز ذلك الحسن
البصري وربيعة ، ومالك والليث ، والأوزاعي والثوري ، وأبو حنيفة
(١) ليست في (( هـ ، ن)).
(٢) النساء : ١٢٧ .
- ٢٤٥ -

وأبو ثور . وقال زفر والشافعي : لا يجوز له أن يتزوّجها إلا
بالسلطان، أو يزوجها منه ولي لها هو أقعد بها منه أو مثله في القعدد،
واحتجوا أن الولاية من شرط العقد ، وكما لا يكون الشاهد ناكحاً
ولا منكحًا ، كذلك لا يكون الناكح منكحًا .
وفيها قول ثالث : وهو أن يجعل أمرها إلى من يزوجها منه ،
وروي هذا عن المغيرة بن شعبة ، وبه قال أحمد بن حنبل ذكره ابن
المنذر ، واحتج الطحاوي للقول الأول فقال: لا يختلفون أنه يجوز أن
يهب لمن له ولايةً عليها ، ويكون هو العاقد والقابض ، وكذلك
النكاح ، ألا ترى أن النبي زوج المرأة من الرجل بما معه من القرآن ،
فكذلك [ كان ] (١) له أن يزوجها من نفسه لو قبلها ، كما فعل في
خبر صفية حين جعل عتقها صداقها . قال ابن المنذر : وكذلك فعل
في [ أمر ] (١) جويرية ، قضى كتابتها وتزوجها كما فعل في حديث
صفية سواء .
قال المؤلف : ومن الحجة لهذا القول أيضًا حديث عائشة في الرجل
تكون عنده اليتيمة فيرغب عن أن يتزوجها ، فنهاهم الله عن عضلهن
ومنعهن من التزويج من أجل أنهم لا يقسطون في صدقاتهن ، وجعل
لهم أن ينكحوهن من أنفسهن إذا عدلوا في صدقاتهن ، وقد تقدم
البيان عن هذه المسألة في حديث صفية في باب من أعتق جارية
وتزوّجها ، وأما فعل المغيرة فهو من باب الأدب في النكاح أن يأمر
الولي رجلا يعقد نكاحه مع وليته ، ولو تولى هو عقده إذا رضيت به
لكان حسناً .
(١) من ( هـ)).
- ٢٤٦ -

باب : إنكاح الرجل ولده الصغار لقوله : ﴿واللائي لم
يحضن ﴾ (١) فجعل عدتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ
فيه : عائشة: (( أن النبي تزوجها وهي بنت ست سنين ، ودخلت عليه
وهي بنت تسع سنين، ومكثت عنده تسعًا )).
قال المهلب : أجمع العلماء على أنه يجوز للأب تزويج ابنته
الصغيرة التي لا يوطأ ؛ مثلها لعموم الآية: ﴿واللائي لم يحضن﴾(١)
ويجوز نكاح من لم [ تحض ] (٢) من أول ما تخلق ، وأظن البخاري
أراد بهذا الباب الردّ على ابن شبرمة، [ فإن ] (٣) الطحاوي حكى
عنه أنه قال : تزويج الآباء على الصغار لا يجوز ، ولهن الخيار إذا
بلغن ، وهذا قول لم يقل به أحد من الفقهاء غيره ، ولا يلتفت إليه
الشذوذه ، ومخالفته دليل الكتاب والسُنّة ، وإنما اختلفوا في الأولياء
غير الآباء إذا زوَّج الصغيرة ، وقد تقدم اختلاف العلماء في ذلك في
باب تزويج الصغار من الكبار قبل هذا .
وفيه من الفقه جواز نكاح لا وطء فيه لعلة بأحد الزوجين :
لصغر، أو آفة، أو غير إرب في الجماع / بل لحسن العشرة والتعاون [٣/ ق١٢٩ - ب)
على الدهر ، وكفاية المؤنة والخدمة بخلاف من قال : لا يجوز نكاح
لا وطء فيه . ويؤيد هذا فعل سودة حين وهبت يومها لعائشة وقالت :
مالي في الرجال من إرب .
واختلف العلماء في الوقت الذي تدخل فيه المرأة على زوجها إذا
اختلف الزوج وأهل المرأة في ذلك ، فقالت طائفة : تدخل على
(١) الطلاق : ٤ .
(٢) في ((الأصل)): تحيض. والمثبت من ((هـ).
(٣) في ((الأصل)): قال. والمثبت من (( هـ).
- ٢٤٧ -

