Indexed OCR Text

Pages 121-140

باب : الهبة المقبوضة وغير المقبوضة
والمقسومة وغير المقسومة
وقد وهب النبي وأصحابه لهوازن ما غنموا منهم ، وهو غير مقسوم .
فيه : أبو هريرة: (( كان لرجل على النبي دَيْن ، فَهمّ به أصحابه فقالوا :
لا نجد إلا أفضل من سنه ، ( فقال ) (١): أعطوها إياه ، فإن خيركم
أحسنکم قضاء )) .
وفيه : جابر : (( أتيت النبي في المسجد فقضاني وزادني )).
وقال شعبة: عن محارب، عن جابر: ((فوزن لي فأرجح (٢)، [فما
زال ](٣) منها شيء ، حتى أصابها أهل الشام يوم الحرة )) .
وفيه: [ سهل] (٤): (( أتي النبي بشراب ، وعن يمينه غلام، وعن
يساره الأشياخ ... )) الحديث .
وقد تقدم القول في قبض الهبات ، [ وما للعلماء في ذلك فأغنى
عن إعادته ] (٥) .
وأما الهبة غير المقسومة فهي هبة المشاع ، واختلف العلماء فيها ،
فقال مالك وأبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور :
هبة المشاع جائزة ، ويتأتى فيها القبض كما يجوز فيها البيع ، وسواء
كان المشاع مما ينقسم كالدور والأرضين ، أو مما لا ينقسم كالعبد
والثياب والجواهر ، وسواء كان مما يقبض بالتخلية ، أو مما يقبض
[بالنقل] (٦) والتحويل .
(١) في ((هـ)): قال.
(٢) جاء في (( هـ)): لي، وهي زيادة مقحمة.
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)) : وما زال .
(٤) من (( هـ))، وفي ((الأصل)) : أنس.
(٦) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): بالبقض.
(٥) من (( هـ)).
- ١٢١ -

وقال أبو حنيفة : إن كان المشاع مما ينقسم لم يجز هبة شيء منه
مشاعًا، وإن كان [ المشاع ] (١) مما لا ينقسم كالعبد واللؤلؤ والثوب،
فإنه تجوز هبته . وحجة أصحاب أبي حنيفة أن الهبات لا تصح
(عندهم ) (٢) إلا بالقبض، والمشاع لا يتأتى فيه القبض إلا بقبض
الجميع ، ومتى كلف الشريك هذا أضرّ به ، وله أن يمتنع من ذلك ،
واحتجوا بأن أبا بكر الصِّدِّيق وهب لابنته جداد عشرين وسقًا فلم
تقبضه، [ فقال ] (٣): لو كنت حزتيه لكان لك. وهذا كان بحضرة
الصحابة من غير خلاف .
وحجة من أجاز هبة المشاع أن الرسول وهب حقه من غنائم حنين
لهوازن ، وحقه من ذلك مشاع لم يتعين ، وأيضًا حديث أبي هريرة أن
النبي قضى للذي أسلفه الجمل بأفضل من سنه ، ووجه الدلالة منه أن
ثمن ذلك الفضل مشاع في ثمن السن التي كانت تلزمه ، وقد وهب
ذلك عليه السلام، وكذلك قول جابر: (( فقضاني وزادني)» .
[٣/ق١٠٨-١]
وقوله: ((فوزن / لي فأرجح)) فعلم أن تلك الزيادة وذلك
الرجحان لم يكن من الثمن ، وإنما كان هبةً ، ولم يكن متميزًا بل
كان مشاعًا ، وهبة النبي وحديث الغلام والأشياخ بين في ذلك
[أيضاً](١)؛ لأنه عليه السلام استوهب الغلام نصيبه من الشراب ؛
وكان ذلك مشاعًا غير متميز ولا مقسوم ، ولا يعرف ما كان يشرب مما
كان يترك للأشياخ . .
قال ابن القصار : ومن أجاز هبة ما لا ينقسم ( فبأن ) (٤) يجيز هبة
ما ينقسم أَوْلى ، وأما احتجاجهم بقول أبي بكر لابنته : لو كنت
حزتيه لكان ذلك ، فهو حجة عليهم ؛ لأنه وهب لها جداد عشرين
(١) من (( هـ).
(٣) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): وقال :
(٢) في (( هـ)) : عنده ..
(٤) في (( هـ)) : فلا .
- ١٢٢ -