....
زوجها وهي بنت تسع سنين اتباعًا لحديث عائشة . هذا قول أحمد بن
حنبل وأبي [ عبيد ](١).
وقال أبو حنيفة : نأخذ بالتسع غير أنا نقول: إن بلغتها ولم تقدر
على الجماع كان لأهلها منعها ، وإن لم تبلغ التسع وقويت على
الرجال لم يكن لهم منعها من زوجها .
وكان مالك يقول: لا نفقة الصغيرة حتى تدرك وتطيق الرجال .
وقال الشافعي : إذا قاربت البلوغ وكانت جسيمة تحتمل الجماع
فلزوجها أن يدخل بها ، وإن كانت لا تحتمل الجماع فلأهلها منعها من
الزوج حتى تحتمل الجماع .
باب : تزويج الأب ابنته من الإمام
وقال عمر : خطب إليَّ النبي حفصة فأنكحته .
فيه : عائشة : (( أن النبي تزوجها وهي بنت ست سنين ... ﴾ الحديث .
معنى هذا الباب أن الإمام وإن كان وليًا ، وكان النبي أفضل
الأولياء، وخطب حفصة إلى أبيها عمر بن الخطاب ، وأنكحه إياها ،
دل ذلك على أن الأب أولى من الإمام ، وأن السلطان ولي من لا ولي
له ، وهذا إجماع ، ودلّ أيضًا على صحة ما يقوله مالك والشافعي
وجمهور العلماء أن الولي من شروط النكاح وأنه مفتقر إليه ، وكذلك
خطب النبي [ عائشة ] (٢) إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: ((إنما أنا:
أخوك ، فقال له النبي : أنت أخي في دين الله وكتابه ، وهي لي
حلال ، فأنكحه أبو بكر إياها )) .
(١) في ((الأصل)): عبيدة. والمثبت من (( هـ)).
(٢) من ( هـ ).
- ٢٤٨ -

قال ابن المنذر : وفي إنكاح أبي بكر النبي دليل على إباحة النكاح
بغير شهود ، إذ لا نعلم في شيء من الأخبار أنّ شاهدًا حضر عقد
ذلك النكاح ، والأخبار التي رويت عن عائشة وغيرها بخلاف ذلك
[واهية] (١) لا تثبت عند أهل المعرفة بالأخبار . وقد تقدم بيان هذه
المسألة في حديث صفية في باب اتخاذ السراري ومن أعتق جاريةً ثم
تزوجها .
باب : السلطان ولي لقول النبي : ( قد ) (٢) زوجناكها
بما معك من القرآن
فيه : سهل: (( جاءت امرأة إلى النبي فقالت: إني وهبت [ لك] (٣)
نفسي ، فقامت طويلا ، فقام رجل فقال : زوجنيها إن لم يكن لك بها
حاجة ، قال : قد زوجناكها بما معك من القرآن)).
أجمع العلماء على أن السلطان ولي من لا ولي له ، وأجمعوا أن
السلطان يزوج المرأة إذا أرادت النكاح ودعت إلى كفء وامتنع الولي
[من](٤) أن يزوجها .
واختلفوا إذا غاب عن البكر أبوها وعمي خبره وضربت فيه الآجال
من يزوجها ؟ فقال مالك وأبو حنيفة [ وأصحابه ] (٤) : يزوجها أخوها
بإذنها . وقال الشافعي : يزوجها السلطان دون باقي
(١) في (( الأصل)): لأنها واهية. والمثبت من (هـ)).
(٢) ليست في (( هـ ، ن )).
(٣) ليست في ((الأصل)) وفي ((ن)): من. وفي رواية: منك.
(٤) من (( هـ )).
- ٢٤٩ -

[أوليائها] (١)، وكذلك [الثيب ] (٢) إذا غاب أقرب أوليائها.
وحجة مالك والكوفيين أن الأخ عصبة يجوز أن يزوجها بإذنها مع
عدم أبيها بالموت لتعذر التزويج من قبله [ فكذلك ] (٣) مع حياته إذا
تعذر التزويج من جهته ، دليل ذلك إذا جُنّ الأب أو فسق عندهم؛ ألا
ترى أن الأب إذا مات كان الأخ أولى من السلطان ؟
[٣/ ق ١٣٠-١]
واحتج الشافعي بأن السلطان يستوفي لها حقوقها وينظر في مالها /
إذا فقد أبوها ؛ فلذلك هو أحق بالتزويج من أخيها .
واختلفوا في الولي ، فقال مالك والليث والثوري والشافعي :
الأولياء هم العصبة الذين يرثون ، وليس الخال و[ لا ] (٤) الجدّ لأم
ولا الإخوة لأم أولياء عند مالك في النكاح . وخالفهم محمد بن
الحسن فقال : كل من لزمه اسم ولي فهو ولي يعقد النكاح . وبه قال
أبو ثور .
قال الأبهري : والحجة لمالك ومن وافقه في أن ذوي الأرحام ليسوا
أولياء في النكاح وأن الأولياء في ذلك العصبة ، هو أن الولي لما كان
مستحقًا بالتعصيب لم يكن للرحم مدخل فيه لعدم التعصيب ، كذلك
عقد النكاح ؛ لأن ذلك بولاية التعصيب .
قال ابن المنذر : وقوله : ﴿ فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾(٥)
دليل على أن الأولياء من العصبة ؛ لأن معقلا لما منع أخته من التزويج
نزلت فيه هذه الآية ، فتلاها عليه رسول الله .
(١) في ((الأصل)): أوليائه. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): البنت. وهو تصحيف، والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): كذلك. والمثبت من ((هـ)).
(٤) من ( هـ)).
(٥) البقرة : ٢٣٢ .
- ٢٥٠ -

واختلفوا من أولى بالنكاح الولي أو الوصي ؟ فقال ربيعة ومالك
والثوري وأبو حنيفة : الوصي أولى . وقال الشافعي : الولي أولى
[به؛ لأنه ] (١) لا ولاية للوصي على الصغير.
والحجة للقول الأول أن الأب لو جعل ذلك إلى رجل بعينه في
حياته لم يكن لسائر الأولياء الاعتراض عليه مع بقاء الأب ، فكذلك
بعد موته ، إلا أن مالكًا قال : لا يزوج الوصي اليتيمة قبل البلوغ ،
إلا أن يكون أبوها أوصى إليه أن يزوجها قبل البلوغ من رجل بعينه
فيجوز ، وينقطع عنها ما لها من المشورة عند بلوغها .
وذكر ابن القصار قال : ومن أصحابنا من قال : إن الموصي إذا
قال: زوج بناتي ممن رأيت أنه يقوم مقام الأب في تزويج الصغيرة ،
وفي تزويج البكر البالغ بغير إذنها ، وهو يتخرج على مذهب مالك ،
وهو إذا قالت [ اليتيمة ] (٢) لوليها: زوجني ممن رأيت. فزوجها ممن
اختار ، أو من نفسه ولم يعلمها بعين الرجل قبل العقد ؛ فإنه يلزمها
ذلك .
باب : لا ینکح الأب وغيره البکر ولا الثيب إلا برضاها
فيه: أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( لا تنكح [الأيم ] (٣)
حتى تستأمر ، ولا تنكح البكر حتى تستأذن . قالوا : يا رسول الله ،
و کیف إذنها ؟ قال : أن تسكت )» .
(١) في ((الأصل)): و. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): الثيب. والمثبت من ( هـ)).
(٣) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): الأيام.
- ٢٥١ -