وسقًا من أوساق كثيرة ، وهذا مشاع بينهم ، فدل هذا على جواز هبة
المشاع؛ لأنه لو لم يجز لم يفعله .
وقوله: ((لو كنت حزتيه [ لكان ] (١) لك)) لا يدل على أن ما
عقده من الهبة لم يجز ، وإنما قال ذلك لئلا يقتدى به من يريد
الهروب بماله من الميراث ، ولما لم تحزه عائشة في صحته لم ينفذه لها
في مرضه ؛ لأن عطايا المريض المقبوضة هي في ( ثلثه ) (٢) کالوصايا،
والوصية للوارث لا تجوز . ولم يختلف مالك وأبو حنيفة والشافعي أن
عطايا المريض للأجنبي جائزة في ثلثه ، فلم يخالف مالك من حديث
أبي بكر شيئًا ، وأبو حنيفة خالف أوله ، وتأول في آخره ما لم يجامع
عليه .
باب : إذا وَهَب جماعة لقوم أو رجل لجماعة
[ مقسومًا وغير مقسوم ] (٣) جاز
فيه: مروان والمسور: (( أن النبي [ حين ] (٣) جاءه وَفْد هوازن
مسلمين فسألوه أن يرد إليهم سبيهم وأموالهم ، فقال النبي :
(اختاروا) (٤) إحدى الطائفتين : إما السّبي وإما المال ، فاختاروا
السَّبي ... )) الحديث .
قال المؤلف : أما قول البخاري : (٥) باب إذا وهب جماعة لقوم ،
فإن أصحاب النبي وهبوا هوازن السَّبي وهو مشاع ؛ لأن هوازن لم
يقسموه بينهم ، ولا حاز كل واحد منهم أهله إلا بعد أن حصل في
ملكهم ، وبعد أن ( نفذت ) (٦) هبةُ أصحاب النبي لهم في السبي ،
(١) من ((هـ)، وفي ((الأصل)): كان.
(٣) من (( هـ)).
(٢) في (( هـ ) : ثلاثة .
(٤) في (( هـ)) : فاختاروا .
(٥) جاء في ((الأصل)): في، وهي زيادة مقحمة. (٦) في ((هـ)): حصلت.
- ١٢٣ -

ولم يكن لأحد منهم رجوع في شيء من ذلك ؛ لأنهم طيّبوا هبتهم ،
وأمضوها على شرط ألا يقبلوا العوض من النبي فيها ، فهذا يرد قول
أبي حنيفة أن هبة المشاع الذي تتأتى فيه القسمة لا تجوز ؛ لأن هوازن
إنما حازوا أهلهم بعد تملكهم لهم ، فهذا هبة الجماعة [للجماعة](١).
وأما قول البخاري في الترجمة : أو رجل لجماعة فإن أصحاب
النبي وإن كانوا قد طابت نفوسهم بهبة السّبي ، فإنما فعلوا ذلك من
أجل شفاعة النبي عندهم فيه ، وأنه وعد بالعوض من لم تطب نفسه
بالهبة ؛ فكأنه هو الواهب إذ كان السبب في الهبة ، وأيضًا ، فإنه
عليه السلام كان له حق في جملة السُّبي ، فصح قول البخاري في
جواز هبة الواحد للجماعة .
وأما قوله : ((مقسومًا أو غير مقسوم)) فإنما أراد أن المشاع والمقسوم
سواء في جواز الهبة ؛ [ فلذلك ما ينقسم وما لا ينقسم سواء في جواز
الهبة ] (٢)
باب : من أهدي له هدية وعنده جلساؤه فهو أحق
ويذكر عن ابن عباس : أن جلساءه شركاؤه، ولم يصح .
فيه : أبو هريرة: (( أن النبي - عليه السلام - قال الذي جاءه يتقاضاه :
أعطوه أفضل من سنه ... )) الحديث .
وفيه : ابن عمر: (( أنه كان مع النبي في سفر على بَكْر صَعْب لعُمر ،
(وكان يتقدم النبي) (٣)، فقال (عمر) (٤): لا يتقدم النّبي أَحَدٌ ، فقال
۔۔
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): للواحد .
(٢) من ( هـ )).
(٣) تكررت في ((الأصل)).
(٤) فى ((هـ)) : أبوه .
- ١٢٤ -

له النبي : بعْنيه ، فقال عمر: هو لك يا رسول الله ، فاشتراه ثم قال : هو
لك یا عبد الله، فاصنع به ما شئت )) .
لو صح قوله عليه السلام : (( جلساؤكم شركاؤكم )) لكان معناه
الندب عند [الفقهاء فيما ] (١) خَفَّ من الهدايا ، وما جرت العادة
[بترك المشاحة] (٢) / فيه، [ وأَمّا ما كان له قيمة من الهدايا] (٣) (٣/ق١٠٨-ب]
مثل: الدور ، والعقار ، والمال الكثير ، فصاحبها أحق بها على ما
ترجم [ به ] (٢) البخاري ، ألا ترى أن النبي أمر أن يعطى الذي
[تقاضاه الجمل] (٤) أفضل من سنه التي كانت عليه ، ولم يشاركه أحد
ممن كان بحضرته في ذلك الفضل ، وكذلك وهب [ عليه السلام ] (٢)
الجمل لابن عمر وهو مع الناس فلم يستحق أحد منهم فيه شركة مع
ابن عمر ، فعلى هذا مذهب الفقهاء .
وروي عن أبي يوسف القاضي: أن الرشيد أهدي إليه مالا كثيرًا ،
فورد عليه وهو جالس مع أصحابه ، فقال له أحدهم : قال النبي :
((جلساؤكم شركاؤكم))، [فقال] (٥) له أبو يوسف : إن هذا الحديث
لم يرد في مثل هذا ، وإنما ورد فيما خف من الهدايا ، وفيما يؤكل
ويشرب مما تطيب النفوس ببذله والسماحة به .
باب : إذا وهب الرجل بعیراً لرجل وهو راکبه فهو جائز له
فيه : ابن عمر : « كنا مع النبي في سفر ( وكنت ) (٦) على بكر صعب،
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): العلماء مما. (٢) من (( هـ)).
(٣) من (( هـ))، وفي (( الأصل)»: فأما.
(٤) من (( هـ))، وفي (( الأصل)): تقاضى.
(٥) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): قال.
(٦) في (( هـ ): فكنت .
- ١٢٥ -