وقالت عائشة: (( يا رسول الله ، إن البكر تستحيي . قال : رضاها
صمتها)).
قال ابن المنذر : في هذا الحديث النهي عن نكاح الثيب قبل
الاستثمار ، وعن نكاح البكر قبل الاستئذان ، ودل هذا الحديث على
أن البكر [ التي ] (١) أمر باستئذانها البالغ ؛ إذ لا معنى لاستئذان من
لا إذن لها ، ومن سكوتها وسخطها سواء .
اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث ، فقالت طائفة : لا يجوز
للأب أن ينكح البالغ من بناته بكرًا كانت أو ثيبًا إلا بإذنها ، قالوا :
والأيم التي لا زوج لها ، وقد تكون بكرًا وثيبًا ، وظاهر هذا الحديث
يقتضي أن تکون البکر لا ینکحها ولیھا أبًا كان أو غيره حتى يستأمرها،
وذلك لا يكون إلا في البوالغ لما دل عليه الحديث ، ولتزويج رسول
اللّه وَلّ عائشة وهي صغيرة.
وهذا قول الثوري والأوزاعي و[ أبي](٢) حنيفة وأصحابه وأبي ثور،
واحتجوا بهذا الحديث ؛ لأن النبى قال قولا عاما: (( لا تنكح البكر
حتى تستأذن ولا الثيب حتى تستأمر )) وكل من عقد نكاحًا على غير ما
سَنّه النبي - عليه السلام - فهو باطل، ودل الحديث على أن البكر إذا
نكحت قبل إذنها بالصمت أن النكاح باطل ، كما يبطل نكاح الثيب
قبل أن تستأمر .
(٣/ق١٣٠ -ب] وقالت طائفة: [ للأب أن ] (٣) يزوج / البكر بغير إذنها صغيرة
كانت أو كبيرة ، ولا يزوج الثيب إلا بإذنها ، وهو قول ابن أبي ليلى
ومالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال أبو [ قرة ] (٣):
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): الذي ..
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): أبو .
(٣) من ( هـ )).
- ٢٥٢ -

سألت مالكًا عن قول النبي: (( البكر تستأذن في نفسها )» أيدخل في
هذا الأب ؟ قال : لا ، لم يعن بهذا الأب إنما عنى به غير الأب .
وإنكاح الأب جائز على الصغار ولا خيار لواحدة منهن بعد البلوغ.
وقال ابن حبيب : وقد ساوى رسول الله بين البكر والثيب في
مشاورتهما في أنفسهما ، ولم يفرق بينهما إلا في الجواب بالرضا
[فإنه](١) جعل جواب البكر بالرضا في صماتها لاستحيائها ، وجعل
جوابها بالكراهة لذلك ( في الكلام ) (٢) لأنه لا حياء عليها في
كراهيتها كما يكون الحياء في رضاها ، ولم يلزم رسول الله الثيب
[الرضا ] (٣) بالصمات حتى تتكلم بالرضا لمفارقتها في الحياء حال
البكر لما تقدم من نكاحها ، والدليل على أن المراد باستثمار البكر غير
ذات الأب ما روى [ أبو نعيم ] (٤) قال: حدثنا يونس بن [ أبي)] (٥)
إسحاق قال : حدثني أبو بردة بن أبي موسى ، عن أبيه أن النبي قال:
((تستأمر اليتيمة في نفسها ؛ فإن سكتت فهو إذنها )) ففرق بتسميته إياها
يتيمة [بينها](٣) وبين من لها أب .
[ فإذا ] (٦) كانت ثيبًا فيلزم الأب مؤامرتها ، ولا يجوز نكاحه
عليها بغير إذنها . وأما قول الكوفيين : الأيم التي لا زوج لها وقد
تكون بكرًا ، فالجواب أن العرب وإن كانت تسمّ كل من لا زوج لها
أيمًا فهو على الاتساع [ وأصل الأمة ] (٧) عدم الزوج بعد أن كان ،
لكن المراد بالأيم في هذا الحديث الثيب ، والدليل على ذلك أنه قد
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): وإنه.
(٣) من ٥ هـ)).
(٢) في (( هـ)): بالتصريح بالكلام .
(٤) من (( هـ))، وفى (الأصل)): ابن أبى نعيم. (٥) ليست فى ((الأصل)).
(٦) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): إذا .
(٧) في (( هـ)) : فأصل اللغة.
- ٢٥٣ -