فقال النبي : ( يا عمر ) (١) ، بعنيه ، فباعه ، فقال النبي : هو لك يا
عبدالله )) .
ولا خلاف بين العلماء أن من كان عنده الشيء الموهوب له ، فإن
ذلك قبض صحيح ، وكذلك حكم الوديعة والرهن ومال القراض
والدين ، يهبها أربابها لمن هي في يديه ، أن ذلك كله حيازة صحيحة
لا تحتاج إلى غيرها ، وقد تقدم حكم قبض الهبات قبل هذا ، فلا
معنى لتكريره .
باب : هدية ما يكره لبسه
فيه : ابن عمر : (( رأى عمر حلة سيراء عند باب المسجد فقال : يا
رسول الله، لو اشتريتها ( فتلبسها) (٢) يوم الجمعة وللوفد، (فقال)(٣).
.....
إنما يلبسها من لا خلاق له في الآخرة ، ثم جاءت حلل [فأعطى] (٤)
النبي عمر منها حلة ، وقال : أكسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما
قلت ؟! فقال : إني لم أكسكها لتلبسها ... )) الحديث.
وفيه : ابن عمر : (( أتى النبي فاطمة ( فلم ) (٥) يدخل عليها ، وجاء
عليّ فذكرت له فاطمة ذلك ، فذكره للنبي - عليه السلام - فقال : إني
رأيت على بابها ستراً موشيًا ، فقال : ما لي وللدنيا فأتاها عليّ فذكر
ذلك لها ، فقالت : ليأمرني فيه بما شاء ، قال : ترسلي به إلى فلان- أهل
بیت بهم حاجة )) .
(١) في (( هـ)): لعمر .
(٣) في ((هـ)): قال .
(٥) في (( هـ)) : فلما .
(٢) في (( هـ)) : فلبستها .
(٤) من (( هـ ، ن)).
- ١٢٦ -

وفيه: عليّ: (( [ أهدى لي ] (١) النبي - عليه السلام - حلة سيراء ،
فلبستها فرأيت الغضب في وجهه ؛ [ فشققتها ] (٢) بين نسائي)).
هدية ما يكره لبسه مباحة ؛ لأن ملكه جائز ، ولصاحبه التصرف فيه
بالبيع والهبة ، فمن يجوز له لباسه مثل النساء ، والصبيان ، وإنما كره
من الحرير لباسه للرجال خاصة دون ملكه .
قال المهلب : وإنما كره النبي الحرير لابنته ؛ لأنها ممن يَرْغَبْ لها في
الآخرة كما ( يرغب ) (٣) لنفسه ، ولا يرضى لها تعجيل طيباتها في
(الحياة) (٤) الدنيا، فدل هذا [ على ] (٥) أن النهي عن الحرير إنما
هو من جهة السرف .
لأن الحديث [ الذي ] (٥) يروى عن النبي في تحريم الحرير قد
سألت عنه أبا محمد الأصيلي ، و[ أوقفته ] (٦) على لفظة حرام ،
فقال لي : لا تصح لفظة حرام البتة، [ وإن ] (٧) صحت فإنما معناها
حرام [ تحرمه ] (٨) السَّنّة ، وحرام دون حرام . وهو كقوله عليه
السلام: (( كل ذي ناب من السباع حرام)) .
وفي ذلك الحديث حل لإناثها ، فقد كرهه لابنته وهو حلال ،
فكذلك كرهه للرجال من أجل السرف ، وقوله في حديث [ ابن
عمر](٩): (( ما لي وللدنيا ؟!)) دليل قاطع.
وقوله : ((إنما يلبسها من لا خلاق له في الآخرة)) . فإنما يريد
(١) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): أهدي إليّ.
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): فشققها.
(٣) في (( هـ )): يرغبها .
(٤) في (( هـ)) : حياتها .
(٥) من (( هـ ).
(٦) من (( هـ)، وفي (( الأصل)): وافقته.
(٧) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): فإن.
(٨) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): تحريم.
(٩) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): عمر.
- ١٢٧ -

بذلك - والله أعلم - أنها لباس الكفار في الدنيا ومن لا حظ له في
الآخرة ، فنهى عليه السلام عن مشابهتهم واستعمال زيهم - والله
أعلم- وسأستقصي مذاهب العلماء في هذه المسألة في كتاب اللباس -
إن شاء الله .
[٣/ ق١٠٩-١]
وقال أبو عبد الله - أخو المهلب - : وقول عليّ: / ((فرأيت
الغضب في وجهه )) يدل على أن النهي عن الحرير على غير التحريم ،
وإنما هو على الكراهية ، ولو كان تحريمًا لما عرف علي الكراهية إلا من
نهيه لا بدليل من وجهه .
وقوله : (( لا ينبغي هذا للمتقين )» دليل آخر ، ولو كان حرامًا لكان
المتقي فيه والمسيء فيه واحدًا ، ولكنه كما قال تعالى في المتعة: ﴿حقًّا
على المتقين﴾ (١)، و﴿ حقًا على المحسنين﴾ (٢).
قال المؤلف : و[حملت ] (٣) طائفة الآثار المروية عن النبي - عليه
السلام - في النهي عن لباس الحرير [ على التحريم ] (٤)، ولم يأت
عنه ما يعارضها إلا ما يخصها من جواز لباسه في الحرب وعند
التداوي، وما عدا هذين الوجهين [ فباقٍ ] (٥) على التحريم ، ومن
جعل تحريم الحرير كتحريم كل ذي ناب من السباع ، فذلك دليل على
التحريم ؛ لأن جمهور الأمة على أن تحريم كل ذي ناب من السباع
على التحريم البين الذي هو ضد التحليل ، فكيف يحتج هذا القائل
بما [ يخالفه ] (٦) فيه أكثر الأمة .
:
(١) البقرة : ٢٤١ .
(٢) البقرة : ٢٣٦.
(٤) من ( هـ )).
(٣) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): جعل.
(٥) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): فيلق .
(٦) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): يخالف.
- ١٢٨ -

باب : قبول الهدية من المشركين
وقال أبو هريرة [ عن النبي (وَلقر](١): «هاجر إبراهيم بسارة، فدخل
قرية فيها ملك - أو جبار - فقال: أعطوها ( هاجر ) (٢))). وأهديت
للنبي - عليه السلام - شاة فيها سم ، وقال أبو حميد : (( أهدى ملك
أيلة للنبي - عليه السلام - بغلة بيضاء ، ( وكساه بردًا) (٣) ، وكتب له
ببحرهم )) .
وفيه: أنس: (( أهدي إلى النبي جبة سندس وكان ينهى [ عن ] (٤)
الحرير ، فعجب الناس منها ، فقال : والذي ( نفس محمد ) (٥) بيده
لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا)).
وقال سعيد عن قتادة، [ عن أنس ] (١): ((أن أكيدر دومة أهدى
للنبي - عليه السلام)) .
وفيه: أنس: (( أن يهودية أهدت إلى النبي - عليه السلام - شاة
مسمومة فأكل منها، فجيء بها ، فقيل : ألا نقتلها ؟ قال : لا . فما زلت
أعرفها في لهوات النبي - عليه السلام)).
وفيه : عبد الرحمن بن أبي بكر: (( كنا مع النبي - عليه السلام -
ثلاثين ومائة ، فقال : هل مع أحد منكم طعام ؟ فإذا مع رجل صاع
[فعجن] (٦)، ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها ، فقال
النبي - عليه السلام -: ( بيعًا) (٧) أم عطية - أو قال: أم هبة - ؟ [قال:
لا ] (٨)، بل بيع ، فاشترى منه شاة فصنعت ، ( و ) (٩) أمر الرسول
(١) من (( هـ)).
(٣) في (( هـ )) : فكساه برده .
(٥) في ((هـ)) : نفسي.
(٧) في (( هـ)): أبيعًا.
(٩) في ((هـ)): ثم .
(٢) في (( هـ)»: آجر .
(٤) من (( هـ))، وفي ((الأصل)) : على .
(٦) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): للعجن .
(٨) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): قل.
- ١٢٩ -

بسواد البطن أن يشوى ، وايم الله ما في الثلاثين والمائة ، إلا قد حز النبي
له حزة من سواد بطنها ، إن كان شاهدًا أعطاه، وإن كان غائبًا (خبأ)(١).
له ، [ فجعل منها قصعتين ] (٢) فأكلوا أجمعون وشبعنا ، ففضلت
القصعتان فحملناه على البعير - أو كما قال )) .
وثبت عن النبي بهذه الآثار وغيرها أنه قبل هدايا المشركين ، وأكثر
العلماء على أنه لا يجوز ذلك لغير النبي من الأمراء إذا كان قبولها
منهم على جهة الاستبداد بها دون ( رعيته ) (٣) ؛ لأنه إنما أهدي له
ذلك من أجل أنه أمير الجيش ، وليس النبي في ذلك كغيره ؛ لأنه
مخصوص بما أفاء الله عليه من أموال الكفار من غير قتال .
وقد اختلف العلماء في هدايا المشركين ، فقال ابن حبيب : ما
أهداه الحربي إلى والي الجيش كان الوالي الأعظم أو [ من ] (٢) دونه
فهو مغنم ؛ لأنه لم ينله إلا بهم ، وفيه الخمس . وهو قول
الأوزاعي، ومحمد بن الحسن .
قال ابن حبيب : وسمعت أهل العلم يقولون : إنما والي الجيش في
سهمانه كرجل منهم له ما لهم وعليه ما عليهم . وقال أبو يوسف : ما
أهدي إلى والي الجيش فهو له خاصة ، وكذلك ما يعطاه الرسول .
وقال محمد بن الحسن : ولو أهدى العدو إلى رجل من المسلمين ليس.
بقائد ولا أمير [ هدية ] (٢) فلا بأس أن يأخذها، وتكون له دون
العسكر . وهو قول الأوزاعي ، وابن القاسم صاحب مالك .
فإن قيل: فقد روي عن النبي: (( أن عياض بن حمار أهدى إلى
النبي هدية - أو ناقة - فقال: أسلمت ؟ قال : لا . فلم يقبلها وقال :.
إني نهيت عن زبد المشركين)). رواه (شعبة) (٤)، عن قتادة،
(١) في ((هـ)): خبأها.
(٣) في (( هـ)): رعية ..
(٢) من (( هـ)).
(٤) في (( هـ ) : سعيد .
- ١٣٠ -