روى جماعة عن مالك: (( والثيب أحق بنفسها من وليها )) مكان
قوله: ((الأيم أحق بنفسها)) ثم قال: ((والبكر [ تستأذن] (١))) فذكر
البكر بعد ذكره الأيم ، فدل أنها الثيب ، ولو كانت الأيم في هذا
الحديث البكر لبطل الولي في النكاح ولكانت كل بكر لا زوج لها
أحق بنفسها من وليها ، وكان هذا التأويل [ ردّاً ] (٢) لقوله تعالى:
﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ (٣) فخاطب بذلك الأولياء.
واختلفوا في الثيب الصغيرة ، فقال مالك وأبو حنيفة : يزوجها
أبوها جبراً كالبكر ، وسواء أصيبت بنكاح أو زنا . وقال الشافعي : لا
يزوجها إلا بإذنها وسواء جومعت بنكاح أو زنا . ووافقه أبو يوسف
ومحمد إذا كان الوطء بزنا . واعتلوا بأنها إذا جربت الرجال كانت
أعرف بحظها من الولي فوجب أن يكون الأمر لها .
واحتج الأولون فقالوا : لما كانت [ محجوراً ] (٤) عليها في مالها
حجر الصغير جاز أن يجبرها على النكاح ، وأيضًا فإنها قد ساوت
البكر الصغيرة في أنها لا يصح اختيارها فلا معنى لاستثمارها . .
باب : إذا زوج ابنته وهي كارهة [ فنكاحه ] (٥) مردود
فيه: خنساء بنت [خذام] (٦): (( أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت
ذلك ، فأتت النبي - عليه السلام - فرد نكاحه)) .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): تستأمر.
(٣) البقرة : ٢٣٢ .
(٢) من ((هـ ))، وفي ( الأصل)): رد .
(٤) في ((الأصل)): محجور. والمثبت من (( هـ)).
(٥) من (( هـ، ن))، وفي ((الأصل)): فنكاحها .
(٦) من ((هـ، ن)) وفي ((الأصل)): حرام وهو تحريف.
١ - ٢٥٤ -

اتفق أئمة الفتوى بالأمصار على أن الأب إذا زوج ابنته الثيب بغير
رضاها أنه لا يجوز [ ويرد ] (١) واحتجوا بحديث خنساء ، وشذ
الحسن البصري والنخعي [ فخالفا ] (٢) الجماعة، فقال الحسن :
نكاح الأب جائز على ابنته [ بكرًاً] (٣) كانت أو ثيبًا، كرهت أو لم
تكره . وقال النخعي : إن كانت الابنة في عياله زوجها ولم يستأمرها
وإن لم تكن في عياله وكانت نائية عنه استأمرها .
( وإن لم يكن ) (٤) أحد من الأئمة مال إلى هذين القولين لمخالفتهما
للسنة الثابتة في خنساء وغيرها، وما خالف السنة فهو مردود .
واختلف الأئمة القائلون بحديث خنساء إن زوجها بغير إذنها ثم
بلغها / فأجازت . فقال إسماعيل القاضي : أصل قول مالك أنه لا
يجوز إن أجازته إلا أن يكون بالقرب ، كأنه في فور واحد ، ويبطل
إذا بعد ؛ لأن عقده عليها بغير أمرها ليس بعقد ولا يقع فيه طلاق .
[٢/ ق ١٣١ -١]
وقال الكوفيون : إذا أجازته جاز وإذا أبطلته بطل . وقال الشافعي
وأحمد وأبو ثور : إذا زوجها بغير إذنها فالنكاح باطل وإن رضيت ؛
لأن النبي - عليه السلام - رد نكاح خنساء ولم يقل إلا أن تجيزه .
باب : تزويج اليتيمة لقوله تعالى :
وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ﴾ (٥)
فيه: عائشة: (( ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في الیتامی إلى قوله : ﴿أو ما
ملكت أيمانكم﴾ (٥) . قالت: (هي ) (٦) اليتيمة التي تكون في حجر
(١) من (( هـ).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : فخالفهما.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بكر.
(٥) النساء : ٣.
(٤) في (( هـ)) : ولم يلتفت.
(٦) في (( هـ، ن)): هذه.
- ٢٥٥ -

وليها فيرغب في جمالها ومالها ، ويريد أن ينتقص من صداقها ، فنهوا
عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق فأمروا بنكاح من
سواهن من النساء ))
معنى هذا الباب أن الولي شرط في النكاح ؛ لمخاطبة الله الأولياء
بإنكاح اليتامى [ إذا خافوا ] (١) ألا يقسطوا فيهن . وقد تقدم هذا
الحديث في باب من قال : لا نكاح إلا بولي ، واحتج أبو حنيفة
ومحمد بن الحسن بهذه الآية في أنه يجوز للولي أن يزوج من نفسه
اليتيمة التي لم تبلغ ؛ لأن الله لما عاتب الأولياء أن يتزوجوهن إذا كن
من أهل المال والجمال إلا على سنتهن من الصداق ، وعاتبهم على
ترك نكاحهن إذا كن قليلات المال والجمال استحال أن يكون ذلك منه
تعالى فيمن لا يجوز نكاحه ، لأنه لا يجوز أن يعاتب أحد على ترك
ما هو حرام عليه، ألا ترى أنه أمر وليها أن يقسط لها في صداقها ،
ولو أراد بذلك بالغًا لما كان لذكره أصل سنتها في الصداق معنى ؛ إذ
كان له أن يراضيها على ما تشاء ثم يتزوجها على ذلك [ فيكون ذلك
له ] (٢) حلالا [ كما] (٢) قال الله - تعالى -: ﴿فإن طبن لكم عن
شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا﴾(٣).
فثبت أن [ التى ] (٤) أمر أن يبلغ بها أعلى سنتها في الصداق هي
التي لا أمر لها في صداقها المولى عليها، وهي غير بالغ، ولا يجوز
عند مالك والشافعي وجماعة أن يتزوج اليتيمة التي لا أب لها قبل
البلوغ ، ويفسخ النكاح عند مالك قبل الدخول وبعده ، وقد تقدم
الاختلاف في هذه المسألة في باب تزويج الصغار .
(١) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): إذ جائز.
(٢) من (( هـ)).
(٣) النساء : ٤ .
(٤) في ((الأصل)): الذي. وفي ((هـ)): النبي وَ لهوالصواب ما أثبتناه:
- ٢٥٦ -