قتادة، عن أبي [ العلاء ] (١) يزيد بن عبد الله ، عن عياض بن
حمار، وهذا معارض لما روي / عن الرسول من قبول هدايا (٣/ق١٠٩-ب)
المشركين، فهو ناسخ لها .
قيل : يحتمل أن يكون ترك قبول هديته لما في ذلك من التأنيس
والتحاب ، ومن حاد الله وشاقه حرم على المؤمنين موالاته ، ألا ترى
أنه عليه السلام جعل علة ردها لما لم يسلم، وقد روى معمر عن
الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال : (( جاء ملاعب
الأسنة إلى النبي بهدية ، فعرض عليه النبي [ الإسلام ] (٢) فأبى أن
يسلم ، [ فقال ] (٣) عليه السلام: فإني لا أقبل هدية مشرك)).
فدل هذا الحديث على مثل ما دل عليه حديث عياض ، وبان به أن
قبول النبي هدية من قبل هديته من المشركين إنما كان على وجه [التأنيس
له ] (٤) والاستئلاف، ورجاء إنابتهم إلى الإسلام ، ومن يئس من
إسلامه منهم رد هديته .
وقال الطبري : قبول النبي هدايا المشركين إنما كان نظرًا منه
للمسلمين وعودًا بنفعه عليهم ، لا [إيثارًا ] (٥) منه نفسه به دونهم ،
وللإمام قبول هدايا أهل الشرك وغيرهم ، إذا كان ما يقبله من ذلك
للمسلمين ، وأما [ رده ] (٦) هدية من رد هديته منهم فإنما كان ذلك
من أجل أنه أهداها له في خاصة نفسه ، فلم ير قبولها ؛ تعريفًا منه
لأئمة أمته من بعده أنه ليس له قبول هدية أحد لخاصة نفسه .
(٢) من (( هـ ) .
(١) في (( هـ))، وفي (( الأصل)): العلي.
(٣) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): وقال.
(٤) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): التأنس.
(٥) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): إيثار .
(٦) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): رد .
- ١٣١ -

ويبين ذلك ما رواه [ ابن عوف، عن ] (١) الحسن قال: (( جاء
رجل إلى النبي يقال له : عياض . كانت بينه وبين النبي صداقة قبل أن
يبعث [ بهديته ] (٢)، فقال له النبي: أسلمت ؟ قال : لا . قال :
فإنه لا يحل لنا زبد المشركين)) . قال الحسن : الزبد : الرفد ، ذكره
ابن سلام .
قال الطبري : فإن ظن ظان أن قوله عليه السلام: (( لا نقبل هدية
مشرك)) و[ أن ما ] (٣) رواه عطاء، عن جابر، عن النبي - عليه
السلام - أنه قال: ((هدايا الإمام غلول)) أن ذلك على العموم فقد
ظن خطأ .
وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن الله - تعالى - قد أباح للمسلمين
أموال أهل الشرك بالقهر والغلبة لهم بقوله تعالى : ﴿واعلموا أنما
غنمتم ... ﴾ (٤) الآية ، فهو بطيب أنفسهم لا شك [أحلى ] (٥)
وأطيب .
والدليل على صحة [ قولنا] (٦) ما رواه شعبة عن [علي ] (٧) بن
زيد، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري: (( أن ملك
الروم أهدى لرسول الله جرة من زنجبيل ، فقسمها رسول الله بين
أصحابه ، فأعطى كل رجل قطعة )).
وما رواه قرة، عن الحسن قال: ((أهدى أكيدر دومة الجندل إلى
رسول الله جرة فيها مَّن ، بالنبي - عليه السلام - وأهله إليها حاجة ،
(١) من ((هـ))، وفي (الأصل)): نعيم بن عوف بن .
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): بهدية.
(٣) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): إنما .
(٤) الأنفال : ٤١ .
(٥) من ((هـ))، وفي (( الأصل)) : أحل.
(٦) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): قوله .
(٧) من (( هـ)).
- ١٣٢ -