وكان من حجة من خالف أبا حنيفة في ذلك أنه قد يكون في اليتامى
من تجوز حد البلوغ وبعده وهي سفيهة ، لا يجوز بيعها ولا شيء من
أفعالها ، فأمر تعالى أولياء هن بالإقساط لهن في الصدقات ، فلم تدل
الآية على جواز نكاح اليتيمة غير البالغ كما زعم أبو حنيفة ، وليس
هذا أولى بالتأويل ممن عارضه، وتأويل الآية في اليتيمة البالغ السفيهة.
*
باب : إذا قال الخاطب للولي زوجني فلانة فقال [ قد ](١)
زوجتك بكذا وكذا جاز النكاح وإن لم يقل ( الزوج رضیتُ أو
قبلت) (٢)
فيه: سهل: (( أن امرأة أتت النبي - عليه السلام - فعرضت عليه
نفسها فقال: مالي اليوم في النساء من حاجة . فقال رجل : يا رسول الله،
زوجنيها. قال : ما عندك؟ قال: ما عندي شيء . قال: أعطها ولو خاتمًا
من حديد . قال : ما عندي . قال : فما عندك من القرآن ؟ قال : كذا
وكذا . قال: قد ملكتكها بما معك من القرآن)).
وترجم له : باب إذا قال للولي زوجني فلانة ، فمكث ساعة أو قال : ما
معك [ من القرآن؟] (٣) قال: معي كذا وكذا ، أو لبثا ثم قال :
زوجتکھا . فھو جائز .
قال المهلب : بساط الكلام ومفهوم القصة أغنى في هذا الحديث
عن أن يوقف الخاطب على الرضا ، وليس / هذا في كل نكاح، بل (٣ق١٣١ - ب]
يجب أن يسأل الزوج أرضي بالصداق والشرط أم لا ؟ إلا أن يكون
(١) من (( هـ ، ن)).
(٢) في ((هـ، ن)): للزوج أرضيت أو قبلت.
(٣) من (( هـ).
- ٢٥٧ -

مثل هذا المعسر الراغب في النكاح فلا يحتاج إلى توقيفه على الرضا
لعلمهم به .
باب : لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع
فيه : ابن عمر: (( نهى النبي - عليه السلام - أن يخطب الرجل على
خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب )) .
وفيه: أبو هريرة، قال النبي: (( إياكم والظن [ فإن الظن ] (١) أكذب
الحديث - إلى قوله - ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو
يترك )) .
قال ابن المنذر : النهي في هذا الحديث أن يخطب الرجل على
خطبة أخيه نهي تحريم لا نهي تأديب ؛ لما روى الليث ، عن ابن أبي
حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة أنه سمع عقبة بن عامر، أنه سمع
رسول الله يقول: (( المؤمن للمؤمن ، لا يحل لمؤمن أن يخطب على
خطبة أخيه حتى يذر ، ولا يحل له أن يبتاع على بيع أخيه حتی یذر».
قال الطبري : اختلف أهل العلم في تأويل هذا الحديث ، فقال
بعضهم : نهيه عليه السلام أن يخطب على خطبة أخيه منسوخ بخطبته
عليه السلام لأسامة فاطمة بنت قيس على خطبة معاوية وأبي الجهم .
وقال آخرون : هو حكم ثابت لم ينسخه شيء ، وهو غير جائز
لرجل خطبة امرأة قد خطبها غيره حتى يترك ذلك . هذا قول عقبة بن
عامر وعبد الله بن عمر وابن هرمز . واحتجوا بعموم الحديث . وقال
آخرون : نهيه عليه السلام أن يخطب على خطبة أخيه يريد في حال
رضا المرأة به وركونها إليه .
(١) في ((الأصل)): فإنه. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ٢٥٨ -