فلما قضى الصلاة أمر طائفًا فطاف بها على أصحابه ، فجعل الرجل
يدخل يده فيخرج فيأكل ، فأتى على خالد بن الوليد فأدخل يده
فقال: يا رسول الله ، أخذ القوم مرة مرة ، وأخذت مرتين فقال : كل
وأطعم أهلك )) .
وأهدى [ البون ] (١) ملك الروم إلى مسلمة بن ( عبد) (٢) الملك
لؤلؤتين وهو بالقسطنطينية ، فشاور أهل العلم ، من ذلك [الجيش
فقالوا ] (٣): لم [ يهدها ] (٤) إليك إلا لموقعك من هذا
[الجيش](٥)، فنرى أن تبيعها و[تقسم ] (٦) ثمنها على هذا الجيش.
فثبت بفعل النبي وقول أهل العلم [ من ] (٦) بعده أن الذي كان من
رد رسول الله هدية من رد من المشركين كان لما (وصف لك ) (٧) ،
إذ من المحال اجتماع الرد والقبول في الشيء الواحد والحال الواحدة ،
فبان أن سبب قبوله عليه السلام ما قبل غير سبب رده ما رد منه .
فإن قيل: إن [ آخر فعليه ] (٨) كان ناسخًا للآخر. قيل له : لو
كان كذلك لكان مبينًا ، وكان على الناس دليل مفرق بينه وبين
المنسوخ؛ إذ غير جائز أن يكون شيء من [ حكم ] (٩) الله - تعالى -
غير معلوم الواجب عنه على عباده إما بنص [ عليه، أو الأدلة ] (١٠)
منصوبة [ لهم ] (٦) على اللازم فيه .
(٢) في (( هـ )) : عبيد .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): النور.
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): الحسن فقال.
(٤) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): يهديها .
(٥) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): المجلس. (٦) من ((هـ )).
(٧) في (( هـ )) : وصفت.
(٨) في ((الأصل)): آخر فعله. وفي (( هـ)): أحد فعليه .
(٩) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): علم.
(١٠) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): منه أو دلالة.
- ١٣٣ -

فبان بهذا أن سبيل الأئمة القائمين بعد النبي بأمر الأمة سبيله - عليه
السلام - في أن من أهدى إليه ملك من ملوك أهل الحرب هدية فله
قبولها ، وصرفها حيث ما جعل الله ما حول ( المسلمين ) (١) بغير
إيجاف منهم عليه بخيل ولا ركاب .
[٣/ ق ١١٠-١]
وإن كان / الذي أهدي إليه وهو منتح مع جيش من المسلمين: [بعقدة
دارهم ] (٢) محاصرًا لهم ، فله قبوله وصرفه فيما جعل الله من
أموالهم مصروفًا فيما [ نيل ] (٣) بالقهر والغلبة لهم ، وذلك ما
أوجفوا عليه بالخيل والركاب ، كالذي فعل النبي بأموال [ قريظة ] (٤)
إذ نزلوا على حكم سعد لما نزل رسول الله وأصحابه محاصرين لهم .
قال المهلب : في حديث ( أبي ) (٥) حميد : مكافأة المشرك على
هديته؛ لأن النبي أهدى له [ برداً ] (٦) .
وفيه جواز تأمير المسلمين المشرك [ الذمي ] (٧) على قومه لما في
ذلك من طوعهم له وانقيادهم. قال الطبري : كان صاحب أيلة من
أهل الجزية بالصلح الذي جرى بينه وبين النبي .
قال المهلب : وفيه تولية البحر وأنه عمل من الأعمال ، وفيه جواز
نسبة العمل إلى من أمر به؛ لقوله عليه السلام: ((وكتب ( له) (٨)
ببحرهم )) وهو عليه السلام لم يكتب كما قال رحم رسول الله وإنما
أمر بذلك .
(١) في ((هـ)»: المؤمنين.
(٢) من ((هـ))، وفي ( الأصل)): بعقرة ذارهم.
(٣) من (( هـ))، وفي (الأصل)): قبل.
(٤) من ((هـ))، وفي ( الأصل)): قريضة.
(٥) في ((هـ): ابن. وهو تحريف. (٦) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): برده
(٨) في (( هـ)): لهم.
(٧) من (( هـ )).
- ١٣٤ -

وفي قبول الشاة المسمومة دليل على أكل طعام من يحل أكل طعامه
دون أن يسأل عن أصله ولا یحترس من حیث إن کان فيه مع جواز ما
قد ظهر إليه من السم ، فدل ذلك على حمل الأمور على السلامة
حتى يقوم دليل على غيرها ، وكذلك حكم ما أبيع في سوق المسلمين
هو محمول على السلامة حتى يتبين خلافها .
وفي حديث المشرك المشعان جواز قبول هدايا المشركين، وقد تقدم
كثير [ من معناه ] (١) في كتاب البيوع في باب الشراء والبيع (من) (٢)
المشركين وأهل الحرب ، وفيه المواساة بالطعام عند المسغبة والشدة
وتساوي الناس في ذلك ، وفي أكل أهل الجيش من الكبد على قلته
علامة باهرة من علامات النبوة ، وآية قاهرة من آيات النبي - عليه
السلام .
باب : الهدية للمشر کین
وقال تعالى: ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾(٣)
الآية .
فيه : ابن عمر: (( أن النبي - عليه السلام - أرسل إلى عمر بحلة سيراء
فقال : كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت ، إنما يلبسها من لا خلاق له
في الآخرة ؟ (٤) قال: [ إني ] (٥) لم أكسكها لتلبسها ، تبيعها أو
تكسوها . فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم )) .
وفيه: أسماء: (( قدمت عليّ أمي وهي مشركة في عهد النبي - عليه
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): منه.
(٢) في (( هـ )» : مع.
(٣) الممتحنة : ٨ .
(٤) جاء في (( الأصل)): و، وهي زيادة مقحمة .
(٥) من ( هـ )).
- ١٣٥ -

i
السلام - فاستفتيت النبي - عليه السلام - قلت : إني أمي أتتني وهي
راغبة ، أفأصل أمي ؟ قال : صلي أمك)).
وروى الطبري عن ابن الزبير أن قول الله - تعالى - : ﴿ لا ينهاكم
الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ﴾ (١) نزلت في أم أسماء بنت أبي
بكر ، وكان اسمها [ قتيلة ] (٢) بنت عبد العزيز . وقالت طائفة:
نزلت في مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين ولم يخرجهم من ديارهم.
وقال مجاهد : هو خطاب للمؤمنين الذين بقوا بمكة ولم يهاجروا .
وقال السدي : كان هذا قبل أن يؤمر بقتال المشركين كافة ،
فاستشار [ المسلمون ] (٣) النبي في قراباتهم من المشركين أن يبروهم
ويصلوهم ؛ فأنزل الله هذه الآية .
في تفسير الحسن قال قتادة وابن زيد: [ ثم ] (٤) نسخ ذلك ،
ولا يجوز اليوم مهاداة المشركين ولا متاحفتهم إلا للأبوين خاصة ؛ لأن
الهدية فيها تأنيس للمهدى إليه ، وإلطاف له ، وتثبيت لمودته ، وقد
نهى الله عن التودد للمشرکین بقوله : ﴿ لا تجد قوما يؤمنون بالله
واليوم الآخر يوادون ﴾ (٥) الآية، وقوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا
تتخذوا ﴾ (٦) الآية .
وإنما بعث عمر بالحلة إلى أخيه المشرك بمكة على وجه التأليف له
على الإسلام ؛ لأنه كان طمع بإسلامه ، وكان التألف على الإسلام
حينئذ مباحًا ، وقد تألف رسول الله صناديد قريش ، وجعل الله
للمؤلفة قلوبهم سهمًا في الصدقات ، وكذلك فعلت أسماء في أمها؛
(١) الممتحنة : ٨.
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): قتل .
(٣) من ((هـ))، وفى ( الأصل)): المسلمين.
(٤) من (( هـ))، وفي ((الأصل)) : هو.
(٥) المجادلة : ٢٢ .
(٦) الممتحنة : ١ .
- ١٣٦ -

لأن الله قد أمر بصلة الآباء الكفار وبرهما بقوله : ﴿وإن جاهداك على
أن / تشرك بي ما ليس لك به علم ... ﴾ (١) الآية، فأمر تعالى [٣/ ف١١٠ -ب]
بمصاحبة الأبوين المشركين في الدنيا بالمعروف ، وبترك طاعتهما في
معصية الله .
وروى البخاري في حديث أسماء: (( إن أمي أتتني وهي راغبة)) -
بالباء - من الرغبة في العطاء ، ورواه أبو داود قال : حدثنا أحمد بن
أبي شعيب ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن هشام بن عروة :
((راغمة)»، بالميم .
وفسره الخطابي قال : راغمة [ أي ] (٢): كارهة الإسلامي
وهجرتي. وقال بعض أصحابه : معناه : هاربة من قومها . واحتج
بقوله تعالى : ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا
وسعة﴾ (٣) ، وأنشد للجعدي يمدح رجلا :
عزيز المراغم والمهرب
(٤)
كطود يلوذ [ بأكتافه ]
فلو [ كانت ] (٥) أرادت به المضي لقالت : مراغمة ، لا راغمة ،
و[كان ] (٦) أبو عمرو بن العلاء يتأول في قوله تعالى: ﴿مراغمًا
كثيرًا﴾ (٣) قال : الخروج ( من ) (٧) العدو برغم أنفه ، وراغبة -
بالباء - أظهر في معنى الحديث .
(١) لقمان : ١٥ .
(٢) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): أو .
(٣) النساء : ١٠٠ .
(٤) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): بأطنابه .
(٥) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): كان .
(٦) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): قال .
(٧) في (( هـ)»: عن .
- ١٣٧ -

باب : لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته
فيه : ابن عباس : قال النبي - عليه السلام -: (( ليس لنا مثل السوء
الذي يعود في هبته کالکلب یرجع في قیئه )) .
وفيه : عمر : « حملت على فرس في سبيل الله ( فأباعه ) (١) الذي [هو
عنده ] (٢) ، فأردت أن أشتريه منه، وظننت أنه بائعه برخص ، فسألت
عن ذلك النبي - عليه السلام - فقال : لا تشتره وإن أعطاکه بدرهم
واحد ، فإن العائد في صدقته کالکلب يعود في قیته )) .
اختلف العلماء في هذا [ الباب ] (٣) ، فقالت طائفة: ليس لأحد
أن يهب هبة ويرجع فيها على ظاهر حديث ابن عباس وعمر ، روي
ذلك عن طاوس والحسن ، وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي
ثور .
وفيها قول آخر [ روي عن عمر بن الخطاب ] (٤) : أن من وهب
الذي رحم فلا رجوع له ، ومن وهب لغير ذي رحم فله الرجوع إن
لم يثب منها ، [ وعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه من وهب
الذي رحم فله الرجوع إن لم يثب منها ] (٤) خلاف [قول عمر] (٤).
وقال الثوري و[ الكوفيون ] (٥): يرجع فيما وهبه [لذي رحم] (٦)
غير محرم إذا كانت الهبة قائمة لم تستهلك ، ولم تزد في بدنها أو لم
يثب منها مثل : ابن عمه وابن خاله ، وأما إن وهب لذي رحم محرم
وقبضوا الهبة فليس له الرجوع في شيء منها وهم : ابنته ، أو إخوته
(١) في (( هـ)): فأضاعه .
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): أشتراه .
(٤) من (( هـ)).
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): الحديث .
(٥) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): الكوفيين.
(٦) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): لغير ذي محرم.
- ١٣٨ -