وقد فسر مالك هذا الحديث في الموطأ فقال : معنى النهي عن ذلك
إذا كانت المرأة قد ركنت إليه واتفقا على صداق وتراضيا ، فتلك التي
نهى النبي أن يخطبها على خطبة أخيه ، فأما إذا لم تركن إليه ولم
يوافقها ، فلا بأس أن يخطبها غيره .
قال أبو عبيد : وقول مالك [هو] (١) عندنا وجه الحديث ، وبه
يقول أهل المدينة وأهل العراق أو أكثرهم . واحتج الشافعي والطحاوي
[ بأن ] (٢) النبي - عليه السلام- أباح الخطبة لأسامة على خطبة معاوية
وأبي جهم حين خطبا فاطمة بنت قيس ، وكان بيّنًا أن الحالة التي
خطب فيها رسول الله فاطمة على أسامة غير الحال التي نهى عن
الخطبة فيها حتى تصح معاني الآثار ولا تتضاد .
واختلف أصحاب مالك إذا أظهرت الرضا ولم يتفقا على صداق،
فقال أكثرهم : لا يخطبها ؛ لأنه قد يكون نكاحًا ثابتا إذا تم الرضا
وإن لم يسمّ الصداق ، وهو نكاح التفويض ، إلا ابن نافع فإنه قال :
لا بأس أن يخطبها ما لم يتفقا على صداق . والقول الأول أولى .
واختلف قول مالك وأصحابه إذا ركن إليها ثم خطب عليه غيره
وتزوجها ، فروي عنه أنه يفسخ النكاح قبل الدخول ، ولا يفسخ بعد
الدخول وبئس ما صنع ، وذكر عنه ابن المواز أنه يفسخ النكاح على
كل حال ، كما يفسخ البيع إذا سَاوم على سَومه ، وهو قول [أهل](١)
الظاهر . وروي عنه أنه لا يفسخ النكاح أصلا ، وهكذا روى سحنون
عن ابن القاسم أنه لا يفسخ النكاح ولا البيع ويؤدب فاعله .
وقال الكوفيون والشافعي : لا يفسخ . و[احتج] (٣) ابن القصار
(١) من (( هـ).
(٢) في (( الأصل)): أن. والمثبت من (( هـ).
(٣) في ((الأصل)): قال. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٥٩ -

[لقول] (١) مالك أنه يفسخ فقال : النهى يقتضي فساد المنهي عنه،
وإذا كان إيقاع المنهي عنه فاسدًا لم تحصل به الاستباحة ؛ لقوله عليه
السلام: (( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد )) واحتج ابن
حبيب [لقوله] (٢): إنه لا يفسخ، فقال: ليس [ يشبه] (٣) إذا
اشترى على شراء أخيه ؛ لأن ملك النكاح لا ينتقل بالركون خاصة ،
[٣/ق١٣٥-١] هكذا سمعت مطرفًا / وابن الماجشون يقولان ، وقال أصبغ عن ابن
القاسم مثله ، وقد كان ابن نافع يرى فيه الفسخ قبل البناء وبعده وليس
بشيء .
:.
قال غيره : والدليل على جواز النكاح أنه لم يملك بضعها بالركون
دون العقد ولا كانت له بذلك زوجةً تجب بينهما الموارثة ويقع الطلاق .
وأما قولهم : إن النهي يقتضي فساد المنهي عنه ، فنقول : العقد
صحيح والمنهي عنه الخطبة خاصةً ليس العقد كما لو فجر بها أو
جردها عن ثيابها ثم نكحها .
وأمَّا قوله : إنه يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده فهو من باب إعادة
الصلاة في الوقت ليدرك العمل على كماله وسُننه .
قال ابن المنذر : ونهيهُ عليه السلام أن يخطب على خطبة أخيه
المسلم يدل على إباحة أن ينكح على خطبة اليهودي والنصراني ؛ لأن
الأمور كانت على الإباحة حتى نهي عن الخطبة على المسلم فثبتت
الإباحة على من ليس بمسلم ؛ لأن المؤمنين إخوة .
(١) في ((الأصل)): بقول. والمثبت من ( هـ)).
(٢) في (( الأصل)): بقوله. والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)): بسنة. وهو تصحيف، والمثبت من ( هـ )).
- ٢٦٠ -