لأمه ، أو جده أبو أمه ، أو خاله ، أو عمه ، أو ابن أخيه ، أو ابن
أخته ، أو بنوهما .
وتفسير الرحم المحرم هو من لو كان الموهوب له امرأة لم يحل
الواهب نكاحها ، وحكم الزوجين عندهم حكم ذي الرحم المحرم ،
ولا رجوع لواحد منهما في هبته .
وقال مالك : يجوز الرجوع فيما وهبه للثواب وسواء وهبه لذي
رحم محرم أو غير محرم ، ولا يجوز له الرجوع فيما وهبه الله
ولا لصلة رحم .
[ قال الطحاوي ] (١): واحتج أهل المقالة الأولى بما روى شعبة
وهشام [ قالا ] (٢): حدثنا قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن
عباس، أن رسول الله قال: ((العائد في هبته كالعائد في قيئه)).
قالوا: فبان بهذا الحديث أن المراد العائد في قيته الرجل [لا الكلب](٣)،
ولما كان رسول الله قد جعل الرجوع في الهبة ، كالرجوع في القيء ،
وكان رجوع الرجل في قيه [ حرامًا ] (٤) عليه، [ كان ] (١) كذلك
رجوعه في هبته .
وحجة الكوفيين قوله : (( كالكلب يعود في قيئه )) فبان بهذا الحديث
أن العائد في قيئه هو الكلب ، والكلب غير متعبد بتحليل ولا بتحريم،
فيكون المعنى العائد في هبته كالعائد في قدر كالقدر الذي يعود فيه
الكلب ، فلا يثبت بذلك منع الواهب من الرجوع في هبته ، فدل هذا
أنه [ عليه السلام ] (١) أراد تنزيه أمته عن أمثال الكلاب؛ لأنه أبطل أن
يكون لهم الرجوع في هباتهم ، ويصلح الاحتجاج بهذه الحجة لمالك.
(١) من (( هـ )).
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): قال.
(٣) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): كالكلب.
(٤) من (( هـ))، وفي ((الأصل)) : حرام .
- ١٣٩ -

قال الطحاوي : واحتج أهل المقالة الأولى بحديث طاوس عن ابن
عباس وابن عمر، أن النبي - عليه السلام - قال: (( لا يحل لواهب
(١١١/٣-)] أن يرجع في هبته إلا الوالد / لولده)). ولا دليل لهم فيه على تحريم
الرجوع في الهبة ، فقد يجوز أن يكون النبي - عليه السلام - وصف
ذلك الرجوع بأنه لا يحل ؛ ( لتغليظه ) (١) إياه؛ ( لكراهته ) (٢) أن
یکون أحد من أمته له مثل السوء .
وقد قال عليه السلام: ((لا تحل الصدقة ( على ذي ) (٣) مرة سويّ
)) فلم يكن ذلك على معنى أنها تحرم عليه كما تحرم على الغني ،
ولكنها لا تحل له من حيث تحل لغيره من ذوي الحاجة والزمانة ،
فكذلك قوله : (( لا يحل الواهب أن يرجع في هبته )) إنما هو على أنه
لا يحل له ذلك ، كما تحل له الأشياء التي [ قد ] (٤) أحلها الله له.
وقال الطبري : قوله عليه السلام : ((العائد في هبته )) معناه
الخصوص ، وذلك لو أن قائلا قال : العائد في هبته كالكلب يعود في
قيئه ، إلا أن يكون والدًا للموهوب [ له ] (٤) ، أو تكون هبته لثواب
يلتمسه ، فإنه ليس له مثل السوء ، لم يكن مختلا في كلامه ،
ولا مخطئًا في منطقه .
فإن قيل : فبين لنا من يجوز له الرجوع في هبته ومن لا يجوز ،
ومن المعني بالذم في ذلك. قيل : [ من وهب ] (٥) طلب ثواب إما
باشتراط ذلك أو [ بغير ] (٦) اشتراط بعد أن يكون الأغلب من أمر
الواهب والموهوب له أن مثله يهب مثله طلب الثواب منه ، [ فله
الرجوع ] (٤)
(١) في (( هـ)): لتغليب ظنه ..
(٣) في (( هـ ) : لذي .
(٢) في (( هـ)): بكراهية.
(٤) من ( هـ )) .
(٥) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): قد بين.
(٦) من (( هـ))، وفي ((الأصل)»: غير.
-- ١٤٠ -